|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة
النبوية :
الدرس :
[ 50]
ـ 13/
01
/ 2007
ـ
أهمية
السيرة النبوية الشريفة في حياتنا
ـ لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي
.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما
علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ،
وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا
إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين
، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار
المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية ، ذلك لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي
أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وصفاته ، ولأن النبي صلى الله
عليه وسلم معصوم بمفرده ، لذلك أقواله سنة ، وأفعاله سنة ،
وإقراره سنة ، وصفاته سنة أي منهج
،
والله عز وجل قال :

( سورة العنكبوت ) .
أي أن كل كلمة قالها النبي
عليه الصلاة والسلام وحي غير متلو ، لأن الله عز وجل يقول :

( سورة النجم ) .
أقواله تشريع ، لذلك هناك
وحيان : وحي متلو ، ووحي غير متلو ، الأحاديث الشريفة وحي غير
متلو ، وسلوكه وحي غير متلو ، وإقراره وحي غير متلو .

لذلك أيها الإخوة ، أعداء
المسلمين لا يستطيعون إلغاء هذا الدين ، إنه كالطود الشامخ ،
ولكنهم يحاولون أن يقوّضوا دعائمه من الداخل ، والسنة النبوية
من دعائم هذا الدين .
(( أوتيت القرآن ومثله معه ))
.
[ رواه يزيد بن هارون عن
المقدام بن معد يكرب الكندي ] .
وهناك من يقول يكفينا القرآن
الكريم ، مع أن القرآن الكريم يقول :

( سورة الحشر الآية : 7 ) .
فالذي يكتفي بالقرآن الكريم
يلغي القرآن الكريم ، لأن القرآن الكريم يأمرك أن تأخذ ما آتاك
النبي ، وأن تنتهي عما عنه نهاك ، والقرآن الكريم يبين أن مهمة
النبي لتبين للناس ما نزّل إليهم ، فكأن القرآن الكريم قانون ،
وكأن السنة شرح لهذا القانون ، فإذا ألغينا الشرح ألغينا
القانون .

لذلك أيها الإخوة ، لا بد من
أن نحتفي بسنة رسول الله قولاً ، وعملاً ، وإقراراً وصفات ،
وأؤكد لكم أنه لو لم يكن إلا السيرة بين أيدينا لكانت منهجاً
كافياً لنا ، إن أفعاله تشريع ، وكما تعلمون أن كل واحد من
الناس في حياته شخصية يكونها ، وشخصية يكره أن يكونها ، وشخصية
يتمنى أن يكونها ، وهذا الدرس ، وهذه السيرة لمن ؟ قال تعالى :

( سورة الأحزاب ) .
إذاً : أن تحتفي بمواقف النبي
، بإنسانية النبي ، برحمة النبي ، بعدل النبي ، بتواضع النبي ،
بإنصاف النبي ، وأن تجعل نفسك تطمح أن تكون على طريقه ، وعلى
خطاه فأنت مؤمن ، أما إذا كنت لا تعنيك السيرة إطلاقاً فأنت
تبحث عن شيء آخر ، أنت إذاً لا ترجو الله واليوم الآخر ، لأن
الله عز وجل يقول :


أريد في هذا الدرس أن أقف
قليلاً عند أهمية هذه السيرة النبوية العطرة ، الحقيقة هناك
مثالية نجدها في الكتب ، قد نقرأها ، ونعجب بها ، ولكنها لا
تكفي لتحفيزنا إلا أن نطبقها ، ما الذي يحفزنها إلى تطبيق
السيرة ؟ أنك حينما ترى أنك إنساناً بشر .
(( إنما أنا بشر أرضى كما يرضى
البشر ، وأغضب كما يغضب البشر )) .
[ أخرجه مسلم من حديث أنس وله
من حديث أبي هريرة ] .
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( أوذيت في الله وما يؤذى أحد
، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين
يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط
بلال )) .
[ أخرجه أحمد في مسنده
والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ] .
إذاً : هو بشر ، ولأنه بشر ،
ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر ، فما لم
تكن طموحاتك ورغباتك متوجهة إلى أن تمشي على خطى النبي ففي
الإيمان خلل ، وفي الإيمان ضعف ، وتكفيكم هذه الآية :

