الحديث والسيرة
فقه السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي

فقه السيرة النبوية [ 46 ]  21/ 08 / 2006  ـ المؤاخاة مع المودة لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات   القربات .

مربع نص: السنة النبوية أقوال وأفعال وإقرار :
 
 

 

أيها الإخوة ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وأحب أن أذكركم تكراراً أن السّنة النبوية هي أقوال النبي ، وأن السّنة النبوية هي أفعال النبي ، أقواله سُنة  وأفعاله سُنة ، وإقراره سُنة ، إذا تكلم أحد أمامه كلمة وسكت النبي فهي صحيحةً .

إذاً أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، أقواله في درس الحديث الشريف ، أما أفعاله في درس السيرة النبوية .

 

مربع نص: أفعال النبي تجسيد لكلام الله : المثالية الواقعية :
 
 

وأذكر مرة ثانية أن أفعاله أصدق في التعبير عن فهمه لكلام الله من أقواله ، لأن أفعاله حدية ، أما أقواله فتحتمل التأويل ، فلذلك قال تعالى :

( سورة الحشر الآية : 7 ) .

هناك نقطة دقيقة جداً ، هي أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي لم تكن أحداثا عادية ، إنما هي مقصودة لذاتها ، يأتي حدث فيقف النبي منه الموقف الكامل ، موقفه تشريع  ، هو شرع بأقواله ، وشرع بأفعاله ، بل إن أفعاله فيها مغزى ، أنها تعبر عن حقيقة مع البرهان عليها ، ذلك لأن هناك تهمة لمن يرشد الناس ، يقول الذي يستمع إليك : هذا كلام مثالي ، هذا كلام غير واقعي ، لا يطبق ، يصعب تطبيقه ، ما كل أوامر الدين صالحة للتطبيق في آخر الزمان ، هذا إن كانت أقواله ، أما إن كانت أفعالا ففعل النبي ينطلق من حقيقة يؤكدها النبي بفعله ، لكن الفعل جعل المثالية واقعاً ، لذلك الدعاة مهمتهم أن يجعلوا الواقع مثالياً ، وأن يعبروا عن مثالية واقعة ، أن يعبروا عن مثالية قابلة للتطبيق .

مثلا : قد تقرأ عن أبي حنيفة النعمان ـ رحمه الله تعالى ـ أنه صلى أربعين عاماً الفجر بوضوء العشاء ، هذه مثالية غير واقعية ، هل تستطيع أن تبقى يومين بلا نوم ؟ يختل توازنك ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

(( أشدكم خشية لله أنا ، أنام وأقوم ، أصوم وأفطر ، أتزوج النساء ، آكل اللحم هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي )) .

[ البخاري عن عائشة ]

أنا مع كامل التعظيم لأبي حنيفة النعمان ، قد يكون هذا القول غير صحيح ، لأنه خلاف الفطرة ، النوم أساسي في حياتنا ، لا تأتني بدين لا يصلح للتطبيق ، أعطني منهجاً واقعياً ، يمكنني أن أتزوج ، وأن أسس عملا ، وأن أربح ، وأن أُنجب أولادا ، أن أكون في أعلى درجة القرب من الله ، هذا المنهج .

لذلك اسمعوا هذه الكلمة : لما ضعف الاتصال بالله ظهر التصوف ، كتعبير عن ضعف الاتصال بالله ، ولما ضعف الانضباط العلمي ظهر المتشددون في النصوص ، ولما ضعفت دنيانا ، وأصبحنا في مؤخرة الأمم ظهرت العلمانية ، فهذه الاتجاهات الثلاثة ظهرت لعدم تطبيق منهج الله تطبيقاً متوازناً كاملاً .

إذاً : قد يقول أحدكم : أنا أحضر درس سيرة وقعت قبل 1400 عام ، هذه الأحداث التي وقعت أحداث نموذجية ، كانت مقصودة من قِبل الله عز وجل ، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل ، فكان موقفه تشريعاً .

