|
فقه السيرة النبوية : الدرس 07 –
" زواجه من السيدة خديجة "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة
النبوية ، ننتقل في هذا الدرس إلى زواجه صلى الله عليه
وسلم من السيدة خديجة .
بادئ ذي بدء ، قال عليه الصلاة والسلام :
((
أشدكم لله خشية أنا ، أنام وأقوم ، أصوم وأفطر أتزوج
النساء ، هذه سنتي ، فمن رغب عنها فليس من أمتي
))
.
[أحمد ، وأصله في الصحيحين]
فالإسلام دين الفطرة .
( سورة الروم الآية : 22 ) .
( سورة فصلت الآية : 37 ) .
من آياته الدالة على عظمته :
( سورة الروم ) .
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم جاء بدين الفطرة ، وهو
قدوة لنا ، وإسلامنا العظيم جمع بين الحاجات والقيم ،
وجعل المصالح مع المبادئ في وقت واحد .
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام شاباً من الشباب الذين
يشار إليهم بالبنان ، في الأعم الأغلب الشباب التائهون
الشاردون عن أمر الله عز وجل ضائعون ، إما أن يتظاهروا
بأشياء يتوهمون أنها تجذب الفتيات إليهم ، وإما أنهم
يبالغون بالقوة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان في
أفقٍ أعلى .
( سورة النجم ) .
كان يحمل هموم البشرية ، كان يبحث عن خلاص البشرية ،
كان يرى ما حوله من تصادم ، وضعف ، وقهر ، وظلم ،
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام شاباً متميزاً ، هذا
قبل البعثة ، والذي يؤكده علماء السيرة أن الأنبياء
معصومون بعد الوحي ، وقبل الوحي ، فلذلك كان زواجه من
السيدة خديجة رضي الله عنها امرأة لا كالنساء ،
((
كمل من الرجال الكثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع
منهن السيدة خديجة
))
.
[ورد في الأثر]
أيها الإخوة الكرام ، لو قرأتم سيرتها لوجدتموها
المرأة الأولى في العالم التي كانت في أعلى درجات
الوفاء لزوجها ، لذلك حينما فتح النبي صلى الله عليه
وسلم مكة المكرمة بعد عشرين عاماً من الصراع مع الكفر
والشرك ، ودعته بيوتات مكة ليبيت عندهم قال :
((
انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة
))
.
[ورد في الأثر]
وركز لواء النصر أمام قبرها ، ليعلم العالم كله ، أن
هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر ، والحقيقة
أن السيدة خديجة كانت سند رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الداخل .
الحقيقة أن أعظم النساء ، ودققوا فيما سأقول : أعظم
النساء من أضافت إلى جمالها جمال أخلاقها ، وأعظم
النساء أيضاً من أضافت جمالاً ثالثاً وهو جمال عقلها ،
فإذا اجتمع في المرأة جمال الشكل ، وجمال الخلق ،
وجمال العقل ، فهي امرأة لا كالنساء ، والمرأة كما
تعلمون أيها الإخوة في الإسلام مساوية مساواة تاماً
للرجل من حيث التكليف ، ومن حيث التشريف ، ومن حيث
المسؤولية .
أيها الإخوة ، يقول بعض العلماء : الرجال العظماء في
أمس الحاجة إلى امرأة عظيمة ، ولقد قال عليه الصلاة
والسلام :
((
إنما النساء شقائق الرجال
))
.
[ أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي عن عائشة،
البزار عن أنس ] .
ولقد وجهنا عليه الصلاة والسلام :
((
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه
))
.
[ رواه الترمذي عن أبي حاتم المزني ] .
فهذه المرأة التي عندك هي شقيقتك ، بمعنى أنه ينبغي أن
تكون متكاملاً معها
((
إنما النساء شقائق الرجال
))
.
((
النكاح رق ، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته
))
.
[رواه ابن حبان ، عن أنس ] .
الأخ الكريم الذي عنده فتاة مؤمنة ، محجبة ، تتلو كتاب
الله أناء الليل وأطراف النهار ، ينبغي ألا يتسرع في
تزويجها ، ينبغي أن يبحث لها عن طالب علم ، أن يبحث
لها عن شاب يقدر دينها ، ثقافتها الإسلامية ، وورعها ،
وانصرافها إلى أعمالها الصالحة ، فلذلك تعد المرأة
للعظماء سندهم من الداخل ، والذي قال لم يخطئ وراء كل
عظيم امرأة .
