|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة
النبوية
02/
12
/ 2006 : الدرس : [
47 ]
ـ
02/
12
/ 2006 ـ
الاتفاقية
التي أبرمها الرسول صلى الله عليه وسلم مع سكان المدينة ـ
لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي .
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما
علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ،
وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا
إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين
، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار
المعرفة والعلم ومن وحور الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية
،
وقد وصلنا في الدرس السابق إلى المؤاخاة التي
أحدثها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار .
وننتقل اليوم إلى فقرة ثانية من التنظيمات
الإدارية التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم
،
فكانت القاعدة الصلبة للدولة الإسلامية .

كانت المدينة عشية وصول رسول
الله صل الله عليه وسلم تشكل مزيجا إنسانيا متنوعاً من حيث
الدين والعقيدة ، ومن حيث الانتماء القبلي والعشائري ، ومن
حيث نمط المعيشة ، ففيهم المهاجرون ، وفيهم الأوس والخزرج ،
والوثنيون من الأوس والخزرج ، واليهود من الأوس والخزرج ،
وقبائل اليهود الثلاثة بنو قينقاع ، و بنو النظير و بنو قريضة
، والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب ، والموالي والعبيد ،
والأحلاف ، وكانت موارد رزقهم متنوعة بين العمل في التجارة
والزراعة والصناعة ، والرعي والصيد والاحتطاب ، وكان توزعهم
السكني قائما على هيئة قرى ، أو آطام ، أو حصون تحيط بها
البساتين والأراضي المزروعة ، يدخلون حصونهم بعد حلول الظلام ،
ويحرسون منازلهم خوف الغزو والغارة ، وتبلغ عدد تجمعاتهم
السكنية 59 ، ولكل عشيرة منهم زعامة تقوم على رعاية شؤونها ،
وضمان عيشها وأمنها ، ولم تندمل بعد جراحات الأوس والخزرج التي
خلفتها بينهم حرب بعاث ، ويمكن وصف الحالة العامة في المدينة
بأنها قائمة على تحكم النظام العشائري ، وأعراف القبائل
السائدة مع شيوع الجهل والأمية لدى معظم سكان يثرب ، بينما كان
أهل الكتاب أهل علم ودين ، لكنهم يمارسون الربا واستغلال
التجارة ، ويعملون على إثارة النزاعات بين الأوس والخزرج
ليتمكنوا من ضمان سيادتهم ، ومصالحهم ، وسلامتهم .

1 – الدستور الإسلامي يحدد
مسار المسلمين وغير المسلمين :
ولا شك في أن النموذج النبوي
الذي بدأ النبي تطبيقه في المدينة يتوزع في مسارين متوافقين ،
أولهما يتعلق بالمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله ، وانقادوا
لشرع الله يعملون به ويطبقونه ، وثانيهما يتعلق بالتآلف
والتعايش السلمي بين المسلمين ومَن لم يعتنق الإسلام من
الوثنيين من الأوس والخزرج وأهل الكتاب .
وأعظم مهمة أنفذها النبي صلى
الله عليه وسلم إقامة نظام عام ، ودستور شامل لجميع ساكني
المدينة بين المسلمين وبين سواهم من سكان المدينة .
أيها الإخوة ، هذا عرض تفصيلي
لواقع المدينة قبل أن ينظم النبي صلى الله عليه وسلم هذا
المجتمع ، ليكون هذا المجتمع على شكل أمة ، على شكل بنية ،
متماسكة تمهيداً لبناء دولة .
2 – المسلمون لهم حضارة إداريا
وسياسيا واجتماعيا :
أيها الإخوة ، يظن الطرف الآخر
أن المسلمين فيهم سذاجة ، فيهم تخلف ، سوف ترون الشيء الذي لا
يصدق ، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظم هذا المجتمع
تنظيماً يتوافق مع أعلى درجات المواطنة ، ومع أعلى درجات
الحقوق والواجبات .
فلذلك التنظيم حضارة ،
والتنظيم دين ، والتنظيم رقي ، والله سبحانه وتعالى خلق هذا
الكون وفق النظام الرائع ، والإنسان خليفة الله في الأرض ،
وينبغي أن يقيم النظام الرائع في مجتمعه ، وهذا دليل التفوق في
الحياة .
3 – الإسلام حدّد المسؤولية
الفردية للمسلم :
التخلف في الدين يساوي الفوضى
، التخلف في الدين يساوي التسيب .
مثلاً : النبي عليه الصلاة والسلام يقول
:
(( مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ
يُعْلَمْ مِنْهُ طِبّ فَهُوَ ضَامِن )) .
[ أخرجه أبو داود والنسائي
وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر ]
فهو مسؤول ، وسيحاسب ، وكان
عليه الصلاة والسلام يؤكد أن كل إنسان مسؤول عما أنيط به من
عمل ، وقد قال الله عز وجل :

