
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية ، ولا زلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
المدينة
،
وهو يؤسس القاعدة الاقتصادية ، وقبلها
التعليمية وقبلها الإدارية ، وقبلها الدينية
.
على كلٍ
،
في اللقاء السابق تحدثنا عن أن النبي صلى الله
عليه وسلم رسخ مفهومات التعلم ، مفهومات العلم ، قيمة العلم في
حياة الإنسان ، وهو الذي يقول دائماً :
(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا
يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى
الْجَنَّةِ )) .
[ أخرجه الترمذي عن أبي
هريرة ] .
(( إذا كان يوم القيامة يوزن
دم الشهداء بمداد العلماء ، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء
)) .
[ رواه ابن النجار عن ابن عباس
] .
أثمن شيء يملكه الإنسان حياته
، فهذا الدم الذي يرهق في سبيل الله لا يقل عنه المداد الذي
يستخدمه العلماء لنشر العلم ، وقال عليه الصلاة والسلام :
(( ... وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ
أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ،
وَإِنّ
الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ وَالْحِيَتَانِ في جَوفِ الْمَاءِ )) .
[ رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ
وَالتِّرمِذِيُّ عن أبي الدرداء ] .
لذلك رتبة العلم أعلى الرتب ،
وقيمة العلم أعلى القيم .

( سورة النساء ) .
وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم
، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك
بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا
أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ،
فإذا ظن أنه علم فقد جهل .
وبينت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع
من مكانة العلماء فقال :
(( العلماء أمناء الله على
خلقه )) .
[ أخرجه القضاعي وابن عساكر عن
أنس ] .
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي
الْأَجْرِ ، وَلَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ
)) .
[ أخرجه ابن ماجة عن أبي أمامة
] .
والناس ثلاثة : عالم ومتعلم ،
ولا خير فيمن سواهما ، << يا بني ، الناس ثلاثة ، عالم رباني
، هذا كلام سيدنا علي : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ،
وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم
يلجئوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا بني أن تكون منهم >> ، والله
عز وجل يقول :

( سورة آل عمران ) .

أيها الإخوة ، ننتقل الآن إلى
تأسيس القاعدة الاقتصادية .
1 – الإسلام مجتمعُ الحياة :
بالمناسبة ، الإسلام هو الحياة
، وأي مجتمع إسلامي لا يهتم بالعلم ، ولا يهتم بالاقتصاد مجتمع
ضعيف مغلوب على أمره ، وما تفوق النبي عليه الصلاة والسلام في
دعوته إلا لأنه رأى الإنسان كائناً فيه عقل يدرك ، جعل العلم
غذاء للعقل ، وفيه قلب يحب ، جعل محبة الله والعمل للجنة غذاء
للقلب ، ثم رأى في الإنسان جسماً يحتاج إلى طعام وشراب ، فأرسى
مبادئ الاقتصاد ، فالإسلام هو الحياة .
وكما أن الأمة تبجل وتعظم ، من
يلوذ في سبيل الله ، لكنها في أمسّ الحاجة إلى إنسان يعيش في
سبيل الله .
2 – المشكلة الاقتصادية في
توزيع الثروات :
لذلك المشكلة أن الاقتصاد لم
يكن نتاجاً ناقصاً ضعيفاً ، بقدر ما كان علاقات سيئة ، هذا
كلام دقيق ، المشكلة الاقتصادية ليست بحجم الموالي ، ليست في
حجم الثروات ، المشكلة في طريقة توزيع هذه الثروات ، الآن
الأرض 10% من سكان الأرض يملكون 90% من ثرواتها ، والـ90% لا
يملكون 10% ، فالمشكلة هنا في المواد ؟ أم في طريقة التوزيع ؟
ماذا أراد الله من هذا المال أن يكون ؟ أراده متداولاً بين كل
الناس ، قال تعالى :

أي متداولاً :


