|
فقه السيرة النبوية : الدرس 05 –
" صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، وقد كان موضوع الدرس
الماضي الحديث عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم
الخَلقية ، وبعض صفاته الخُلقية .
والآن نتابع الحديث عن صفات النبي صلى
الله عليه وسلم الخُلقية ، لأن الله سبحانه وتعالى
أثنى على خلقه العظيم فقال تعالى :
( سورة القلم ) .
لقد كان صلى الله عليه وسلم
وافر الأدب ، كان يقول : ((
أدبني ربي فأحسن تأديبي
)) .
[ أخرجه ابن السمعاني في أدب الإملاء
عن ابن مسعود ]
وحينما قال :
(( بني الإسلام على خمس )) .
[ متفق عليه عن ابن عمر ]
تبين من هذا الحديث أن الإسلام بناء
أخلاقي ، وأن دعائمه أركان هذا الدين ،
(( بني الإسلام على خمس ))
.
يؤكد هذا المعنى أن العالم الجليل ابن
القيم رحمه الله تعالى يقول : " الإيمان هو الخلق ،
فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان " ، قال
عليه الصلاة والسلام :
(( أدبني ربي فأحسن تأديبي
)) .
وحينما سئلت السيدة عائشة رضي الله
عنها عن خلقه قالت :
(( كان خلقه القرآن
)).
[مسلم عن عائشة]
وحينما قيل : القرآن كون ناطق ، والكون
قرآن صامت ، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي ،
إذاً كان صلى الله عليه وسلم وافر الأدب ، جم التواضع
، وعلامة إيمانك بالله التواضع ، وعلامة تعظيمك لله
التواضع ، لأن الربَ ربٌ ، والعبدُ عبدٌ ، شأن العبد
التواضع ، وشأن الله سبحانه تعالى أنه عظيم ، وأن كل
شيء يصدر عنه عظيم ، وأن الذي لا يرى عظمة الله يستحق
خسارة أبدية لا توصف .
أيها الإخوة الكرام ، تواضع النبي صلى
الله عليه وسلم أحد أسباب شمائله وخلقه العظيم ، كان
إذا دخل عليه رجل وأصابته رعدة يقول له : ((
هون الله عليك
، فلست بملك ،
إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل
القديد
)) .
[أخرجه الحاكم من حديث جرير وقال صحيح
على شرط الشيخين ] .
وكان إذا سافر مع أصحابه ، وقال أحدهم
: علي ذبح الشاة ، وقال الثاني : علي سلخها ، وقال
الثالث : وعلي طبخها ، وقال عليه الصلاة والسلام : علي
جمع الحطب ، يقال له : يا رسول الله ، نكفيك ذلك ،
يقول :
((قد علمت أنكم تكفوني
، ولكن أكره
أن أتميز عليكم ، فإن الله يكره من عبده أن يراه
متميزا على أصحابه ))
.
وكان إذا دخل عليه أعرابي يقول : أيّكم
محمد ؟ يقول له : أنا ، وفي بعض الروايات يقول له بعض
أصحابه : ذاك الوضيء .
وكان عليه الصلاة والسلام :
جم التواضع ، وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام يتحبب
إلى الناس بالسلام .
كان عليه الصلاة والسلام يقول :
(( أفشوا السلام بينكم ))
.
[ رواه أحمد في مسنده والترمذي والضياء
عن الزبير بن العوام ] .
السلام من سمة المؤمنين ، إلقاء السلام
سنة مؤكدة ، لكن رد السلام فريضة ، وأنت حينما تقول
لمن تلتقي به : السلام عليم فقد جعلت العلاقة بينك
وبينه علاقة سلام ، يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكله
إلى محدثه ، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ، ولعله
أدرى به ، هناك من يتعلم فن الكلام ، لكن النبي عليه
الصلاة والسلام علمنا فن الكلام ، وعلمنا فن الاستماع
، ولا يتقن فن الاستماع إلا القلة ، يتقن فن الكلام
كثيرون من البشر ، لكن الذين يتقنون فن الاستماع
قليلون جداً ، فكان يصغي إلى محدثه ، ينصرف بكله إلى
محدثه ، وهذا تكريم له ، وهذا أدب ما بعده أدب أن
تستمع ، أحياناً الإنسان لا يصغي إلى من يحدثه ، ولو
كان أقرب الناس إليه ، .