( سورة الحجر ) .
وأي مجتمع لا يحاسب أفراده عن
أخطائهم فهو مجتمع سائر في طريق الهلاك ، فلا بد مِن
محاسبة دقيقة ، ومفاهيم موحدة .
4 – الإسلام دين التعايش :
شيء آخر ، سوف ترون بعد قليل
كيف أن التعايش بين الأطراف ، والشرائح والأطياف ،
والانتماءات جزء من الدين ، ما بال هؤلاء الجهلاء يرفضون الآخر
، الآخر مقبول في المجتمع الإسلامي ، بمعاهدة دقيقة جداً ،
فيها المهاجرون ، والأوس والخزرج والوثنيون من الأوس والخزرج
، واليهود من الأوس والخزرج ، القبائل اليهودية ، بنو النظير
وبنو القينقاع ، كيف جمعت هذه الوثيقة هذه الأطراف المتنوعة ،
والمتباعدة ؟
إنّ مفهوم المواطنة أصيل في
الدين ، ومفهوم قبول الآخر أصيل في الدين ، مفهوم التعايش بين
الفئات المتعددة أصيل في الدين ، وهذه النغمة التي نسمعها من
حين إلى آخر أن المسلم لا يقبل الآخر هذه افتراء من أعداء
الدين ، سيد الخلق وحبيب الحق ، سيد ولد آدم ، النبي المرسل ،
خاتم الأنبياء والمرسلين ، حبيب رب العالمين ، بحياته ،
وبوجوده ، وبتوجيهه ، وبتنظيمه أجرى معاهدة ضمت قريشاً ، وبني
عوف ، وبني الحارث من الخزرج ، وبني ساعدة ، وبني جشم ، وبنو
النجار ، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبيت ، وبني الأوس ، هؤلاء
طوائف واتجاهات ، وألوان ، وشرائح ، وأطياف ، وكلهم ضمتهم
معاهدة فيها توضيح شديد للحقوق والواجبات ، ما لنا وما علينا ،
فما بال المسلمين اليوم لا يقبلون الطرف الآخر ؟ هذا من الدين
.

التحليل الأول : مفهوم الأُمّة
الواحدة :
أيها الإخوة ، بنود الاتفاقية
طويلة جداً ، قبل أن نأخذ بعض بنودها أعطيكم عنها دراسة ،
البند الأول في هذه الدراسة ، أن هذه الاتفاقية ، وأن تلك
المعاهدة جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين ، ويثربيّن ،
ومَن تبعهم ، وجاهد معهم أمة واحدة ، وفي ذلك بعْد آني لمن
يقطن يثرب ، وبعدٌ مستقبلي لمعنى الأمة حيث تضمن هؤلاء جميعاً
، ومن يلحق بهم ، ويجاهد معهم .
إن أول مفهوم للأمة ظهر في
المدينة ، أما في مكة فقال تعالى :

( سورة النساء الآية : 77 ) .
منع النبي الرد على كل استفزاز
، بل على كل تحرش ، بل على كل جريمة ، لأنه بمكة أراد أن يبني
الإيمان ، ولأن في كل بيت عنصرا مسلما ، وعنصرا مشركا ، فإذا
قاوم في مكة نشبت حرب أهلية ، وهذا مما كان عليه الصلاة
والسلام يحرص على الابتعاد عنه ، لذلك ورد في قوله تعالى :

( سورة الأنعام الآية : 65 ) .
هذه الصواعق ، وحديثاً
الصواريخ .
 