مثلا : سيدنا عمر أراد أن يهاجر ، وقف أمام المشركين في النهار ، جهرة ، ونهاراً وإعلاناً ، وقال : " من أراد أن تثكله أمه فليحق بي إلى هذا الوادي " ، وهاجر جهاراً عياناً نهاراً على جميع الخلق ، يأتي سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم يهاجر مع أبي بكر سراً ، باتجاه الساحل ، باتجاه معاكس للمدينة ، يقبع في غار ثور أياماً ثلاثة ليخف عليه الطلب ، أيهما أشجع ؟ قد يقول قائل لا يعرف حقيقة النبوة : عمر ، لأنه هاجر متحدياً جهاراً نهاراً ، أما المتعمق في الدين فيقول : الأشجع رسول الله ..

سيدنا رسول الله كان الصحابة الكرام إذا حمي الوطيس كانوا يلوذون برسول الله ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرع ، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط ، سيدنا رسول الله لو هاجر كعمر لعد اقتحام الأخطار واجباً ، ولعد أخذ الحيطة حراماً ، لهلكت أمته من بعده   ، النبي مشرع ، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط .

لذلك أن يقول أبو حنيفة لا أدري ما إذا هذا قاله أم لم يقله ، لكن ورد عنه ، ولا أدري إن كان هذا واقعاً أو ليس بواقع ، على كلٍ ليس في طاقة البشر أن يصلي أربعين عاماً بوضوء العشاء ، فوق طاقتهم ، قيام الليل وارد ، أما أن لا ينام إطلاقاً فلا .

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام في سيرته مشرع ، وسيرته حدية ، أي أصدق بالتعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله ، لأن أقواله تحتمل التأويل ، أما أفعاله فلا تحتمل شيئاً .

مربع نص: قصة النبي عليه الصلاة والسلام مع أهل الطائف :
 
 

 

لذلك حينما كان عليه الصلاة والسلام في الطائف ، وانتظر منهم أن يؤمنوا به ، وأن يحموه ، وقد أخرجته قريش ، كيف استقبلوه ؟ بالتكذيب ، بالسخرية ، بل أغروا صبيانهم بإيذائه ، حتى سال الدم من قدمه الشريفة ، الآن دققوا ، ماذا قال : قال :

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس )) .

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ] .

الآن الناس أليسوا هينين على بقية الأمم والشعوب ؟ الله عز وجل قال :

( سورة الشورى الآية : 40 ) .

إذا أسيء إليهم بتوهمهم يكيلون الصاع ألف ضعف ، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الدعاء :

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم تكن غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي )) .

ما من دعاء يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الدعاء : (( لكن عافيتك أوسع لي )) ، يعني يا رب ، إذا كانت هذه الشدة ، وذاك الإيذاء تعبيراً عن غضبك علي فأنا أستغفرك ، وأتوب إليك ، أما إن لم يكن هناك من علاقة بين هذه الشدة ، وبين غضبك فأنا راضٍ عنك يا رب ، هذا الموقف ، لكن شدة ما بعدها شدة .

تصور إنسانا في أعلى مقام ، بأعلى درجة من الكمال ، بأشد الخلق صلة بالله عز وجل ، يُهان ، يُكذب ، يُسخر منه ، يُضرب ، تعليق :

 

مربع نص: الإسراء والمعراج مكافأة بعد محنة الطائف :
 
 

 

بعد هذا جاء الإسراء والمعراج ، اسمعوا الآية :

( سورة الإسراء الآية : 1 ) .

إذا كانت محفوظات الرجل لكتاب الله ضعيفة جداً ، وما تمكن أن يتذكر تمام الآية يقول أغلب الظن :

( سورة الأحقاف ) .

لأنه أسرى به من مكة إلى بيت المقدس ، ومن بيت المقدس إلى سدرة المنتهى ، وفي الأعم الأغلب ﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، الآية ليست كذلك :

( سورة الإسراء ) .

يعني يا محمد حينما وضع الله بين يديك إمكانية الانتقام ، ملك الجبال قال له : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، كُذب ، وسُخر منه وضُرب ، ثم أتيح له أن ينهي وجودهم ، قال :

(( اللهم اهد قومي )) .

[ رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا ].

ما تخلى عن قومه ، دعا لهم بالهدى ، واعتذر عنهم :

(( فإنهم لا يعلمون )) .

[ رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا ].

ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، هذه المحنة جاءت وراءها منحة ، أنت يا محمد سيد ولد آدم .

( سورة النجم ) .

بلغ درجة ما بلغها مخلوق في الكون .

( سورة النجم ) .

( سورة النجم ) .

هذا العطاء ، ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ، يعني سمعنا دعاءك يا محمد في الطائف ، وهذه المكافأة ، هذه مكافأة السماء عن جفوة الأرض ، هذه مكافأة ربك الذي دعوت إليه خالصاً عن تكذيب الناس .

 

مربع نص: مِن دروس الإسراء والمعراج :
 
 

 

1 ـ كل محنة المؤمن المستقيم وراءها منحة :

لذلك هناك درس يستنبط من الإسراء والمعراج ، الدرس أن كل محنة للمؤمن يأتي بعدها منحة من الله .

( سورة البقرة ) .

كل محنة وراءها منحة ، لكن لا بد من التحفظ :

إذا أكل الجل مالا حراما ، أو اعتدى على أعراض المسلمين ، أو غشهم ، فجاء عقاب إلهي ، هذا الكلام الذي أقوله الآن لا ينطبق على هذه الحالة ، هذه الشدة التي أصابتهم عقاب من الله ، وليست ابتلاء ، أنا أقول : لمؤمن مستقيم جاءته شدة ، مستقيم ، مصلٍّ ، صائم ، عابد ، مطيع ، له أعمال صالحة ، هذا المؤمن إذا أصابته شدة ، وليس في حياته مخالفة تسـتأهل العقاب نقول : هذه المحنة وراءها منحة ، وهذه الشِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل ، لذلك للمؤمن المستقيم كل محنة وراءها منحة ، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل ، بعد الطائف عرف النبي أنه ولد سيد آدم ، الأنبياء جميعاً في بيت المقدس اِئتموا به ، إذاً هو سيد الأنبياء والمرسلين ، بل هو سيد ولد آدم ، بل هو أفضل الخلق ، وحبيب الحق ، بل الله عز وجل أقسم بعمره الثمين ، فقال :

( سورة الحجر ) .

بل إن الله عز وجل ما ناداه باسمه أبداً ، في حين أنه نادى أنبياءه بأسمائهم .

( سورة مريم الآية : 12 ) .

( سورة مريم الآية : 7 ) .

( سورة آل عمران الآية : 55 ) .

ليس في القرآن كله يا محمد ، في :

( سورة التحريم الآية : 9 ) .

( سورة المائدة الآية : 41 ) .

تكريماً له .

أيها الإخوة ، إذاً الإسراء والمعراج يعطي المسلمين هذا الدرس ، إن كنا في شدة فلعل بعد هذه الشِدة شَدة إلى الله ، إن كنا في محنة فلعل بعد هذه المحنة منحة من الله ، ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .

 

مربع نص: إسقاط على واقع المسلمين اليوم :
 
 

 

لو أسقطنا هذه المعاني على ما يعانيه المسلمون اليوم من محن ومصائب في أفغانستان ، في العراق ، في لبنان ، في فلسطين ، هذه شِدة ، والله عز وجل يقول :

( سورة السجدة ) .

لكن الذين شردوا عن الله عز وجل شروداً كاملاً ، وليس فيهم ذرة خير قال عنهم :

( سورة الأنعام ) .

مربع نص: ملاحظات حول عقد الإخاء :
 
 

 

عندنا ملاحظات حول عقد الإخاء الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي .

1 ـ عدد المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم الرسول عليه الصلاة والسلام :

إن عقد المؤاخاة اشتمل على 45 رجلاً من المهاجرين ، و45 من الأنصار ، تصور 90 رجلا ، والمسلمون اليوم مليار و500 مليون .

( سورة إبراهيم ) .

أنت قد لا تعلم الخير الكثير الذي ينتج عن دعوتك إلى الله ، قد لا تعلم ، وأنت ضعيف ، لكن الله عز وجل يمكن أن يجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لم يوصف .