كان عليه الصلاة والسلام :
يصغي إلى زوجته ، وأحياناً بعد مضي وقت من الزواج ترفع
الكلفة بين الزوجين ، فقلّمَا يصغي الزوج إلى زوجته ،
لكنه عليه الصلاة والسلام أصغى إليها كثيراً ، وقد
حدثته عن قصص كثيرة ، حدثته مرة عن أبي زرع حديثاً
طويلاً ، وتحدثت عن محبته لأم زرع ، وعن وفاءه لها ،
ثم أسفت أشد الأسف حينما قالت : لكنه طلقها ، فقال
عليه الصلاة والسلام : أنا لكِ كأبي زرع ، لكني لا
أطلقك .
كان يصغي إلى محدثه ، بل ينصرف
بكله إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً ، أن تصغي إلى
الكبير شيء مألوف ، أما أن تصغي بكلك إلى صغير فهذا
منتهى مكارم الأخلاق .
كان ينصرف إلى محدثه صغيراً كان
أو كبيراً ، أما إذا صافحه أحد أصحابه فكان آخر من
يسحب يده إذا صافح ، إلى أن يسحب الصحابي يده من يد
رسول الله ، أن تسلم على الناس بحرارة ، بمودة ،
بطلاقة وجه ، أن تسألهم عن أحوالهم ، عن أولادهم ، عن
صحتهم عن معاشهم ، عن أعمالهم ، هذا منتهى الأدب ،
ومنتهى الود .
لذلك ورد في بعض الآثار : بُعثت
لمداراة الناس ، أنت حينما تداري من حولك تتلطف معهم .
لذلك كان عليه الصلاة والسلام :
بشوشاً ، ضاحكاً ، يلقى أصحابه بالبشاشة ، وقد قال :
(( تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدَقةٌ
)) .
[ رواه الترمذي عن أبي ذر ] .
لكنه كان على درجة عالية من الحكمة ،
ومن أخذ الحيطة .
فكان عليه الصلاة والسلام :
يحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد
، إذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين ، وهذا
أيضاً نوع من الأدب ، لا أن تلقي عليه مبلغاً من المال
إلقاءً ، لا أن تكلف أحد أن يعطيه هذا المال ، يضع
الصدقة بيده في يد المسكين ، وإذا جلسَ جلس حيث ينتهي
به المجلس ، أناس كثيرون إذا دعو إلى احتفال إن لم يكن
لهم مكان في الصف الأول غضبوا أشد الغضب ، كان عليه
الصلاة والسلام جلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يُرَ
ماداً رجليه قط ، ولا بين أصحابه ، لم يُرَ ماداً
رجليه قط ، وهذا أدب جم ، هناك جلسة فيها أدب ، هناك
وقفة في أدب ، هناك حركة فيها أدب ، هناك نظرة فيها
أدب ، كان عليه الصلاة والسلام لم يُرَ ماداً رجليه قط
، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته ، أعطانا موازين
ثلاثة .
كان عليه الصلاة والسلام
يقول : ((
برئ من الكبر من حمل حاجته بيده ، وبرئ من النفاق من
أكثر من ذكر الله ، وبرئ من الشح من أدى زكاة ماله
)) .
[ورد في الأثر]
الذي يؤدي زكاة ماله لا يمكن أن يوصف
بالشح ، أعطانا موازين ثلاثة ، إذا حملت حاجتك بيدك ،
ولتكن مرتبتك أية مرتبة ، برئت من الكبر ، فكان عليه
الصلاة والسلام لا يأنف من عمل لقضاء حاجته ، وقد
علمنا ألا نسأل الناس شيئاً .
وكان الصحابي الجليل ينزل عن ناقته
ليلتقط زمام ناقته ، ولا يسأل أصحابه أن يعطوه الزمام
، لم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته ، أو حاجة صاحب أو
جار ، كان في خدمة أصحابه ، لما كانت معركة بدر كان
الصحابة ثلاثمئة رجل أو يزيدون قليلاً ، وكانت الرواحل
قليلة ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( وَأَنَا
وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ ،
فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ
e
، فَكَانَتْ نَوْبَةُ رَسُولِ اللهِ
e
ـ دورُه في السَّيْرِ ـ فقالا له : نَحْنُ نَمْشِي
عَنْكَ ـ ليظلَّ راكباً ـ فقال : مَا أَنْتُمَا
بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ ، وَلاَ أَنَا
بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ )) .
