أيها الإخوة الكرام ، انطلاق
النبي في الدعوة إلى الله في مدينة أخرى غير مكة في المدينة
المنورة ، والحقيقة أن علماء السيرة يميزون بين العهد المكي ،
وبين العهد المدني .
1 – السور المكية مضمونها
الإيمان بالله واليوم الآخر :
ولو تألمنا أسلوب السور التي نزلت في مكة
المكرمة ، ومضامين السور التي نزلت في مكة المكرمة لوجدناها
تذكر خلق السماوات والأرض ، وتلح على الإيمان باليوم الآخر ،
أي أن أركان الإيمان كانت محور السور المكية
:

(
سورة الفجر ) .

(
سورة الشمس ) .

(
سورة النبأ ) .
أكثر السور المكية كانت تشير
إلى عظمة الله عز وجل من خلال خلق السماوات والأرض ، وكانت تلح
على الإيمان باليوم الآخر ، وكأن أركان الإيمان كانت محور
السور المكية .
2 – السور المدنية مضمونها
التشريعات والأحكام :
بينما في المدينة أول سورة
نزلت سورة المطففين .

(
سورة المطففين ) .
مضامين الآيات المدنية مضامين
تشريعية ، ومضامين الآيات المكية مضامين إيمانية .
إذاً : الإسلام عقيدة وعبادة ،
المرحلة المكية اعتنت بالعقيدة ، بالإيمان ، والمرحلة المدينة
اعتنت بالتشريع ، إذاً : أيّ دعوة بالله لا تحفل بالعقيدة ،
وبالتشريع ، أو لا تحفل بكليهما معاً فهي دعوة عرجاء ،
لذلك قالوا : إذا عرفت الآمر ، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة
الآمر .
3 – السور المكية تعريف بالآمر
والسور المدنية تعريف بالأمر :
المرحلة المكية كانت مرحلة
التعريف بالآمر ، بينما المرحلة المدنية كانت مرحلة التعريف
بالأمر ، وشتان بين المرحلتين .
في المرحلة المكية :

(
سورة عبس ) .

( سورة الأعلى ) .

(
سورة يونس الآية : 101 ) .

(
سورة يوسف ) .
في المرحلة المكية إشارات إلى
السماوات والأرض ، وإلى خلق الإنسان ، وإلى اليوم الآخر .
فلذلك الدعوة إلى الله إن لم
تتضمن مضموناً إيمانياً من أجل أن تعرف هذا الذي تصلي له من هو
، خالق السماوات والأرض ، فإن هذه الدعوة فاشلة .
لذلك أصل الدين معرفة الله عز
وجل .

