الحديث والسيرة
فقه السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي

الدرس : 56 ـ تاريخ : 23 / 06 /2007  ـ " أسلوب الدعوة في مكة والمدينة والفرق بينهما " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.


بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

مربع نص: الفرق بين السور المكية والسور المدنية :

 

أيها الإخوة الكرام ، انطلاق النبي في الدعوة إلى الله في مدينة أخرى غير مكة في المدينة المنورة ، والحقيقة أن علماء السيرة يميزون بين العهد المكي ، وبين العهد المدني .

1 – السور المكية مضمونها الإيمان بالله واليوم الآخر :

 

ولو تألمنا أسلوب السور التي نزلت في مكة المكرمة ، ومضامين السور التي نزلت في مكة المكرمة لوجدناها تذكر خلق السماوات والأرض ، وتلح على الإيمان باليوم الآخر ، أي أن أركان الإيمان كانت محور السور المكية :

 ( سورة الفجر ) .

 ( سورة الشمس ) .

 ( سورة النبأ ) .

أكثر السور المكية كانت تشير إلى عظمة الله عز وجل من خلال خلق السماوات والأرض ، وكانت تلح على الإيمان باليوم الآخر ، وكأن أركان الإيمان كانت محور السور المكية .

2 – السور المدنية مضمونها التشريعات والأحكام :

 

بينما في المدينة أول سورة نزلت سورة المطففين .

 ( سورة المطففين ) .

مضامين الآيات المدنية مضامين تشريعية ، ومضامين الآيات المكية مضامين إيمانية .

إذاً : الإسلام عقيدة وعبادة ، المرحلة المكية اعتنت بالعقيدة ، بالإيمان ، والمرحلة المدينة اعتنت بالتشريع ، إذاً : أيّ دعوة بالله لا تحفل بالعقيدة ، وبالتشريع ، أو لا تحفل بكليهما معاً فهي دعوة عرجاء ، لذلك قالوا : إذا عرفت الآمر ، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر .

3 – السور المكية تعريف بالآمر والسور المدنية تعريف بالأمر :

المرحلة المكية كانت مرحلة التعريف بالآمر ، بينما المرحلة المدنية كانت مرحلة التعريف بالأمر ، وشتان بين المرحلتين .

في المرحلة المكية :

 ( سورة عبس ) .

  ( سورة الأعلى ) .

 ( سورة يونس الآية : 101 ) .

 

 ( سورة يوسف ) .

في المرحلة المكية إشارات إلى السماوات والأرض ، وإلى خلق الإنسان ، وإلى اليوم الآخر .

فلذلك الدعوة إلى الله إن لم تتضمن مضموناً إيمانياً من أجل أن تعرف هذا الذي تصلي له من هو ، خالق السماوات والأرض ، فإن هذه الدعوة فاشلة .

لذلك أصل الدين معرفة الله عز وجل .

 

مربع نص: نظرة سريعة في سورة المطففين ، وهي أول ما نزل في المدينة :

 

1 – خطورة التطفيف في المكيال والميزان :

 

أيها الإخوة ، هذه السورة سورة المطففين ، جاء في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم ، وفي سياق كوني ، وهي بحسب الظاهر مقحمة عليه إقحاماً ، قال علماء التفسير : " إذا كان التطفيف بحق إنسان يستوجب الويل ، فكيف التطفيف بحق خالق الإنسان " ، إذا أغفلت حق إنسان ، فكيف إذا أغفلت حق الخالق .

إذا طففت فلم تحسن القياس ، لأن الإنسان في شرائه يكون خط القماش تحت المتر منحنياً ، فإذا باع القماش يكون القماش مشدوداً يقرب من التمزق ، فإذا اشترى فله ميزان ، وإذا باع شيئاً فله ميزان آخر ، وهذه الأمور تقع الآن في حياتنا .

قد يطّلع إنسان على غرفة نوم ، يريدها بسرير واحد ، وهي بسريرين ، يقول له البائع : يمكن أن نغير فيها ، كم تحسم لي ؟ فقال له : 500 ليرة ، لو فرضنا رأى غرفة النوم بسرير واحد قال له : هل يمكن أن نعيدها بسريرين ؟ قال له : ممكن ، قدم ثلاث آلاف ليرة ، لما كان فيها حسم كان الحسم 500  ، وتلك 3000 َ! لقد كال بمكيالين ، فإذا أردت أن تحسم قيمة سرير 500 ، وإن أردت أن تضيف قيمة سرير فبـ 3000 ، هذا تطفيف .

