الحديث والسيرة
فقه السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي

فقه السيرة النبوية : 31/ 07 / 2006 ـ الدرس : 44 ـ " فتنة الأوس والخزرج وأنواع الاختلاف ـ المؤاخاة ـ  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات   القربات .

 

أيها الإخوة الأكارم ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد بينت لكم في درسين سابقين كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من مكة إلى المدينة ، انتقل من قوة الحق ، قوة الوحي ، قوة الاستقامة ، قوة الإخلاص ، قوة التضحية والفداء ، لكن أصحابه كانوا يُعذبون أمامه ، انتقل إلى المدينة ليضيف إلى قوة الحق حق القوة ، لذلك بنى مجتمعاً قوياً ، أساس هذا البناء المساواة ، أساس هذا البناء إزالة فساد ذات البين ، أساس هذا البناء التكافل ، ولا زلنا في ملامح المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة .

لكنني وعدتكم في درس سابق أن ألقي على مسامعكم قصة تعد نكسة طارئة عابرة في العلاقات بين الأوس والخزرج ، وكيف أن الله وصف الخلافات بين المؤمنين بأنها كفر .

 

ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة ، أن جاهلياً في المدينة المنورة وهو من اليهود غاظه ما رأى من ألفة المسلمين ، وأسقط لكم هذه الحقيقة على واقعنا ، مع أعدائنا ورقة رابحة وحيدة هي التفرقة بين المسلمين ، هي إثارة الفتن الطائفية بين المسلمين ، هذا اليهودي غاظه ما رأى من ألفة المسلمين ، غاظه ما رأى من صلاح بينهم ، بعد الذي كان بينهم من عداوة وبغضاء في الجاهلية .

أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج ، وأن يذكرهم بيوم بُعاث .

حينما صدرت فتوى لا يرضاها المسلمون اليوم ، هذه الفتوى نُشرت في معظم الصحف العادية ، لأنها ورقة رابحة .

لذلك أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج ، وأن يذكرهم بيوم بُعاث ، يوم اقتتالهم ، وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار ، فتفاخر القوم نزوة جاهلية ، ثم تنازعوا ، الأوس والخزرج ، ثم تواثب رجلان من الحيين ، وتقاولا ، فقال أحدهما : إن شئتم رددناها الآن جذعة ، أي حامية ، وغضب الفريقان ، وكادت تقع الفتنة ، بلغ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم غاضباً فيمن معه من المهاجرين ، حتى جاءهم فقال : (( يا معشر المسلمين ، اللهَ الله ، أبدعوى الجاهلية ، وأنا بين      أظهركم ؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية  ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدو لهم ، وبكوا ، وعانق الرجال بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين )) .

لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة بالكفر ، ثم إن الله جل جلاله أنزل بهذه الحادثة قرآناً فقال ـ دققوا بكلام الله ـ :


 

 ( سورة آل عمران ) .

 

بماذا وصف القرآن الكريم الخلاف بين المسلمين ؟ بالكفر ، هذا سماه علماء العقيدة : كفر دون كفر ، هناك كفر يخرجك من الملة ، من ملة الإسلام ، وهناك كفر دونه  فالخصومات بين المسلمين نوع من الكفر ، لأن هذه الخصومات تضعفهم ، تشتتهم ، تمزقهم  تجعل بأسهم بينهم ، تعقيباً على هذا الموضوع الله عز وجل يقول :

( سورة الروم ) .

الله عز وجل نصر الروم ، وهم أهل كتاب على الفرس وهم عباد النار ، لذلك أثبت الله جل جلاله للصحابة الكرام وهم نخبة الخلق ، أثبت لهم فرحهم بهذا النصر ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ .

فالقواسم المشتركة بين المسلمين وبين أهل الكتاب موجودة ، لكن هناك تناقضات في العقيدة كبيرة جداً ، بينما القواسم المشتركة بين أطياف المسلمين أكثر بكثير ، فالأولى أن نفرح بنصر الله ، ولا أن نهمس في آذان بعضنا بعضاً أن هذا النصر ليس لنا ، هو لكل المسلمين ، إذا كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم فرحوا بنص القرآن الكريم بانتصار أهل الكتاب على ما بيننا وبينهم من تناقض ، لأنهم انتصروا على عباد النار ، هذا موضوع .

 

أيها الإخوة ، ورد في أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت في تلك الحادثة التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وصف الله جل جلاله النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

( سورة التوبة ) .

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حرص على وحدة أمته من بعده ، لأن الأعداء وضعونا جميعاً في سلة واحدة ، وينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد ، مشكلتهم كما قال بعض زعمائهم : مشكلة حياة أو موت ، ونحن مشكلتنا أيضاً مشكلة حياة أو موت .

فعن ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض )) .

(( كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ )) .

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .

أيها الإخوة ، نتابع البينة السليمة الاجتماعية التي بناها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا أؤكد لكم أن المجتمع المتماسك لا يخرق ، فلذلك مجتمع المؤمنين ينبغي أن يكون   متماسكاً .

 

1 – المؤاخاة :

أيها الإخوة ، أول شيء بالبناء الاجتماعي المؤاخاة ، فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين والأنصار ، نحن عندنا مظاهر إسلامية صارخة ، مساجد كبيرة جداً  ، مؤتمرات إسلامية ، مكتبات زاخرة بالكتب الإسلامية ، محاضرات ، دروس ، لكن الحب الذي كان بين أصحاب النبي رضوان الله عليهم ليس موجوداً الآن .

أيها الإخوة ، القضية النفسية الحب بين المؤمنين يجعلهم متماسكين ، قال تعالى :

( سورة الأنفال الآية : 46 ) .

الله عز وجل يبين ما ينبغي أن نكون عليه فيقول :

( سورة الحجرات الآية : 13 ) .

لا لتقاتلوا ، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ .

( سورة الحجرات ) .

هذه الآية منهج ، هذه الآية أحد معالم طريق النصر ، المؤاخاة بين المؤمنين .

وفي آية ثانية يقول الله عز وجل :

( سورة الحجرات الآية : 10 ) .

صدقوا أيها الإخوة ، ما لم تشعروا بانتمائكم إلى مجموع المؤمنين فلستم مؤمنين ، لأن الله عز وجل يقول :

 

 

( سورة أل عمران الآية : 19 ) .

 

1ـ الاختلاف الطبيعي لنقص المعلومات :

قال بعض العلماء : هناك اختلاف طبيعي ، اختلاف نقص المعلومات ، نحن في 29 فرضاً من رمضان ، وسمعنا صوت يا ترى مدفع العيد ، أم تفجير تم في الجبل لصخرة عاتية ، نقص المعلومات يدفعنا إلى أن نختلف ، هذا اختلاف طبيعي ، لا شيء فيه ، لكن بعد حين فتحنا المذياع ، فإذا الخبر أنه غداً عيد الفطر السعيد ، مثلاً ، هذا اختلاف طبيعي ، أساسه نقص المعلومات ، كان الناس أمة واحدة فاختلفوا اختلاف نقص معلومات ، فبعث الله النبيين ووضحوا ، لذلك قال تعالى :

2ـ الاختلاف المذموم : الاختلاف بعد العلم :

هذا الاختلاف قذر ، اختلاف نقص المعلومات طبيعي ، لا يمدح ولا يذم ، شيء طبيعي جداً ، لكن الاختلاف بعد العلم اختلاف هوى ، واختلاف مصالح ، واختلاف نفوس ، واختلاف كبر .

حسداً بينهم ، اختلاف الحسد احضر أي درس علم في العالم الإسلامي تسمع فيه : قال الله عز وجل ، وقال عليه الصلاة والسلام ، قرآن واحد ، ونبي واحد ، وسنة واحد ، وإله واحد ، والمسلمون اليوم فرق ، وطوائف ، وأحزاب ، وشيع ، وبأسهم بينهم ، ويتقاتلون أحياناً .