1 – خطورة التطفيف في المكيال
والميزان :
أيها الإخوة ، هذه السورة سورة
المطففين ، جاء في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم ، وفي سياق
كوني ، وهي بحسب الظاهر مقحمة عليه إقحاماً ، قال علماء
التفسير : " إذا كان التطفيف بحق إنسان يستوجب الويل ، فكيف
التطفيف بحق خالق الإنسان " ، إذا أغفلت حق إنسان ، فكيف إذا
أغفلت حق الخالق .
إذا طففت فلم تحسن القياس ،
لأن الإنسان في شرائه يكون خط القماش تحت المتر منحنياً ، فإذا
باع القماش يكون القماش مشدوداً يقرب من التمزق ، فإذا اشترى
فله ميزان ، وإذا باع شيئاً فله ميزان آخر ، وهذه الأمور تقع
الآن في حياتنا .
قد يطّلع إنسان على غرفة نوم ،
يريدها بسرير واحد ، وهي بسريرين ، يقول له البائع : يمكن أن
نغير فيها ، كم تحسم لي ؟ فقال له : 500 ليرة ، لو فرضنا رأى
غرفة النوم بسرير واحد قال له : هل يمكن أن نعيدها بسريرين ؟
قال له : ممكن ، قدم ثلاث آلاف ليرة ، لما كان فيها حسم كان
الحسم 500 ، وتلك 3000 َ! لقد كال بمكيالين ، فإذا أردت أن
تحسم قيمة سرير 500 ، وإن أردت أن تضيف قيمة سرير فبـ 3000 ،
هذا تطفيف .
فأنا أقول لكم كلمة أيها
الإخوة : دينك ليس في المسجد ، في المسجد تتلقى التعليمات فقط
من الله ، ودرس علم ، وتتلقى المكافأة في الصلاة ، أما دينك
ففي عملك ، وما لم يستقم الإنسان في عمله فلن يستطيع أن يقطف
من الدين شيئاً ، دينك في دكانك ، في حقلك ، في معملك ، وأنواع
الغش ، أنواع التطفيف لا تعد ولا تحصى ، ويكاد المسلمون مع
أنهم يقرؤون هذه السورة يقعون في معظم أنواع التطفيف .
لذلك الله توعد هؤلاء بالويل
فقال : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا
اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ حقهم كاملاً ،
في أي مكان تقريباً حينما تأخذ حقك تأخذه منقوصاً ، أما حينما
يأخذ الآخر منك حقه يأخذه تاماً وكاملاً ، هذا تطفيف ، لكن ﴿
وَيْلٌ ﴾ ، الويل هو الهلاك ﴿ لِّلْمُطَفِّفِينَ
﴾ .
2 –
لابد من معرفة الآمر والأمر
:
إذاً : الدين دين مكي ، ودين
مدني ، تشريع مكي ، أو آيات مكية ، وآيات مدنية الآيات المكية
آيات اعتقادية ، والآيات المدنية آيات تشريعية ، والمكية تعريف
بالخالق ، والمدنية تعريف بشرعه ، لذلك أنت بالكون تعرفه ،
وبالشرع تعبده .
أيها الإخوة ، هذا درس بليغ
لنا ، نحن نقرأ السيرة من أجل أن نأخذ إسقاطاتها على حياتنا ،
وما لم تتسلح بعقيدة يقينية متينة ، متماسكة ، منسجمة ، عن
الكون والحياة والإنسان ، وعن الخير والشر ، وعن الحق والباطل
، وعن الجمال من منظور إسلامي والقبح من منظور إسلامي ، ما لم
تتسلح بعقيدة أساسها التفكر في خلق السماوات والأرض ، وما لم
تعرف الحلال والحرام فلن تنجو يوم القيامة .
إذاً : لا يكفي أن تعرف الله ،
كما أنه لا يكفي أن تعرف أمره ، عند بعض العلماء مصطلح يعجبني
: معرفة الله ومعرفة أمره شرطان للتدين الصحيح ، كل منهما شرط
لازم غير كافٍ ، ما معنى شرط لازم غير كافٍ ؟
من أجل أن تطبخ تحتاج إلى رأس
غاز ، وإلى أسطوانة غاز ، نقول لك : الأسطوانة والرأس ، كل
منهما شرط لازم غير كاف ، الذي عنده اسطوانة غاز فقط لا يستطيع
أن يطبخ ، والذي عنده رأس غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ ، لا بد
من أن تعمل الأسطوانة ، وأن تصلها بالرأس حتى يجتمعا فيتكاملا
.
فلذلك معرفة الله شرط لازم غير
كافٍ ، ومعرفة منهجه شرط لازم غير كافٍ .
3 –
لابد من العلم والفقه بعد التوبة إلى الله
:
إن الإنسان قد يحب الله عز وجل
فيتوب ، لكن لا يعرف من أمر المنهج شيئاً ، فقد يقترف الحرام
دون أن يشعر .
مثلاٍ : إنسان يقول لك : هل
يمكن أن تقرضني مبلغا من المال أدفعه نصف ثمن بيت ، أنا معي
نصفه ، أعطيك أجرة ، مثلاً : بيت ثمنه مليون ، معه 500 ألف
ليرة قال لك : أريد 500 ، فدفعتها ، وتقاضيت أجرة شهرية فرضاً
مبلغا ضعيفا ، فإذا تاب الرجل إلى الله ، واصطلح معه ، لكن ما
درس الفقه ، يفرح بهذه الأجرة المحرمة ، ولما يريد أن يسترد
المبلغ استرده بالتمام والكمال ، أنا أعطيه 500 ألف ، وأريد
500 ألف بالتمام والكمال ، هذا ربا ، ما دام ضمن رأس ماله ،
وهو غير خاضع للتغير فكل شيء تقاضاه كأجر يعد ربا ، لأنه قرض
جر نفعاً ، أما إذا أراد أن يسترد نصف ثمن البيت ، أو أراد أن
يسترد مبلغه ، هو توهمه قرضا له بـ 500 ألف ، وحتى يكون
الإيجار صحيحا وحلالا ، الآن يسترد نصف ثمن البيت ، قد يكون
450 ألف ، قد يكون 700 ألف ، فإذا استرد نصف ثمن البيت
فالإيجار صحيح .
قد يتوب الإنسان إلى الله ، لكن ما عنده دقة
بالغة في فهم أحكام التعامل ، قد يأكل الربا شاء أم أبا ، قد
يتورط في أكل المال الحرام دون أن يشعر
.
فلذلك أيها الإخوة ، كما أنت
بحاجة ماسة إلى المرحلة المكية ، مرحلة التعريف بالله ، خالق
السماوات والأرض ، أنت في أمسّ الحاجة إلى المرحلة المدنية
مرحلة معرفة الحلال والحرام ، فهما نشاطان يجب أن يكونا
متوازيين .

