أيها الإخوة ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، وأحب أن أذكركم تكراراً أن السّنة
النبوية هي أقوال النبي ، وأن السّنة النبوية هي أفعال النبي ،
أقواله سُنة وأفعاله سُنة ، وإقراره سُنة ، إذا تكلم أحد
أمامه كلمة وسكت النبي فهي صحيحةً .
إذاً أقواله ، وأفعاله ،
وإقراره ، أقواله في درس الحديث الشريف ، أما أفعاله في درس
السيرة النبوية .

وأذكر مرة ثانية أن أفعاله
أصدق في التعبير عن فهمه لكلام الله من أقواله ، لأن أفعاله
حدية ، أما أقواله فتحتمل التأويل ، فلذلك قال تعالى :

( سورة الحشر الآية : 7 ) .
هناك نقطة دقيقة جداً ، هي أن
الأحداث التي وقعت في عهد النبي لم تكن أحداثا عادية ، إنما هي
مقصودة لذاتها ، يأتي حدث فيقف النبي منه الموقف الكامل ،
موقفه تشريع ، هو شرع بأقواله ، وشرع بأفعاله ، بل إن أفعاله
فيها مغزى ، أنها تعبر عن حقيقة مع البرهان عليها ، ذلك لأن
هناك تهمة لمن يرشد الناس ، يقول الذي يستمع إليك : هذا كلام
مثالي ، هذا كلام غير واقعي ، لا يطبق ، يصعب تطبيقه ، ما كل
أوامر الدين صالحة للتطبيق في آخر الزمان ، هذا إن كانت أقواله
، أما إن كانت أفعالا ففعل النبي ينطلق من حقيقة يؤكدها النبي
بفعله ، لكن الفعل جعل المثالية واقعاً ، لذلك الدعاة مهمتهم
أن يجعلوا الواقع مثالياً ، وأن يعبروا عن مثالية واقعة ، أن
يعبروا عن مثالية قابلة للتطبيق .
مثلا : قد تقرأ عن أبي حنيفة النعمان ـ رحمه
الله تعالى ـ أنه صلى أربعين عاماً الفجر بوضوء العشاء ، هذه
مثالية غير واقعية ، هل تستطيع أن تبقى يومين بلا نوم ؟ يختل
توازنك ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال :
(( أشدكم خشية لله أنا ، أنام
وأقوم ، أصوم وأفطر ، أتزوج النساء ، آكل اللحم هذه سنتي فمن
رغب عنها فليس من أمتي )) .
[ البخاري عن عائشة ]
أنا مع كامل التعظيم لأبي
حنيفة النعمان ، قد يكون هذا القول غير صحيح ، لأنه خلاف
الفطرة ، النوم أساسي في حياتنا ، لا تأتني بدين لا يصلح
للتطبيق ، أعطني منهجاً واقعياً ، يمكنني أن أتزوج ، وأن أسس
عملا ، وأن أربح ، وأن أُنجب أولادا ، أن أكون في أعلى درجة
القرب من الله ، هذا المنهج .
لذلك اسمعوا هذه الكلمة : لما
ضعف الاتصال بالله ظهر التصوف ، كتعبير عن ضعف الاتصال بالله ،
ولما ضعف الانضباط العلمي ظهر المتشددون في النصوص ، ولما ضعفت
دنيانا ، وأصبحنا في مؤخرة الأمم ظهرت العلمانية ، فهذه
الاتجاهات الثلاثة ظهرت لعدم تطبيق منهج الله تطبيقاً متوازناً
كاملاً .
إذاً : قد يقول أحدكم : أنا
أحضر درس سيرة وقعت قبل 1400 عام ، هذه الأحداث التي وقعت
أحداث نموذجية ، كانت مقصودة من قِبل الله عز وجل ، وقد وقف
النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل ، فكان موقفه
تشريعاً .
مثلا : سيدنا عمر أراد أن
يهاجر ، وقف أمام المشركين في النهار ، جهرة ، ونهاراً
وإعلاناً ، وقال : " من أراد أن تثكله أمه فليحق بي إلى هذا
الوادي " ، وهاجر جهاراً عياناً نهاراً على جميع الخلق ،
يأتي سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم يهاجر مع أبي بكر
سراً ، باتجاه الساحل ، باتجاه معاكس للمدينة ، يقبع في غار
ثور أياماً ثلاثة ليخف عليه الطلب ، أيهما أشجع ؟ قد يقول قائل
لا يعرف حقيقة النبوة : عمر ، لأنه هاجر متحدياً جهاراً نهاراً
، أما المتعمق في الدين فيقول : الأشجع رسول الله ..
سيدنا رسول الله كان الصحابة
الكرام إذا حمي الوطيس كانوا يلوذون برسول الله ، ولكن النبي
عليه الصلاة والسلام مشرع ، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط ،
سيدنا رسول الله لو هاجر كعمر لعد اقتحام الأخطار واجباً ،
ولعد أخذ الحيطة حراماً ، لهلكت أمته من بعده ، النبي مشرع ،
أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط .
لذلك أن يقول أبو حنيفة لا
أدري ما إذا هذا قاله أم لم يقله ، لكن ورد عنه ، ولا أدري إن
كان هذا واقعاً أو ليس بواقع ، على كلٍ ليس في طاقة البشر أن
يصلي أربعين عاماً بوضوء العشاء ، فوق طاقتهم ، قيام الليل
وارد ، أما أن لا ينام إطلاقاً فلا .
إذاً النبي عليه الصلاة
والسلام في سيرته مشرع ، وسيرته حدية ، أي أصدق بالتعبير عن
فهمه لكتاب الله من أقواله ، لأن أقواله تحتمل التأويل ، أما
أفعاله فلا تحتمل شيئاً .

