|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة
النبوية :
الدرس :
14
/
08
/ 2006 ـ
" بناء الأخوة
بين المسلمين في المدينة "
ـ لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم
علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا
الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا
برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية
، ومع موضوع بدأت فيه منذ أسبوعين تقريباً
،
ألا وهو الطريقة التي بنا بها النبي صلى الله
عليه وسلم مجتمع المسلمين الأول في المدينة ، ونحن في أمسّ
الحاجة إلى أن نتأسى بهذا النبي الكريم في بناء مجتمع المسلمين
.

الشيء الأكبر من أسس هذا
المجتمع المؤاخاة ، لأن الله عز وجل يقول :

( سورة الحجرات الآية : 10 ) .
وما لم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست
مؤمناً .
(( المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ
)) .
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]
المسلم في أي مكان ، وفي أي
زمان أخو المسلم .
والإسلام أيها الإخوة خاصة ،
والدين عامة حاجة الإنسان إليه كحاجته للهواء ، والهواء لا
يستطيع أحد أن يحتكره ، الماء يحتكر ، الأرض تحتكر ، المحل
يحتكر ، أما الهواء فلا يحتكر ، لذلك حاجة الإنسان إلى الدين
كحاجته إلى الهواء ، والهواء لا يحتكر ، لا يمكن أن يحتكره قوم
، ولا بلد ، ولا إقليم ، ولا مصر ، ولا طائفة ، ولا مذهب ،
الدين كالهواء .
فلذلك كل من يتوهم أن وحده على
حق ، وما سواه على باطل من دون دليل ، من استقصاء فهو واهم ،
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بدأ ببناء المجتمع الإسلامي عن
طريق المؤاخاة ، فما لم تشعر بأخوتك لهذا المؤمن ، وما لم تشعر
أن هذا المؤمن أقرب الناس إليك ، وأحب الناس إليك ، ما لم يكن
انتماءك للمؤمنين فلست كامل الإيمان .
أما حينما نرى أن المؤمنين بعضهم يتهم بعضاً ،
بعضهم ينتقص من بعض ، بعضهم يشتم بعضاً ، بعضهم يقاتل بعضاً ،
هذه وصمة عار بحق المسلمين ، ﴿
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ .

فقد آخى النبي صلى الله عليه
وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك ، وكانوا
تسعين رجلاً ، نِصفهم من المهاجرين ، ونِصفهم الآخر من الأنصار
، آخى بينهم على المواساة ، يتوارثون بعد الموت ، دون ذوي
الأرحام ، إلى حين غزوة بدر ، في رمضان من السنة الثانية
للهجرة ، فلما أنزل الله عز وجل قوله :
 
( سورة الأحزاب الآية : 6 ) .
رُد التوارث إلى الرحم دون عقد
الأخوّة ، ففي بداية الإسلام كان هناك أسر بعض الأبناء فيها
مسلم ، وبعض الأبناء مشرك ، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون
التوارث بين الإخوة المؤمنين ، ولكن بعد حين : ﴿ وَأُوْلُو
الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ
﴾ ، رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الإخوة .
وكانت المؤاخاة في شهر رمضان
من السنة الأولى للهجرة ، أي بعد الهجرة بخمسة أشهر .

