|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة
النبوية :
الدرس :
43
ـ
إقامة النبي عليه الصلاة والسلام في منزل أبي أيوب ، وتحقيق
المصالحة والمساواة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم
علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا
الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا
برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية
، وقد وصلنا في أحداث السيرة إلى المدينة
المنورة .

وذكرت لكم في دروس سابقة : أن
مهمة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة كانت ترسيخ
دعائم الإيمان ، فأنشأ في نفوس أصحابه قوة الإيمان ، قوة تعظيم
الله عز وجل ، عرفهم بالله ، عرفهم باليوم الآخر ، حملهم على
أن يلتزموا .
وذكرت في درس سابق بنوداً
كثيرة من الإنجازات الإيمانية التي تمت للصحابة الكرام في مكة
المكرمة ، لكنه في المدينة المنورة النبي عليه الصلاة والسلام
أضاف إلى قوة الإيمان حق القوة ، فبنى مجتمعاً إسلامياً قوياً
، ما عناصر قوة هذا المجتمع ؟ ونحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى
هذه الإنجازات المدنية ، حتى أصبح المسلمون كياناً يتمتع بحق
القوة كما كان متمتعاً بقوة الحق ، في المرحلة المكية كان
البناء إيمانياً ، لكنه في المدينة كان البناء مدنياً ، مجتمع
مسلم قوي ، عنده جيش يستطيع على أن يحافظ على إيمانه بقوته .
في الدرس الماضي ذكرت أن أول
مرحلة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح ذات البين
، بين قبيلتين كبيرتين في المدينة المنورة ، الأوس والخزرج ،
ونحن لا نستطيع أن نواجه عدواً قوياً معه العالم كله إلا
بمجتمع إسلامي متماسك ، إذاً ينبغي علينا بادئ ذي بدء أن نصلح
ذات البين ، بين أطياف المجتمع ، وشرائح المجتمع ، وعناصر
المجتمع ، هذا الذي فعله النبي بادئ ذي بدء .
الآن يعبرون عن هذا الذي فعله
النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة تحت عنوان إسلامي :
إصلاح ذات البين يعبرون عنه بالمصطلح الحديث بالمصالحة
الوطنية ، هذا لا بد منه كي نواجه عدواً متغطرساً ، قوياً
جباراً ، بطاشاً لا يرحم طفلاً ، ولا امرأة ، ولا يبقي على
منشأة ، وهذا ما ترونه وتسمعونه .
العمل الثاني المساواة بين الناس ، وعدم
التمييز بين أفراد وجماعات ، كيف ؟ لا بد من المساواة بين
الناس .

( سورة الحجرات الآية : 13 ) .
(( كلكم بنو آدم وآدم من تراب
)) .
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن
أبي هريرة ورواه الترمذي ابن عمر ] .
(( الناس سواسية كأسنان المشط
)) .
[ أخرجه الديلمي عن سهل بن سعد
] .
ما لم يعتمد في المجتمع مقاييس
كمقياس العلم والعمل فقط ، يرجح الإنسان في بمجتمع المسلمين
بعلمه أولاً ، وبعمله ثانياً ، أما قضايا النسب ، وقضايا القوة
، والوسامة والذكاء ، والغنى هذه قيم ينبغي ألا تعتمد في
مجتمع يريد أن يكون قوياً .
يروى أن بعض التابعين وهو
الأحنف بن القيس كان قصير القامة ، أسمر اللون أحنف الرجل ، في
عرج ، مائل الذقن ، ناتئ الوجنتين ، غائر العينين ، لم يكن شيء
من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ، وكان مع ذلك سيد قومه ،
إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف ، لا يسألونه فيما غضب ، وكان
إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه .
أو شيء فعله النبي لإنشاء
مجتمع قوي إصلاح ذات البين .
الشيء الثاني أرسى المساواة
بين أفراد المؤمنين ، من دون استثناء ، ونعبر عن هذا الإرساء
بأنه يوم خرج النبي عليه الصلاة والسلام من قباء باتجاه
المدينة وقف الأنصار داراً بعد دار ، عشيرةً بعد عشيرة ، يدعون
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم فكان يقول لهم :
دعوها ، أيّ ناقته ، فإنها مأمورة ، لو نزل بأيّ مكان ، بأيّ
بيت ، بأيّ عشيرة ، بأيّ قوم ميزهم بلا مرجح ، وجعل الطرف
الآخر أصغر من هؤلاء الذين نزل عندهم .
حينما تخص ابناً ولا تخص أخاه
فقد ميزت الأول على الثاني ، أما القرعة فما فيها تمييز ، حاول
أن تكون عادلاً بين أولادك ، وإذا اقتضى الأمر أن تختار واحدا
منهم فليكن بالقرعة .

