|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة
النبوية :
الدرس : [
49 ] ـ 16/
12
/ 2006 ـ
التنظيمات
الإدارية : حمى المدينة ـ
لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما
علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ،
وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا
إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين
، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار
المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ،
مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، ولا
زلنا في التنظيمات التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم
للمجتمع المسلم في أول كيان سياسي إداري للمسلمين .

والناس اليوم إذا ذُكر الدين
يتوهمون أنه عبادات فقط ، تصلي ، وتصوم ، وتحج وتزكي ، وانتهى
الأمر ، الدين هو الحياة ، في بالدين تنظيم للعمران ، في
معالجة للأمراض في اتفاقيات ، في إصلاح للدنيا ، اعمل لآخرتك
وأصلح دنياك .
نحن قد نفاجأ أن النبي صلى
الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بدأ يعالج مشكلاتها ،
والدين حينما يعزل عن مشكلات المجتمع ينتهي ، الدين يجب أن
يعالج مشكلة البطالة ، أزمة السكن ، أزمة الزواج ، تأمين فرص
عمل ، أن يعالج القضايا الصحية العمرانية ، الأعمال ، التنظيم
، هذا من الدين ، الدين هو الحياة ، وليس الدين عبادات تؤدى
أداءً أجوفاً ، وانتهى الأمر .

1 ـ حمّى يثرب :
أيها الإخوة ، المهاجرون بعد
قدومهم إلى المدينة أصيبوا بمرض شائع في المدينة اسمه حمى يثرب
، هذه المدينة يثرب اشتهرت بهذا المرض ، والمهاجرون حينما
قدموا إلى المدينة هناك اختلاف مناخي وبيئي بين مكة والمدينة .
نحن في دمشق إذا سكن أحدنا في
الساحل قد لا يستريح ، هناك رطوبة عالية جداً ، وأبناء الساحل
إذا جاؤوا إلى مدينة داخلية لا يستريحون ، هناك جفاف في المناخ
، فالإنسان مخلوق بإتقان رائع ، حيث إنه يألف البيئة ، ويتوافق
معها ، ويتكيف معها حتى تصبح البيئة جزءاً من كيانه ، فإذا
انتقل إلى بيئة أخرى شعر بحرج .
فأهل مكة ، الأصحاب الكرام
الذين هاجروا إلى المدينة اختلف عليهم المناخ ، واختلفت عليهم
البيئة ، وفي الأصل في بالمدينة مرض اسمه حمى يثرب .
فصحة المهاجرين لم تتحمل هذا
الوباء ، وكان له آثار جسيمة على المهاجرين ، حتى أوشك بعضهم
أن يموت ، لماذا أذاق الله النبي الفقير فصبر ؟ أذاقه الغنى
فأنفق ، أذاقه القهر في الطائف فراجع نفسه مع الله عز وجل ،
أذاقه النصر في مكة فتواضع ، أذاقه موت الزوجة السيدة خديجة
فتألم وصبر ، أذاقه موت الولد فصبر ، وقال :
(( إن العين لتدمع ، وإن القلب
ليحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإن عليك يا إبراهيم
لمحزونون )) .
[ البخاري عن أنس ]
وأذاقه أن بنته طلقت ، وأذاقه
الهجرة ، والهجرة اقتلاع من الجذور ، إنسان مستقر في بلد ،
صحته متوافقة مع هذا المناخ والبيئة ، فينتقل فجأة إلى بلد
يختلف في مناخه وفي بيئته عن بلده الأصلي .
2 ـ لا لإهمال الصحة :
ويمكننا أن نتعرف إلى ما أصاب
المهاجرين ، ومن ثم ما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من
مواقف وأعمال أدت إلى تحول المدينة من الوباء إلى الصحة .