ما اسم الخلاف الثاني ؟ خلاف البغي ، هذا الخلاف القذر .

3ـ الاختلاف الممدوح : اختلاف التنافس :

 وعندنا اختلاف محمود : اختلاف التنافس ، هناك من يرى أن أعظم شيء أن تؤلف كتاباً ، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تؤلف قلباً ، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تبني مسجداً ، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تطعم فقيراً ، فالمؤمنون يختلفون في اجتهاداتهم ، لكن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لك أن تنشئ مسجداً ، ولك أن تلقي درساً ، ولك أن تعتلي منبراً ، ولك أن تؤلف كتاباً ، ولك أن تنشئ ميتماً ، ولك أن تنشئ مستوصفاً ، ولك أن توفق بين الناس ، وأن ترأب صدعهم ، وأن تجمع شملهم ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، وكل الطرق سالكة .

إذاً : عندنا اختلاف طبيعي ، لا يحمد ولا يذم ، اختلاف نقص المعلومات ، وعندنا اختلاف البغي ، والحسد ، والكبر ، والاستعلاء ، والمصالح ، والحظوظ ، هذا اختلاف قذر ، وعندنا اختلاف تنافس .

 

( سورة المطففين ) .

هذا اختلاف محمود ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، هذه المؤاخاة هي وسام شرف معلق على صدورهم ، آخى النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بين المسلمين الأوائل .

 

ما الذي يمنعنا نحن من تطبيق هذه المؤاخاة ؟ أنت في هذا الدرس ألا تستطيع أن تؤاخي واحداً ؟ أن تقول له : أنت أخي في الله واحد ، في الدرس القادم لم يحضر فتفقدته ، لاحتمال أن يكون مريضاً ، أنت حينما آخيته أخذت رقم هاتفه ، فإن افتقدته في الدرس القادم اتصلت به ، قل : نحن قلقون عليك ، إن شاء الله المانع خير ، بماذا يشعر ؟ أنه هو من يهتم به ، هناك من يسأل عنه ، هذه المؤاخاة ، لو أنه كل مجلس علم أخ كريم آخى أخا واحدا لعل يكون قريبه ، أو جاره ، أو زميله ، أو صديقه ، ابحث عن أخ جار لك ، أو قريب لك ، أو صديق لك ، أو زميل في عمل ، قل له أنت أخي في الله ، خذ رقم هاتفه ، وليأخذ رقم هاتفك ، فإذا تغيب عن درس علم هناك احتمال أن يكون مريضاً ، تفقده بالهاتف ، قال لك : والله أنا مريض ، اذهب إليه ، اعرض عليه خدماتك ، هكذا يكون المجتمع متماسكاً .

قال لي بعضهم : والله لو إنني غبت عاما عن مجلس العلم ولا أحد يتصل بي   ، نحن في الظاهر مجتمعون ، لكن في الحقيقة متفرقون ، ما أحد يعرف أحدا ، النبي عليه الصلاة والسلام إذا اتخذ أخاً في الله يسأله عن اسمه ، وعن اسم أبيه ، وممن هو ، وعن حرفته ، وعن عنوان بيته ، وعن هاتفه مثلاً .

فالمؤاخاة من منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، آخى النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بين المسلمين الأوائل ، آخى بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، و آخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام ، و آخى بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر ، وكان المسلمون الأوائل في مكة يعيشون الأخوة الكاملة .

والله أيها الإخوة ، والله أقسم لكم بالله ، إذا تآخيتم في الله تصبح حياتكم جنة ، الحياة قاسية جداً ، والأخبار سيئة جداً ، والأشياء مقلقة ، والمستقبل مظلم ، لكن الذي يخفف عنك ثقل الحياة ومصائبها والضغوط الاجتماعية والخارجية والداخلية أخ في الله ، وليس على وجه الأرض من إنسان يسعدك ، وتسعده من أخ في الله .