( سورة الأنعام الآية : 65 )
هذه الزلازل وحديثاً الألغام .

( سورة الأنعام الآية : 65 )
هذه الحرب الأهلية ، ﴿
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .
إذاً : كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس
بعداً عن الحرب الأهلية ، ففي مكة جاء التوجيه القرآني :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ
لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ .

( سورة النساء الآية : 77 ) .
إذاً : لا بد من مرحلة إعدادية
يُعد فيه المؤمن إعداداً إيمانياً قوياً ، بل يعد المؤمن نفسه
إعداداً إيمانياً قوياً ، لكن بعد حين لا بد من كيان إسلامي ،
لا بد من شخصية إسلامية لا بد من كلمة إسلامية ، لا بد من
موقف إسلامي ، لا بد من رد إسلامي ، لا بد من تحليل إسلامي ،
لا بد من حركة إسلامية ، هذا كان في المدينة ، النبي عليه
الصلاة والسلام أقام أسس الدولة الإسلامية في المدينة ، قبِل
الواقع ، واحتواه ، واستوعبه ، وفهِم الخصوصيات والمتغيّرات ،
هو وأصحابه بند ، وهناك بنود كثيرة ، طوائف ، وقبائل ، وعشائر
، وأديان اليهود ، الوثنيون ، المسلمون .
إذاً أول خصيصة لهذه الوثيقة
أنها جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين ويثربين ، ومن
تبعهم ، ومن جاهد معهم ، أمة واحدة ، وفي ذلك بعد آني لمن يقطن
بيثرب وبعد مستقبلي لمعنى الأمة التي تضمن هؤلاء جميعاً ، ومن
يلحق يهم ويجاهد معهم .
التحليل الثاني : الاعتراف
بخصوصيات القبائل والعشائر والطوائف :
التحليل الثاني لهذه الوثيقة :
اعترفت هذه الوثيقة ، وتلك المعاهدة بالحال الخاص لكل فئة من
السكان ، كل فئة لها خصوصياتها ، بل كل فئة لها تركيبها ، هذا
الاعتراف بخصوصية كل مجتمع ذكاء وحنكة وحكمة .

الآن مشكلتنا مع الطرف الآخر
أنه لا يعترف بخصوصيات الشعوب ، يريد العولمة ، يريد أن يطبق
نظامه ، وقيمه ، وإباحيته وانحلاله الخلقي على جميع الشعوب
بالقوة ، وما هذه الحروب التي ترونها إلا صورة من صور هذا
القهر ، يريد الطرف الآخر أن يعمم ثقافته على كل الشعوب ،
الطرف الآخر يتجاهل قيمها ، مبادئها ، ثقافتها ، دينها .
إنّ من سمات آخر الزمان ظهور
الأعور الدجال ، ومع الاحتفاظ بالمعنى الأصولي لهذا المصطلح
هناك نموذج معاصر هو أعور ، أعور يرى ثقافته ، ولا يقبل ثقافة
الآخرين ، يرى مصالحه ، ولا يعترف بمصالح الآخرين ، يرى كرامته
، ويجرح كرامة الآخرين ، يهدم بلداً عن آخره من أجل أسيرين ،
يعتقل عشرة آلاف أسير ، ونخبة من علية القوم من الوزراء ،
والنواب في المجلس التشريعي من أجل أسيرين ، أليس هذا بين
أيديكم ؟ من هو الأعور ؟ الذي يرى بعين واحد ، يرى كرامته ،
ولا يرى كرامة الآخرين يرى ثقافته ويقدسها ، ولا يقبل ثقافة
الآخرين ، يرى مصالحه ، ويتجاهل مصالح الآخرين ، هذا هو الأعور
، الصفة الثانية أنه دجال ، يكذب ، يدخل جندي إلى بيت في
العراق مع شلة من زملائه فيغتصبون الفتاة ، ويقتلونها ،
ويقتلون أباها وأمها وأخاها ، ثم يحرقون البيت ، هذا من أجل
الحرية والديمقراطية ، أرأيت إلى دجلٍ فوق هذا الدجل ؟! تهدم
البلاد ، تنهب الثروات ، يقهر البشر ، تثار الفتن الطائفية تحت
اسم الحرية والديمقراطية ، الأعور الدجال وصفُ جامعٌ مانع
لإنسان آخر الزمان القوي .
ذكرت لكم من قبل أيها الإخوة
كيف أن الله سبحانه وتعالى وصف قوم عاد انها طغت في البلاد ،
لم يقل : طغت في بلدها ، طغت في البلاد ، في جميع البلاد .