أما خديجة بنت خوليد امرأة فهي تاجرة ذات شرف ومال ،
كانت تكلف الرجال وتضاربهم في مالها ، وحقيقة المضاربة
، وقد أتينا على ذكرها هي الطريق الواضح النظيف
للاستثمار ، والحاجة إلى استثمار المال حاجة متأصلة في
كل مجتمع بشري ، هناك الشيخ الكبير ، والموظف المتقاعد
، هناك الطفل الصغير الذي ورث مالاً ، هناك الأرملة ،
هناك المرأة التي لا تحسن التجارة ، فيأتي شاب في
ريعان الشباب مكتمل الرجولة ، عنده خبرة عالية فيشتغل
بهذا المال ، يأخذ بعض الربح ، ويعطي صاحب المال بعضه
الآخر ، هذا الطريق النظيف الآمن للاستثمار المال ،
لكن الذين جمعوا الأموال ، ولم يكونوا في المستوى
المطلوب ، ضعفوا ثقة الناس بالقناة الشرعية النظيفة ،
وقووا ثقة الناس بالمصارف الربوية ، فكان عليه الصلاة
والسلام أول مضارب في الإسلام ، أول شريك مضارب ،
المال مال خديجة ، والجهد جهد النبي صلى الله عليه
وسلم طبعاً قبل البعثة .
فكانت تضارب الرجال بمالها على شيء تجعله لهم ، وكانت
قريش في معظم نشاطاتها يعملون في التجارة ، فلما بلغ
خديجة رضي الله عنها عن رسول الله أمانته وعفافه
وأخلاقه العالية ، طمحت أن تعمل معه في التجارة ،
وكانت تعطيه أفضل ما تعطي بقية التجار .
ولكن أيها الإخوة أقول لكم هذه الكلمة ، قال عليه
الصلاة والسلام :
((
الأمانة غنى
))
.
[ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه ].
أثمن شيء تملكه على الإطلاق أن تكون أميناً ، أنت
بأمانتك تملك أكبر ثروة في الأرض ، ألا وهي ثقة الناس
بك .
فاستقامة النبي ، وصدق النبي ، وأمانة النبي ، وعفة
النبي ، وورع النبي جعلت السيدة خديجة تطمح أن يكون
هذا الشاب شريكاً لها في التجارة ، ولا تنسوا هذا
الحديث الجامع المانع القصير :
((
الأمانة غنى
))
.
لذلك ضاربت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرات
، كان أهم هذه السفرات إلى الشام ، مع غلام لها يقال
له ميسرة ، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرج في
مالها ، وخرج معه غلامه ميسرة حتى قدم الشام ، وكان
التوفيق حليف رسول الله ، وعاد بالتجارة ، وقد ربح
الضعفين ، فسرت السيدة خديجة أيما سرور .
والذي أتمنه أن أعرضه لكم هذه القاعدة : قل لي ما لا
ترجو أرجا منك بما ترجو .
هذه التجارة كانت سبب زواجه منها ، والخير يتنامى ،
بدأ شاباً صادقاً أميناً عفيفاً طاهراًَ ، هذه السمعة
الطيبة جعلت هذه المرأة الغنية الموسرة الشريفة في
قومها تسمح أن يكون شريكاً لها في تجارة ، فلما ذهب
ميسرة معه إلى بلاد الشام ، ورأى من حكمته وصدقه
وأمانته وورعه وعفته الشيء الكثير حدث السيدة خديجة
بما رآه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذه السيدة الوقور التي هي أرقى بيوتات مكة طمحت
بالزواج من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أرسلت له
امرأة اسمها نفيسة ، فخاطبت النبي صلى الله عليه وسلم
، قالت : ما يمنعك من أن تتزوج ؟ فقال سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم يوم كان شاباً في الـ25 : ما بيدي
لأتزوج به ، قال : فإن كفيت كذلك ، ودعيت إلى الجمال
والمال والشرف والكفاءة ، فقالت له : ألا تجيب ؟ قال :
فمن هي ؟ قالت : خديجة ، قال : ومن لي بذلك ؟ يعني كيف
يمكن ؟ فقالت : علي ذلك ، هذه البداية .
لذلك ورد في الأثر : أنه من مشى بتزويج رجل بامرأة كان
له بكل كلمة قالها ، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة قام
ليلها ، وصام نهارها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
((
من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في النكاح
))
.