لذلك حينما كان عليه الصلاة والسلام في الطائف
، وانتظر منهم أن يؤمنوا به ، وأن يحموه ، وقد أخرجته قريش ،
كيف استقبلوه ؟ بالتكذيب ، بالسخرية ، بل أغروا صبيانهم
بإيذائه ، حتى سال الدم من قدمه الشريفة ، الآن دققوا ، ماذا
قال : قال :
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ،
وقلة حيلتي ، وهواني على الناس )) .
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن
عبد الله بن جعفر ] .
الآن الناس أليسوا هينين على
بقية الأمم والشعوب ؟ الله عز وجل قال :

( سورة الشورى الآية : 40 ) .
إذا أسيء إليهم بتوهمهم يكيلون
الصاع ألف ضعف ، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الدعاء :
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ،
وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين إلى من
تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم تكن
غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي
)) .
ما من دعاء يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الدعاء
:
((
لكن عافيتك أوسع لي
))
، يعني يا رب ، إذا كانت هذه الشدة ، وذاك الإيذاء تعبيراً عن
غضبك علي فأنا أستغفرك ، وأتوب إليك ، أما إن لم يكن هناك من
علاقة بين هذه الشدة ، وبين غضبك فأنا راضٍ عنك يا رب ، هذا
الموقف ، لكن شدة ما بعدها شدة .
تصور إنسانا في أعلى مقام ،
بأعلى درجة من الكمال ، بأشد الخلق صلة بالله عز وجل ، يُهان ،
يُكذب ، يُسخر منه ، يُضرب ، تعليق :

بعد هذا جاء الإسراء والمعراج
، اسمعوا الآية :

( سورة الإسراء الآية : 1 ) .
إذا كانت محفوظات الرجل لكتاب
الله ضعيفة جداً ، وما تمكن أن يتذكر تمام الآية يقول أغلب
الظن :

( سورة الأحقاف ) .
لأنه أسرى به من مكة إلى بيت
المقدس ، ومن بيت المقدس إلى سدرة المنتهى ، وفي الأعم الأغلب
﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، الآية ليست
كذلك :