فأنا أقول لكم كلمة أيها الإخوة : دينك ليس في المسجد ، في المسجد تتلقى التعليمات فقط من الله ، ودرس علم ، وتتلقى المكافأة في الصلاة ، أما دينك ففي عملك ، وما لم يستقم الإنسان في عمله فلن يستطيع أن يقطف من الدين شيئاً ، دينك في دكانك ، في حقلك ، في معملك ، وأنواع الغش ، أنواع التطفيف لا تعد ولا تحصى ، ويكاد المسلمون مع أنهم يقرؤون هذه السورة يقعون في معظم أنواع التطفيف .

لذلك الله توعد هؤلاء بالويل فقال : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ حقهم كاملاً ، في أي مكان تقريباً حينما تأخذ حقك تأخذه منقوصاً ، أما حينما يأخذ الآخر منك حقه يأخذه تاماً وكاملاً ، هذا تطفيف ، لكن ﴿ وَيْلٌ ﴾ ، الويل هو الهلاك ﴿ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ .

 

2 – لابد من معرفة الآمر والأمر :

 

إذاً : الدين دين مكي ، ودين مدني ، تشريع مكي ، أو آيات مكية ، وآيات مدنية الآيات المكية آيات اعتقادية ، والآيات المدنية آيات تشريعية ، والمكية تعريف بالخالق ، والمدنية تعريف بشرعه ، لذلك أنت بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده .

أيها الإخوة ، هذا درس بليغ لنا ، نحن نقرأ السيرة من أجل أن نأخذ إسقاطاتها  على حياتنا ، وما لم تتسلح بعقيدة يقينية متينة ، متماسكة ، منسجمة ، عن الكون والحياة  والإنسان ، وعن الخير والشر ، وعن الحق والباطل ، وعن الجمال من منظور إسلامي والقبح من منظور إسلامي ، ما لم تتسلح بعقيدة أساسها التفكر في خلق السماوات والأرض ، وما لم تعرف الحلال والحرام فلن تنجو يوم القيامة .

إذاً : لا يكفي أن تعرف الله ، كما أنه لا يكفي أن تعرف أمره ، عند بعض العلماء مصطلح يعجبني : معرفة الله ومعرفة أمره شرطان للتدين الصحيح ، كل منهما شرط لازم غير كافٍ ، ما معنى شرط لازم غير كافٍ ؟

من أجل أن تطبخ تحتاج إلى رأس غاز ، وإلى أسطوانة غاز ، نقول لك : الأسطوانة والرأس ، كل منهما شرط لازم غير كاف ، الذي عنده اسطوانة غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ ، والذي عنده رأس غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ ، لا بد من أن تعمل الأسطوانة ، وأن تصلها بالرأس حتى يجتمعا فيتكاملا .

فلذلك معرفة الله شرط لازم غير كافٍ ، ومعرفة منهجه شرط لازم غير كافٍ .

 

3 – لابد من العلم والفقه بعد التوبة إلى الله :

 

إن الإنسان قد يحب الله عز وجل فيتوب ، لكن لا يعرف من أمر المنهج شيئاً ، فقد يقترف الحرام دون أن يشعر .

مثلاٍ : إنسان يقول لك : هل يمكن أن تقرضني مبلغا من المال أدفعه نصف ثمن بيت ، أنا معي نصفه ، أعطيك أجرة ، مثلاً : بيت ثمنه مليون ، معه 500 ألف ليرة قال لك : أريد 500 ، فدفعتها ، وتقاضيت أجرة شهرية فرضاً مبلغا ضعيفا ، فإذا تاب الرجل إلى الله ، واصطلح معه ، لكن ما درس الفقه ، يفرح بهذه الأجرة المحرمة ، ولما يريد أن يسترد المبلغ استرده بالتمام والكمال ، أنا أعطيه 500 ألف ، وأريد 500 ألف بالتمام والكمال ، هذا ربا ، ما دام ضمن رأس ماله ، وهو غير خاضع للتغير فكل شيء تقاضاه كأجر يعد ربا ، لأنه قرض جر نفعاً ، أما إذا أراد أن يسترد نصف ثمن البيت ، أو أراد أن يسترد مبلغه ، هو توهمه قرضا له بـ 500 ألف ، وحتى يكون الإيجار صحيحا وحلالا ، الآن يسترد نصف ثمن البيت ، قد يكون 450 ألف ، قد يكون 700 ألف ، فإذا استرد نصف ثمن البيت فالإيجار صحيح .

قد يتوب الإنسان إلى الله ، لكن ما عنده دقة بالغة في فهم أحكام التعامل ، قد يأكل الربا شاء أم أبا ، قد يتورط في أكل المال الحرام دون أن يشعر .