بل إن الله جل جلاله لن يقبل
دعوى محبته إلا بالدليل ، قال تعالى :

( سورة آل عمران الآية : 31 )
.
معنى ذلك أن الذي لا يفكر أن
يتبع سنة النبي العملية ، ولا يفكر أن يكون النبي صلى الله
عليه وسلم أسوة له في حياته فهو بنص القرآن الكريم لا يحب الله
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ .
بل إن العلماء قالوا : إن محبة
النبي صلى الله عليه وسلم عين محبة الله ، وإن محبة الله عز
وجل عين محبة النبي ، وهذا معنى قوله تعالى :

( سورة التوبة الآية : 62 ) .
بضمير المفرد ﴿ وَاللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ ﴾ بحسب قواعد اللغة ترضوهما ، لأن
الله قال : ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾ ،
قال العلماء : إرضاء الله عز وجل عين إرضاء النبي ، وإرضاء
النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله ، ومحبة الله عين
محبة النبي ، ومحبة النبي عين محبة الله ، لذلك محبة النبي فرع
من محبة الله ، فالذي لا يحب النبي لا يحب الله ، والذي يحب
النبي يحب الله .
(( ويا عمر كيف أصبحت ؟ قال :
والله با رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي وولدي والناس
أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي ، قال : يا عمر لن يكمل
إيمانك بعد حين جاءه وقال : الآن يا رسول الله أصبحت أحبك
أكثر من أهلي ، وولدي ، ومالي حتى نفسي التي بين جنبي ، فقال
عليه الصلاة والسلام : الآن يا عمر )) .
أيها الإخوة ، يقول بعض
الصحابة الكرام ، وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص : << ثلاثة أنا
فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، وكلمة رجل في
القرآن لا تعني أنه ذكر ، وفي السنة لا تعني أنه ذكر ، بل يعني
القرآن بكلمة رجل أنه بطل .

( سورة النور الآية : 37 ) .

( سورة التوبة الآية : 108 ) .