ولكن : ألسنا نحن بحاجة إلى
هذه المؤاخاة ؟ لست وحدك في الحياة ، أنت للكل ، والكل لك ،
لست وحدك في الحياة ، الحياة بالأخوة الإيمانية لا تبدو قاسية
، والحياة مع الأخوة الإيمانية تبدو مسعدة ، وما من إنسان أغلى
على المؤمن من أخ له في الله ، تنصحه وينصحك ، تعينه ويعينك ،
تتفقده ويتفقدك ، تعاونه في معضلات حياته ويعاونك .
الصورة الأولى للمؤاخاة اليوم
:
إذاً : لو أنّ كل واحد منا
اتخذ أحد الإخوة أخاً له ، وصافحه ، وقال : أنا فلان ، وأنت
أخي في الله ، هذا هاتفي ، وهذا عنواني ، وهنا بيتي ، وأنشدك
الله إن كنت مضطراً لشيء فأنا في خدمتك ، وأعاهدك أنني إذا
اضطررت إلى مساعدة سوف أطلب منك ، فهذا جيد جداً ، وإذا آخى
اثنين ، أو آخى ثلاثة فهو أفضل ، وإذا آخى خمسة وتفقدهم ، ما
الذي يحصل أيها الإخوة ؟
يأتي أخ إلى المسجد يُسرّ
بالدرس ، تزل قدمه ، يخجل من ربه فلا يأتي ، ولا أحد يسأله :
لمَ لم تأتِ ، لا أحد يتفقده ، يمضي أسبوع وأسبوع فينقطع
كلياً عن المسجد ، لو أن واحداً اتصل به ، وسأله : كيف حالك ؟
إن شاء الله المانع خير ؟ لسُرّ ، وانتعش فؤاده ، وعاد إلى
المسجد .
لذلك لو أن واحد منا آخى أخاً ، وتعاهدا على أن
يتناصحا ، تعاهدا على أن يتفقد كل منهما الآخر ، والأخ الثاني
أفضل ، والثالث أفضل ، والرابع أفضل ، لو أنك آخيت خمسة أشخاص
لكانت الحياة الجنة .
الصورة الثانية للمؤاخاة اليوم
:
المشروع الثاني : ما الذي يمنع
إذا كنتم خمسة في حي واحد ، أو في حرفة واحدة ، أو في قاسم
مشترك واحد ، أو في قرابة واحدة ، أحياناً القرابة تجمع ،
أحياناً السكن يجمع ، أحياناً الحرفة تجمع ، إما قرابة ، أو
زمالة ، أو صداقة ، أو جواراً ، ما الذي يمنع أن نجلس كل
أسبوعين ، أو كل أسبوع ، أو كل ثلاثة أسابيع ، أو كل أربعة
أسابيع ، نجلس ساعة من الزمن نتحاور ، نتداول ، واحد منا
استقى موعظة تأثر بها ، فذكرها لإخوته ، واحد منا حضر خطبة ،
تفاعل معها ، فذكر مضمونها لإخوانه ، قرأنا صفحة من كتاب الله
، تدارسنا هذا الكتاب .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
(( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ
الْمَلَائِكَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَنَزَلَتْ
عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ
عِنْدَهُ )) .
[ رواه مسلم ]
(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ
مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ
قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً )) .
[ رواه أبو داود وغيره عن أبي
هريرة ] .
الحديث في الدنيا متعب ، بينما
الحديث عن الله مسعد .
لذلك أيها الإخوة ، لو
أردنا أن نترجم إلى سلوك عملي أن كل واحد يؤاخي أخاً في الله ،
طبعاً لا بد من تبادل العناوين تبادل الهواتف ، تبادل فكرة
سريعة عن الأخ ، ماذا يعمل ؟ ويفضل أن يكون أقرب الناس إليه
سكنا ، أو إلى عملك ، أو إلى قرابتك ، هذا تنفيذ
لمؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام ، واحفظ هذه الكلمة
: الكل لواحد ، والواحد للكل ، ولست وحدك في الحياة .
(( إن المسلم أخو المسلم لا
يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يسلمه )) .
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]
(( كُلّ المُسْلِمِ على
المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ )) .
[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