( سورة الفجر ) .
أسلحتهم الفتاكة تقصف ،
وأفلامهم تفسد ، طغيان وفساد ، مع غطرسة لا تحتمل .

( سورة فصلت الآية : 15 ) .
مع تفوق مذهل في العماران .

( سورة الشعراء ) .
تفوق عسكري :

( سورة الشعراء ) .
تفوق علمي :

( سورة العنكبوت ) .
غطرسة لا تحتمل : ﴿ مَنْ
أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
ماذا فعلوا أيضاً ؟ فعلوا أنهم
:
 
( سورة الفجر ) .
وما أهلك الله قوماً إلا ذكر
أنه أهلك من هو أشد منهم قوة ، إلا عاداً حينما أهلكها فقال :

( سورة فصلت الآية : 51 ) .
ما مصيرها ؟ مصير هؤلاء القوم
الطغاة الجبارين أن الله أهلكهم :

( سورة الحاقة ) .
هذا الشرح فيه إشارة قرآنية
إلى أن قوم عاد قوم طاغون كنموذج ، ولهم أمثال في كل عصر ،
والدليل قوله تعالى :

( سورة النجم ) .
ما معنى عاداً الأولى ؟ أي أن
هناك عاداً ثانية .

( سورة النجم ) .
إذاً أيها الإخوة ، الشيء
الدقيق أن وثيقة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن الاتفاقية
والعهد الذي بين المسلمين ، وبين بقية الأطراف ، فيها اعتراف
بخصوصيات كل فئة اعتراف بزعامتها ، اعتراف بمشكلاتها ، اعتراف
بأعرافها ، بتقاليدها ، وبعقائدها الدينية هذا المفهوم الحضاري
، أنت مسلم لك عقيدتك ، ولك عبادتك ، ولك منهجك ، ولك قيمك ،
ولك أهدافك ، لكن إذا وجدت في بلد فيه أناس من غير دينك ينبغي
أن تسالمهم ، وأن تتقاسم معه الغنائم ، وأن تعرف خصوصياتهم ،
وأن تعرف مشاعرهم ، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام .
التحليل الثالث : التعاون
العام بين المسلمين :
التحليل الثالث لهذه الوثيقة :
يتعاون المؤمنون في معاونة الذين تعرضوا لوضع مالي شديد من
افتقار ، أو كثرة عيال ، ولعل ذلك يشبه صندوق تكافل لجميع
الأهالي ، وخاصة في الفدية ، فهؤلاء الفقراء قنابل موقوتة ،
فإن لم تنتبه إلى حاجتهم ، وإلى مشكلتهم وإلى مأساتهم ، وإلى
فقرهم ، وتجاهلتهم ، كان هناك خلل في المجتمع يسهم في انهياره
، وقد قال سيدنا علي : << كاد الفقر أن يكون كفراً >> .
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( إنما تنصرون بضعفائكم )) .
[ أخرجه أحمد و مسلم وابن حبان
والحاكم عن أبي الدرداء ] .
الضعفاء هم الذين إذا نصرناهم
تتماسك طبقات المجتمع ، فهذا الضعيف إن كان فقيراً فينبغي أن
تطعمه ، وإن كان مريضاً فينبغي أن تعالجه ، وإن كان مشرداً
فينبغي أن تؤويه ، وإن كان جاهلاً فينبغي أن تعلمه ، وإن كان
مظلوماً فينبغي أن تنصفه ، إذا نصرت الضعيف تماسك المجتمع ،
وأصبح سداً منيعاً لا يمكن اختراقه .
التحليل الرابع :
منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء :
منع حدوث تجاوزات في روابط
الولاء للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع ، فلا تجاوزات ،
وكل إنسان ينبغي أن يلزم حده ، وأن يقف عنده ، وهناك قوانين
تنتظم جميع الفئات ، لذلك :
(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ .
وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ .
وأيْمُ الله
، لَوْ أنّ فَاطِمَةَ
بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
))
.
[ متفق عليه ] .
ما لم يقم في المجتمع قواعد
صارمة يلتزم بها جميع فئاته فلن ينهض المجتمع .
امرأة سرقت فكان الحكم قطع
يدها ، وهي من بني مخزوم ، فجاء حِبُّ رسول الله أسامة بن زيد