فكلمة رجل لا تعني أنه ذكر ،
تعني أنه بطل ، سيدنا سعد بن أبي وقاص استخدم هذا المعنى فقال
: << ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ـ
ما هذه الثلاثة ؟ ـ يقول هذا الصحابي الجليل : ما صليت صلاة
فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها >> .
(( الصلاة عماد الدين )) .
[ أخرجه البيهقي في شعب
الإيمان عن عمر ].
من أقامها فقد أقام الدين ،
ومن هدمها فقد هدم الدين ، والصلاة معراج المؤمن .
(( الصلاة ميزان ، فمن أوفى
استوفى )) .
[أخرجه ابن المبارك في الزهد
عن ابن عباس ] .
من وفى الاستقامة حقها استوفى
من الصلاة ثمراتها .
أن تتابع المسلسلات ليلاً ثم
تقوم كي تصلي العشاء تقف وتكبر تكبيرة الإحرام ، وتقرأ الفاتحة
وسورة ، وتركع وتسجد ، لكن لا تستطيع أن تقبل على الله ، لأنه
قيل :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن الــــعلم
نور ونـور الله لا يُهدى لعاصي
الصلاة نور ، الصلاة حبور ،
الصلاة طهور ، الصلاة ميزان ، الصلاة عقل ، الصلاة معراج
المؤمن ، الصلاة قرب ، الصلاة ذكر ، الصلاة عماد الدين .
ولكن ورد في بعض الآثار
القدسية أنه :
(( ليس كل مصل يصلي ، إنما
أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر
على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب وآوى
الغريب كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من
نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلمة نورا يدعوني
فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم علي فأبره ، أكلأه بقربي ،
وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا
يتغير حالها )) .
[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن
وهب ] .
فقال سيدنا سعد : << ثلاثة أنا
فيهن رجل ، وما فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما صليت
صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها ، ولا سرت في جنازة
فحدثت نفسي بغير ما تقول ـ ونحن قبل هذا الدرس صلينا على أحد
الموتى المسلمين ، هل فكر واحد منا أنه لا بد من يوم يكون في
نعش ، ويدخل إلى المسجد لا ليصلي ، بل ليصلى عليه ؟ وبعدها
تذهب هذه الجنازة إلى مقبرة ، وبعدها يوضع في القبر ، ويحاسب
عن كل شيء ؟ ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى
أنصرف منها .
ورد في بعض الآثار : أن الميت
ترفرف روحه فوق النعش ، تقول : يا أهلي ، يا ولدي ، لا تلعبن
بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في
حله وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة علي .
ورد في بعض الأحاديث :
(( فو الذي نفس محمد بيده ما
من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات ، فإذا رأى
أن العبد قد انقطع رزقه ، وانقضى أجله ألقى عليه غم الموت
فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت الضاربة وجهها ، والصارخة
بويلها ، والممزقة ثوبها يقول لهم ملك الموت : فيمَ الفرع ؟
ومم الجزع ؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً ، ولا قربت له أجلاً ،
وإني لي فيكم لعودة ، ثم عودة ، حتى لا أبقي منكم أحداً ،
فوالذي محمد بيده لو سمعوا كلامه ، ورأوا مكانه ، لذهلوا عن
ميتهم ، ولبكوا على أنفسهم )) .
[ ورد في الأثر ]
(( لو تعلمون ما أنتم لاقون
بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا ، ولا شربتم شرابا على
شهوة أبدا ، ولا دخلتم بيتا تستظلون به ، ولمررتم إلى الصعدات
تلدمون صدوركم ، وتبكون على أنفسكم )) .
[ أخرجه ابن عساكر عن أبي
الدرداء ] .
<< ولا سرت في جنازة فحدثت
نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ـ ولكن الشاهد في الثالثة ،
هنا الشاهد ـ ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلا علمت أنه حق من الله تعالى .
﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ .

ـ
المؤمن الصادق إذا قرأ سيرة النبي كيف إذا دخل بيته ألقى على
أهله السلام ، وكيف إذا دخل بيته كان بساماً ضحاكاً وكيف يقول
عن النساء :
(( أكرموا النساء ، فوالله ما
أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهم إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ،
ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون
لئيماً غالياً )) .
ـ
كيف كان عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله ، يخصف نعله ، ويرفو
ثوبه ويكنس بيته ، وكان في مهنة أهله .
أنت كمؤمن يجب أن يكون النبي
عليه الصلاة والسلام قدوة لك ، أسوة لك وهو في بيته ، وهو مع
زوجاته ، وهو مع أولاده ، كان يقول عليه الصلاة والسلام :
(( علموا ، ولا تعنفوا ، فإن
المعلم خير من المعنف )) .
[ أخرجه الحارث ابن عدي ،
والبيهقي ، عن أبي هريرة ] .
ـ
كان يسلم على الصبيان ، كان يداعبهم ، كان يقبلهم ، كان يحملهم
وهو يصلي مرة كان على المنبر ، رأى ابن ابنته الحسين رضي الله
عنه يتعثر في مشيته ، فنزل من على المنبر وحمله بيده ، وصعد به
إلى المنبر ، هكذا كان مع الصغار .
ـ
هكذا كان مع النساء مرة غضبت عائشة ، كسرت طبقاً على الأرض
جاءها من صفية ، أصابتها الغيرة ، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( غضبت أمكم ، غضبت أمكم )) .
[ البخاري ]
كان زوجاً ناجحاً ، كان أباً
ناجحاً كان صديقاً وفياً ، كان جاراً .
أيها الإخوة ، أردت بهذا الدرس
أن نعرف أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته ، في
بيته ، مع إخوانه ، في مسجده ، ما لم يكن قدوة لنا فلسنا على
ما ينبغي .
ـ
صلى أعرابي وراء النبي ، أحد أصحابه أصابه عطاس ، فقال له في
الصلاة : يرحمك الله ، فالصحابة الكرام ضربوا على أرجلهم
بأيديهم ، أن هذا لا يكون ، فخاف هذا الأعرابي ، خاف أن يلقى
تعنيفاً شديداً ، أو خاف أن يُضرب بعد الصلاة ، فأوجس خيفة ،
فلما انتهى النبي من صلاته قال : تعال يا عبد الله ، إن هذه
الصلاة لا يصلح لها شيء من كلام الناس ، فقال هذا الأعرابي :
بأبي هو وأمي ، والله ما عنفني ، ولا كهرني ، فقال له : اللهم
ارحمنا ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، فقال عليه الصلاة
والسلام :
(( يا أخي ، لقد حجرت واسعاً
)) .
[ البخاري]
كان لطيفا ، كان متواضعا .
ـ
دخل عليه رجل أصابته رعدة ، فقال له :
(( هون عليك إنما أنا ابن
امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة )) .
[ الترمذي]
ـ
كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة ، قال أحدهم :
عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليّ سلخها ، وقال الثالث : عليّ
طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، قالوا
: يا رسول الله نكفيك ذلك ، قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن
الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
إذاً : أريد من هذا اللقاء
الطيب حقيقة دقيقة ؛ وهي أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه
وسلم قدوة لك ، وأسوة لك في حياتك ، فلستَ متّبعا له .
ـ
في فقره : دخل عليه الصلاة والسلام بيته ، فقال :
(( هل عندكم من طعام ؟ ـ لا
يوجد شيء إطلاقاً ـ قالوا : لا ، قال : فإني صائم )) .
[ مسلم عن عائشة ]
ـ
رأى زعيم قبيلة وادياً من الغنم لرسول الله فقال :
(( لمن هذا الوادي ؟ قال : هو
لك قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله هو لك ، قال : أشهد أنك
رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر )) .
[ورد في الأثر ]
هو قدوة لنا في فقره ، وقدوة
لنا في غناه ، قدوة لنا في قهره ، في الطائف قهر والآن
المسلمون يقهرون في العالم ، قال :
(( يا رب ، إن لم يكن بك غضب
عليّ فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))
.
[ الطبراني عن عبد الله بن
جعفر]
ـ
سمح له أن ينتقم منهم ، جاءه ملك الجبال ، قال : يا محمد ،
أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين
، قال : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون .
ـ
امتحن بالفقر فنجح ، امتحن بالغنى فنجح ، امتحن بالقهر فنجح ،
امتحن بالنصر دخل مكة فاتحاً ، عشرة آلاف رجل يأتمرن بكلمة من
شفته ، فكان بإمكانه هؤلاء صناديد قريش الذين ناصبوه العداء
عشرين عاماً ، وقتلوا أصحابه ، وحاربوه مرات ثلاثا ، كان
بإمكانه وهو القوي المنتصر أن يبيح المدينة لجيشه ، أو أن يلغي
وجودهم ، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( ما تظنون أني فاعل بكم ؟
قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
.
[ السيرة النبوية ]
نجح بالنصر ، ودخل مكة فاتحاً
، وكادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل .
ـ
الآن مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه ، قالوا : أتبكي ؟ قال :
(( إن العين لتدمع وإن القلب
ليخزن ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم
لمحزونون )) .
[متفق عليه ]
ـ
امتحن نجح بامتحان موت الولد ، طُلقت بنتاه ، فامتحن فنجح
بالامتحان ، فقد اتهمه المنافقون بأن زوجته زانية ، في حديث
الإفك ، فصبر ، حتى برأها الوحي من فوق سبع سماوات ، لما برأها
الوحي كان عنده الصديق فقال لابنته : قومي فاشكري رسول الله
السيدة عائشة قالت : والله لا أقوم إلا لله ، فتبسم عليه
الصلاة والسلام ، وقال : عرفت الحق لأهله .
ـ
أمسكه مرة أعرابي فظ غليظ من ثوبه حتى أثر في عنقه الشريف ،
قال : يا محمد هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك أعطني منه ،
فقال : صدق إنه مال الله :
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ .
ـ
تسأله السيدة عائشة : كيف حبك لي ؟ الآن معظم الأزواج الجهلاء
، يقول لك قصيرة ، لا يبقي عيب إلا ويعيرها به ، فتنهدم
العلاقة بينهما ، تسأله السيدة عائشة : كيف حبك لي ؟ يقول لها
: كعقدة الحبل ، تسأله من حين لآخر : كيف العقدة ؟ يقول : على
حالها متينة .
ـ
حدثته مرة السيدة عائشة عن قصة لزوجين مثاليين ، أبو زرع وأم
زرع ، كان أبو زرع شهماً ، شجاعاً ، كريماً ...إلخ ، لكنها في
نهاية قالت له متأسفة : غير أنه طلقها ، فقال عليه الصلاة
والسلام :
(( كنتُ لك لأبي زرع لأم زرع ،
غير أني لا أطلقك )) .
[ أصله في البخاري بغير قوله :
غير أني لا أطلقك ]
طمئنها .
ما لم تكن سيرة النبي في
مخيلتنا ، ما لم تكن هذه الشخصية الفذة ، شخصية النبي بأخلاقه
، بشمائله ، بتواضعه ، برحمته ، بإنصافه ، بعدله ، أمامنا
نبراساً لنا ففي الإيمان ضعف وخلل .
ـ
أيها الإخوة الكرام ، كان إذا صلى صلاة الفجر كان يقرأ آيات
كثيرة ، لكن مرة سمع غلاماً يبكي ، فاختصر الصلاة ، وسلم
سريعاً ، وتعجب أصحابه فقال : سمعت بكاء صغير ينادي أمه ببكائه
، فرحمتها .
(( ليس منا من لم يجل كبيرنا ،
ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه )) .
[ أخرجه أحمد في مسنده والحاكم
، عن عبادة بن الصامت ] .