ماذا نستنبط ؟ مؤمن يهمل صحته
أمرٌ مرفوض ، صحتك رأس مالك ، بل إن من لوازم عبوديتك لله أن
تحترم قوانين الله في جسمك ، تأكل ما تشتهي بلا ضابط ، وبلا
توجيه طبيب ، ثم تفاجأ بمرض عضال ، وتقول : إن الله قدر علي
هذا المرض ، هذا المرض نتيجة طبيعية لعدم الأخذ بالأسباب ،
المؤمن شخصية فذة ، جسمه قوي ، تفكيره واضح ، معنوياته عالية ،
نفسيته طاهرة ، بيته منظم ، عمله منظم ، مواعيده دقيقة ،
حساباته دقيقة ، هذا الذي نتوهمه أنه مؤمن مهمل ، ثيابه غير
أنيقة ، معاملته غير منضبطة ، مواعيده غير منضبطة ، هذه مشكلة
كبيرة ، لذلك الآية الكريمة :

( سورة الممتحنة الآية : 5 ) .
لما تعامل إنسانا غير مسلم ،
تهمل مواعيدك ، تأتي بعد ساعة ، عملك غير متقن ، حساباتك غير
منضبطة ، محلك التجاري ما فيه نظام أبداً ، ولا نظافة ، بضاعتك
مهملة ، أو بضاعة انتهت صلاحيتها ، وتبيعها خطأ ، وأنت مسلم !
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
.
الطرف الآخر يوم يرى المسلم
مقصر ، مواعيده غير صحيحة ، صحته متردية أكله غير منضبط ،
بيته غير منضبط ، أولاده مهملون ، هذا الطرف الآخر يتشبث
بكفره ، من الذي أقنعه بكفره ؟ المسلم المقصر ، المسلم
المقصر هو الذي يقنع الكافر بكفره ، الكافر مواعيده دقيقة ،
صناعته متقنة ، واضح وضوح شديد .
3 ـ الإسلام حياة شاملة :
فلذلك أيها الإخوة ، الإسلام
هو الحياة ، الإسلام هو التفوق ، لي كلمة أنا مقتنع بها ، ولا
تطالبوني بالدليل :
الآن في هذا العصر بالذات ، إن
لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك ، طبيب من عام 58 ما قرأ
كلمة في الطب بعد ما تخرج ، وهو مسلم من رواد مسجد ، وفي
العالم الغربي الطبيب إن لم يحضر في العام الواحد ثلاث مؤتمرات
لا يسمح له بمزاولة حرفته ، من عام 58 لم يقرأ كلمة ، كله على
القديم ، يقول لك : أنا تلميذ الشيخ الفلاني ، خير إن شاء
الله ، الآخر متفوق ، أنا أقول لكم كلاما من واقع مؤلم ، مؤمن
سبهللا ، غير متقن لعمله ، غير متقن لمواعيده ، لا يعتني بصحته
إطلاقاً ، بيته سائب ، أولاده في الطريق ، زوجته عند الجيران
دائماً ، هو مسلم ؟ لا أبداً .
الآن تفاجؤون أن النبي صلى
الله عليه وسلم وهو في المدينة أسس مجتمعًا منظّمًا ، عالج
مشكلات المدينة الصحية ، والعمرانية ، وعالج الخدمات ، إذاً :
النبي عليه الصلاة والسلام بمواقفه وأعماله حول المدينة من
الوباء إلى الصحة .
4 – شكوى الصحابة من الحمى
ودعاء النبي بإذهابها :
فعن عائشة رضي الله عنها قالت
:
((
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدمها وهي أوبأ
أرض الله من الحمى ـ فيها مجموع أمراض ، في مقدمة هذه الأمراض
الحمى ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم ، فصرف الله تعالى ذلك عن
نبيه ، قالت : فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة ، وبلال مع أبي بكر
في بيت واحد فأصابتهم الحمى ، فدخلت عليهم أعودهم ، وذلك قبل
أن يضرب علينا الحجاب
)) .