[النسائي في السنن الكبرى ، وأحمد]
وكان يذهب إلى السوق ، ويحمل
بضاعته ويقول : أنا أولى بحملها ، الله عز وجل وصف
الأنبياء :
( سورة الفرقان الآية : 20 ) .
وفي هذه الآية ملمح دقيق ، أن هذا
الإنسان الذي يأكل الطعام ليس إلهاً ، الإنسان الذي
يفتقر في وجوده ، وفي استمرار وجوده إلى الطعام ، لا
يمكن أن يكون إلهاً ، بل إن الإنسان مفتقر مرتين ،
مفتقر إلى أن يأكل ، ومفتقر إلى تحصيل ثمن الطعام ، ﴿
لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي
الْأَسْوَاقِ ﴾ ، فكان عليه الصلاة والسلام يذهب
إلى السوق ، ويحمل بضاعته ، ويقول : أنا أولى بحملها ،
كان يجيب دعوة الحر والعبد والمسكين ، وكان يقول :
(( من دعي ولم يلبي فقد عصا أبا القاسم
))
.
[أحمد]
وكان يقول :
(( لو دعيت إلى كراع لأجبت
، ولو أهدي
إلي ذراع لقبلت
))
.
[أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ] .
أقل شيء في الخروف قدماه ، و في رواية
: لو دعيت إلى كراع بالغميم ، بمكان بعيد في ظاهر
المدينة لأجبت ، وقد دعي مرةً ، وقدّم له خل فقال :
((نعم الإدام الخل ))
.
[ أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود ،
الترمذي ، النسائي ، ابن ماجه عن جابر صحيح مسلم
والترمذي عن عائشة ]
وكان عليه الصلاة والسلام :
يجيب دعوة الحر والعبد والمسكين ، وأنت حينما تدعى إلى
طعام ، أو إلى احتفال ، أو إلى عقد قران ، يجب أن تعلم
أن تلبيتك لهذه الدعوة نوع من العبادة ، لأن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يجيب دعوة من دعاه ، لكن الناس
أحياناً يجيبون دعوة الأقوياء والأغنياء ، ولا يجيبون
دعوة الفقراء ، وهذا مأخذ كبير على الإنسان .
وكان عليه الصلاة والسلام :
يقبل عذر المعتذر ، العظماء أيها الإخوة يغفرون الزلات
، ويقبلون الأعذار ، فهذا الذي ارتكب خيانة عظمى قال
له : يا حاطب ، وقد أخبر قريش أن محمداً سيغزوهم ، ما
حملك على ما فعلت ؟ قال : والله يا رسول الله ما كفرت
، ولا ارتددت ، ولكني لصيق في قريش أردت بهذا الكتاب
أن أحمي أهلي ومالي ، وأنا موقن أن الله سينصرك ،
فاغفر لي ذلك يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام
: إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً .
الإنسان اللئيم لا يسترضى ، ولا يرضى ،
لكن الإنسان المؤمن يسترضى ويرضى .
وكان يقول :
(( من أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك منه
محقا أو مبطلا ))
.
[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي
هريرة ] .
وكان عليه الصلاة والسلام :
يقبل عذر المعتذر ، كان يرفو ثوبه ـ كان يقضي بعض
حاجاته بيده ـ ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويعقل بعيره
، ويكنس داره ، وكان في مهنة أهله ، أي في خدمة أهله ،
أناس كثيرون يترفعون أن يقوموا بأعمال في المنزل ، لكن
النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أنك إذا قمت في بعض
الأعمال في المنزل تمتنت العلاقة بينك وبين زوجتك ،
كان يرفو ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ،
ويعقل بعيره ، ويكنس داره ، وكان في مهنة أهله .