للتقريب : أحد الإخوة الكرام عنده بنت في البيت فاعتنى بها ، اعتنى بدينها ، بصلاتها  بإيمانها ، بأخلاقها ، حتى زوجها من شاب مؤمن ، هذه الأسرة أنجبت أولاداً نشؤوا في طاعة الله ، نشؤوا في بيت مسلم ، من يدريك أيها الأخ أن هذا الذي توجه إلى الله ، وتزوج امرأة صالحة ، وأنجب أولاداً صالحين أن هذا يوم القيامة يرى من نسله مليون إنسان مؤمن ، وكل أعمالهم في صحيفته ؟ والدليل :

( سورة الطور ) .

45 رجلا نتج عنهم مجتمع من مليار و500 مليون ، هذا الذي وصل بالإسلام إلى الصين ، كل من أسلم في هذا البلد في صحيفته ، والذي وصل بالإسلام إلى الغرب وشمالي إفريقيا .

والله مرة سافرت إلى اسطنبول ، دخلت معهدا شرعيا ، أقسم بذات الله أنني في دمشق توافق المسلمين مع بعضهم عجيب ، إخواننا باسطنبول المؤمنون طلاب العلم الشرعي  من جبلتنا ، من مبادئنا ، من قيمنا ، من أخلاقنا ، من أهدافنا ، المسلمون وحدة .

لذلك كل ما عملت عملاً كهذا العمل في صحيفتك ، هذا على موضوع أن الـ45 بـ 45 أصبحوا مليار و500 مليون .

ثم ينبغي أن نعلم أنه لن تقتصر المؤاخاة على مهاجرين قريش وعلى عقد المؤاخاة في دار أنس فقط ، إنما ستستمر بين في كل مسلم كانت له أسبقية في العلم ز

2 ـ من كمال المؤاخاة أن لا تكون بين متماثلين  :

في الدرس الماضي بينت لكم أن المؤاخاة من كمالها لا أن تكون بين متماثلين ، أن تكون بين إنسان له أسبقية ، إنسان حديث ، فالذي له أسبقية يعلم المبتدئ ، وقد تكون بين غني وفقير ، فالغني يرعى الفقير ، وبين قوي وضعيف ، وبين صحيح ومريض ، وبين متزوج وشاب على طريق الزواج ، يعطيه خبراته ، افعل ، لا تفعل ، إياك أن تقول هذه الكلمة ، عامل أهل زوجتك هكذا .

فلذلك المؤاخاة ليست مجرد لقاء اثنين ، بل التعاون بين اثنين ، فإذا كان هناك تفاوت بينهما كان هذا التعاون مثمرا ، هكذا تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام .

كان عليه الصلاة والسلام إذا أسلم رجل يقول لأصحابه : خذوا أخاكم ، فقد أسلم ، فعلموه الإسلام .

3 ـ  المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية :

أيها الإخوة ، المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية ، وعهد دائم يلتزم به المسلم مدى الزمن ، وتفقد بعضهم بعضاً ، وما من شيء أحب إلى الإنسان من أخ في الله ، الأخ في الله غالٍ جداً ، الأخ في الله نوع متميز ، يأخذ بيدك ، وتأخذ بيده ، ينصحك وتنصحه ، يعاونك وتعاونه ، يقرضك وتقرضه ، يخدمك وتخدمه ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه :

(( حقت محبتي للمتحابين فيّ ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ ، المتحابون فيّ ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون ـ يوم القيامة ـ والصديقون        والشهداء )) .

[ أخرجه أحمد ، والطبراني ، والحاكم ، عن عبادة بن الصامت ] .

4 ـ حاجة المسلمين اليوم إلى الحب في الله :

ونحن أيها الإخوة ، كمسلمين بحاجة إلى المحبة ، مع مضي الأزمان قسا القلب ، صار فينا خصومات ، ومهاترات ، وتراشق تهم ، وعلاقات غير طيبة ، لذلك :

( سورة الأنفال الآية : 46 ) .

نحن بحاجة إلى أن نحب .