1-
ذهاب وحشة الغربة :
إذاً : ورد في بعض كتب السيرة
أن الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة وصدقوا أيها الإخوة ،
أننا في غربة .
(( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا ،
وَيَرْجِعُ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ
يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي
))
.
[ الترمذي عن عمرو بن عوف بن
زيد ]
ما لم تشعر بالغربة ففي إيمانك
خلل .
(( المسلم في آخر الزمان غريب
، القابض على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين ، قالوا
: منا أن منهم ؟ قالوا : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير
معواناً ولا يجدون )) .
[ ورد في الأثر ]
فما لم تشعر بالغربة ففي
الإيمان خلل .
إذاً : الغرض من المؤاخاة ذاهب
وحشة الغربة ، ولا سيما بعد مفارقة الأهل والعشيرة .
2 -
شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض :
ومن أغراض المؤاخاة شد أزر
المؤمنين بعضهم ببعض ، فلما أعز الله الإسلام ، وجمع الشمل ،
وذهبت الوحشة ، بطل التوارث ، ورجع كل إنسان إلى نسبه ولذي
رحمه .
في أيام الضيق ، في أيام الشدة ، في أيام الفتن
، في أيام الطرقات مليئة بالنساء الكاسيات العاريات ، في زمن
الفضائيات ، في زمن الانترنيت ، في زمن الإباحية ، ما من إنسان
تألفه ، وتأنس به ، ويأنس بك ، كالأخ في الله ، لذلك ورد في
بعض الآثار القدسية :
(( حقت محبتي للمتحابين فيّ ،
وحقت محبتي للمتواصلين فيّ ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ ، وحقت
محبتي للمتزاورين فيّ ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ ، المتحابون
فيّ ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون
والشهداء )) .
[ رواه الطبراني عن عبادة بن
الصامت ] .
وقد علمنا عليه الصلاة والسلام
أنك إذا أحببت أخاً في الله أعلمه أنك تحبه ، قل له : إني أحبك
في الله ، ينبغي أن يقول لك : أحبك الله كما أحببتني ، والحب
أحد أركان الحياة النفسية ، الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ،
وجسم يتحرك ، فإذا أحببت أخاً في الله كان هذا الأخ لك معيناً
، ورفيقاً ، وناصحاً ، ومحباً .
3 -
حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين :
الآن للمؤاخاة أهداف أبعد ،
وأشمل من مجرد التوارث للأسباب التالية : حاجة الأنصار إلى
التفقه في الدين .
أحياناً أنت آخيت أخًا حديث
عهد بالمسجد ، وأنت لك في المسجد سنوات طويلة ، تلقيت علماً
غزيراً ، عندك فضل علم ، فإذا آخيت إنسانا مبتدئا ، أعطيته من
علمك ، تدارست معه القرآن ، تحاورت معه في الفقه ، علمته ما في
بعض السيرة ، بينت له أجمل ما سمعت فه>ا من أهداف المؤاخاة .
إذاً المؤاخاة لها هدف آخر ،
لذلك قال الله تعالى :

( سورة سبأ الآية : 46 ) .
إذا جلست مع أخيك فتحاور حول
هذا الدين ، حول هذا النبي الكريم ، حول سنته حول عظمة الإسلام
.
إذاً أحد أسباب المؤاخاة ،
وهذا من بناء الرسول عليه الصلاة والسلام حاجة الأنصار إلى
التفقه في الدين .
4 -
القدوة الصالحة :
شيء آخر ، الدين يؤخذ بالقدوة
الصالحة ، القدوة الصالحة حقيقة مع البرهان عليها ، والإسلام
لا يعيش إلا بالمثل ، الإسلام لا ينمو وهو في الكتب ، ينمو
بمسلم تراه عينك ، لذلك كما أن الكون قرآن صامت ، والقرآن كون
ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، ونحن الآن في
أمسِّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين ، ينبغي أن ترى أمانته
، وأن ترى صدقه ، وأن ترى عفافه ، وأن ترى محبته ، وأن ترى
إنصافه ، وأن ترى غناه عما سوى الله .
إذاً الحاجة إلى التفقه في
الدين ، والدين يؤخذ بالقدوة الصالحة ، وقد مضى العهد المكي ،
وما فيه من قرآن منزل وجهاد دعوي ، وصبر على الأذى ، وهجرة
وصحبة ، وتربية نبوية ، لا يحمله يوم الهجرة إلى هؤلاء
المهاجرين إلا إخوانهم الأنصار ، وليس من الممكن أن يعاود رسول
الله صلى الله عليه وسلم لينقل إليهم أفراد وجماعات تلك العلوم
التي عاشوها .
مرة حضر أمام النبي عليه
الصلاة والسلام رجل تكلم فألحن ؛ أخطأ ، فقال : أرشدوا أخاكم
فإنه قد ضل ، النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه سنوات
طويلة ، الآن جاء إلى المدينة والأنصار لا يعلمون شيئاً ،
يحبون النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن علمهم قليل ، بهذه
المؤاخاة جعل السابقين بالعلم يمنحون إخوانهم الأنصار العلم
الذي تعلموه من رسول الله .
أيها الإخوة ، لكن من الضروري
أن يتم توزيع المهاجرين على عشائر الأنصار يعيشون معهم حياتهم
بكل تفاصيلها ، ليتمكنوا من صناعة القدوة الحسنة ، والوحدة
التربوية النبوية بين الجميع ، ولا يمكن تحقيق ذلك بغير العيش
المشترك الذي يتجاوز المصاعب التي تفرضها مشكلات السكن والعمل
والصحبة ، فبالمؤاخاة أصبح المهاجر أخاً لا يبعده عن أخيه
الأنصاري العادات والتقاليد الاجتماعية ، والدراسية وغيرها .
إذاً كما أن النبي صلى الله
عليه وسلم آخى بين أصحابه المهاجرين بالأنصار أصحابه الجدد ،
ينبغي أن القوي يؤاخي الضعيف ، والغني يؤاخي الفقير .