[ أخرجه ابن ماجة عن أبي رهم ] .
فهذه المرأة النفيسة ساهمت في تقريب وجهات النظر بين
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبين خديجة ، لكن
الذي حصل الآن في شيء غريب ، أن امرأة تعرض نفسها على
النبي صلى الله عليه وسلم حينما أشارت نفيسة إلى
السيدة خديجة أن الطريق سالك للزواج من رسول الله ،
أعطتها كما يقولون الآن الضوء الأخضر ، فقدمت على
النبي صلى الله عليه وسلم وقالت يا ابن العم ، إني قد
رغبت فيك لقرابتك ، وشرفك في قومك ، وأمانتك وحسن
خلقك وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه نفسها ، التقاليد
عندنا تمنع أن تعرض فتاة نفسها على شاب لحيائها
ولخجلها ، لكن التقاليد أيضاً تمنع أن يعرض أب فتاته
على شاب توسم فيه خيراً ، لكن سيدنا شعيب ماذا قال ؟
قال :
( سورة القصص الآية : 27 ) .
لذلك أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون كساد الفتيات ،
كل إنسان غارق بهمومه ، لكن نحن كمؤمنين ينبغي أن نسعى
لتزويج الشبان الأطهار من الفتيات المؤمنات ، هذا عمل
عظيم ، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما عرض عليه
الزواج من خديجة ، عن طريق نفيسة أولاً ، وعن طريق
السيدة خديجة مباشرةً ثانياً ، قبل ، وكانت خديجة كما
يقولون : أوسط النساء نسباً ، وكانت أعظمهن شرفاً ،
وأكثرهن مالاً ، وكل قومها كان حريصًا على ذلك لو
يقدرون عليه .
أنا أقول كإسقاط من هذه السيرة لواقعنا : الشاب
المؤمن الذي يرجو رحمة الله ، ويخافه ، ويتقرب إليه ،
له مكافئة عند الله عاجلة ، ألا وهي زوجة صالحة تسره ،
إن نظر إليها ، وتحفظه إن غاب عنها ، وتطيعه إن أمرها
، والشابة المؤمنة التي ترجو رحمة الله ، وتخشى ربها ،
وتطيع نبيها ، وتحفظ كتاب ربها ، لها عند الله مكافئة
أيضاً أن يرزقها شاباً مؤمناً يعرف قيمتها ، ويحفظها ،
لذلك الزواج بيد الله عز وجل ثمنه الاستقامة على أمر
الله ، وثمنه العفة .
أيها الإخوة ، لما جاء هذا العرض المغري لرسول الله من
نفيسة أولاً ، ومن خديجة ثانياً ، عرض هذا على أعمامه
، وفاتحهم برغبته ، فما كان منهم إلا أن سارعوا
لتلبيته ، والمضي لما يريد فذهب أبو طالب ، وحمزة ،
وغيرهم إلى عم السيدة خديجة عمر بن الأسد ، كان أبوها
قد مات في حرب الفجار ، وخطبوا إليه ابنة أخيه ،
وساقوا إليها الصداق عشرين بكرة ، أي ـ ناقة ـ ، قال
ابن هشام : وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم
عشرين بكرة ، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت .
هؤلاء الذين يسيئون إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم
، ويأخذون عليه أنه تزوج نساء عديدات ، بقي مع امرأة
في سن أمه ، كان عمره 25 عاماً ، تزوج امرأة في
الأربعين ، ماذا تستنتج ؟ قيمة المرأة بخلقها ، وقيمة
المرأة بأخلاقها ، وقيمة المرأة بعقلها ، وقيمة المرأة
أيضاً بجمالها ، لكن هذا الذي يبحث عن الجمال فقط
إنسان يمشي في طريق ليست سالكة ، ولا أمينة ، فقد ورد
في الأثر أنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ، ومن
تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده
الله دناءة ، فعليك بذات الدين تربت يداك ، هذا توجيه
النبي صلى الله عليه وسلم للشباب .
يروى أن أبا طالب وقف يخطب في حفل الزواج قائلاً : إن
محمداً لا يوزن به فتاً من قريش ، إلا رجح به شرفاً
ونبلاً ، وفضلاً وعقلاً ، وإن كان في المال قِلٌ ،
فإن المال ظل زائل ، وعارية مسترجعة ، وله في خديجة
بنت خوليد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك ، هذه خطبة النكاح
، خطبها عمه أبو طالب .