أيها الإخوة ، ماذا أقول لكم ؟ :

صحابيان صليا العشاء معاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، وخرجا معاً إلى البيت ، عند افتراقهما تعانقا ، التقيا في الفجر ، سبع ساعات ، أربع ساعات ، خمس ساعات ، فتعانقا ، وقال الأول للآخر : وا شوقاه يا أخي ، ما هذه المحبة ؟! البارحة الساعة العاشرة كنت معه ، صباحاً الساعة الثالثة والنصف تقول له : وا شوقاه يا أخي ؟! هذا الإسلام ، هذا الحب ، الإسلام محبة ، الإسلام تواضع ، الإسلام تضحية ، الإسلام إيثار ، حتى يحبا الله .

فلذلك الذي لا يشعر بحاجة ماسة إلى أن يُحِب ، أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، الحب يشبه وردة طبيعية فواحة الرائحة ، جميلة الألوان ، والإسلام من دون حب وردة بلاستيك ، لا طعم لها ، إذا ألغي الحب من الدين الدين تصحر ، وصار معلومات وأدلة ، وأفكارا ، الإنسان بعد هذا يمل منها ، الأفكار نفسها ، أما إذا كان هناك حب فهناك طاقة .

والله أيها الإخوة ، أحياناً يجلس مؤمن مع أخ عشر ساعات لا يشعرون بالوقت ، والله الذي لا إله إلا هو مرة سافرت إلى بلد في الشمال لي أخوة كُثر فيه ، والله الذي لا إله هو بدأت الحديث الساعة الخامسة مساء ، أول مرة نظرت إلى الساعة ، فإذا هي الساعة الواحدة ليلاً ، ما شعرت بالوقت ، لوجود المحبة ، والمودة ، والتناصح ، والإقبال ، نحن حياتنا متصحرة ، حسد ، غيرة ، ليس هناك هذا الحب بيننا ، هذا من أسباب ضعفنا .

مرة عليه الصلاة والسلام كان في غزوة ، وسأل عن صحابي واحد ، فقيل له : يا رسول الله ، شغله بستانه عن أن يجاهد معك ، كان ثمة صحابي وفيّ لذاك الصحابي ، قال له : لا والله يا رسول الله ، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولو علموا بأنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك ، فابتسم النبي حتى ظهرت نواجذه ، ابتسم لهذا الحب بين الأخوين .

يجب أن تدافع عن أخيك ، يجب أن تخبره من حين لآخر : أين أنت ؟ اشتقنا لك ، نحن قلقون عليك ، الصحة طيبة إن شاء الله ، تنعشه بهذا الاتصال .

 

مربع نص: التطبيق العملي للمؤاخاة :
 
 

،

أنا أريد لهذا الدرس أن يترجم إلى واقع ، كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، ينبغي أن يأخذ الواحد منكم أخاً لله ، خذ اسمه ، وهاتفه ، وعنوانه ، وعمله ، الدرس الثاني الاثنين ما جاء ، أخبره ، كم تكلفك هذه ؟ لا شيء ، أحياناً يأتي إنسان إلى الدرس متأخر جداً ، يدرك مع الشيخ صلاة العشاء ، ما سمع ولا كلمة ، يقول لك : والله انتعشت بهذه الصلاة ، هذا معنى : الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب .

(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين    أبعد )) .

[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر ] .

(( وإنما يأكل الذئب القاصية )) .

[أخرجه أحمد ، وأبو داود والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ] .

   اتخذ لك أخاً في الله ، هذه نصيحتي تطبيقاً لهذا الدرس ، كيف آخى النبي الكريم بين المهاجرين والأنصار ، أنت اختر أخا ، تستطيع أن تعاونه ، أو يعاونك ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ  ، مَثَلُ الْجَسَدِ . إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) .

[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] .

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ )) ، مودة ، ابتسامة ، وجه طلق ، مصافحة ، دعوة ، ضيافة ، بذل ، هدية ، هذا كله مودة ، الهدية مودة ، والدعوة مودة ، والنصيحة مودة ، والمعاونة مودة .