( سورة الإسراء ) .
يعني يا محمد حينما وضع الله بين يديك إمكانية
الانتقام ، ملك الجبال قال له : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون
طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، كُذب ، وسُخر منه
وضُرب ، ثم أتيح له أن ينهي وجودهم ، قال
:
(( اللهم اهد قومي )) .
[ رواه عبد الله بن عبيد بن
عمير مرسلا ].
ما تخلى عن قومه ، دعا لهم
بالهدى ، واعتذر عنهم :
(( فإنهم لا يعلمون )) .
[ رواه عبد الله بن عبيد بن
عمير مرسلا ].
ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة
، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، هذه المحنة جاءت وراءها
منحة ، أنت يا محمد سيد ولد آدم .

( سورة النجم ) .
بلغ درجة ما بلغها مخلوق في
الكون .

( سورة النجم ) .

( سورة النجم ) .
هذا العطاء ، ﴿ إِنَّه هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ، يعني سمعنا دعاءك يا محمد في
الطائف ، وهذه المكافأة ، هذه مكافأة السماء عن جفوة الأرض ،
هذه مكافأة ربك الذي دعوت إليه خالصاً عن تكذيب الناس .

1 ـ كل محنة المؤمن المستقيم
وراءها منحة :
لذلك هناك درس يستنبط من
الإسراء والمعراج ، الدرس أن كل محنة للمؤمن يأتي بعدها منحة
من الله .

( سورة البقرة ) .
كل محنة وراءها منحة ، لكن لا
بد من التحفظ :
إذا أكل الجل مالا حراما ، أو
اعتدى على أعراض المسلمين ، أو غشهم ، فجاء عقاب إلهي ، هذا
الكلام الذي أقوله الآن لا ينطبق على هذه الحالة ، هذه الشدة
التي أصابتهم عقاب من الله ، وليست ابتلاء ، أنا أقول : لمؤمن
مستقيم جاءته شدة ، مستقيم ، مصلٍّ ، صائم ، عابد ، مطيع ، له
أعمال صالحة ، هذا المؤمن إذا أصابته شدة ، وليس في حياته
مخالفة تسـتأهل العقاب نقول : هذه المحنة وراءها منحة ، وهذه
الشِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل ، لذلك للمؤمن المستقيم كل
محنة وراءها منحة ، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل ،
بعد الطائف عرف النبي أنه ولد سيد آدم ، الأنبياء جميعاً في
بيت المقدس اِئتموا به ، إذاً هو سيد الأنبياء والمرسلين ، بل
هو سيد ولد آدم ، بل هو أفضل الخلق ، وحبيب الحق ، بل الله عز
وجل أقسم بعمره الثمين ، فقال :

( سورة الحجر ) .
بل إن الله عز وجل ما ناداه
باسمه أبداً ، في حين أنه نادى أنبياءه بأسمائهم .

( سورة مريم الآية : 12 ) .

( سورة مريم الآية : 7 ) .

( سورة آل عمران الآية : 55 )
.
ليس في القرآن كله يا محمد ،
في :

( سورة التحريم الآية : 9 ) .

( سورة المائدة الآية : 41 ) .
تكريماً له .
أيها الإخوة ، إذاً الإسراء
والمعراج يعطي المسلمين هذا الدرس ، إن كنا في شدة فلعل بعد
هذه الشِدة شَدة إلى الله ، إن كنا في محنة فلعل بعد هذه
المحنة منحة من الله ، ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ
شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
.

لو أسقطنا هذه المعاني على ما
يعانيه المسلمون اليوم من محن ومصائب في أفغانستان ، في العراق
، في لبنان ، في فلسطين ، هذه شِدة ، والله عز وجل يقول :

( سورة السجدة ) .
لكن الذين شردوا عن الله عز
وجل شروداً كاملاً ، وليس فيهم ذرة خير قال عنهم :

( سورة الأنعام ) .