فقال عند ذلك ولي خديجة عمها عمر ، هو الفحل الذي لا
يجدع أنفه ، وأنكحها منه ، وله 25 سنة ، ولها يومئذٍ
40 سنة ، وقد حضر العقد بنو هاشم ، ورؤساء مضر ، وكان
بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الشام بشهرين .
أعيد عليكم هذه القاعدة الذهبية : قل لي ما لا ترجو
أرجا منك بما ترجو .
القضية بدأت تجارة ، وانتهت بزواج ، والمؤمن حصيف ،
إذا عُرضت عليه فرصة لا يفوتها ، والمؤمن أديب ، هناك
إنسان ديدنه الرفض ، وهناك فتاة ديدنها الرفض ، لكن
المؤمن إذا عُرض عليه شيء هذا خير ساقه الله إليه ، أو
هدية ساقها الله إليه .
بقي النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة إلى أن
توفيت ، ولها 65 سنة ، توفيت في الـ 65 ، وبقي النبي
معها تقريباً ربع قرن ، وكانت في سن أمه ، الآن لو
أنها في سنه يندب حظه ، لو أنها أكبر بسنة يندب حظه .
إخواننا الكرام ، حينما لا ترى من المرأة إلا جمالها
فأنت لا تعرف حقيقة الزواج ، يجب أن ترى في المرأة
عقلها ، يجب أن ترى في المرأة خُلقها ، يجب أن ترى في
المرأة دينها ، وإذا كان لك رغبة في جمالها لا مانع ،
لكن أن تكتفي بالجمال فقط دون أن تلتفت إلى أهم ما في
المرأة ، إلى أم أولادك ، التي سوف تربي أولادك ، سوف
توجههم الوجهة الصحيحة .
ولدت السيدة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
القاسم ، فهو أبو القاسم ، وقد ورد في بعض الأحاديث :
((
من دعي فلم يلبي فقد عصا أبا القاسم
))
.
[ورد في الأثر]
ثم ولدت له زينب ، ثم أم كلثوم كوكبة الإسلام ، ثم
فاطمة ، ثم رقية ، كما يروي في الطبراني في المعجم
الكبير ، ثم عبد الله الملقب بالطيب أو الطاهر ، فأما
القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام ، مات القاسم بعد
سن تمكنه من ركوب الدابة ، ومات عبد الله وهو طفل ،
وأدركت البنات الإسلام فأسلمن جميعاً ، وهاجرن إلى
المدينة ، وماتوا جميعاً في حياة النبي صلى الله عليه
وسلم إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر .
قد يسأل سائل : مات أبوه قبل أن يعرفه ، قبل أن يولد ،
وماتت أمه وهو في السادسة ، ومات جده وهو في الثامنة ،
وماتت بناته جميعاً عدا فاطمة ، وماتا ولداه القاسم
وعبد الله قبل الإسلام ، ولم يبقَ من ذريته إلا فاطمة
، بل مات ابنه إبراهيم من مارية القبطية ، لا شك أن
هناك حكمة ما بعدها حكمة من أن أباه مات قبل ولادته ،
وأن أمه ماتت بعد الولادة بست سنوات ، ولا شك أن هناك
حكمة بالغة أنه ليس من نسله ولد ذكر ، فكروا ، وابحثوا
، ودققوا ، لو أن لهذا النبي الكريم أباً عظيماً تعزى
فضائله ، وتعزى شمائله إلى تربية أبيه ، وكأن النبوة
ألغيت ، لو أن له أماً قديرةً ، حكيمة ، حصيفة ، أيضاً
تعزى فضائله لأمه ، أراد الله جل جلاله أن تكون هذه
الفضائل كلها بسبب قربه من الله عز وجل ، فهذا من
الحكمة أنه لم يعرف أباه كما أن أمه لم تسهم في تربيته
، وكان يتيماً وكأن هذا الإنسان العظيم قدوة لكل يتيم
، واليتيم أحياناً يكون مكسوراً فله سيد الأنبياء وهو
اليتيم أسوة حسنة .
الشيء الآخر ، لو أنه له ولداً عاش من بعده ، وله ذرية
فهو ابن رسول الله ، ولم يكن معصوماً ربما انتقلت
البغضاء إلى أبيه ، بخاطب النبي صلى الله عليه وسلم
سيدنا سلمان الفارسي قال :
((
يَا سَلْمَانُ
، لاَ تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ ، قُلْتُ :
يَا رَسُولَ اللّهِ : كَيْفَ أُبْغِضُكَ ،
وَبِكَ هَدَانَا اللّهُ ؟ قَالَ : تُبْغِضُ الْعَرَبَ
فَتُبْغِضُنِي
))
.