فلذلك أيها الإخوة ، كما أنت بحاجة ماسة إلى المرحلة المكية ، مرحلة التعريف بالله ، خالق السماوات والأرض ، أنت في أمسّ الحاجة إلى المرحلة المدنية مرحلة معرفة الحلال والحرام ، فهما نشاطان يجب أن يكونا متوازيين .

 ( سورة البقرة الآية : 282 ) .

أحكام الدين .

( سورة الحجرات الآية : 12 ) .

أحكام الغيبة .

 ( سورة الحجرات الآية : 11 ) .

أحكام العلاقات الاجتماعية .

إذاً : أول سورة نزلت في المدينة كانت سورة المطففين ، وهي تتضمن نهياً ووعيداً لهؤلاء الذين يكيلون بمكيالين ، إذا اشتروا كالوا بمكيال ، وإذا باعوا كالوا بمكيال .

4 – الكيل بمكيالين سمة منتشرة اليوم :

 

مرة حدثني أخ أراد أن يبيع سيارة ، الحقيقة أنه أراد أن يقيمها فقط ، فذهب إلى السوق ، القصة قديمة ، دُفع له فيها ثلاثون ألفا ، فلما أراد أن يشتري مثلها طُلب منه سبعون ألفا ، فلما جاء بإنسان ليقيمها له تقييما دون أن يقول له سأبيعها ، أو سأشتريها أعطاه 45 ألفا ، وهذه قيمتها ، معناها معظم الناس يكيلون بمكيالين ، وهذه السورة تشير إلى هذين المكيالين .

الآن العالم كله مطفف ، قوى الأرض كلها مطففة ، يحجز عشرين ألف أسير ، والعالم كله ساكت ، يقع أسير واحد له تقوم الدنيا ولا تقعد .

لذلك ما مِن عمل أحقر في ميزان الأخلاق أن تكيل بمكيالين ، بيت فيه بنت   ، وفيه زوجة ابن ، العطف على البنت ، والتبرير للبنت ، والشفقة على البنت ، والمحاسبة الشديدة على زوجة الابن ، والتعنيف الشديد على زوجة الابن ، فهذه المرأة في البيت تكيل بمكيالين ، لذلك نلغي هذين المكيالين بما أُثر من قول النبي الكريم :

(( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك )) .

[ ورد في الأثر ]

الموظف يجب أن يعامَل هذا المواطن كما لو أن الموظف مكانه ، يجب أن تعامل زوجة ابنك كما تتمنى أن تعامل ابنتك في بيت زوجها من أهله .

السورة دقيقة جداً ، وأوضح ما في هذه السورة أنها تشير إلى الكيل بمكيالين ، وأعتقد الآن أنه ما من وصمة عار تلحق العالم الغربي كوصمة الكيل بمكيالين ، المسلم له مكيال ، وغير المسلم له مكيال .

إن 400 طفل حقنوا بالإيدز وضع العالمُ كله كل وزنه من أجل عدم معاقبة الممرضات ، ولما اتهم إنسان بإسقاط طائرة ألزموا تلك الدولة عن كل راكب 500 مليون دولار دية ، هذا كيل بميالين ، يُقتل إنسان فتقوم الدنيا ولا تقعد ، ويُقتل مليون ولا أحد يتكلم .

فهذه أول سورة نزلت في المرحلة المدنية ، سورة المطففين ، هذه السورة تشير بوضوح ما بعده وضوح إلى أن الكيل بمكيالين من السيئات الكبيرة في حياة الإنسان ،  والدليل أنها كبيرة أن الله توعد من يكيل بمكيالين بالويل ، والويل هو الهلاك ، ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .

عن عَائِشَة قالت : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) .

[ أحمد ]

 ( سورة الحجر ) .

 ( سورة إبراهيم ) .

لذلك وطنوا أنفسكم أنكم إذا فتحتم القرآن ، ورأيتم تحت اسم السورة سورة مدنية ففي الأعم الأغلب هي سورة تشريعية تتحدث عن أمر الله عز وجل ، عن أمره ونهيه ، افعل ولا تفعل ، وأنكم إذا فتحتم سورة كتب تحت اسمها سورة مكية وطنوا أنفسكم أنكم مع سور تتحدث عن خلق السماوات والأرض ، وعن اليوم الآخر ، وعن العذاب ، وعن النعيم .

( سورة الحاقة ) .

لذلك قالوا : ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ، وقد سأل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه فقال :

(( أتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ  مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ )) .

[ البخاري عن أبي هريرة ] .

إذاً : أول سورة نزلت في المدينة سورة المطففين ، وهي سورة تتحدث عن العلاقات بين الناس .