الحجاب حق من صلب الدين .
بالمناسبة في فرنسا ظنوا أن
الحجاب رمز إسلامي ، فمنعوا كل الرموز الدينية ، اليهود يضعون
قبعة على رؤوسهم ، والحجاب ظنوه رمزاً إسلامياً ، أنا كان
تعليقي أن الحجاب ليس رمزاً ، بل هو جزء من الدين .
السيارة المشهورة التي لها
علامة ثلاثة خطوط المرسيدس ، هذه الإشارة في مقدمة السيارة رمز
لها ، لكن مكبح السيارة ليس رمزاً للسيارة ، بل هو جزء أساسي
منها ، فلو ألغيت هذه الشارة تبقى السيارة سيارة ، أما إذا
ألغي المكبح كان الحادث حتميًا .
هذا كلام دقيق ، الحجاب في
الإسلام كالمكبح للسيارة ، أما أن نظنه رمزاً يمكن أن نلغيه
فهذا كلام في جهل كبير .
قالت : وبهم لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك
، أيْ ألم المرض ، فدنوت من أبي بكر فقلت له : كيف تجدك يا
أبتِ ؟ فقال : كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
ـ يعني على وشك الموت ، هذه الهجرة ، دُفع ثمن باهظ
ـ قالت : فقلت : والله ما يدري أبي ما يقول
، ثم دنوت من عامر ، فقلت له : كيف تجدك يا عامر ؟ قال :
لقد وجدت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مــجاهد بطوقه
كالثور يحمي جلده بروقه
كان سيدنا الصديق ومولاه عامر
وبلال في حالة يرثى لها ، قالت : فقلت : والله ما يدري عامر ما
يقول ، قالت : وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ،
ثم رفع صوته فقال :
ألا ليت شعري أبيتن لـيلة
* بواد وحـولي إذخر وجـليل
وهل أردن يوما مياه مجنة
* و هل يبدون لي شامة وطفيل
ثلاثة رجال في حالة مرض شديد ، وهم على وشك
الموت ، قالت عائشة رضي الله عنها : فذكرت ذلك لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ما سمعت منهم ، فقلت : إنهم ليهذون وما يعقلون
من شدة الحمى ، قالت : فقال عليه الصلاة والسلام : اللهم حبب
إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة
)) .
بالدعاء .
إخواننا الكرام ، الدعاء أكبر
سلاح يملكه المؤمن ، الدعاء سلاح المؤمن ، اللهم حبب إلينا
المدينة كما حببت إلينا مكة ، أو أشد .
لذلك تروي السيرة أن النبي صلى
الله عليه وسلم حينما خرج من مكة إلى المدينة مهاجراً قال : يا
رب ، إني تركت مكة ، وهي أحب البلاد إلي ، فأسكني أحب البلاد
إليك ، فسكن في المدينة ، وهي بنص الحديث أحب بلاد الله إلى
الله .
قال : وبارك لنا في مدها
وصاعها ، وانقل وبائها إلى مهيعة ، مكان بعيد ، دعاء حبب
إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، أو أشد وبارك لنا في مدها
وصاعها ، وانقل وبائها إلى مهيعة ، أي إلى الجحفة .
وعن عبد الله بن عمر بن العاص
((
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم
المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة ، حتى جهدوا مرضاً ،
وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، حتى كانوا ما
يصلون إلا وهم قعود من شدة الوعك ، قال : فخرج عليهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك ، فقال لهم : اعلموا أن
صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم
)) .
الآن في معظم المساجد عدد كبير
من المصلين كلهم على كراسي ، المريض معذور ، وصلاة القاعد إذا
كان يستطيع أن يقوم على النصف .
قال : ((
فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف
والسقم التماس الفضل
)) .
[ أحمد ]
من هاتين الروايتين يتضح أن
شدة بالغة أصابت الصحابة الكرام في المدينة المنورة ، والدعاء
لم يُعرف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أي انفصال بين
القول والعمل .