ما عاشر النبي واحد إلا وهو
يظن أنه أقرب الناس إليه ، كل واحد ممن التقى مع النبي صلى
الله عليه وسلم يظن أنه أقرب الناس إليه ، أما مجتمع إنسان من
الدرجة الأولى ، وإنسان من الدرجة الثانية ، إنسان من الدرجة
الثالثة ، والرابعة ، والخامسة ، الذي ما يعانيه العالم اليوم
ما يسميه العنصرية ، فما العنصرية ؟ .
أنا أرى أن البشر يمكن أن
يصنفوا تصنيفين ، لا ثالث لهما ، تصنيف إنساني وتصنيف عنصري ،
من هو العنصري ؟ هو الذي يرى نفسه متميزاً على من حوله ، يحق
له ما لا يحق لهم ، وهو معفى مما يجب عليهم ، ينبغي أن يأكل
وحده ، وأن يسكن وحده ، وأن يستمتع بالحياة وحده ، وأن يشتري
من الأشياء الثمينة ما يحلو له وحده ، وأن يبني مجده على أنقض
الآخرين ، وأن يبني غناه على فقرهم ، وأن يبني حياته على موتهم
، وأن يبني أمنه على موتهم ، وأن يبني عزه على ذلهم ، هذا
عنصري .
الذي نعانيه من الغرب العنصرية ، يعاملون
شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال ، ويعاملون بقية الشعوب معاملة
تترفع عنها الوحوش ، يستخدمون أسلحة الدمار الشامل لإفناء
البشر ، وإبقاء الحجر ، لذلك لا يمكن أن تنهض أمة بأناس من
طبقتين : قوي وضعيف ، لا بد من أن يكون الناس سواسية كأسنان
المشط .
((
فلا فضل لعربي على أعجمي ، ولا أحمر على أسود إلا
بالتقوى
))
.
[ رواه الطبراني عن ابي سعد ]
.
((
وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ
لَقَطَعْتُ يَدَهَا
))
.
[مُتَّفَقٌ عَلَيه ] .
هذا مجتمع العدل والسواسية ،
بهذا نقوى على أعدائنا ، بهذا نواجههم ، بهذا نقف صفاً واحداً
، بهذا لا نخترق من قبلهم .
دعوها فإنها مأمورة
، حتى بركت عند المربد ، وفي ذلك احترام للجميع
وإصرار على عدم التمييز بينهم ، وإذا كان نزوله في دار أبي
أيوب الأنصاري فليس في ذلك إحراج أو تمييز ، لأن داره أقرب دار
لمبرك الناقة ، سواسية ، إصلاح ذات البين ، ثم مجتمع المساواة
.
أضرب لكم بعض الأمثلة : عندك
في المحل التجاري شاب يعمل عندك ، ابنك تريده طبيباً ، تضعه في
أغلى المدارس ، تجلب له أمهر الأساتذة ، أما هذا الذي عندك في
المحل يرجوك أن يغادر المحل قبل ساعة ، ليلتحق بمدرسة ليلية ،
لينال كفاءة ، هو يتيم ، فلا تسمح له ، أنت عنصري ، ولو صليت
وصمت .
حينما تعامل الناس بطريقة فيها
استعلاء ، وفيها فوقية ، وفيها غطرسة ، حينما تريد لأولادك ما
لا تسمح به لأولاد الآخرين فأنت عنصري ، قد يكون المسلم في هذا
الزمان عنصريا ، لن يرضى الله عنا إلا إذا كنا إنسانيين .

هل من حرفة أقل في الأرض من أن
تكنس ؟ امرأة تقمّ المسجد ، توفيت أصحاب النبي الكريم ظنوا
أنها أقلّ من أن يخبروا بموتها رسول الله ، فلما تفقدها قالوا
: ماتت يا رسول الله ، قال : هلا أعلمتموني ؟ وقام إلى قبرها
وصلى عليها صلاة الجنازة استثناءاً من أحكام صلاة الجنازة هي
في قبرها صلى عليها .
الذي نراه في العالم من توحش ،
وهمجية ، وقتل أبرياء ، وتهديم منشاءات ، هذه العنصرية بعينها
.