يشفع لها ، فغضب النبي أشد الغضب ، وقال : وبحك يا أسامة أتشفع
في حد من حدود الله ؟
(( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ
الشّرِيفُ تَرَكُوهُ . وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ
أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ . وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ
بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )) .
أن يأتي إنسان من أعلى أرومة
من قريش من وجهاء قريش ، وفي ساعة غضب دون أن يشعر وجه كلمة
قاسية لسيدنا بلال ، فقال لك : يا ابن السوداء ، فقال عليه
الصلاة والسلام وقد غضب غضباً لا يوصف ، قال له :
(( يا ذَرّ إِنّكَ امْرُوء
فِيكَ جَاهِلِية )) .
فما كان من أبي ذر إلا أن وضع
رأسه على الأرض وشدد على بلال أن يطأ رأسه بقدمه .
أما سيدنا الصديق فحينما رأى
بلالاً يعذبه سيده صفوان ، اشتراه منه ، فقال له صفوان : والله
لو دفعت به درهماً لبعتُكَه ، فقال الصديق : والله لو طلبت به
مئة ألف لأعطيتكها ، هذا أخي في الله ، قال جَابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَانَ عُمَرُ
يَقُولُ : << أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا ، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا
، يَعْنِي بِلَالاً >> .
[ البخاري ]
وكان عمر يخرج إلى ظاهر
المدينة ليستقبل بلالاً ، هذا هو الإسلام .
إذاً : هذه الوثيقة ، وتلك
المعاهدة ، منعت التجاوزات في روابط الولاء في للحفاظ على
الثقة والتعاون بين الجميع .
التحليل الخامس : التعاون على
مقاومة أي المعتدي والمفسِد والظالم الآثم :
الآن هذه الوثيقة تؤكد أن
الجميع متعاونون في مقاومة أي معتد أو آثم ، أو ظالم أو مفسد ،
ولو كان ولد أحدهم ، وفي ذلك سيادة الدستور والقانون ، فتحققوا
من خلال العدالة والمساواة ، وعندها يتحقق الأمن والسلامة
للجميع .
جميع المواطنين تحكمهم قوانين
واحدة ، جميع المتعاهدين سواء مكانة صغيرهم ، مثل مكانة كبيرهم
في الحقوق والواجبات ، وكلهم يد واحدة ، وذو اعتبار واحد هذا
مجتمع المسلمين ، هذا مجتمع حضاري .
هذا مجتمع ، جميع الناس سواء
في الحقوق والواجبات ، هم يد واحدة على من عاداهم ، يجير
أدناهم يجير مستجيرهم ، ولليهود وهم أعداء تقليديون مثل ما
لغيرهم في هذا العهد ، ولليهود دينهم ، و للمسلمون دينهم ،
وللمسلمون دينهم ، فما من مشكلة أبداً ، لهم دينهم ، هذا هو
التعايش ، وهذه هي المواطنة ، هذا هو الفهم العميق لخصائص
الحياة الدنيا ، مجتمعات فسيفسائية كمجتمعاتنا ، أنت مسلم يجب
أن تقيم أمر الله ، وأن تقبل الآخر دون أن تضحي بدينك ، دون أن
تفسد دينك أقم أمر الله ودع الطرف الآخر يعيش على تطوره ، وعلى
مبادئه وعلى قيمه .
التحليل السادس : معاهدة
الدفاع المشترك :
والمؤمنون وغير المؤمنين سواء
ينصر بعضهم بعضاً ، في ميثاق ، في معاهدة دفاع مشترك بالمصطلح
الحديث ، لا يحل لأحد ممن عاهد ، ووافق على هذه الوثيقة ، وقبل
هذه الاتفاقية أي يحدث حدثاً ، أو يؤوي محدثاً ، وإذا فعل ذلك
وقع عليه الله ولعنته ، وحرمانه من الحقوق العامة .
هذا هو التشريع ، هذا هو
الالتزام ، لكن لهذا المجتمع رأس ، مرجعية واحدة قرار نافذ ،
الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يشاور أصحابه ،
قال :