دقق الآن : ولا بين الدعاء ولا
الأخذ بالأسباب ، هنا موطن الشاهد ، أنت لك أن تدعو الله ، أن
تنجح في الامتحان ما لم تدرس الدعاء استهزاء بالله عز وجل ،
أنت لك أن تدعو الله ، ولكن الدعاء لا يقبل إلا إذا أخذنا
بالأسباب .
تراجع المركبة قبل السفر
مراجعة كاملة ، وتقول يا ربي أنت الحافظ ، وفقني في هذا السفر
، سلمني في هذا السفر ، أما ألا تراجع المركبة إطلاقاً ، وتسأل
الله السلامة من دون أخذ بالأسباب فلا !!!
سيدنا عمر رأى أعرابياً معه
جمل أجرب ، قال : << يا أخا العرب ، ما تفعل بهذا الجمل ؟ قال
: أدعو الله أن يشفيه ، فقال له سيدنا عمر : هلا جعلت مع
الدعاء قطراناً ؟ >> .
من اكتفى بالدعاء ، ولم يأخذ
بالأسباب لم يفهم الدين ، الابن حرارته 41 ، يا رب اشفه ، لا
بد أن تأخذه إلى الطبيب ، وتشرف بنفسك على تلقي الدواء ، تدفع
صدقة ، وبعد هذا تقول : يا رب أنت الشافي ، ولا شافي إلا أنت .
فيجب أن يسبق الدعاء أخذ بالأسباب ، والمشكلة
أيها الإخوة أن الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها ، والشرق لم
يأخذ بالأسباب أصلاً ، فالغرب وقع في الشرك ، والشرق وقع في
المعصية ، نحن نتوهم ، ما معنى إنسان دين ؟ يعني أنه متوكل على
الله ، الفاكهة يأكلها قبل أن يغسلها ، سمِ الله ، لا يضر
مع اسمه شيء ، هذا غير إسلامي ، يقول عليه الصلاة والسلام
:
(( من أكل الطين فكأنما أعان
على قتل نفسه )) .
[ أخرجه الطبراني عن سلمان ].
من أكل فاكهة من دون أن يغسلها
فهو مؤاخذ ، لما كان يشرب الماء يقول :
(( أبن القدح عن فيك )) .
[ رَوَاهُ التِّرمِذِيّ عن أبي
سعيد الخدري ]
لأن الزفير ينقل بعض الأمراض ،
ما شرب من إناء فيه ثلمة ، لأن هذه الثلمة تتوضع فيها الجراثيم
، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله
وكأنها ليست بشيء ، تجري مراجعة للمركبة تامة وتقول : يا رب
سلم ، يا رب احفظني .
فكان دعاءه هذا مقروناً بالعمل
وإعداد الأسباب .
بصراحة هل هناك إنسان على وجه
الأرض أحق بالنصر من سيد الخلق ؟ ومع ذلك في الهجرة أخذ بكل
الأسباب ، هيأ إنساناً يمحو الآثار ، وهيأ إنسان يأتيه
بالأخبار ، وهيأ إنسان يأتيه بالزاد ، وسار باتجاه معاكس
للمدينة ، وقبع في غار ثور أياماً ثلاثة ، ثم استأجر دليلاً
رجح فيه الخبرة على الولاء وأخذ بكل الأسباب ، هذا هو الدين .
في التجارة ، في الصناعة ، في
الزارعة ، في الوظيفة يجب أن تأخذ بكل الأسباب وكأنها كل شيء ،
ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
السيدة عائشة تقول : ((
وقدمنا المدينة ، وهي أوبأ أرض الله ، وكان بطحان يجري نجلاً ،
أي بماء آسن ملوث ، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح الماء يجري
عذباً ، قالت السيدة عائشة : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم إن بطحان على ترعة من ترع الجنة )) .