(
سورة البقرة الآية : 282 ) .
أحكام الدين .

( سورة الحجرات الآية : 12 ) .
أحكام الغيبة .

(
سورة الحجرات الآية : 11 ) .
أحكام العلاقات الاجتماعية .
إذاً : أول سورة نزلت في
المدينة كانت سورة المطففين ، وهي تتضمن نهياً ووعيداً لهؤلاء
الذين يكيلون بمكيالين ، إذا اشتروا كالوا بمكيال ، وإذا باعوا
كالوا بمكيال .
4 –
الكيل بمكيالين سمة منتشرة اليوم
:
مرة حدثني أخ أراد أن يبيع
سيارة ، الحقيقة أنه أراد أن يقيمها فقط ، فذهب إلى السوق ،
القصة قديمة ، دُفع له فيها ثلاثون ألفا ، فلما أراد أن يشتري
مثلها طُلب منه سبعون ألفا ، فلما جاء بإنسان ليقيمها له
تقييما دون أن يقول له سأبيعها ، أو سأشتريها أعطاه 45 ألفا ،
وهذه قيمتها ، معناها معظم الناس يكيلون بمكيالين ، وهذه
السورة تشير إلى هذين المكيالين .
الآن العالم كله مطفف ، قوى
الأرض كلها مطففة ، يحجز عشرين ألف أسير ، والعالم كله ساكت ،
يقع أسير واحد له تقوم الدنيا ولا تقعد .
لذلك ما مِن عمل أحقر في ميزان
الأخلاق أن تكيل بمكيالين ، بيت فيه بنت ، وفيه زوجة ابن ،
العطف على البنت ، والتبرير للبنت ، والشفقة على البنت ،
والمحاسبة الشديدة على زوجة الابن ، والتعنيف الشديد على زوجة
الابن ، فهذه المرأة في البيت تكيل بمكيالين ، لذلك نلغي هذين
المكيالين بما أُثر من قول النبي الكريم :
(( عامل الناس كما تحب أن
يعاملوك )) .
[ ورد في الأثر ]
الموظف يجب أن يعامَل هذا
المواطن كما لو أن الموظف مكانه
، يجب أن تعامل زوجة
ابنك كما تتمنى أن تعامل ابنتك في بيت زوجها من أهله .
السورة دقيقة جداً ، وأوضح ما
في هذه السورة أنها تشير إلى الكيل بمكيالين ، وأعتقد الآن أنه
ما من وصمة عار تلحق العالم الغربي كوصمة الكيل بمكيالين ،
المسلم له مكيال ، وغير المسلم له مكيال .
إن 400 طفل حقنوا بالإيدز وضع
العالمُ كله كل وزنه من أجل عدم معاقبة الممرضات ، ولما اتهم
إنسان بإسقاط طائرة ألزموا تلك الدولة عن كل راكب 500 مليون
دولار دية ، هذا كيل بميالين ، يُقتل إنسان فتقوم الدنيا ولا
تقعد ، ويُقتل مليون ولا أحد يتكلم .
فهذه أول سورة نزلت في المرحلة
المدنية ، سورة المطففين ، هذه السورة تشير بوضوح ما بعده وضوح
إلى أن الكيل بمكيالين من السيئات الكبيرة في حياة الإنسان ،
والدليل أنها كبيرة أن الله توعد من يكيل بمكيالين بالويل ،
والويل هو الهلاك ، ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ
إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا
كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ
أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ
يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
عن عَائِشَة قالت : سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
((
لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ
بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ
)) .
[ أحمد ]