لكن :
 
( سورة آل عمران الآية : 159 )
.
التحليل السابع : المخلّ بالمعاهدة لا ذمة له
ولا ميثاق
:
ومن بنود هذه الاتفاقية : من
أخل بعده من اليهود فإنه ظالم لنفسه وأهله ، وليس له على أهل
هذا العهد ذمة ولا ميثاق ، يتحمل كل فريق مشارك في هذا العهد
نصيبه في الحرب ، والسلم ، والنفقة ، وعليهم التعاون والمشاركة
، وبينهم النصح ، والبر ، من دون إثم .
من أبلغ ما في هذه المعاهدة ،
وتلك الاتفاقية أنه لا يتحمل أحد وزر غيره لقوله تعالى :

( سورة الأنعام الآية : 164 )
.
من أشد المنكرات في المجتمع
البعيد عن الله قضية الثأر ، يُقتل إنسان من قبيلة ، كان جميع
أفراد القبيلة التي منها القاتل معرّضين للقتل ، بلا سبب ، هذا
الثأر وصمة عار بحق الأمة ، علاج الثأر أنه ﴿ لَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ .
قبل شهرين أو ثلاثة اتصل بي أخ
من محافظة بالجنوب ، وقد قُتل من بعض العشائر إنسان ، العشيرة
التي منها القاتل هربت ، واختفت ، وسافرت إلى أطراف البلاد ،
ولأهل المقتول اتجاه ديني ، اتصلوا بي هاتفياً ، فقلت لهم :
ينبغي أن يذهب رئيس عشيرتكم إلى العشيرة التي منها القاتل ،
وأن تطمئنوهم ، أننا لن نقتل واحدا منكم ، والقاتل هناك من
سيحاسبه ، أما أن نأخذ بالثأر فهذا سلوك جاهلي ، وسلوك لا يرضي
الله عز وجل لقوله تعالى : ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى ﴾ .
هذا العهد لا يلغي التزامات
السابقة ، له على المعاهدين ، ولا يعفي ظالماً أو آثماً من
جزاءه أو معاقبته ، وليس هذا العهد للحرب فقط ، بل هو للسلم
أيضاً ، وجعل هذا العهد المدينة المنورة بلداً حراماً .
أيها الإخوة ، هذه بعض بنود
هذا العهد الذي أبرمه النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة
المنورة حينما وصل إليها ، وصدقوا أيها الإخوة ، والله لا
أبالغ إنه من أرقى الاتفاقيات الحضارية التي يشار إليها
بالبنان .
إلى لقاء آخر إن شاء الله
تعالى .
والحمد لله رب العالمين
|