إخواننا الكرام ، العنصرية
ليست وجهة نظر ، إنما هي جريمة ، عندك بنت في البيت من
إندنوسيا ، لا تسمح لها أن تتصل بأهلها إطلاقاً ، أنت عنصري ،
ولو ذهبت إلى المسجد ، كما أنك تشتاق إلى أهلك هي تشتاق إلى
أهلها ، حينما تكلفها فوق طاقتها ، حينما لا تعينها على مهمتها
، حينما تسهرها إلى ما بعد منتصف الليل ، من أجل أن تلبي
حاجاتك حينما لا تعاملها كابنتك ، أنت عنصري ، عنصري ولو كنت
مسلماً .
كنت مرة في محل تجاري ، صاحب
المحل يُحمّل أحد موظفي المحل الصغار أثواباً على ظهره ، أو
ثوب الثاني ، الثالث ، الرابع ، قال له : لا أستطيع ، قال له :
أنت شاب حمل ابنه ثوباً واحداً فقال : يا بني احذر ظهرك ، خاف
عليه ، هذا عنصري ، ولو أنك تصلي وتصوم ـ دققوا ـ لا يمكن أن
ننتصر على أعدائنا إذا كنا عنصريين ، لأنهم عنصريون ، فإذا كنا
نحن عنصريين لا ننتصر ، يجب أن نكون ربانين إنسانين .
لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا
70 ألفاً ، فلما فتح صلاح الدين القدس لم يرق قطرة دم واحدة ،
إنساني ، مقيد بالشرع ، يخاف من الله .
أيها الإخوة ، العنصري إنسان
يرى نفسه متميزاً على الآخرين ، يحق له ما لا يحق لهم ، عشرة
آلاف أسير ، و30 عضو مجلس شعب في فلسطين اعتقلوا ، و8 وزراء ،
وشعب لبنان بأكمله لا يساوي جنديين أُسرا ، ما اسم هذا ؟ عشرة
آلاف أسير ، و8 وزراء ، و30 عضو مجلس برلمان ، وشعب لبنان
بأكمله ، لا يساوون جنديين أُسرا ؟! هذه عنصرية ، الإنسان إما
أن يكون متصلاً بالله فهو إنساني ، وإما أن يكون منقطعاً عنه
فهو عنصري .
بعض الخادمات ينتحرن أحياناً
من قسوة المرأة في البيت ، تلقي بنفسها من الطابق الرابع فتموت
، لا تحتمل قسوتها ، الضرب ، والإيلام ، عنصرية ، ولو صلّت
وصامت ، وسوف يعاقبها الله عقاباً شديداً .
المؤمن إنساني ، يعامل الناس
كما يجب أن يعاملوه ، يرحم الغريب والقريب ، يرحم الآخرين كما
يرحم أولاده .
إذاً المساواة بين الناس بند
إسلامي .