(
سورة الحجر ) .

(
سورة إبراهيم ) .
لذلك وطنوا أنفسكم أنكم إذا فتحتم القرآن ،
ورأيتم تحت اسم السورة سورة مدنية ففي الأعم الأغلب هي سورة
تشريعية تتحدث عن أمر الله عز وجل ، عن أمره ونهيه ، افعل ولا
تفعل ، وأنكم إذا فتحتم سورة كتب تحت اسمها سورة مكية وطنوا
أنفسكم أنكم مع سور تتحدث عن خلق السماوات والأرض ، وعن اليوم
الآخر ، وعن العذاب ، وعن النعيم .

( سورة الحاقة ) .
لذلك قالوا : ترك دانق
من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ، وقد سأل رَسُول
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه فقال :
(( أتَدْرُونَ مَنْ
المُفْلِسُ؟ قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ
دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله
عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد
شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ،
وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ
هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ
فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ
الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ،
ثُمّ طُرِحَ في النّارِ )) .
[ البخاري عن أبي هريرة ] .
إذاً : أول سورة نزلت في
المدينة سورة المطففين ، وهي سورة تتحدث عن العلاقات بين الناس
.

عن عبد الله بن سلام ، هذا رجل
من اليهود هداه الله إلى الإسلام قال : لما قدم النبي صلى الله
عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، أي ذهبوا نحوه مسرعين ،
وقيل : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت أنظر ، فلما
تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعت
يتكلم قال :
(( أيها الناس أفْشُوا
السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ، وَصِلُوا الأرْحامَ
وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ ))
.
[ رواه الترمذي عن عبد الله بن
سلام ] .
(( أفْشُوا السَّلامَ
))
قل : السلام عليكم ، ولا تقل مرحباً ، ( باي )
، ما هذا ؟! أنت مسلم ، قل : السلام عليكم ، الله هو السلام ،
من أسمائه السلام ، قل : السلام عليكم ،
(( أفْشُوا السَّلامَ
))
،
نحن من أخطائنا الفادحة أننا نسلم على من نعرف
فقط ، أما أنت كمسلم فمهمتك أن تسلم على من تعرف ، وعلى لم
تعرف ، الآن جار يسكن فوق جاره لا يتزاورون ، ولا سلام بينهما
، جارك قل له : السلام عليكم .
(( أفْشُوا السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ،
وَصِلُوا الأرْحامَ ))
.
هناك أشخاص يزورن الكبراء ،
والوجهاء ، والأغنياء ، وزيارة هؤلاء ليس عملاً صالحاً ، هو من
الدنيا ، لكن بطولة المؤمن أنه يزور الضعفاء ، الفقراء .
له أخت زوجها فقير جداً ،
ساكنة خارج المدينة ، يقول لها : يا أختي ما عندي وقت لأزوركِ
، سامحيني ، وله أخت ثانية ساكنة بحي راقٍ جداً كل يومين عندها
، زيارة الثانية من الدنيا ، أما إهمال الأولى فمن المعصية ،
بطولتك أن تذهب للأخت الفقيرة ، التي تسكن في أطراف المدينة ،
فتؤنس وحشتها ، وتجبر كسرها ، وتطيب قلبها .
لذلك :
(( أفْشُوا السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ،
وَصِلُوا الأرْحامَ
،
وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا
الجَنَّةَ بِسَلامٍ )) .
أنا أقول دائماً : تلبية دعوة
الكبراء من الدنيا ، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة ، وقد ورد
في بعض الأحاديث :
(( لو دعيت إلى كراع بالغميم
لأجبت )) .
[ رواه الترمذي عن أنس رضي
الله عنه ] .
كراع يعني قدم خروف ، كراع
واحد بالغميم خارج المدينة ، الآن يقول لك : يجب أن تكون
اللقمات على عدد الخطوات ، طعام نفيس جداً والمكان بعيدا ، أما
المؤمن فيقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :
(( لو دعيت إلى كراع بالغميم
لأجبت )) .
(( من دعي فلم يلبِّ فقد عصى
الله ورسوله )) .
[ الجامع الصغير عن ابن عمر
بسند فيه ضعف ]