الآن هناك ملمح جديد : إنسان
ميسور إذا آخى طالب علم فأعانه ، اقتراح أن أصحاب الفعاليات
الاقتصادية وظفوا عندهم طالب علم بنصف دوام ، وبنصف أجرة ، تحل
المشكلة ، طالب العلم أحياناً يحتاج إلى دخل محدود جداً ، يقيم
أوده ، فإذا تفضلت ، وعينت طالب علم عندك بنصف دوام أتيح له أن
يدرس ، وبهذا الدخل القليل أتيح له أن يعيش ، فإذا كبر هذا
الطالب ، وصار داعية كل عمله بصحيفة من كفله .
الآن دخلنا في موضوع جديد
الغني يؤاخي الفقير ، والقوي يؤاخي الضعيف ، والذي عنده حرفة
يؤاخي من لا يتقن هذه الحرفة .
والله أعرف رجلاً عنده محل
حلويات ، دخل إليه إنسان من محافظة نائية في الشمال الشرقي ،
وهو غير مسلم ، قال له : هل تعلمني صنع الحلويات ؟ قال له :
حاضر ، أدخله إلى المعمل ، وصنع أمامه طبخة ، وكتب التفاصيل ،
فلما انتهى قال : اصنع طبخة أنت أمامي ، يقسم بالله العظيم مضى
على هذا العمل ثلاثون عاماً ، ما من عامل إلا ويأتيه من آخر
الدنيا ومعه هدية ثمينة يقول له : لحم كتفي من خيرك .
ما الذي يمنع إن كنت صاحب حرفة
أن تؤاخي إنساناً لا يتقن هذه الحرفة .

إخواننا الكرام ، الغرب علمنا
الجشع ، علمنا حبس المعلومات ، علمنا أنك إذا أردت أن تفك محرك
تقول للصانع : اخرج لئلا يتعلم ، لئلا ينافسك ، ما الذي يمنع
هذا الصانع الذي يعمل بلا أجر من أجل أن يتعلم ، ما الذي يمنع
أن تعلمه هذه الحرفة ؟ .

( سورة الحشر ) .
غير مؤمن شحيح ، يضن بمعلوماته
، إذاً المؤاخاة تأخذ بعداً شديداً ، غني وفقير قوي وضعيف ،
صاحب حرفة .
إنسان من بلد بعيد يقم هنا
للدراسة ، إذا آخيت أخاً مقيماً ، وأنت مغترب ، يعاونه هو من
البلد ، يعرف البئر وغطائها .
لذلك إذا كان هناك تباعد
بالصفات فالأخوة أجدى .