[ أخرجه الترمذي عن سلمان ] .
من الحكمة ، هذا اجتهاد شخصي طبعاً ، حكمة بالغة جداً
أن النبي الكريم ليس له ذرية ذكور من بعده .
روي عن ابن عباس أن قريشاً تواصت بينها بالتمادي بالغي
والكفر ، وقالت : الذي نحن عليه أحق مما عليه هذا
الصنبور المنبثر ، لما ماتت ذريته في حياته عدوا أن
النبي صلى الله عليه وسلم قد قطع نسله .
( سورة الكوثر ) .
لست أنت يا محمد الأبتر ، بل الذي يبغضك هو الأبتر .
السيدة خديجة كانت المثل الأعلى لكل نساء العالمين ،
واست زوجها ، وقدمت له كل ما يحتاجه من حنان ، وعطف ،
تأييد ، ومال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
((
اعلمي أيتها المرأة
، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة
زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله
))
.
[ورد في الأثر]
لا تنسوا أن أجمل ما في المرأة خُلقها ، وعقلها ، فإذا
أضيف إذا جمال الجسم جمال الخلق ، وجمال العقل ، كانت
امرأة من أولى نساء المجتمع .
الحقيقة وقفت مع النبي الكريم في أحلك أيامه ، في أصعب
أيامه ، وكانت كما قلت قبل قليل : سنده من الداخل ،
ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال :
((
خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت
خويلد
))
.
إذاً هذه المرأة من خير نساء العالمين ، ولكن الآن
دققوا في كلمة قالتها للنبي صلى الله عليه وسلم وقد
جاءه الوحي وقد قال :
((
دثروني دثروني
))
.
[ أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه ] .
فقالت له كلاماً :
((
والله مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا
))
،
كيف عرفت ذلك ؟
((
إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ،
وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ،
وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ
))
.
استنبطت هذا من فطرتها ، ذلك أيها الإخوة أنا أخاطب
الشباب ، وأخاطب الشابات :
( سورة الجاثية ) .
مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامَل شاب مستقيم ورع
، يخاف الله عز وجل يؤدي عباداته ، يدفع نفسه إلى
طاعته ، كما يعامل شاب تائه متفلت ، هذا تناقض مع عدل
الله ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً
مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
﴾ .
( سورة السجدة ) .
( سورة القلم ) .
( سورة القصص ) .
دققوا في هذا الكلام ، لا يمكن أن تعامل أيها الشاب
التائب ، لأنه ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب ،
لأن الله يباهي الملائكة بالشاب التائب ، يقول :
انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ، وما من شيء أحب إلى
الله من شابة تائبة ، إن الله يباهي بها الملائكة ،
فهذا الذي يمشي في طريق الحق له عند الله مكافأة في
الدنيا والآخرة ، والدليل :
( سورة الرحمن ) .
قال علماء التفسير : جنة في الدنيا وجنة في
الآخرة .
ويقول عليه الصلاة والسلام :
((
خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت
مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد
))
.
[ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن أنس
مرة ذكرت قصة أيها الإخوة ، لأريكم عظمة المرأة ،
فرعون عنده ماشطة تمشط شعر ابنته ، مرة في أثناء تمشيط
شعرها وقع المشط على الأرض ، فقالت : بسم الله ، قالت
ابنة فرعون لماشطتها : ألك رب غير أبي ؟ قالت : الله
ربي ، وربك ، ورب أبيك ، فقالت البنت : سأخبر أبي ،
قالت : أخبريه ، فلما أخبرت أباها أنها تعبد إلهاً
غيرك ، أنت لست إلهها ، إلهها هو الله ، فأتي بها ،
وأتى بأولادها الأربعة ، وجاء ببقرة من نحاس ، وأضرم
فيها ناراً ، وأمسك ولدها الأول ، وقال لها : ألك رب
غيري ؟ قالت : الله رب وربك ، فألقاه في النار حتى
تفحم ، ثم أمسك ولدها الثاني ، وقال : ألك رب غيري ؟
قالت : الله ربي وربك ، ألقاه في النار حتى تفحم ،
أمسك ولدها الثالث ، قال : ألك رب غيري ؟ قالت : الله
ربي وربك ، ألقاه في النار حتى تفحم ، أمسك الرابع ،
الرابع رضيع ، فلما قال : ألك رب غيري ؟ بكت ، تضعضعت
، فأنطق الله الغلام كما ورد في الحديث الشريف ، قال :
اصمدي يا أمي ، أنت على حق ، فقالت : الله ربي ، وربك
، ألقاه في النار حتى تفحم ، ثم ألقاها في النار حتى
تفحمت ، وانتهى الأمر .
النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء عروجه إلى السماء
شم رائحة ما شم مثلها قط ، فسأل جبريل : ما هذه
الرائحة ؟ قال : هذه رائحة ماشطة بنت فرعون .
يمكن أن تكون المرأة بطلة ، ويمكن أن تكون المرأة في
أعلى مستوى عند الله عز وجل ، السيدة خديجة من هذا
المستوى .
أنا أتمنى على الإخوة الأكارم أن يقرؤوا سيرة السيدة
خديجة ، لعلي فصلت كثيراً في سيرة هذه المرأة العظيمة
في عدد كبير من الأشرطة ، أتمنى على أخواتنا النساء أن
يقرأن سيرة هذه المرأة العظيمة لتكون هذه المرأة قدوة
لهن في معاملة الزوج .
آسية امرأة فرعون كانت تحت طاغية من كبار طواغيت الأرض
، هذا الطاغية يقول :
( سورة القصص الآية : 38 ) .
هذا الطاغية يقول :
( سورة النازعات ) .
( سورة التحريم ) .
لم يستطع هذا الطاغية بكل جبروته أن يحمل آسيا على أن
تعبده من دون الله .
أيها الإخوة ، كان عليه الصلاة والسلام من أعلى
الأزواج وفاء لزوجته خديجة ، فلما ماتت كان يبعث
باللحم حين يذبح فيطعم صديقاتها ، فيكثر في مدحها
....... في ذكرها ، الآن إذا تزوج الزوج امرأة جديدة
يتقرب إليها بذم السابقة ، ما في مثلك أنت ، فالنبي
عليه الصلاة والسلام كان وفياً بعد موتها ، لذلك قال
عليه الصلاة والسلام ، وقد سأله رجل توفي والداه :
ماذا بقي علي من بر والدي ؟ قال عليه الصلاة والسلام :
صلّ عليهما ، وأن تدعو لهما ـ لكن أنا قصدي من هذا
النص ، وأنا تصل صديقاهما ـ وأن تصل الرحم التي لم يكن
لها صلة إلا بهما ، وأن تنفذ عهدهما ، فمن تمام الوفاء
أن تصل أصدقاء أبيك ، وصديقات أمك ، سيدنا رسول الله
بعد أن ماتت هذه الزوجة العظيمة كان يصل صديقاتها بقطع
اللحم تقرباً إليهم ، ووفاء بعهد خديجة .
يروي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قالت :
((
ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على
خديجة ، هلكت قبل أن يتزوجني ، لما كنت أسمعه يذكرها ،
وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب
))
.
هذه بشارة من الله مباشرة لهذه المرأة .
إخواننا الكرام ، باب البطولة مفتوح على مصراعيه ،
وإله الصحابة إلهنا ، والظروف نفسها ، وكل إنسان يمكن
أن يكون بطل ، وكل فتاة يمكن أن تكون بطلة .
في رواية أخرى تقول :
((
ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما
غرت على خديجة ، وما رأيتها ، ولكن كان النبي يكثر
ذكرها ، ربما ذبح الشاة ثم يقطعها عطاء ، ثم يبعثها
لأصدقاء خديجة ، فربما قلت له مرة من شدة الضجر كأنه
لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول إنها كانت
وكانت وكانت ، وكان لي منها الولد
))
.
مرة قال :
((
قد آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس
، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها
إذ حرمني أولاد النساء
))
.
[ رواه أحمد عن عائشة رضي الله عنها ] .
كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الوفاء ،
وأيها الإخوة من أروع ما سمعت من أحاديث النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال :
((
الحمد لله الذي رزقني حب خديجة
))
.
عد حبها رزقاً ، الحمد لله الذي رزقني حب خديجة .