وكان عليه الصلاة والسلام :
يأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس ، جاءه
ملك من ملوك الغساسنة ، عدي بن حاتم ، يظنه ملكاً أو
يظنه نبياً ، هو في حيرة ، فلما لقيه سأله عن اسمه
وتكريماً له دعاه إلى بيته ، وفي الطريق استوقفته
امرأة مسنة ، فوقف معها طويلاً تكلمه في حاجتها ، فقال
في نفسه : والله ما هذا بأمر ملك ، إنه نبي ، فلما دخل
إلى بيته أعطاه النبي وسادة من أدم محشوة ليفاً ، قال
: اجلس عليها ، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، فجلست
عليها ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض
ـ أرأيت إلى هذا التواضع ! وإلى تكريم الضيف ـ ! .
دخل مرةً على عبد الملك بن مروان وفد
تقدمهم غلام ، فغضب أشد الغضب ، وقال لحاجبه : ما شاء
أحد أن يدخل عليه حتى دخل ؟ حتى الصبيان ؟ فابتسم هذا
الصغير وقال : أيها الأمير ، إن دخولي عليك لم ينقص من
قدرك ، ولكنه شرفني ، كان عليه الصلاة والسلام : يأكل
مع الخادم ـ أرأيت إلى هذا التواضع ! وإلى تكريم الضيف
! .
وكان عليه الصلاة والسلام :
يمشي هوناً ، خافض الطرف ، متواصل الأحزان لأنه يحمل
هم البشرية ونحن إن حملنا همّ أسرتنا هذا عمل طيب ،
وإن حملنا هم الأسرة الكبيرة هذا عمل أطيب ، أما
حينما تحمل هم المسلمين فهذا عمل عظيم ، لكن النبي
عليه أتم الصلاة والتسليم كان يحمل هم البشرية ، كان
يقول :
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ،
ولضحكتم قليلا )) .
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في
المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ] .
كان عليه الصلاة والسلام :
يمشي هوناً ، وهناك ملمح في معنى يمشي هوناً ، أن
الدنيا لا تشغله عن هدفه الكبير ، وأن مشكلات الدنيا
لا تصرفه عن معرفة ربه ، ولا عن طلب مرضاته ، أناس
كثيرون أقل مشكلة تنهي تطلعهم إلى الآخرة ، أقل قضية
مزعجة تصرفهم عن طلب الحق ، كان عليه الصلاة والسلام
يمشي هوناً ، وقد وصف الله جل جلاله عباد الرحمن :
( سورة الفرقان الآية : 63 ) .
يعني يفكرون في آخرتهم ، هدفهم واضح ،
هدفهم كبير ، مشكلات الدنيا لا يسمحون لها أن تشغلهم
عن آخرتهم ، ولا عن تحقيق أهدافهم ، يمشي هوناً ، خافض
الطرف ، تواضعاً لله عز وجل ، متواصل الأحزان ، دائم
الفكر ، يفكر ، هذا الفكر يعد أعظم منحة منحنا الله
إياها ، هذا الفكر من أجل أن تعرف الله به ، ومن أجل
أن تبحث عن طرق رضوانه ، لكن معظم الناس أعملوه لغير
المهمة التي خلق لها .
كان عليه الصلاة والسلام :
دائم الفكر لا ينطق من غير حاجة ، كان يقول : نضر الله
وجهه من أوجز في كلامه واختصر على حاجته ،
وكان عليه الصلاة والسلام :
أفصح العرب ، كان يقول :
(( أنا أفصح العرب ، بَيد أني من قريش
)) .
واستخدم أسلوباً بليغاً في تأكيد
فصاحته ، طويل السكوت ، هذا الذي يتكلم دائماً يخطئ
كثيراً ، طويل السكوت ، فيك يا فلان خصلتنا يحبهما
الله ورسوله ، قال : ما هما يا رسول الله ؟ قال الصمت
وحسن الخلق ، فالصمت سمة ترضي الله عز وجل .
وكان عليه الصلاة والسلام :
إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم ، كان كلامه فصلاً ، كلام
عميق ، كلام أساسي ، كلام يضع النقاط على الحروف ، إذا
تكلم تكلم بجوامع الكلم .
وكان عليه الصلاة والسلام :
دمثا رقيق الحاشية ، يألف ويؤلف من رآه بديهة
هابه ومن عامله أحبه ، كان دمثا ليس بالجاحد ، ليس
الذي ينكر المعروف ، قبيل وفاته وقف صلى الله عليه
وسلم خطيباً ، وقال :
(( من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري
فليستقد منه ، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضاً فهذا
عرضي فليستقد منه ، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي
فليستقد منه ، لا يقولن رجل : إني أخشى الشحناء من قبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا وإن الشحناء ليست
من طبيعتي ولا من شأني ))
.