إخواننا الكرام ، حينما كنت
صغيراً أذكر أنّ نهر يزيد في دمشق معظم أهل الصالحية يشربون
منه ، كان هناك دين ، ما أحد يلقي فيه شيئاً ، الآن مياه سوداء
، كلما قوي إيمان الإنسان يحافظ على البيئة ، وكلما ضعف إيمانه
يلوث البيئة ، الآن مياه بردى لونها أسود ، من الروافد ،
والمياه المالحة ، وهل تصدقون وأنا والله أذكر ذلك معظم أهل
الصالحية يشربون من ماء نهر يزيد ، لوجود الورع ، و الدين .
فالنبي نهى أصحابه ، ما عاد
الماء ملوثا ، توقفت الأمراض ، أصبح هذا الوادي فيه ماء نقي .
شيء آخر : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( تنظفوا بكل ما استطعتم ،
فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة ، ولن يدخل الجنة إلا
كل نظيف )) .
[ الطبراني في المعجم الأوسط
عن عائشة ]

أريد أن أعطيكم فكرة عن نظافة
النبي ، وعن أناقته ، وعن ذوقه الرفيع ، أمامه طبق تمر ، فأخذ
تمرة وأكلها ، ما الذي يجري عادة ؟ بعد أن يأكلها يمسك بالنواة
، ويضع النواة على طرف الخوان ، إصبعاه أخذا شيئاً من لعابه
الشريف ، أخذ النواة من فمه محاطة باللعاب ، ومسكها بإصبعه ،
لو مسك تمرة ثانية وجدها قاسية جداً فتركها ، وأكل الثالثة ،
ما الذي حصل ؟ انتقل لعابه الشريف إلى تمرة لم يأكلها ، كيف
كان يأكل التمر ؟ كان يضع النواة هنا ، وتبقى أصابعه جافة ،
أرأيت إلى هذا الذوق ؟ كان إذا أكل التمرة وضع النواة على ظهر
أصابعه ، أما إبهامه وسبابته تبقى هاتان الإصبعان جافتين ،
هكذا الذوق .
كان عليه الصلاة والسلام يُعرف
بريح المسك ، كان يقول : نظفوا أفنيتكم ، تدخل بيتا نظيفا ،
والله دخلت مرة إلى بيت في بلدة من قرى دمشق ، والله بيت
متواضع جداً بغير إسمنت ، لبن وطين ، لكن طلاءه جيد ، فيه
نظافة ، فيه ترتيب ، شيء لا يصدق ، المؤمن نظيف ومرتب ، ولو
كان بيته متواضعا ، أحياناً هناك أناقة ، وتناسب ألوان ،
ونباتات بقياس واحد كلها ، كلها مطلية بطلاء واحد ، شيء جميل .
فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا قال
:
(( إن الله تعالى طيب يحب
الطيب ، نظيف يحب النظافة ، كريم يحب الكرم جواد يحب الجود ،
فنظفوا أفنيتكم )) .
[ أخرجه الترمذي عن سعد ].

1 ـ النظافة أحد أسباب الصحة
:
والآن ثبت أن النظافة أحد
أسباب الصحة ، وهناك أمراض كثيرة سماها العلماء أمراض القذارة
، وفي العالم الآن 300 مليون إنسان مصاب بمرض القذارة ، حيث
يكفي أن يدخل إنسان إلى دورة المياه ، وبعد ما انتهى ما نظف
أصابعه تماماً ، لو كان معه وباء كبدي قاتل يمكن أن ينقل المرض
إلى 300 إنسان من رواد المطعم ، فالنظافة أحد أسباب الصحة .
فالنبي عليه الصلاة والسلام حض
على الطهارة بشتى مجالاتها ، طهارة النفس طهارة الجسم ، طهارة
اللباس ، والسكن .