ـ هناك صحابي جليل فقير جداً
قدم للنبي خلاً ، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ ))
.
[ رواه مسلم عن جابر رضي الله
عنه ] .
ـ نذكر ما الذي حصل أول شيء في
المدينة ، أول شيء حصل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة
على الغائب البراء بن معرور ، فقد مات البراء بن معرور قبل
قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوصى أن يوجه إلى الكعبة
، وصلى النبي عليه الصلاة والسلام على قبره بعد قدومه إلى
المدينة ، والبراء من معرور كان تواقاً للكعبة من قبل ، فهو
الذي صلى باتجاه الكعبة عند قيام الأنصار بالتوجه إلى مكة
لبيعة العقبة الثانية ، ولم يوافقه بقية الأنصار ، وقدم إلى
النبي عليه الصلاة والسلام يذكر له ما فعل في سفره ، وصلاته
صوب الكعبة ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : كنت على
قبلة لو صبرت عليها ، كانت هي القبلة .
ـ وكما تعلمون كانت امرأة
فقيرة تقمّ المسجد ، أي تنظفه ، فماتت ، الصحابة اجتهدوا أنها
من ضعف الشأن بحيث لا تستحق أن يبلغ النبي عن موتها ، بعد أيام
تفقدها فقالوا : ماتت ، فغضب ، قال : هلا أعلمتموني ؟ فإذا به
عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى قبرها ليصلي عليها .
بالتعبير المعاصر مجتمع
المؤمنين طبقة واحدة .
(( المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ
، لا يَظْلِمُهُ ، وَلا يَخْذُلُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، كُلُّ
المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ومَالُهُ
وَعِرْضُهُ )) .
[
رواه مسلم عن أبي هريرة ] .