(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ ، والمتجالسين فيّ ، والمتباذلين فيّ   والمتزاورين فيّ ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة )) .

[ أخرجه أحمد ، والطبراني ، والحاكم ، والبيهقي عن معاذ ] .

نحن نريد لهذه الأفكار ألا نكتفي بسماعها ، وألا تبقى في دماغنا ، في ذاكرتنا  بل نريدها حياة نعيشها ، نريدها تطبيقاً ، نريدها ممارسة ، نريدها واقعاً ، لأن مشكلتنا في هذه الأيام مشكلة بقاء أو فناء ، مشكلة حياة أو موت ، خفف عن أخيك بمؤاخاتك له ، ويخفف عنك بمؤاخاته لك .

وكان المسلمون الأوائل يعيشون الأخوة كاملة بكل أبعداها ومعانيها من خلال دار الأرقم ، والهجرتين الأولى والثانية ، ومواجهة إيذاء وعدوان قريش .

 

1 – بين أبي بكر وبلال :

أيها الإخوة ، سيدنا الصديق بلغه أن بلالاً يُعذب بلال عبد ، وفي السلم الاجتماعي في الدرجة السفلى ، وسيدنا الصديق من أرومة قريش ، من علية القوم ، لأن الله عز وجل  يقول :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ .

ذهب إلى صفوان ابن أمية سيد بلال ، وكان يعذبه يضع على بطنه صخرة في لهيب الظهيرة ، ويأمره أن يكفر بمحمد ، وكان بلال يقول : أحدٌ أحد .

كطرفة : مدرسة شرعية في الشام أقامت حفل في نهاية العام ، والحفل في تمثيلية بسيطة عن سيدنا بلال ، وعن صفوان ابن أمية ، كيف هو يعذبه ، وكيف يقول بلال : أَحدٌ أحد .

جاءوا بطالبين ، أحدهم مثّل دور صفوان بن أمية ، والثاني مثل دور بلال الحبشي ، وبحسب الحركات والتمثيل بدأ الطالب الذي مثل دور صفوان بن أمية بضرب الطالب الذي مثل دور بلال ، فقال له صفوان بن أمية : لن أرفع عنك العذاب إلا إذا كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ، التمثيل غير متقن طبعاً .

فكان صفوان بن أمية يعذب بلالاً ، ذهب إليه الصديق ، قال : بكم تبيعني إياه ؟ اتفقا على مبلغ ، ونقده إياه ، أراد صفوان أن يبالغ بإهانة بلال ، قال له : والله لو دفعت لي درهماً لبعتكه ، فقال له الصديق : والله لو طلبت به مئة ألف درهم لأعطيتكها ، هذا أخي حقاً ، وضع يده تحت إبطه .

سيد قريش مع إنسان في الطبقة الدنيا ، وقال : هذا أخي حقاً ، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم إذا ذكروا الصديق  يقولون : << هو سيدنا وأعتق سيدنا >> .

وسيدنا عمر كان إذا علم أن بلالاً سيأتي المدينة كان يخرج ، وهو عملاق الإسلام ، وأمير المؤمنين ، يخرج هو لاستقباله .

أيها الإخوة ، يقول سيدنا الصديق : << هذا أي حقاً >> .

أنا سمحت لنفسي في هذا الدرس أن أذكركم بنزوة ، أو نكسة طفيفة سريعة عابرة للأنصار ، فنزل القرآن :

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ .

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض )) .

2 – بين أبي ذر وبلال :

نزوة صغيرة في ساعة غضب ، والصحابة ليسوا معصومين ، قال بعض الصحابة لبلال : يا ابن السوداء ، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال لهذا الصحابي الجليل القرشي : (( إنك امرؤ فيك جاهلية )) .