عندنا ملاحظات حول عقد الإخاء
الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي .
1 ـ عدد المهاجرين والأنصار
الذين آخى بينهم الرسول عليه الصلاة والسلام :
إن عقد المؤاخاة اشتمل على 45
رجلاً من المهاجرين ، و45 من الأنصار ، تصور 90 رجلا ،
والمسلمون اليوم مليار و500 مليون .

( سورة إبراهيم ) .
أنت قد لا تعلم الخير الكثير
الذي ينتج عن دعوتك إلى الله ، قد لا تعلم ، وأنت ضعيف ، لكن
الله عز وجل يمكن أن يجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لم
يوصف .
للتقريب : أحد الإخوة الكرام
عنده بنت في البيت فاعتنى بها ، اعتنى بدينها ، بصلاتها
بإيمانها ، بأخلاقها ، حتى زوجها من شاب مؤمن ، هذه الأسرة
أنجبت أولاداً نشؤوا في طاعة الله ، نشؤوا في بيت مسلم ، من
يدريك أيها الأخ أن هذا الذي توجه إلى الله ، وتزوج امرأة
صالحة ، وأنجب أولاداً صالحين أن هذا يوم القيامة يرى من نسله
مليون إنسان مؤمن ، وكل أعمالهم في صحيفته ؟ والدليل :

( سورة الطور ) .
45 رجلا نتج عنهم مجتمع من
مليار و500 مليون ، هذا الذي وصل بالإسلام إلى الصين ، كل من
أسلم في هذا البلد في صحيفته ، والذي وصل بالإسلام إلى الغرب
وشمالي إفريقيا .
والله مرة سافرت إلى اسطنبول ،
دخلت معهدا شرعيا ، أقسم بذات الله أنني في دمشق توافق
المسلمين مع بعضهم عجيب ، إخواننا باسطنبول المؤمنون طلاب
العلم الشرعي من جبلتنا ، من مبادئنا ، من قيمنا ، من أخلاقنا
، من أهدافنا ، المسلمون وحدة .
لذلك كل ما عملت عملاً كهذا
العمل في صحيفتك ، هذا على موضوع أن الـ45 بـ 45 أصبحوا مليار
و500 مليون .
ثم ينبغي أن نعلم أنه لن تقتصر
المؤاخاة على مهاجرين قريش وعلى عقد المؤاخاة في دار أنس فقط ،
إنما ستستمر بين في كل مسلم كانت له أسبقية في العلم ز
2 ـ من كمال المؤاخاة أن لا
تكون بين متماثلين :
في الدرس الماضي بينت لكم أن
المؤاخاة من كمالها لا أن تكون بين متماثلين ، أن تكون بين
إنسان له أسبقية ، إنسان حديث ، فالذي له أسبقية يعلم المبتدئ
، وقد تكون بين غني وفقير ، فالغني يرعى الفقير ، وبين قوي
وضعيف ، وبين صحيح ومريض ، وبين متزوج وشاب على طريق الزواج ،
يعطيه خبراته ، افعل ، لا تفعل ، إياك أن تقول هذه الكلمة ،
عامل أهل زوجتك هكذا .
فلذلك المؤاخاة ليست مجرد لقاء
اثنين ، بل التعاون بين اثنين ، فإذا كان هناك تفاوت بينهما
كان هذا التعاون مثمرا ، هكذا تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام
.
كان عليه الصلاة والسلام إذا
أسلم رجل يقول لأصحابه : خذوا أخاكم ، فقد أسلم ، فعلموه
الإسلام .
3 ـ المؤاخاة في الإسلام
مدرسة تربوية :
أيها الإخوة ، المؤاخاة في الإسلام مدرسة
تربوية ، وعهد دائم يلتزم به المسلم مدى الزمن ، وتفقد بعضهم
بعضاً ، وما من شيء أحب إلى الإنسان من أخ في الله ، الأخ في
الله غالٍ جداً ، الأخ في الله نوع متميز ، يأخذ بيدك ، وتأخذ
بيده ، ينصحك وتنصحه ، يعاونك وتعاونه ، يقرضك وتقرضه ، يخدمك
وتخدمه ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه
:
(( حقت محبتي للمتحابين فيّ ، وحقت محبتي
للمتواصلين فيّ ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ ، وحقت محبتي
للمتزاورين فيّ ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ ، المتحابون فيّ ،
على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون
ـ يوم القيامة ـ
والصديقون والشهداء
)) .
[ أخرجه أحمد ، والطبراني ،
والحاكم ، عن عبادة بن الصامت ] .
4 ـ حاجة المسلمين اليوم إلى
الحب في الله :
ونحن أيها الإخوة ، كمسلمين
بحاجة إلى المحبة ، مع مضي الأزمان قسا القلب ، صار فينا
خصومات ، ومهاترات ، وتراشق تهم ، وعلاقات غير طيبة ، لذلك :