لإسلام أيها الإخوة بحد ذاته
لا يقوم على الأسس والقواعد العصبية ، والقبلية ، والعشائرية ،
والعرقية ، اسمعوا مني هذا الكلام :
لا يضاف على كلمة مسلم ولا كلمة ، أية إضافة
على كلمة مسلم هذا يتجه نحو التعصب .
(( ليس منا من دعا إلى عصبية ،
وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية )) .
[ أخرجه أبو داود عن جبير بن
مطعم ] .
بعد كلمة مسلم لا يضاف ولا
كلمة ، لذلك الإسلام لا يقوم على أسس عصبية ولا قبلية ، ولا
عشائرية ، ولا عرقية ، لما كنا مسلمين في شتى بقاع الأرض كنا
أمة واحدة ، فلما قلنا : نحن عرب ، قال الأتراك : ونحن أتراك ،
وقال الأكراد : ونحن أكراد ، نطالب حكماً خاصاً ، الإسلام أممي
، كل من آمن بما نؤمن ، وطبق ما نطبق ، هو منا ، ونحن منه ،
له ما لنا ، وعليه ما علينا .
وقد تستغربون إن ألقيت على
مسامعكم أسماء علماء كبار جداً ليسوا عرباً ، الإمام البخاري
ليس عربياً ، صلاح الدين الأيوبي ليس عربياً ، ألا نفتخر به ؟
الشيء الصحيح أن يكون الإسلام أممياً ، لا يمنع أن تكون أنت
عربيا ، لا يمنع أنك منتسب لهذه الأمة ، لكن من دون تعصب ، من
دون أن تزدري الآخرين ، أو من دون أن يزدرك أحد ، لذلك لا بد
من وضع أسس المجتمع الجديد بعيداً عن المؤثرات والمورثات
الجاهلية ، وليكون هذا المجتمع الجديد مثالاً صالحاً يحتذيه
المسلمون على مر العصور .

1ـ بين بلال الحبشي وأبي بكر
الصديق :
أضع بين أيديكم أمثلة يصعب تصديقها ، لكنها
واقع : بلال الحبشي من الطبقة الدنيا ، في مجتمع الجاهلية ،
ليس عربياً ، وليس قرشياً ، وليس من أرومة قريش ،
عبد أسود مملوك ، يعذبه سيده لأنه آمن بمحمد ،
يأتيه الصديق ليشتريه بالثمن الذي طلبه ، يقول سيد بلال :
والله لو دفعت به درهماً لبعتكه ، يقول الصديق : والله لو طلبت
مئة ألف درهم لدفعتها لك ، وأخذ بلالاً ، ووضع يده تحت إبطه
إشعاراً لسيده أنه أخوه في الإسلام ، بلال إذا قدم المدينة
يخرج عمر عملاق الإسلام لاستقباله ؟! هذا هو الإسلام ، الصحابة
الكرام إذا ذكروا أبا بكر ، يقولون : هو سيدنا وأعتق سيدنا ،
يعني بلالاً .
(( فلا فضل لعربي على أعجمي
، ولا أحمر على أسود
إلا بالتقوى
)) .
[ رواه الطبراني عن ابي سعيد ]
.
(( إن أكرمكم عند الله أتقاكم
)) .
[ أخرجه العقيلي ، والطبراني ،
عن أم أيمن ] .

هذا المجتمع يتقدم ، الله عز
وجل لم يعتمد في الترجيح بين خلقه إلا قيمتين ، قيمة العلم ،
وقيمة العمل ، أما قيمة العلم :

( سورة الزمر الآية : 9 ) .
 
( سورة المجادلة الآية : 11 )
.
وأما قيمة العمل :