2 ـ هذا هو أسلوب التنظيف في
الغرب :
صدقوا ، أنا زرت بلاد كثيرة
جداً ، في كل أستراليا ليس هناك إلاّ الورق للتنظيف في دورات
المياه ، أما عندنا فهناك مياه ، والتنظيف بالمياه أعلى مستوى
، وفي كل أمريكا التنظيف ورق ، ودورات المياه بالمطارات كلها
ورق ، أما في بلادنا فهناك ماء ، وأمراض القذارة مشكلة كبيرة
جداً ، والمسلمون الذين يعتنون بنظافتهم نظافة نفوسهم أولاً ،
ونظافة أجسامهم ، ونظافة ثيابهم ، ونظافة بيوتهم ناجون من
أمراض لا تعد ولا تحصى .
3 ـ من التوجيهات النبوية في التنظيف
:
لذلك دقق في بعض التوجيهات :
ـ لا يجوز التبول في مهب الريح
، لأن البول يعود على الإنسان بفعل الرياح ، ولا في الماء
الراكد ، ولا في ماء قليل ، ولو كان جاريا ، الماء القليل
الجاري محرم البول فيه ، أو في كثير أيضاً ، ولا في المقابر
احتراماً للموتى ، ولا في الطرقات .

1 – صفة العدالة
وأثرها في المسلم
:
بالمناسبة ، الإنسان عنده حقوق
مدنية بالمصطلح الحديث ، لكن قديماً عنده العدالة ، العدالة
تمتع الإنسان بالحقوق المدنية ، الضبط والعدالة ، الضبط صفة
عقلية ، والعدالة صفة نفسية ، هذه العدالة إما أن تسقط ، وإما
أن تجرح ، كيف تسقط ؟
من عامل الناس فلم يظلمهم ،
وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم ولم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته ،
وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته .
هذا مؤمن يتمتع بحقوقه المدنية ، من عامل الناس
فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن
كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته وحرمت غيبته ، إذا
عاملهم فظلمهم ، سقطت عدالته ، إذا حدثهم فكذبهم ، سقطت عدالته
.
(( المؤمن يطبع على كل خلق إلا
الكذب والخيانة )) .
[مسند أحمد عن أبي أمامة ] .
فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً ،
ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته ، هذه الأشياء الثلاثة تسقط
العدالة .
2 – حالات تجرح العدالة :
لكن هناك 33 حالة تجرحها ، من
بال في الطريق ، جرحت عدالته ، من مشى حافياً جرحت عدالته ، من
أكل في الطريق حرجت عدالته ، من قاد برذوناً ، قاد كلبًا
مخيفًا ، خوّف الصغار جرحت عدالته ، من أطلق لفرسه العنان ،
الآن أسرع في السير بالسيارة ، جرحت عدالته ، من كان حديثه عن
النساء جرحت عدالته ، من تنزه في الطرقات ، طريق يعج
بالحسناوات ، كاسيات عاريات ، يحلو له التنزه بهذا المكان جرحت
عدالته ، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق جرحت
عدالته ، من طفف بتمرة ، فلم يأتِ الوزن تماماً ، حمل ، وقال
له : تفضل ، الآن بالبنزين تقول له : فرضاً بألف لير ، 995 ،
لا يكملها ، تطفيف بتمرة ، يجرح العدالة ، أكل لقمة من حرام ،
أكل مشمشة ، كم الكيلو ؟ غالي الثمن ، أكل لقمة من حرام ،
تطفيف بتمرة ، الحديث عن النساء ، التنزه في الطرقات ، من علا
صياحه في البيت ، من قاد برذوناً ، من أطلق لفرسه العنان ، هذا
كله يجرح العدالة ، من مشى حافياً ، من بال في الطريق ، من صحب
الأراذل ، إنسان منحرف الأخلاق ، تمشي معه تتهم به ، فعد
الفقهاء 33 بنداً تجرح العدالة .