( سورة الحشر الآية : 7 ) .
إذا تداول الأغنياءُ المالَ
فهناك مشكلة كبيرة ، وفي المجتمعات المتخلفة الأغنياء يقدرون
على كل شيء ، ولا شيء يهزهم ، بينما الخط العريض في المجتمع
يتأثر بارتفاع الأسعار تأثراً كبيراً ، لأن ارتفاع الأسعار
يضعف قوة دخله الشرائية .
3 – مقياسُ نجاح المجتمع
اقتصاديا عدمُ اتِّساع الهوة بين الفقراء والأغنياء :
فلذلك البطولة لا أن يتبادل
الأغنياء فيما بينهم السلع ، هذه حالة مرَضية ، البطولة أن
يوزَّع هذا المال ، وأن توزَّع هذه المنافع والثروات بين أكبر
شريحة في المجتمع ، ومقياس تقدم المجتمع أن الهوة ليست واسعة
بين الأغنياء والفقراء ، ولا بين الأقوياء والضعفاء ، وكلما
اتسعت هذه الهوة كان التخلف أشد ، وكلما ضاقت هذه الهوة كانت
التحضر أشد .
لذلك القرآن أثبت هذه القاعدة فقال : ﴿ كَيْ
لَا يَكُونَ ﴾ ، أي المال ، ﴿ دُولَةً ﴾
، أي متداولاً ، ﴿ بَيْنَ
الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ .
إذاً : هناك مشكلة يعاني منها
المجتمع الجاهلي ، ألا وهي : أن المواد الاقتصادية الثروات ،
السلع ، المواد الغذائية ، بصرف النظر عن كميتها ، وعن حجمها ،
المشكلة فيها أن تداولها ليس صحيحاً بل مرضياً .
لذلك اهتم النبي عليه الصلاة
والسلام اهتماماً لا حدود له بتشكيل قاعدة اقتصادية ،
وتنظيم نظام اقتصادي متوازن سوي .

لماحات عن حالة أهل المدينة
قبل مجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام :
1 – حال الناس من حيث النشاط
الاقتصادي :
كان اليهود يسطرون على موارد
التجارة ، ويتعاملون بالربا ، ويتحكمون بالأسعار ، وكان عامة
الناس ما بين مزارع ، وراعٍ للشياه والإبل ، وصيّاد ، وصانع ،
وجامع للحطب ، هكذا كان وضع الاقتصاد قبل مجيء رسول الله .
2 – اليهود كانوا يتحكّمون في
الاقتصاد :
هؤلاء الذين يتعاملون في
الاقتصاد لا تحكمهم قيم أخلاقية ، ولا شريعة دينية ، إنما يسود
بينهم الاستغلال ، والسيطرة ، والغش ، والفساد ، والظلم ، ومع
توارث الأساليب القديمة التي وجودوها في مجتمعهم .
3– حاجةُ المدينة إلى الموارد
الاقتصادية المادية والبشرية :
وكانت المهمة النبوية شاقة
جداً لأن اقتصاد المدينة بحاجة إلى أمرين معاً ، الأول النهوض
بالموارد ، معنى موارد ؛ البترول مورد ، الضرائب مورد ، رسوم
العبور مورد أرباح الصناعة مورد ، أرباح التجارة مورد ، أرباح
الخدمات مورد ، وعندنا شيء اسمه الموارد الاقتصادية ، ويقع على
رأس هذا المورد الإنسان ، الإنسان أكبر مورد اقتصادي .
عندك محل ، ورأس مال ، وملايين
مملينة ، لكن ليس هناك خبير ، المال تخسره ، أما الخبير فيشتري
البضائع ، ويبيعها ، ويربح .
إذاً : في عالم الاقتصاد يعدُّ
الإنسان أكبر مورد بشري ، لذلك الكثافة السكانية ليست ورقةً
خاسرة في الاقتصاد ، بل هي ورقة رابحة ، والآن أشد البلاد غنىً
أكثرها كثافة ، اليابان مثلاً مورد من ثروات الأرض ، لا بترول
، ولا معادن ، وفيها أكبر كثافة سكانية ، وهي الآن من أغنى دول
العالم ، والدخل للمواطن فلكي ، الصين مليار ونصف ، تكاد الآن
تلتهم اقتصاد العالم ، وفيها كثافة سكانية عالية جداً ، تايوان
، الهند ، لذلك أكبر مورد اقتصادي هو الإنسان .
بالمناسبة ، الهند حققت
أرباحًا قبل عامين بـ 83 مليار دولار من البرمجيات ، كمبيوتر ،
تصميم برامج ، وبيعها للعالم الغربي .