( سورة الأنعام الآية : 123
) .
وما لم تعتمد الأمة هذين
المرجحين فلن تقف على قدميها ، لذلك هناك قيمة المال ، قيمة
النسب ، قيمة الحسب ، قيمة الجمال ، قيمة الذكاء ، قيمة
الأرومة ، هذه قيم لم يعتمدها الإيمان إطلاقاً ، بل اعتمد قيمة
العلم ، واعتمد قيمة العمل .
5 -
: تحقيق التكامل ، والتكافل ، والتعاون
الاجتماعي :
الهدف الخامس من هذه المؤاخاة
: تحقيق التكامل ، والتكافل ، والتعاون الاجتماعي في جميع
الأحوال والمجالات ، فالفرائض الإسلامية من صلاة ، وزكاة ،
وصوم ، وحج نقوم بها جميعاً ، والذي يشكل بمجموعه غاية
المؤاخاة ، الصلاة واحدة ، والملك والخفير يصليان جنياً إلى
جنب في المسجد ، في الحج الخفير يطوف ، والملك يطوف ، والخفير
يسعى ، والملك يسعى ، في مناسب الحج لا فرق بين أمير وخفير ،
ولا بين قوي ولا ضعيف ، ولا بين غني وفقير .
لذلك العبادات كالصلاة ،
والصوم ، والحج ، مطبق على الجميع ، من دون استثناء ، ليس هناك
مسعى خاص للكبراء ، بالسلك الدبلوماسي ، ولا طواف خاص لعلية
القوم ، مناسك الحج والعمرة ، والصيام ، والصلاة واحدة لدى
الجميع .
لذلك .... أن يكون كل واحد من
المؤمنين عوناً وسنداً للآخر ، فمن للمهاجرين غير الأنصار ،
يسكنون إليهم ، ويشاركونهم حياتهم ، ومأكلهم ، ومشربهم ،
وآلامهم وأفراحهم ، وجهادهم ، والذود عن حياضهم ، ومن للأنصار
غير المهاجرين يعلمونه الدين ، ويفقهونهم فيه ، ويقرئونهم
القرآن ؟ أرأيت إلى هذه المصالح المتكاملة ، أروع التكامل
المضاربة .
لو فرضنا إنسانا معه مال ، وهو
متقدم في السن ، ولا يحسن استثماره ، لو أن شاباً مهندساً
زراعياً مثلاً ، طاقة كبيرة جداً ، طاقة كبيرة ومثقفة ، لكن ما
معه مال ، فعملوا مشروعاً ، الأرباح مناصفة ، هذا بماله ، وهذا
بجهده ، المؤاخاة لها معنى واسع جداً ، حتى شركات التجارة
مؤاخاة ، واحد بماله وواحد بجهده .
لذلك أيها الإخوة ، من حكم
المؤاخاة تكامل الأنصار والمهاجرين ، أما صور هذه المؤاخاة
فتبين السمو الذي بلغه الأنصار والسمو الذي بلغه المهاجرون ،
نذكر منها :

2ـ بين سعد بن الريع وعبد
الرحمن بن عوف :
تميل النفس الإنسانية المهذبة
المزكاة إلى المحبة الصادقة ، والتضحية والإيثار ، فكيف وقد
عظم الإسلام مكانة المتحابين بالله ، وعلى هذا الشعور الديني
تقدم الأنصاري سعد بن الربيع إلى أخيه في الله عبد الرحمن بن
عوف ، فقال ، الآن عندنا أنصاري ، اسمه سعد بن الربيع ، ومهاجر
اسمه عبد الرحمن بن عوف ، قال : إني أكثر الأنصار مالاً ، أقسم
لك مالي نصفين ، عندي بستانان خذ أحدهما ، عندي بيتان خذ
أحدهما ، عندي دكانان خذ أحدهما ، قال عبد الرحمن بن عوف ،
والله لا أنساها هذه الكلمة : بارك الله لك في أهلك ومال ،
ولكن دلني على السوق ، ما هؤلاء الأصحاب الذين رباهم النبي
عليه الصلاة والسلام ؟ الأنصار أسخياء ، والمهاجرون أعفّة .
الآن الغني الغنى الفاحش إذا استطاع أن يعالج
في مستشفى مجاناً من حق الفقير لا يقصر ، الأنصاري بذل نصف
ماله ، والمهاجر تعفف عن المال ، بارك الله لك في مالك ولكني
دلني على السوق .
دلوه على سوق بني قينقاع ، فما
انقلب إلا ومعه فضل أقط وسمن ، ثم تابع الغدو الأقط لبن مجفف
، وسمن ، أرباحه كانت غذاء ، تابع الغدو إلى السوق ، ثم جاء
يوماً وبه أثر صفرة طيب لونه أصفر ، جاء يوماً وبه أثر صفرة ،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما الأمر ؟ قال له : يا
رسول الله تزوجت ، دخل للسوق ، وباع واشترى ، وجمع مالا ،
وتزوج .
إخواننا الكرام ، ما فتح أحد
على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر .
(( مَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ
فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه )) .
[رواه الطبراني ، ورواه أبو
الشيخ عن أبي الدرداء ] .
الشيء الذي يلفت النظر أنه كما
أن الأنصاري سخي المهاجر عفيف ، ما قبل أن يأخذ شيئاً ، عرض
عليه بيتاً ، ودكاناً ، وبستاناً ، قال له : بارك الله لك
بمالك دلني على السوق ، تاجر وربح الإقط والسمن ، ثم تاجر
فتزوج ، فلما رآه النبي عليه أثر صفرة قال له : ما الأمر ؟
قال : تزوجت يا رسول الله ، قال : كم سقت إليها ؟ ما المهر ؟
قال : نواة من ذهب ، يعني بحجم نواة ذهباً ، أو وزن نواة من
الذهب ، قال : أَوْ لِم ولو بشاة ، لذلك من السنة أن يكون في
حفل عقد القران وليمة وطعام .
3 ـ مشاركة الأنصار مع
المهاجرين في أشجار النخيل :
الأنصار مثل آخر من أمثلة
المؤاخاة : قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا
وبينهم النخل ، الأنصار اقترحوا أن يكون نخل المدينة مشاركة مع
إخوانهم المهاجرين ، قالوا : لا ، قال : تكفوننا المئونة ،
وتشاركوننا في التمر ، الأنصاري عرض أن يتملك المهاجر نصف
أشجار النخيل ، قال : لا ، نحن نعتني بهذه الأشجار بجهدنا ،
أعطونا بعض الثمار ، ولتبق الأشجار لكم ، أرأيتم إلى هذه العفة
؟! هذه مضاربة ، وهذه أفضل شركة في الإسلام ، والنبي عليه
الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام ، هو بجهده والسيدة
خديجة بمالها ، ولعل أمانته ، وعفته كانت سبب زواجه منها .
قالوا : تكفوننا المئونة ، أي
تعتنون بهذه الأشجار ، وتشاركوننا في التمر ، قالوا : سمعنا
وأطعنا ، وهذا يشبه شركات المضاربة اليوم ، العامل بعمله ،
والمالك بماله ، وكان حمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة
أخوين ، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال ، نزل أبو
بكر الصديق في المدينة على خارجة بن يزيد ، ابن أبي زهير ،
وتزوج ابنته حبيبة ، ولم يزل في بني حارث ابن الخزرج بالصلح
حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وخارجة
بن زيد أخوين .
أنا أتمنى أن تترجم هذه
الحقائق إلى سلوك عندكم ، إلى مؤاخاة ، تعلمنا شيئا جديدا ،
الذي معه مال ، ولم يحسن استثماره ليؤاخ إنساناً خبيراً ليس
معه مال ، الغني يؤاخي الفقير ، والقوي يؤاخي الضعيف ، وصاحب
الحرفة يؤاخي إنسانا لا يتقن هذه الحرفة ، وبهذا تتكامل حياة
المسلمين .