[ أبو داود عن أبي ذر]

 فلم يرضَ هذا الصحابي بعد أن سمع هذا من رسول الله إلا أن وضع رأسه على الأرض ، وأمر بلالاً أن يعض قدمه فوق رأسه ، هذا هو الإسلام .

3 – إنها امرأة تنظف المسجد فقط :

امرأة تقم المسجد ، منظفة ، توفيت ، الصحابة الكرام اجتهدوا أن هذه المرأة من دنو مكانتها لا ينبغي أن نذكر للنبي أنها ماتت ، النبي الكريم تفقدها بعد حين ، قالوا : والله ماتت يا رسول الله ، فغضب ، قال : هلا أعلمتموني ؟ لمَ لم تذكروا لي أنها ماتت ؟ وذهب إلى قبرها ، وصلى عليها صلاة الجنازة استثناء من أحكام صلاة الجنازة ، صلاة الجنازة قبل الدفن ، صلى عليها صلاة الجنازة بعد الدفن ، هذا المجتمع المسلم .

أنت مدير مؤسسة ، عندك حاجب مؤمن ، إن لم تعامل هذا الحاجب كما تعامل أكبر موظف فلست مؤمنا ، الإنسان عند الله مكرم .

 

لذلك أنا أقول دائماً : المرض الأول في العالم الآن ، كيف عندنا أمراض في الجسم كالورم الخبيث ، أمراض عضالة ، العالم كله الخمس قارات يعاني مرضا عضالا ، ما هذا المرض ؟ العنصرية ، من هو العنصري ؟ هو الذي يرى نفه فوق البشر ، يرى أن البشر في خدمته ، وأن لحياته قيمة ، وليس لحياتهم قيمة ، وأن وقته ثمين ، وليس وقتهم ثميناً وأنه معفى مما يجب على غيره ، وأنه يحق له ما لا يحق لغيره ، وأنه يبني مجده على أنقاض الآخرين ، ويبني غناه على فقرهم ، ويبني حياته على موتهم ، ويبني أمنه على خوفهم ، ويبني عزه على ذلهم .

 

أيها الإخوة ، تلك المؤاخاة في مكة ، أما في المدينة فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك ، وكانوا تسعين رجلاً ، نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المساواة ، يتوارثون بعد الموت ، دون ذوي الأرحام إلى حين غزوة بدر ، الأخ في الله كان يرث أخاه قبل نزول آيات المواريث ، فلما أنزل الله عز وجل قوله :

( سورة الأنفال الآية : 75 ) .

رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة ، يعني في مرحلة من المراحل كان الأخ يرث أخاه .

 

1 – بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع :

أيها الإخوة ، أضرب لكم مثلا واحدا نأتي عليه بالتفصيل : أن بعض الذين آخى بينهم النبي عليه الصلاة والسلام هو عبد الرحمن بن عوف ، آخى بينه وبين سعد بن الربيع ، وقد عرض عليه سعد بن الربيع أحد بيتين ، وأحد دكانين ، وأحد بستانين ، لم يُثبت التاريخ الإسلامي أن مهاجراً أخذ من أنصاري نصف ماله ، قال  له : بارك الله لك بمالك يا أخي ، ولكن دلني على السوق ، ما هذه العفة ؟ الأنصار بذلوا نصف ما يملكون ، والمهاجرون تعففوا عن أموال إخوانهم ، قال له : بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق ، أنا أعمل .

فحينما يكون المؤمن سخياً كريماً إلى درجة أن يهب أخاه نصف أملاكه تجد الطرف الآخر عفيفاً جداً جداً ، ويقول : بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق .

قال العلماء : المؤاخاة هي حاجة الأنصار إلى التفكر في الدين ، وحاجة المهاجرين إلى مأوى ، وإلى مساعدة ، وإلى بيت .

أيها الإخوة ، الموضوع رائع جداً وله تتمة ، ونحن في أمسّ الحاجة إليه الآن .

 

والحمد لله رب العالمين