لذلك أقول لكم بدقة بالغة :
هناك فقر الكسل ، وهذه الطامة الكبرى ، فقر كسل عدم إتقان
للعمل ، عدم المثابرة على العمل ، عدم تطوير العمل ، عدم إنجاز
العمل ، تسويف إرجاء ، تأخير ، عدم إتقان ، هذا فقر الكسل ،
وفي الاقتصاد معايير دولية ، يقسمون الدخل القومي على عدد
السكان ، على أيام السنة ، الناتج كم يعمل الإنسان في هذا
البلد ، في بلاد متقدمة الإنسان يعمل في اليوم 8 ساعات ، في
بلاد أخرى 6 ساعات ، وفي البلاد المتخلفة الإنسان يعمل 27
دقيقة ، وفي بلد آخر يعمل 17 دقيقة ، وفي بلد آخر يعمل 29
ثانية .
اسمعوا هذا الكلام الدقيق :
أمة يعمل أفرادها 17 دقيقة في اليوم لا يمكن أن تنتصر على أمة
يعمل أفرادها 8 ساعات .
لذلك الإنسان أكبر مورد
اقتصادي ، النبي الكريم أمام مشكلتين ، البطولة في حل المشكلات
، أمام مشروع تنمية الموارد الاقتصادية ، وأمام مشروع آخر حسن
توزيع الناتج على الإنسان ، حسن توزيع ورفع الناتج .
شيء مألوف جداً أن الاقتصاد
وقتها كان يشمل الزراعة ، والصناعة ، والتجارة والصيد ،
والثروة الحيوانية ، والنباتية ، والماء ، والري ، والثروات
الباطنية ، وطرق النقل ، ووسائل النقل ، والرسوم الجمركية ،
والنقد ، وضوابط هذا كله ، وعائدات العاملين فيه ، ونصيب
الإدارة والدولة ، هذا الوضع في المدينة قبل أن يأتي النبي ،
موارد ضعيفة ، سوء توزيع للدولة .
هناك طرفة : كان بعض الفلاسفة
البريطانيين صاحب دعابة ، فكان له لحية كثيفة جداً ، أما رأسه
ما فلا شعرة فيه ، فلما سئل قال : وفرة في الإنتاج ، وسوء في
التوزيع .
أحياناً يكون النقص في الإنتاج
، وفوق هذا النقص سوء في التوزيع ، لذلك واجه النبي هذه
المشكلة ، نقص في الإنتاج ، وسوء في التوزيع ، اليهود مسيطرون
، الأسعار بيدهم ، الربا بيدهم ، الموارد بيديهم .