 

مربع نص: حديث عظيم ينظم العلاقات الاجتماعية :

 

 

عن عبد الله بن سلام ، هذا رجل من اليهود هداه الله إلى الإسلام قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، أي ذهبوا نحوه مسرعين ، وقيل : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت أنظر ، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعت يتكلم قال :

(( أيها الناس أفْشُوا السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ، وَصِلُوا الأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ )) .

[ رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام ] .

(( أفْشُوا السَّلامَ ))  قل : السلام عليكم ، ولا تقل مرحباً ، ( باي ) ، ما هذا ؟! أنت مسلم ، قل : السلام عليكم ، الله هو السلام ، من أسمائه السلام ، قل : السلام عليكم ، (( أفْشُوا السَّلامَ )) ، نحن من أخطائنا الفادحة أننا نسلم على من نعرف فقط ، أما أنت كمسلم فمهمتك أن تسلم على من تعرف ، وعلى لم تعرف ، الآن جار يسكن فوق جاره لا يتزاورون ، ولا سلام بينهما ، جارك قل له : السلام عليكم .

(( أفْشُوا السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ، وَصِلُوا الأرْحامَ )) .

هناك أشخاص يزورن الكبراء ، والوجهاء ، والأغنياء ، وزيارة هؤلاء ليس عملاً صالحاً ، هو من الدنيا ، لكن بطولة المؤمن أنه يزور الضعفاء ، الفقراء .

له أخت زوجها فقير جداً ، ساكنة خارج المدينة ، يقول لها : يا أختي ما عندي وقت لأزوركِ ، سامحيني ، وله أخت ثانية ساكنة بحي راقٍ جداً كل يومين عندها ، زيارة الثانية من الدنيا ، أما إهمال الأولى فمن المعصية ، بطولتك أن تذهب للأخت الفقيرة ، التي تسكن في أطراف المدينة ، فتؤنس وحشتها  ، وتجبر كسرها ، وتطيب قلبها .

لذلك : (( أفْشُوا السَّلامَ ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ ، وَصِلُوا الأرْحامَ ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ )) .

أنا أقول دائماً : تلبية دعوة الكبراء من الدنيا ، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة ، وقد ورد في بعض الأحاديث :

(( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت )) .

[ رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه  ] .

كراع يعني قدم خروف ، كراع واحد بالغميم خارج المدينة ، الآن يقول لك : يجب أن تكون اللقمات على عدد الخطوات ، طعام نفيس جداً والمكان بعيدا ، أما المؤمن فيقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :

(( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت )) .

(( من دعي فلم يلبِّ فقد عصى الله ورسوله )) .

[ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه ضعف ]

 

مربع نص: صور من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه :

 

ـ هناك صحابي جليل فقير جداً قدم للنبي خلاً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ )) .

[ رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه  ] .

ـ نذكر ما الذي حصل أول شيء في المدينة ، أول شيء حصل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة على الغائب البراء بن معرور ، فقد مات البراء بن معرور قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوصى أن يوجه إلى الكعبة ، وصلى النبي عليه الصلاة والسلام على قبره بعد قدومه إلى المدينة ، والبراء من معرور كان تواقاً للكعبة من قبل ، فهو الذي صلى باتجاه الكعبة عند قيام الأنصار بالتوجه إلى مكة لبيعة العقبة الثانية ، ولم يوافقه بقية الأنصار ، وقدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام يذكر له ما فعل في سفره ، وصلاته صوب الكعبة ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : كنت على قبلة لو صبرت عليها ، كانت هي القبلة .

ـ وكما تعلمون كانت امرأة فقيرة تقمّ المسجد ، أي تنظفه ، فماتت ، الصحابة اجتهدوا أنها من ضعف الشأن بحيث لا تستحق أن يبلغ النبي عن موتها ، بعد أيام تفقدها  فقالوا : ماتت ، فغضب ، قال : هلا أعلمتموني ؟ فإذا به عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى قبرها ليصلي عليها .

بالتعبير المعاصر مجتمع المؤمنين طبقة واحدة .

(( المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ ، لا يَظْلِمُهُ ، وَلا يَخْذُلُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ )) .

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .

 

مربع نص: الأعمال التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة :

 

 

مربع نص: بناء المسجد :

 

 

أول عمل قام به عليه الصلاة والسلام بعد استقراره في المدينة أنه بدأ ببناء المسجد النبوي الشريف .