وأنا أقول لكم أيها الإخوة كلامًا خطيرًا جداً ، الحب
يصنع بيدك تصنعه أنت ، إذا كنت وفياً إذا كنت كريماً ،
إذا كنت رحيماً تحبك زوجتك ، تحبك محبة لا حدود لها ،
وتقطف أنت ثمار هذه المحبة ، والبغض يصنع بأيدينا ،
الإهمال ، عدم الإصغاء ، عدم الاحترام ، الحرمان
أحياناً ، الإهانة ، السخرية ، البغض نصنعه بأيدينا ،
والحب نصنعه بأيدينا ، وكانت السيدة عائشة تسال النبي
صلى الله عليه وسلم : كيف حبك لي ؟ يطمئنها ، يقول
كعقدة الحبل ، عقدة الحبل ، تسأله من حين لآخر ، كيف
العقدة ، يقول على حالها ، ومرة حدثته عن أبي زرع
ومحبته لأم زرع ، ووفاؤه لأم زرع ، وكرمه على أم زرع ،
قال عليه الصلاة والسلام : أنا لك كأبي زرع لأم زرع ،
لكنني لا أطلقك ، لأن أبا زرع طلق أم زرع في النهاية ،
قال : أنا لك كأبي زرع لأم زرع ، ولكنني لا أطلقك ،
تعلم من هذه الشمائل العالية ، تعلموا هذا السلوك
العظيم لسيد المرسلين .
أيها الإخوة ، هذه المرأة لم تشارك قومها لهوهم
وسفاحهم وتبرجهم ، بل لزمت بيتها وتاجرة بمالها من دون
أن تحتك بنفسها مع الرجال ، كانت امرأة في القمة ، وما
عرف عنها تبرج ولا اختلاط ، وكانت تتمثل بفطرتها
القويمة ، ولقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي
موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((
كُلّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ ، وَالمَرْأَةُ إِذَا
اسْتَعْطَرَتْ فَمَرّتْ بالمَجْلِسِ ، فَهِيَ
زَانِيَةً
))
.
الزنا درجات ، من الزنا أطلاق البصر ، ومن الزنا أن
تتعطر المرأة ليجد الرجال ريحها .
السيدة خديجة أيها الإخوة واست زوجها ، ووقفت معه في
أصعب الأيام ، وكانت معه في أحلك الليالي ، وما تكبرت
عليه في مالها ، والله أنا اطلعت على قصص عديدة ، من
شباب أخطؤوا كثيراً حينما تزوجوا بسناء غنيات ، صفة
المرأة الغنية على زوجها ذي الدخل المحدود الاستكبار
والاستعلاء والمن ، لكن امرأة غنية جداً وتزوجت رسول
الله ، وهو فقير جداً ، ومع ذلك من أعظم صفاتها أنها
ما تكبرت عليه في مالها بل أنفقت منه بإذنه ، ولم تكن
القوامة لها ، القوامة له وهي تنفق عليه بإذنه ، فكانت
مثلاً أعل للنساء من بعدها .
أيها الإخوة ، يقول عليه الصلاة والسلام :
((
خَيْرٌ النّكَاحِ أَيْسَرَه
))
.
[رواه أبو داود]
((
أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا
))
.
[ رواه أحمد والبيهقي عن عائشة مرفوعا ]
((
أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة
))
.
[رواه أحمد والحاكم والبيهقي عن عائشة]
جاء رجل للإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : إن
لي بنتًا فمن ترى أن أزوجها له ؟ دققوا في هذا الكلام
، قال : زوجها من يتقي الله ، فإن أحبها أكرمها ، وإن
أبغضها لم يظلمها .
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول : النكاح رق ، فلينظر
أحدكم أين يضع كريمته.
أيها الإخوة الكرام ، أنا أرى أن هذه السيدة خديجة رضي
الله عنها التي أكرم الله بها رسوله هي قمة في الكمال
، وقدوة لنساء المسلمين ، فينبغي أن نحرص على قراءة
سيرتها ، وعلى معرفة كمالها في معاملتها لزوجها ،
وينبغي أن نعرف كمال النبي صلى الله عليه وسلم في
وفائه لها ، وفي تقديره لها ، على كل قال تعالى :
( سورة البقرة ) .
قال علماء التفسير : المرأة الصالحة حسنة الدنيا ،
فإذا نظرت إليها سرتك ، وإذا غبت عنها حفظتك ، وإذا
أمرتها أطاعتك ، إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها
أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها ، عليكم
بذات الدين تربت يداكم .
والحمد لله رب العالمين |