[عن الفضل بن العباس في المعجم
الطبراني الكبير] .
كان دمثا ليس بالجاحد ولا المهين ، لا
يهين أحداً ، يترفق بأصحابه ، جاء أصحاب عكرمة ابن أبي
جهل مسلماً فقال : إياكم أن تسبوا أباه ، فإن سب الميت
يؤذي الحي ، ولا يبلغ الميت ، كان دمثا ليس بالجاحد
ولا المهين ، يعظم النعمة مهما دقت ، أن تشرب كأس ماء
هذه نعمة لا يعرفها إلا من أصيب بالفشل الكلوي ، أن
تنام مرتاحاً هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقد نعمة
النوم ، أن تدخل إلى بيت يؤويك .
كان عليه الصلاة والسلام يقول : ((
الحمد لله الذي آواني ، وكم من لا مأوى له )) .
[الترمذي]
كان إذا استيقظ من منامه يقول : ((
الحمد لله الذي رد إلي روحي
، وعافاني في بدني وأذن لي بذكره
)) .
[الترمذي]
نحن غارقون في نعم لا تعد ولا تحصى ،
ومع ذلك نكثر الشكوى .
كان عليه الصلاة والسلام :
يعظم النعمة وإن دقّت ، إنسان أخذ من ثوبه قشة فرفع
يديه ، وقال : جزاك الله خيراً ، أن له صاحباً ودوداً
، أخذ من ثوبه قشة نزعها بيده ، ما ذم طعاماً قط ، وكم
من إنسان يدعى إلى أفخر طعام ـ ملحها زائد ، هذا
الطعام فيه مشكلة ، ما ذم طعاماً قط ، وهذا من أخلاقه
العلية ، وفي رواية ولا مدحه ، أيضاً أن تكثر من مديح
الطعام ، هذه مشكلة ، ما ذم طعاماً قط ، ولا مدحه ،
ولم يذم مذاقاً ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ، ولا ما
كان لها .
بعضهم قال : لي صاحب كان من أعظم الناس
في عيني ، وكان رأس أعظم ما عظمه في عيني صغر الدنيا
في عينيه ، فكان لا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا
وجد ، لا تغضبه الدنيا ، وما كان لها ، يعرف حجمها
يعرض أنها عرض زائل ، يعرف أنها تنتهي بالموت ، يعرف
أن الدنيا جيفة طلابها كلابها ، يعرف ويقول : إن هذه
الدنيا دار التواء ، لا دار استواء ، ومنزل ترح لا
منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء
، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ،
وجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء
الآخرة بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي
، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، ولا يغضب لنفسه
أبداً ، لا يغضب إلا لله ، ولا ينتصر لها ، يعني حظوظه
وضعها تحت قدمه ، يغضب لله ويرضى لله ، يفرح لله ،
ويحزن لله ، إذا غضب أعرض وأشاح ، يعني علامة غضبه
الإعراض فقط ، هناك من يصخب ، ومن يشتم ، ومن يعلو
صياحه كان إذا غضب أعرض وأشاح ، وكان إذا فرح غض
بصره ، علامة فرحه غض بصره وكان يؤلف ولا يفرق ،
يقول ليس منا من فرق ، هناك من يفرق بين الزوج وزوجته
، بإيغال صدر الزوجة ، وقد يكون أبوها ، وقد تكون أمها
، أو يفرق بين الزوج وزوجته بإيغار صدر الزوج على
زوجته ، وقد يكون أباه أو أمه ، هناك من يفرق بين الأخ
وأخيه ، والشريك وشريكه ، والجار وجاره ، كان يؤلف ولا
يفرق ، يقرب ولا ينفر ، أية قصة قد تباعد بين اثنين ،
أي حديث قد يفرق بين محبين كان عليه الصلاة والسلام
يؤلف ولا يفرق ، يقرب ولا بنفر ، يكرم كريم كل قوم ،
يعرف أقدار الناس ، يقول : أنزلوا الناس منازلهم ،
يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ، يتفقد أصحابه ،
بعضهم تنتهي مهمته بإلقاء الدرس ، لكن بعض الدعاة
يتفقدون إخوانهم ، يقتدون برسول الله ، يتفقدون أحوال
إخوانهم ، أوضاع إخوانهم ، أسر إخوانهم ، مشكلات
إخوانهم .