3 – احذر أن تفعل مثل هذا :
لذلك لا يجوز التبول لا في مهب الريح ، ولا في
ماء راكد ، ولا في ماء قليل جارٍ ، أو كثير ، ولا قي المقابر ،
ولا في الطرقات ، وقد قال عليه الصلاة والسلام
:
(( اتقوا الملاعن الثلاث :
البراز في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظل )) .
[ أخرجه أبو داود وابن ماجة
والحاكم ، والبيهقي ، عن معاذ ] .
نبع ماء صافٍ تقضي حاجة جانبه
؟ ويرتاده الناس ليشربوا ! وفي قارعة الطريق وفي الظلال ،
ظلال الأشجار ، ولا يجوز أن يبول المرء تحت شجر مثمرة .
أيها الإخوة ، النبي عليه
الصلاة والسلام توضأ من قعر ، فضلت فضلة قال : ردوها في النهر
ينفع الله بها قوماً آخرين ، هذا اسمه ترشيد استهلاك المياه ،
فضلت فضلة ردوها في النهر ، ينفع الله بها قوماً آخرين .
أحيانا من أجل تبريد الماء
تستهلك نصف متر مكعب ، ضع قارورة في البراد ، أما أن تستهلك
هذا الماء ، في إلقاء الفضلات ، القمامة ، والتغوط ، والتبرز ،
أمر النبي الكريم بالابتعاد عن المساكن في إلقاء الفضلات ،
وجعل لها أماكن مخصصة تدعى المناصع ، بعيداً عن المساكن ، هذه
تنظيمات ، الدين حياة ، الدين نظافة ، الدين نظام ، الدين صحة
، الدين وقاية من الأمراض ، المسلم بتصور الناس مهمل ، ما فيه
نظافة ، ولا نظام ، ولا موعد ، ولا إتقان بالعمل .
4 – إتقان العمل من صميم الدين
:
والله مرة متعهد يتعهد لتجديد
مدرسة ، يضع القفل ، والبرغي المحلزن بالمطرقة ضربة واحدة صار
بالداخل ، هذا البرغي قوته تأتي من إدخاله بشكل دائري ، أما
ضربة بالمطرقة دخل لداخل الخشب حفر موشور ، بعد أيام يُنزع
القفل ، أسرع ، قال لي : هكذا قلت له : ما هذا ؟
لذلك نحن إخواننا الكرام عندنا تخلف كبير جداً
، ليس هذا هو الإسلام ، الإسلام إتقان
.
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل
أحدكم عملا أن يتقنه )) .
[ أخرجه البيهقي ، عن عائشة
رضي الله عنها ] .
الإتقان جزء من الدين ، تروي
الآثار : أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء في دفن بعض
الصحابة الذي حفر القبر ترك فرجة هكذا ، فقال عليه الصلاة
والسلام :
(( إن هذه لا تؤذي الميت ،
لكنها تؤذي الحي )) .
[ ورد في الأثر ]
أحياناً مفتاح الكهرباء مائل
مزعج ، هذا الميل يُرش الذوق ، اجعله متوازياً مع أرض الغرفة ،
يقول لك : يعمل ، لو عمل فهناك ذوق ، فلذلك كان عليه الصلاة
والسلام لما قال :
(( إن هذه لا تؤذي الميت لكنها
تؤذي الحي )) .
(( إن الله تعالى يحب إذا عمل
أحدكم عملا أن يتقنه )) .
[ الطبراني في الأوسط عن عائشة
]

أيها الإخوة ، أنا أبين لكم
ماذا فعل النبي في المدينة ، جعل الإسلام هو الحياة جعل
النظافة ، والنظام ، والخدمات ، جعلها في أعلى مستوى ، لذلك
هذه الحمى التي كانت من علامات المدينة ، حمى يثرب تلاشت ، هو
دعا وأخذ بالأسباب ، وبعدئذٍ توكل على رب الأرباب .
والحمد لله رب العالمين
|