 

1 – المسجد النبوي بين القديم والحديث :

للتعريف : الحرم النبوي الآن الذي أكرمه بعمرة ، الحرم النبوي الآن مساحته هي مساحة المدينة على عهد رسول الله ، المدينة كلها هي بمساحة الحرم المدني ، والروضة الشريفة فقط ما بين قبره ومنبره ، هو المسجد النبوي في عهده ، وكان من سعف النخيل  ، والمسلمون وصولوا إلى أطراف الدنيا ، إلى الصين شرقاً ، وإلى إسبانيا غرباً ، أما المسلمون اليوم مع أنهم يعدون مليارا وخمسمئة مليون يغزون في عقر دارهم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( نصرت بالرعب مسيرة شهر )) .

[ متفق عليه] .

فلما تركت أمته منهجه من بعده هزموا من بعده مسيرة عام .

2 – مكوث النبي عليه النبي الصلاة والسلام في بيت أبي أيوب الأنصاري :

 

مكث النبي عليه الصلاة والسلام في دار أبي أيوب منذ اليوم الأول لوصوله إلى المدينة ، وكان مبرك ناقته عند المربد ، إلى أن تم بناء المسجد والحجرات ، قال      الزهري :

3 – مكان بناء المسجد النبوي :

 

بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع المسجد ، وهو يومئذٍ يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربداً لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار ، كانت أرض المسجد لغلامين يتيمين ، اسم الأول سهل ، والثاني سهيل ، كانا في حجر ابن زرارة ، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى النبي عليه الصلاة والسلام لأنهما يتيمان ، فابتاعه منهما بعشرة دنانير ، وكان جداراً ليس له سقف ، وقبلته إلى بيت المقدس ، وكان يصلي فيه ، وكان أسعد بن زرارة يجمع أصحابه فيه قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان فيه شجرة غرقد ، وخرب ، ونخل وقبور للمشركين ، فأمر بالقبور فنبشت ، وبالخرب فسويت ، وبالنخل والشجر فقطعت ، فصفت في قبلة المسجد ، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع ، والجانبان مثل ذلك أو دونه ، وجعل أساسه ثلاث أذرع ، ثم بنوه باللبن .

النبي عليه الصلاة والسلام يساعد أصحابه في بناء المسجد :

جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه .

أحد علماء مصر كان في الحجاز ، فلما وسّع الحرم المكي ساهم بنفسه في حمل التراب ، لأن المساهمة ببناء البيت الحرام شرف عظيم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ، ويقول :

(( اللّهُمّ لاَ عَيْشَ إِلاّ عَيْشَ الآخرة ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةِ )) .

[ متفق عليه عن سهل بن سعد ] .

وجعل الصحابة يرتجزون وهم ينقلون اللبن ، ويقول بعضهم في رجزه :

لئن قعدنا والرسول يعمل     إذ ذاك منا العمل المضلل

وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب ، وجعل عموده الجذوع ، الآن هو من رخام ، وسقفه الجريد ، سعف النخل ، وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن ، وسقفها بالجريد ، والجذوع ، حياة متواضعة جداً ، الآن قصور ، بيوت ، مركبات ، اختار الله سبحانه وتعالى لرسالة نبيه زمناً بسيطاً لا تعقيد فيه ، فيه تقشف ، وكانت أرض المسجد تراباً    وسقفه من جريد النخل ، وارتفاعه كعريش موسى ، يمكن للمصلي أن يلمسه إذا مد يده ، الآن أين يمكن أن تمد يدك  ؟ .

ثم تطورت أحوال المسجد حيث بني فيه المنبر ، كان يصلي على جذع نخلة ، ثم صنع له المنبر ، فحن الجذع إليه ، فكان يقف على المنبر ، ويضع يده على الجذع إكراماً له ، لأن النبي بالتعبير المعاصر  جداً شفاف .

دخل إلى بستان أحد الأنصار ، رأى جملاً يبكي فتقدم منه ، ومسح ذفريه ، وقال : مَن صاحب هذا الجمل ؟ قال فتىً من الأنصار : أنا يا رسول الله ، واستدعاه وقال : ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها ، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتذؤبه .

وفرشت أرضه بالحصى ، الأرض حصى ، والأعمدة جذوع الأشجار ، والسقف سعف النخيل ، والإنسان إذا مد يده تصل إلى السقف ، وكان في صدره مكان له مظلة يسكن فيه أصحاب الصفة ، وهم من فقراء المسلمين ، ومن لا مأوى لهم ، ثم تعرض المسجد لتحويل القبلة ، وتوسيع المساحة ، وغير ذلك من التبديلات .

أيها الإخوة ، نتابع هذا في درس قادم إن شاء الله .

والحمد لله رب العالمين