هكذا قال عليه الصلاة والسلام
، فيا أيها الإخوة ، ليس القصد أن نستمع لهذه الأخبار عن سيدنا
محمد عليه الصلاة والسلام ، القصد أن تترجم هذه السيرة إلى
واقع نعيشه .
1 – معرفة سيرة النبي فرض عين
:
لذلك النقطة الدقيقة جداً أن
معرفة سيرة النبي ـ دققوا ـ فرض عين على كل مسلم ، السبب أن
هناك قاعدة أصولية تقول : ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ،
الصلاة تتم من دون وضوء ؟ الصلاة فرض والذي لا يتم إلا به فهو
فرض أيضاً ، الوضوء فرض تمام ؟ .
إذا قال الله لعباده المؤمنين
:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .
بصراحة كيف يكون النبي صلى
الله عليه وسلم أسوة لنا حسنة ؟ إن لم نعرف سيرته ، كيف تعالج
ضغطك المترفع وهو القاتل الصامت إن لم تعرف أنك مصاب بالضغط ؟
تماما معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل
مسلم ، لأن الله يقول :
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .
ولا يمكن أن يكون النبي أسوة
لنا إلا إذا عرفنا ماذا فعل كيف أكل ، كيف نام ، كيف عامل
زوجته ، كيف عامل إخوانه ، كيف عامل أولاده .
لذلك أيها الإخوة ، معرفة سيرة
النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم ، كما أن معرفة
سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم ، الدليل هي قوله تعالى
: ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ .
كيف نأخذ ما آتانا إن لم نعرف
ما آتانا ؟ وكيف ننتهي عمن عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي عنه
نهانا ؟ فما لا يتم الواجب به فهو واجب ، وما لا يتم الفرض به
فهو فرض ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة .
2 – حضور دروس السيرة ضروري :
إذاً : حضور درس فقه السيرة
النبوية للمؤمن ضروري جداً كي يعرف كيف كانت أخلاق النبي في
بيته .
أحيانا يخطب إنسان فيتحدث عن
شخص له مكانه ، له منصب ، بجفاء ، بقسوة باسمه فقط ، ويظن أن
هذا إيمان ، لا ، النبي أرسل رسالة إلى قيصر ملك الروم ، فقال
:
(( من محمد ابن عبد الله إلى
عظيم الروم )) .
[ أحمد]
هو قيصر ليس عظيماً عند النبي
، لكن هذا لقب ، فأنت حينما تكون قريباً تتبع سيرة النبي عليه
الصلاة والسلام .
ـ
أنا أريد أن أقول : يمكن أن تتعلم من السيرة كل شيء ، آداب
الطعام والشراب ، ما رؤي ماداً رجليه قط ، هو سيد الخلق وحبيب
الحق ، ما رؤي ماداً رجليه قط ، طبعاً أحيانا يكون الإنسان
معذورا ، هذا وضع آخر ، أما من دون عذر فما رؤي كذلك .
ـ
ما ذم طعاماً قط ، فإذا قدّم لك شخص دعوة لطعام ، وقد تعب في
تحضيره ، فلا تقل له : الطعام ليس طيبا ، إنها منتهى الغلظة ،
ومنتهى الفظاظة ، ما عاب النبي طعاماً قط أبداً .
ـ
ما عامله أحد أصحابه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه ، هذه بطوله
هذه ، أبو بكر مني كالسمع والبصر ، وما ضر عثمان ما فعله بعد
اليوم ، وخالد سيف الله ، وأبو عبيدة أمير هذه الأمة ، والزبير
ابن العوام حواري هذه الأمة ، ما من صحابي إلا وخصه بوصف ،
لذلك ما عامله أحد من أصابه إلا ظن أقرب الناس إليه .
(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي
وَأُمّ )) .
[ أخرجه مسلم عن علي ] .
هذا خالي فأروني خال مثل خالي
.
هذا من سيرته ، مع زوجات
الطاهرات كان زوجا ناجحا جداً ، وكان يعدل بينهن ، وكان صادقا
، كانت حينما تقول له السيدة عائشة وقد ضجرت من كثرة ثنائه على
خديجة وقد توفاها الله ، قالت له : ألم يبدلك الله خيراً منها
؟ قال : لا والله ، صادق ، لا والله ، لا والله .
يا أيها الإخوة ، الذي أريده
أن نترجم مواقف النبي في خصوصياته في بيته ، في بيعه ، في
شراءه ، مع إخوانه ، مع أصحابه ، في الحرب والسلم إلى واقع
نعيشه .

لذلك أختم هذا الدرس بهاتين
الآيتين ، وهاتان الآيتان تفسران لنا ، لماذا يعذب المسلمون
اليوم قال تعالى :

( سورة الأنفال الآية : 33 ) .
هذه الآية واضحة جداً في حياة
النبي ، لكن ما معنى الآية بعد موت النبي ؟ يعني يا محمد ما
دامت سنتك قائمة بعد موتك في حياتهم ، وفي بيوتهم ، وفي
أعمالهم وفي مساجدهم ، وفي بيعهم ، وفي شرائهم ، وفي كسب
أموالهم ، وفي إنفاق أمولهم ، وفي احتفالاتهم ، في مسراتهم ،
وفي أحزانهم ، فهم في بحبوحة من عذاب الله .
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ .
 
( سورة الأنفال ) .
إذاً : نحن حينما نقصر في
تطبيق السنة ، ونستغفر فنحن في بحبوحة ، وحينما نطبق السنة
فنحن في بحبوحة ، وطريق خلاص المسلمين الآن أن يعتمدوا سيرة
النبي عليه الصلاة والسلام ويطبقوها في حياتهم فلعل الله
يرحمهم .
والحمد لله رب العالمين |