الآن ما هي الضوابط التي أقرها
النبي عليه الصلاة والسلام معالجة الاقتصاد ؟ وأقول لكم
هذه الكلمة : أية أمة ما لم تعالج مشكلاتها الاقتصادية هي أمة
سوف تدمر ، لأن الإمام علياً كرم الله وجهه أدرك قبل 1400 عام
أن الفقر علة العلل ، فقال : << كاد الفقر أن يكون كفراً >> .
في خطبة العيد اقتبست من هذه
الكلمة كلمات ، فقلت : وكاد الفقر أن يكون إرهاباً ، وكاد
الفقر أن يكون اختلاساً ، وكاد الفقر أن يكون تخريباً ، تجد أي
حركة من الجياع ينهبون ، ويحرقون ، ويدمرون ، لأنه ليس عندهم
شيء يخسرونه ، وهم ناقمون .
لذلك البطولة في تنمية الموارد
، وحسن توزيعها وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام .
1 – الاقتصاد عبادةٌ تعاملية :
أولاً : من القواعد الاقتصادية
التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام أن الاقتصاد دين ،
وألصق شيء بك العبادة التعاملية ، ألا تكذب ، ألا تغش ، ألا
تدلس ، ألا ترفع السعر ، ألا تستغل ، ألا ترابي ، ألا تحتكر ،
ألا تزين السلعة بما ليس فيها ، أكثر من مئة معصية بالبيع
والشراء .
فالبطولة أن النبي عليه الصلاة
والسلام قرر أن الاقتصاد دين ، أي أن العمل الاقتصادي جزء لا
يتجزأ من الدين .
أنت تبيع الزيت ، فتحت المحل
صباحاً ، فإذا في علبة الزيت فأرة ، ولا أحد يستطيع أن يكشف
الغلطة ، ماذا يعني أن الاقتصاد دين ؟ أن هذه العلبة ينبغي أن
تبيعها لمعمل الصابون ، وألا تبيعها للمسلمين ، فإذا بعتها
للمسلمين خنت الأمانة ، وألغيت عباداتك ، إن هذا العلم دين ،
وإن الاقتصاد دين .
أنواع الغش لا تعد ولا تحصى ،
قد تشتري بضاعة من بلد متخلف صناعياً ، تضع عليها إشارة إلى
أنها مصنعة في أرقى بلد صناعي ، تأخذ السعر مضاعفًا ، وأنت
بهذا كاذب .
(( كبرت خيانة أن تحدث أخاك
حديثا هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب )) .
[ رواه البخاري ، وأبو داود عن
سفيان بن أسيد ] .
إذاً : العمل الاقتصادي جزء لا
يتجزأ من الدين .
(( من غش فليس منا
)) .
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة
] .
والأمثلة لا تعد وتحصى .
(( يا سعد
، أطب مطعمك تكن
مستجاب الدعوة
)) .
[ رواه الطبراني عن ابن عباس ]
.
أن يكون طعاماً طيباً ؟ لا ،
كل طعاماً اشتريته بمال حلال ، أي كسبته بتجارة ليس فيها غش ،
ولا كذب ، ولا احتيال ، ولا احتكار ، ولا تدليس ، ولا إيهام ،
إذاً : العمل المشروع دخله مشروع ، إن اشتريت به طعاماً
فالطعام طيب .
((
إنّ الله طَيّبٌ
، ولاَ يَقْبَلُ إلاّ
طَيّباً
)) .
[ رواه فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ
، عن أبي هُرَيْرَةَ ] .
وهذا الحديث بالاقتصاد يعد من
جوامع الأحاديث :
(( يا سعد
، أطب مطعمك تكن
مستجاب الدعوة
)) .
أنت موظف ، والمواطنون في أشد
الحاجة إليك ، وعلى الكوة مئات المواطنين ، فتجلس ، وتدير حديث
مع صديقك ، والناس فوق بعضهم بعضاً ، ولا يعنيك من أمرهم شيئاً
، أنت بهذا خنت الأمانة .
((
يا سعد
، أطب مطعمك تكن
مستجاب الدعوة
)) .
لأن هذا الراتب الذي تأخذه على
هذا الدوام المتقطع جزء منه حرام ، فإذا اشتريت منه طعاماً
فالطعام غير طيب ، لأن فيه جزاءاً حراماً ، لو عرف الناس هذا
الحديث لكنا في حال غير هذا الحال .
الاقتصاد دين ، وأي عمل
اقتصادي يعد جزاءاً من الدين .
مثلاً : عندك مدجنة ، وجدت عشر
فراخ ميتة ، أنت تسلم مذبوحًا ، تقدر بكل بساطة ، تذبح الميت ،
وتضعه مع المجموع يمرق ، يأتي فروج مشوي ، يأكل المسلم لحمًا
ميتًا ، أنت خرجت من دينك ، أنت خنت الأمانة ، أصبح ربحك
حراماً ، وطعامك خبيثاً ، ودعاءك غير مستجاب .