كان عليه الصلاة والسلام :
يتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، لم يكن
يعيش في برج عاجي ، بعيد عن هموم الناس ، كان يحمل
هموم الناس ، ومن كرم أخلاق الإنسان ، أن إذا كان هناك
مشكلة سأل عنها ، وبحث عن أسبابها ، وسار في طريق حلها
، يسأل الناس عما في الناس ، كان يحسن الحسن ويصوبه ،
عمل حسن يجب أن تصوبه ، وأن تثمنه وأن تثني على فاعله
، هناك إنسان لا يتكلم بكلمه ، قناص يبحث عن الخطأ
فقط ، أما الإنسان الكامل إذا رأى عملاً طيباً ، رأى
موقفاً أخلاقياً ، رأى موقفاً كريماً يثني على صاحبه
يحسن الحسن ويصوبه ، ويقبح القبيح ويوهنه ، كان يتفاعل
مع الأحداث ، أولاً يسأل الناس عما في الناس ، يعنيه
أمر الناس ، كان يعيش مشكلاتهم ، يحمل همومهم يتألم
لألمهم ، يفرح لفرحهم ، وإذا رأى عملا طيبا يثني عليه
، ويقوي يمنة فاعله ، ويقبح القبيح ويوهنه ، لا يقصر
عن حق ولا يجاوزه ، والفضيلة وسط بين طرفين ، لا
يُفَرط ولا يُفرط ، أحيانا يتجاوز الإنسان الحدود التي
رسمت له ، وأحيانا يقصر عن الواجبات التي كلف بها .
كان عليه الصلاة والسلام :
وسطيا ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، هذه
بطولة ، ألاف مؤلفة حوله كل واحد من أصحابه يظن أنه
أقرب الناس إليه ، من يستطيع ذلك ؟ لا يحسب جليسه
أن أحدا أكرم عليه منه ، من سأله حاجة لم يرده إلا بها
.
(( يا رسول الله ، لمن هذا الوادي ،
قال : هو لك ، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله ، هو
لك قال : أشهد أنك رسول الله ، تعطي عطاء من لا يخشى
الفقر )) .
[ورد في الأثر]
ما قال لا يوما إلا في تشهده لولا
التشهد كانت لاءه نعم
يعني ما قال لا إلا في تشهده ، من
سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو ما يسره من القول ،
يطيب خاطره ، يجبر كسره ، كان دائم البشر ، طليق الوجه
مبتسم دائماً ، سهل الخلق ، لين العريكة ، يألف ويؤلف
.
(( رحم اللّه عبداً سمحاً إذا اشترى ،
سمحاً إذا باع ، سمحاً إذا قضى ، سمحاً إذا اقتضى ))
.
[ رواه البخاري وابن ماجه عن جابر ] .
وكان دائم البشر سهل الخلق ، لين
الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، الله عز وجل أرشده ، هو
الذي أوتي جوامع الكلم ، أوتي الفصاحة ، أوتي وحي
السماء ، أوتي القرآن أوتي المعجزات ، أوتي الجمال ،
أوتي النسب ، جمع أطراف المجد كلها ، ومع ذلك يقول
الله له :
( سورة آل عمران الآية : 159 ) .
ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب ، ولا
فحاش ، لم يكن صخاباً ، فاحش القول ، قد تجلس مع إنسان
لا تطيق حديثه ، لشدة فحشه ، ولشدة مزاحه الرخيص .