أول عمل قام به عليه الصلاة
والسلام بعد استقراره في المدينة أنه بدأ ببناء المسجد النبوي
الشريف .
1 –
المسجد النبوي بين القديم والحديث
:
للتعريف : الحرم النبوي الآن الذي أكرمه بعمرة
، الحرم النبوي الآن مساحته هي مساحة المدينة على عهد رسول
الله ، المدينة كلها هي بمساحة الحرم المدني ، والروضة الشريفة
فقط ما بين قبره ومنبره ، هو المسجد النبوي في عهده ، وكان من
سعف النخيل ، والمسلمون وصولوا إلى أطراف الدنيا ، إلى الصين
شرقاً ، وإلى إسبانيا غرباً ، أما المسلمون اليوم مع أنهم
يعدون مليارا وخمسمئة مليون يغزون في عقر دارهم ، لأن النبي
عليه الصلاة والسلام يقول :
((
نصرت بالرعب مسيرة شهر
)) .
[ متفق عليه] .
فلما تركت أمته منهجه من بعده
هزموا من بعده مسيرة عام .
2 –
مكوث النبي عليه النبي الصلاة والسلام في بيت
أبي أيوب الأنصاري
:
مكث النبي عليه الصلاة والسلام
في دار أبي أيوب منذ اليوم الأول لوصوله إلى المدينة ، وكان
مبرك ناقته عند المربد ، إلى أن تم بناء المسجد والحجرات ،
قال الزهري :
3 –
مكان بناء المسجد النبوي
:
بركت ناقة النبي صلى الله عليه
وسلم في موضع المسجد ، وهو يومئذٍ يصلي فيه رجال من المسلمين ،
وكان مربداً لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار ، كانت أرض
المسجد لغلامين يتيمين ، اسم الأول سهل ، والثاني سهيل ، كانا
في حجر ابن زرارة ، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم
الغلامين بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا : بل نهبه لك يا رسول
الله ، فأبى النبي عليه الصلاة والسلام لأنهما يتيمان ،
فابتاعه منهما بعشرة دنانير ، وكان جداراً ليس له سقف ، وقبلته
إلى بيت المقدس ، وكان يصلي فيه ، وكان أسعد بن زرارة يجمع
أصحابه فيه قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان فيه
شجرة غرقد ، وخرب ، ونخل وقبور للمشركين ، فأمر بالقبور فنبشت
، وبالخرب فسويت ، وبالنخل والشجر فقطعت ، فصفت في قبلة المسجد
، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع ، والجانبان
مثل ذلك أو دونه ، وجعل أساسه ثلاث أذرع ، ثم بنوه باللبن .
النبي عليه الصلاة والسلام يساعد أصحابه في
بناء
المسجد
:
جعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه .
أحد علماء مصر كان في الحجاز ، فلما وسّع الحرم
المكي ساهم بنفسه في حمل التراب ، لأن المساهمة ببناء البيت
الحرام شرف عظيم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبني معهم ،
وينقل اللبن والحجارة بنفسه ، ويقول
:
(( اللّهُمّ لاَ عَيْشَ إِلاّ
عَيْشَ الآخرة ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةِ )) .
[ متفق عليه عن سهل بن سعد ] .
وجعل الصحابة يرتجزون وهم
ينقلون اللبن ، ويقول بعضهم في رجزه :
لئن قعدنا والرسول يعمل إذ
ذاك منا العمل المضلل
وجعل قبلته إلى بيت المقدس ،
وجعل له ثلاثة أبواب ، وجعل عموده الجذوع ، الآن هو من رخام ،
وسقفه الجريد ، سعف النخل ، وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن
، وسقفها بالجريد ، والجذوع ، حياة متواضعة جداً ، الآن قصور ،
بيوت ، مركبات ، اختار الله سبحانه وتعالى لرسالة نبيه زمناً
بسيطاً لا تعقيد فيه ، فيه تقشف ، وكانت أرض المسجد تراباً
وسقفه من جريد النخل ، وارتفاعه كعريش موسى ، يمكن للمصلي أن
يلمسه إذا مد يده ، الآن أين يمكن أن تمد يدك ؟ .
ثم تطورت أحوال المسجد حيث بني
فيه المنبر ، كان يصلي على جذع نخلة ، ثم صنع له المنبر ، فحن
الجذع إليه ، فكان يقف على المنبر ، ويضع يده على الجذع
إكراماً له ، لأن النبي بالتعبير المعاصر جداً شفاف .
دخل إلى بستان أحد الأنصار ،
رأى جملاً يبكي فتقدم منه ، ومسح ذفريه ، وقال : مَن صاحب هذا
الجمل ؟ قال فتىً من الأنصار : أنا يا رسول الله ، واستدعاه
وقال : ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها ،
فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتذؤبه .
وفرشت أرضه بالحصى ، الأرض حصى
، والأعمدة جذوع الأشجار ، والسقف سعف النخيل ، والإنسان إذا
مد يده تصل إلى السقف ، وكان في صدره مكان له مظلة يسكن فيه
أصحاب الصفة ، وهم من فقراء المسلمين ، ومن لا مأوى لهم ، ثم
تعرض المسجد لتحويل القبلة ، وتوسيع المساحة ، وغير ذلك من
التبديلات .
أيها الإخوة ، نتابع هذا في
درس قادم إن شاء الله .
والحمد لله رب العالمين