والله مرة أحد إخوتنا الكرام اشترى بيتا ، فكلما جاء بالأثاث أحد جيرانه ينطلق لمعاونته ، يعاونه بحمل الأثاث ، يأتيه بضيافة بعد إيصال الأثاث إلى البيت ، قال لي : والله أنا لا أعرفه ، من حضرتك ؟ من أنت ؟ قال له : أنا بالجامع الفلاني ، في جامعنا ، هذا الأخ ما سبب انطلاقه إلى الدين ؟ قال له : أنا لي قريب في هذا المسجد ، دعاني لحضور دروس مرات عديدة ، قال له : أريد ألا أحضر ، لكن من كثرة ما ضغط عليّ سايرته مرة ، وذهبت معه إلى الدرس ، فانتهى الدرس ، الأخ القديم سلم عليّ ، وقال لي : هذا ابن خالتي ، هذا أول درس يحضره ، أنا كلفتني العملية أن أصافحه بحرارة وبمودة ، قلت له كلاما في تواضع : إن شاء الله الدرس أعجبك ؟ قال لي : أي والله الدرس جميل جداً ، قلت لقريبه : عين على ابن خالتك ، صافحته بمودة بالغة ، هو فقير جداً ، لما وجد هذه المودة والمصافحة حارة ، وسألته عن الدرس ، ووصيت فيه ابن خالته أقسم بالله أنه أتى للدرس مودة واحدة حتى يُسكت ابن خالته ، فإذا هو في هذا الدرس إلى الآن ، وما تركه .

آخِ أخاً لك في الله ، اسأل عن صحته ، عاونه ، أقول لكم كلمة ثانية : أنا أعتقد أنك لا تُشد إلى الدين بسبب أفكار الدين ، أفكاره رائعة ، أفكاره عميقة ، أفكاره متألقة ، أفكاره دقيقة ، أفكاره متناسبة ، متسقة ،  أعطاك فكرة عن الكون والحياة والإنسان ، لكن الذي شدك إلى الدين مجتمع المؤمنين بصفائهم ، بصدقهم ، بتواضعهم  بخدمتهم ، لذلك الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب .

(( يد الله مع الجماعة )) .

[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]

(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين    أبعد )) ، (( وإنما يأكل الذئب القاصية )) .

هذا الحديث أيها الإخوة أصل في العلاقات بين المؤمنين .

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ  ، مَثَلُ الْجَسَدِ . إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) .

 

مربع نص: الإسلام دين اجتماعي  :
 
 

 

إخواننا الكرام ، الإسلامي اجتماعي ، الصلاة صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ27 ضعفاً ، الصيام جماعي ، الحج جماعي ، ديننا دين جماعي ، والجماعة رحمة .

مرة قرأت كلمة أعجبتني ، الكلمة : لست وحدك في الحياة ، أنت لست وحدك في الحياة ، الواحد للمجموع ، والمجموع لواحد .

هناك أمثلة أيها الإخوة أمثلة كثير جداً ، بعض الأمثلة :

إنسان تزوج ، ودخله محدود ، وبحاجة إلى ألف حاجة ، أصدقاءه وإخوانه في الله اجتمعوا وقرروا ، وجمعوا مبالغ من المال جيدة ، وأمّنوا له كل حاجاته الثانوية ، يلزمه مروحة ، يلزمه برادا ، يلزمه غسالة ، يلزمه غازا ، أمّنوا له ، كلما تزوج واحد منهم الكل يعاون بعضهم ، هذا مجتمع التعاون ، هذا مجتمع المؤمنين .

فيا أيها الإخوة ، لست وحدك في الحياة ، حينما تنضوي مع مؤمنين صادقين الكل لك ، وأنت للكل .

تشريعات الإسلام جميعاً قائمة على بناء المجتمع الموحد المتماسك الصالح في بناء الأسرة ، وحقوق كمل من الزوج والزوجة والأولاد وغير ذلك .

الذي أتمناه عليكم أن ننطلق إلى تنفيذ هذه المؤاخاة ، عندك أخ بالله ، اثنان أحسن ، ثلاثة أحسن ، أربعة أحسن ، كلما كان المؤمنون أكثر ولاءً ، وتضحية ، ومؤاثرة ، وخدمة كانوا أقرب إلى الله عز وجل .

وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذا الموضوع .

 

والحمد لله رب العالمين