وكان عليه الصلاة والسلام :
ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب ، ولا فحاش ، ولا عياب ،
هذا الذي يبحث عن العيوب ، هو قناص ، أينما رأى عيباً
ذكره ، ووسع دائرته وعممه على كل الناس ، لم يكن
صخاباً ، ولا فحاشاً ، ولا عياباً ، ولا مزاحاً ،
يتغافل عما لا يشتهي ، الشيء الذي لا يشتهيه يتغافل
عنه ، ولا يخيب فيه مؤملة ، وكان لا يذم أحداً ، ولا
يعيره ، الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن ذكره فقد اغتابه
، وإن عيره فقد ابتلي به ، وإن رضيه شاركه في الإثم ،
كان يعلمنا أن إذا رأيت صاحب مصيبة أحمد الله أن كنت
معافاً من هذه المصيبة ، من غير أن يسمعك هناك أنس
تشكو إليهم حاجتك ، يقول : لا أنا الحمد لله ، أنا
عندي زوجة جيدة ، وعندي أولاد نجباء ، فكان عليه
الصلاة والسلام إذا شكا إليه أحد طيب قلبه ، لكن فيما
بينه وبين الله يحمد الله أن عافاه من هذه المشكلة ،
وكان لا يذم أحداً ، ولا يعيره ، ويطلب عورته ، من
تتعب عورات الناس تتبع الله عورته حتى يفضحه في جوف
بيته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجى ثوابه ، والله أيها
الإخوة قد تجلس في مجلس 90% من الكلام لا معنى له ،
ولا طائل منه ، وليس له فائدة ، وليس له معنى ، كلام
فارغ ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يتكلم إلا فيما
يرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، يعيش معهم ،
هذا الذي يجلس مع قوم دون أن يشاركهم أفراحهم وأتراحهم
، ليس منهم ، موقف في جفاء ، فيه ترفع ، فيه استعلاء .
وكان عليه الصلاة والسلام :
يضحك مما يضحك منه أصحابه ، ويتعجب مما يتعجبون ، شيء
شغل الناس يشاركهم بانشغالهم ، شيء أقلق الناس يشاركهم
في قلقهم ، شيء أفرح الناس يشاركهم في فرحهم ، يصبر
على الغريب .
(( اعدل يا محمد ، فقال : ويلك ومن
يعدل إذا لم أعدل )) .
[أحمد]
أعطني من هذا المال يا محمد ، فهو ليس
مالك ، وليس مال أبيك ، قال : صدق ، إنه مال الله ، ما
هذا الحلم !
يصبر على الغريب ، جاء أعرابي وبال في
المسجد ، فقام إليه الأصحاب ، قال : (( دعوه ، لا
تزرموا عليه بوله ، فلما انتهى قال : يا أخا العرب ،
إن هذا المكان ليس لهذا الذي فعلت ، فقال : اللهم
ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، قال : يا أخي
، لقد حجرت واسعاً )) .
[البخاري]
يصبر على الغريب وعلى جفوته ، في
مسألته وفي منطقه ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه
كما قلت قبل قليل كان يحسن الاستماع .
والحديث أيها الإخوة عن شمائله صلى
الله عليه وسلم حديث يطول ، لا تتسع له المجلدات ، ولا
خطب في سنوات ، ولكن الله جل جلال لخص كل هذه الأخلاق
العلية في كلمات : ﴿
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .
أيها الإخوة ، كل واحد منا إذا تأسى
بأخلاقه العلية تألق عند الله وعند الناس ، وإذا ابتعد
عن أخلاقه العلية أثار حوله جدلاً طويلاً ، وسقط من
عين الله وسقط من عين الناس .
أيها الإخوة ، مرةً ثانية : الإيمان هو
الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ،
لكن أعيد وأقول : الخلق الأصيل هو الخلق الذي تستمده
من اتصالك بخالق الأكوان ، أنت حينما تتصل بالرحيم
تكون رحيماً ، وحينما تتصل بالحليم تكون حليماً ،
وحينما تتصل بالودود تكون ودوداً ، وحينما تتصل بالعفو
تكون عفواً ، فمكارم الأخلاق كما ورد في الأثر مخزونة
عند الله تعالى ، فإذا أحب الله تعالى عبداً منحه
خلقاً حسناً ، الأخلاق الأصيلة لا تكون إلا من الله عز
وجل ، هناك أخلاق نلتقي ببعض الناس نجدهم على خلق لكن
هذه أخلاق الأذكياء الأخلاق الأصيلة سببها التدين
الحقيقي ، وسببها الاتصال بالله الحقيقي ، لكن أخلاق
بعض الناس أخلاق أساسها المصلحة ، وأساسها تفوقهم في
ذكائهم ، لكن هؤلاء هددت مصالحهم ينقلبون إلى وحوش ،
فلذلك يقول الله عز وجل :
( سورة آل عمران الآية : 179 ) .
أيها الإخوة ، في درس قادم إن شاء الله
نتابع الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم ، عن بعض
دقائق سيرته في البدايات .
والحمد لله رب العلمين |