الآن الضوابط الحلال والحرام
وفق التشريع الإلهي يحدد ذلك ، لذلك طلب الفقه حتم واجب على
كل مسلم ، أن تعرف الحلال والحرام جزء لا يتجزأ من دينك .
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة
)) .
طلب الفقه حتم واجب على كل
مسلم ، طلب الفقه فريضة بعد الفريضة ، لا بد من أن تسأل ما حكم
هذا البيع .
ببساطة يقول لك أخ : أنا مضطر
لشراء بيت ، معي نصف ثمنه ، فهل تساعدي بالنصف الآخر على أن
أجعل البيت ذا أجرة لك ؟
بيت مثلاً أجرته عشرة آلاف
بالشهر ، نصفه لك ، أنا أعطيك خمسة آلاف ، لكن صاحب هذا المبلغ
لما أراد أن يسترد مبلغه يأخذه بالتمام والكمال ، مادام لم
يقيّم البيت تقييمًا جديدًا ، وأخذ الذي دفع المبلغ بالتمام
والكمال ، فهذه الأجرة ليست أجرة ، ولكنها فائدة .
من دخل السوق من دون فقه أكل
الحرام شاء أم أبى ، أما إذا قيم البيت تقييمًا جديدًا ، وسعره
ارتفع أو انخفض ، ونال نصف ثمنه على التقييم بالأجرة فهذا حلال
.
2 ـ
المساواة بين أفراد المجتمع :
المساواة بين أفراد المجتمع
هذه قاعدة اقتصادية ، المساواة بين أفراد المجتمع .
والاستثمار فريضة ألزم الله
فيها عباده ، لماذا فرض الله الزكاة على المسلم ؟ قد تجيبني
بألف جواب ، لكن هناك جواب قد لا يخطر في بالك ، هو أرقى جواب
، أن هذا المال إن لم تستثمره تأكله الزكاة ، فإن الشرع أراد
أن تستثمره لئلا تأكله الزكاة .
لذلك ورد في بعض الأحاديث
:
(( اتجروا في أموال اليتامى لا
تأكلها الزكاة )) .
[ أخرجه الطبراني في الأوسط عن
أنس ] .
3 ـ
المنافع متبادلة :
إذاً ، معك مبلغ من المال ،
اعمل مشروعًا ، ائتِ بإنسان معه خبرة بلا مال ، أنت معك مال
بلا خبرة ، وتعاونا على المشروع ، والربح بينكما ، هذه
المضاربة ، وكان عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام ،
أخذ مال خديجة ، واتجر به ، وكان الربح بينهما .
تحقيق العدالة في التجارة
ينطلق من مبدأ ، أن تكون المنافع متبادلة ، أنت عندك دكان بأحد
أحياء دمشق ، نزلت فجراً إلى سوق الخضار ، جئت بخضار وفواكه
وحاجات ، جارك استيقظ السابعة والنصف ، جاء إليك ، وأخذ حاجاته
، بسعر أعلى من ثمن شرائك ، نظير ذهابه باكراً ، ودفع المال ،
وحمل البضاعة ، وأتى بها ، أنت وجدتها إلى جانب بيتك ، هو
انتفع ربح ، وأنت انتفعت ، ووفرت وقتك وجهدك ، هذه منفعة
متبادلة .
لذلك الذي يضبط الحلال أن
المنافع فيه متبادلة ، والذي يضبط الحرام أن منتفعة بنيت على
مضرة ، أوضح شيء السرقة ، السارق انتفع بالمال ، أما الذي أُخذ
المال منه أصابه ضرر كبير ، انتفع واحد ، وتضرر الثاني ، إذاً
: الدخل حرام .
من ملامح الاقتصاد تحقيق
العدالة ، وتوزيع الثروة ، وتحقيق التعاون والتكافل بين أفراد
المجتمع الواحد .
4 ـ
حقُّ المنافسة :
شيء آخر يتصل بالاقتصاد الحر :
حق المنافسة بين الناس في الكسب ، وفي الملكية ، أنا أقد سلعة
مستواها عالٍ جداً أرفع سعرها ، والإنسان مخير في سلع رخيصة
وسلع غالية ، الرخيصة غير متقنة ، والغالية متقنة ، أنا أنوع
بالأساليب ، البضاعة تصل إلى البيت ، خدمات في الليل ، عبر
الهاتف ، في خدمات أؤديها ، أتنافس ، والتنافس مشروع ، ومن حق
المستهلكين التنافس .
إذاً : من مبادئ الاقتصاد التي
أرساها النبي عليه الصلاة والسلام حق المنافسة بين الناس في
الكسب والملكية ، ولكن ضمن شروط الحلال والحرام ، وضمن قواعد
الأهداف العامة للمجتمع .
أيها الإخوة ، وأقول لكم هذه
الكلمة : ما لم تكن متفوقاً في دنياك لا يحترم دينك ، وأعوذ
بالله من فقر الكسل ، هناك فقر القدر صاحبه معذور ، وفقر
الإنفاق صاحبه مشكور ، سيدنا الصديق افتقر فقر إنفاق ، قال له
: يا أبا بكر ، ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله ، هذا
فقر إنفاق ، هناك فقر قدر ، لعاهة تمنعه أن يكسب المال ، لكن
وصمة العار هي فقر الكسل ، وعدم الإتقان ، وعدم الدوام ،
والإرجاء ، والتأجيل ، وعدم الاهتمام ، كل هذا يؤدي إلى انصراف
الناس عن هذا المحل .
أحيانا ترى محلا في طريق السفر
، الغلة اليومية خمسة ملايين ، وإلى جانبه مطعم لا ولا زبون
فيه ، هنا إتقان .

( سورة المطففين ) .
إن شاء الله في درس قادم نتابع
هذه الموضوعات المهمة ، وأن ألقي القواعد الاقتصادية من خلال
هذا الدرس تحقيقاً لمنفعة العامة .
أنت حر بقدر ما أنت قوي ، وأنت
قوي إذاً أنت حر ، فهناك علاقة بين الحرية ، وبين القوة
المالية .
والحمد لله رب العالمين