قال المهاجرون لرسول الله صلى
الله عليه وسلم : يا رسول الله ، ما رأينا مثل قومك ، قدمنا
عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلاً في كثير ، كفونا
الموءنة وأشركونا في المهنة ، أي في الخدمة ، حتى لقد خشينا
أن يذهبوا بالأجر كله ، هم تكفلوا بالعناية بالشجر ، وأعطونا
نصف الثمر ، قال : حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال : لا
ما أثنيتم عليهم ، ودعوتم له ، أي إن ثناءكم عليهم ، ودعاءكم
لهم حصل منك به نوع من المكافأة .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام
:
(( من أسدى إليكم معروفا فكافئوه
، فإن لم تستطيعوا
فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه
)) .
[ أخرجه أبو داود والنسائي من
حديث ابن عمر ] .
الأصل أن إنساناً قدم لك خدمة
، الكمال يقتضي أن ترد عليه بخدمة مثلها ، قدم لك هدية ،
الكمال يقتضي أن ترد عليه بهدية مثلها ، لكن إذا كان هو غنياً
، وأنت فقير ، وأكرمك إكراماً كبيراً ، ولا تملك أن تكافئه قل
له : جزاك الله خيراً .

لقد أثنى الله جل جلاله على
المهاجرين والأنصار على هذه الروابط الطيبة التي بينهم ، وبيّن
فضل بعضهم على بعض ومكانتهم عند الله فقال :

( سورة الحشر ) .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام
:
(( الأَنْصَارِ : لاَ
يُحِبّهُمْ إِلاّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلاّ مُنَافِقٌ
. مَنْ أَحَبّهُمْ فَأَحَبّهُ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمُ
فَأَبْغَضَهُ اللّهُ )) .
[ متفق عليه ] .
والحمد لله رب العالمين |