( سورة الأنفال الآية : 46 ) .
نحن بحاجة إلى أن نحب .
أيها الإخوة ، ماذا أقول لكم ؟
:
صحابيان صليا العشاء معاً في
مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، وخرجا معاً إلى البيت ، عند
افتراقهما تعانقا ، التقيا في الفجر ، سبع ساعات ، أربع ساعات
، خمس ساعات ، فتعانقا ، وقال الأول للآخر : وا شوقاه يا أخي ،
ما هذه المحبة ؟! البارحة الساعة العاشرة كنت معه ، صباحاً
الساعة الثالثة والنصف تقول له : وا شوقاه يا أخي ؟! هذا
الإسلام ، هذا الحب ، الإسلام محبة ، الإسلام تواضع ، الإسلام
تضحية ، الإسلام إيثار ، حتى يحبا الله .
فلذلك الذي لا يشعر بحاجة ماسة
إلى أن يُحِب ، أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، الحب يشبه
وردة طبيعية فواحة الرائحة ، جميلة الألوان ، والإسلام من دون
حب وردة بلاستيك ، لا طعم لها ، إذا ألغي الحب من الدين الدين
تصحر ، وصار معلومات وأدلة ، وأفكارا ، الإنسان بعد هذا يمل
منها ، الأفكار نفسها ، أما إذا كان هناك حب فهناك طاقة .
والله أيها الإخوة ، أحياناً
يجلس مؤمن مع أخ عشر ساعات لا يشعرون بالوقت ، والله الذي لا
إله إلا هو مرة سافرت إلى بلد في الشمال لي أخوة كُثر فيه ،
والله الذي لا إله هو بدأت الحديث الساعة الخامسة مساء ، أول
مرة نظرت إلى الساعة ، فإذا هي الساعة الواحدة ليلاً ، ما شعرت
بالوقت ، لوجود المحبة ، والمودة ، والتناصح ، والإقبال ، نحن
حياتنا متصحرة ، حسد ، غيرة ، ليس هناك هذا الحب بيننا ، هذا
من أسباب ضعفنا .
مرة عليه الصلاة والسلام كان
في غزوة ، وسأل عن صحابي واحد ، فقيل له : يا رسول الله ، شغله
بستانه عن أن يجاهد معك ، كان ثمة صحابي وفيّ لذاك الصحابي ،
قال له : لا والله يا رسول الله ، لقد تخلف عنك أناس ما نحن
بأشد حباً لك منهم ، ولو علموا بأنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك
، فابتسم النبي حتى ظهرت نواجذه ، ابتسم لهذا الحب بين الأخوين
.
يجب أن تدافع عن أخيك ، يجب أن
تخبره من حين لآخر : أين أنت ؟ اشتقنا لك ، نحن قلقون عليك ،
الصحة طيبة إن شاء الله ، تنعشه بهذا الاتصال .
،
(( عليكم بالجماعة وإياكم
والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )) .
[ أخرجه أحمد في مسنده
والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر ] .
(( وإنما يأكل الذئب القاصية
)) .
[أخرجه أحمد ، وأبو داود
والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]
.
اتخذ لك أخاً في الله ، هذه
نصيحتي تطبيقاً لهذا الدرس ، كيف آخى النبي الكريم بين
المهاجرين والأنصار ، أنت اختر أخا ، تستطيع أن تعاونه ، أو
يعاونك ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي
تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ
الْجَسَدِ . إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ ، تَدَاعَىَ لَهُ
سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] .
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ ))
، مودة ، ابتسامة
،
وجه طلق ، مصافحة ، دعوة ، ضيافة ، بذل ، هدية
، هذا كله مودة ، الهدية مودة ، والدعوة مودة ، والنصيحة مودة
، والمعاونة مودة .
والله مرة أحد إخوتنا الكرام
اشترى بيتا ، فكلما جاء بالأثاث أحد جيرانه ينطلق لمعاونته ،
يعاونه بحمل الأثاث ، يأتيه بضيافة بعد إيصال الأثاث إلى البيت
، قال لي : والله أنا لا أعرفه ، من حضرتك ؟ من أنت ؟ قال له :
أنا بالجامع الفلاني ، في جامعنا ، هذا الأخ ما سبب انطلاقه
إلى الدين ؟ قال له : أنا لي قريب في هذا المسجد ، دعاني لحضور
دروس مرات عديدة ، قال له : أريد ألا أحضر ، لكن من كثرة ما
ضغط عليّ سايرته مرة ، وذهبت معه إلى الدرس ، فانتهى الدرس ،
الأخ القديم سلم عليّ ، وقال لي : هذا ابن خالتي ، هذا أول درس
يحضره ، أنا كلفتني العملية أن أصافحه بحرارة وبمودة ، قلت له
كلاما في تواضع : إن شاء الله الدرس أعجبك ؟ قال لي : أي والله
الدرس جميل جداً ، قلت لقريبه : عين على ابن خالتك ، صافحته
بمودة بالغة ، هو فقير جداً ، لما وجد هذه المودة والمصافحة
حارة ، وسألته عن الدرس ، ووصيت فيه ابن خالته أقسم بالله أنه
أتى للدرس مودة واحدة حتى يُسكت ابن خالته ، فإذا هو في هذا
الدرس إلى الآن ، وما تركه .
إخواننا الكرام ، الإسلامي
اجتماعي ، الصلاة صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ27 ضعفاً ،
الصيام جماعي ، الحج جماعي ، ديننا دين جماعي ، والجماعة رحمة
.
مرة قرأت كلمة أعجبتني ،
الكلمة : لست وحدك في الحياة ، أنت لست وحدك في الحياة ،
الواحد للمجموع ، والمجموع لواحد .
هناك أمثلة أيها الإخوة أمثلة
كثير جداً ، بعض الأمثلة :
إنسان تزوج ، ودخله محدود ،
وبحاجة إلى ألف حاجة ، أصدقاءه وإخوانه في الله اجتمعوا وقرروا
، وجمعوا مبالغ من المال جيدة ، وأمّنوا له كل حاجاته الثانوية
، يلزمه مروحة ، يلزمه برادا ، يلزمه غسالة ، يلزمه غازا ،
أمّنوا له ، كلما تزوج واحد منهم الكل يعاون بعضهم ، هذا مجتمع
التعاون ، هذا مجتمع المؤمنين .
فيا أيها الإخوة ، لست وحدك في
الحياة ، حينما تنضوي مع مؤمنين صادقين الكل لك ، وأنت للكل .
تشريعات الإسلام جميعاً قائمة
على بناء المجتمع الموحد المتماسك الصالح في بناء الأسرة ،
وحقوق كمل من الزوج والزوجة والأولاد وغير ذلك .
الذي أتمناه عليكم أن ننطلق
إلى تنفيذ هذه المؤاخاة ، عندك أخ بالله ، اثنان أحسن ، ثلاثة
أحسن ، أربعة أحسن ، كلما كان المؤمنون أكثر ولاءً ، وتضحية ،
ومؤاثرة ، وخدمة كانوا أقرب إلى الله عز وجل .
وفي درس قادم إن شاء الله
نتابع هذا الموضوع .
والحمد لله رب العالمين