البند الثاني الذي كان أساساً
لبناء المجتمع في المدينة : راعى النبي صلى الله عليه وسلم في
الظروف الاجتماعية ، لكل أسرة حينما استقبلوا المهاجرين ،
فالمهاجرون الشباب الذين لم تزوجوا نزلوا على سعد بن خثيمة ،
وكان عزباً ، لا زوجة له ، وسميت داره باسم دار الأعزاب ، ونزل
المهاجرون مع زوجاتهم وأولادهم على الأنصار أصحاب الأهل والسعة
في المسكن والرزق .
أيها الإخوة ، الآن النبي عليه
الصلاة والسلام يبني المجتمع ، صلاح الدين الأيوبي كيف انتصر
على الفرنجة ؟ بين بدء أخذه بالأسباب وانتصاره خمسون عاما ،
أنشأ مجتمعا مسلما ، بدأ بالتعليم ، علم منهج الله عز وجل ،
حمل الناس على طاعة الله ، ألغى كل المنكرات .
مر أحد حكام مصر كان اسمه الخديوي ، حث هجوم
على مصر ، فجاء إلى الأزهر وقال : ما العمل ؟ قال : نحن ألفانا
كلما داهمنا عدوان قرأ علماء الأزهر صحيح البخاري ، فقراءة
صحيح البخاري لعلها ترد المعتدي ، فأمرهمأن
يقرأ بعض العل
أن يقرأ بعض العلماء صحصح
البخاري ، والعدوان مستمر ، ويزداد إيذاءه ، وتزداد ضراوته ،
فذهب إلى الأزهر الخديوي ، وقال : إما أن هذه الفكرة أن تقرؤوا
البخاري غير صحيحة ولا أصل لها ، وإما أنكم لستم علماء ، وإما
أن يكون هذا الكتاب ليس كتاب البخاري ، وغضب ، فالعلماء سكتوا
وخافوا ، لأنه بطاش ، قال أحدهم وهو شاب : أنت السبب ، فسكت ،
وغادر المكان ، وانهال عليه زملاءه باللوم والتقريع ، لقد قتلت
نفسك , قتلتنا معك ، بعد حين طُلب هذا العالم الشاب إلى قصر
الخديوي ، هو ودعوه على أنه مقتول ، وكتب وصيته ، فلما وصل إلى
الخديوي قال له : كيف أنا السبب ؟ قال له : إن لم تأمروا
بالمعروف ، ولم تنهوا عن المنكر تدعون الله فلم يستجب لكم ،
هكذا في حديث قاله عليه الصلاة والسلام ، قال له : ماذا افعل ؟
هكذا يريد مني الغربيون ، أن أفتح دور اللهو ، والمراقص ،
وحانات الخمر ، هكذا تعني الحضارة ، قال له : أنت السبب ،
وأزال كل المنكرات ، وانتصر في النهاية .
فلذلك أيها الإخوة ، النبي
عليه الصلاة والسلام أنشأ مجتمعاً ما فيه خلافات ، مجتمعاً
تحكمه قيم واحدة .
(( لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ
سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
))
.
هذا المجتمع هو الذي صار قوياً
وحقق النصر على أعتا قوة في الجزيرة العربية .

اقتسام الطعام مع أصحابه :
عن زيد بن ثابت : لما نزل رسول
الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب لم يدخل ـ دققوا ـ لم
يدخل منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية إلا وأرسل معظمها
إلى أبي أيوب ، هو في بيت أبي أيوب ، وما جاءته هدية إلا قسمها
بينه وبين أبي أيوب ، جاءت قصعة مسرودة بخبز ، وبر ، وسمن ،
ولبن ، فوضعها بين يديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال :
يا رسول الله ، أرسلت بهذه القصعة أمي ، فقال : بارك الله فيها
، ودعا أصحابه فأكلوا ، فلما أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن
عبادة على رأس غلام مغطاة ، فوقف على باب أبي أيوب فكشف غطاءها
، فرأى عليه عراقا ، فدخل بها على النبي صلى الله عليه وسلم
فقد كنا في قوم مالك بن النجار ، ما من ليلة إلا على باب رسول
الله إلا منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ، ويتناوبون
بينهم ، حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين بيت أبي
أيوب ، وكان مقامه فيها سبعة أشهر ، وما كانت تخطئه جفنة سعد
بن عبادة ، وجفنة أسعد بن زرارة .
هل خص نفسه بطعام خاص ؟ ما
جاءه طعام إلا أطعم منه أصحابه الكرام ، وإذا كان قليلاً أكل ،
وأرسل الباقي إلى أبي أيوب ، هكذا القيادة .
سيدنا عمر بن عبد العزيز كان
إذا دخل مقر إقامته يقرأ قوله تعالى :

( سورة الشعراء ) .
سيدنا عمر خاطب بطنه قال :
قرقر أيها البطن أو لا تقرقر ، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع
منه صبية المسلمين .
أي طعام جاءه كان يطعمه
لأصحابه ، وإذا كان بحجم قليل جداً يأكل حاجته والباقي إلى
أبي أيوب .
2 – ما عاب طعاما قط :
من آدابه صلى الله عليه وسلم
في الطعام : قيل لأم أيوب : أي الطعام كان أحب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فإنكم عرفتم ذلك لمقامه فيكم ؟ ماذا كان
يأكل ؟ وماذا كان يحب ؟ قالت : ما رأيته أمر بطعام فصنع له
بعينه ، ولا رأيناه أوتي بطعام فعابه .
وصف أحدهم صديقه فقال : كان لي
صديق هو من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر
الدنيا في عينيه ، كان خارجاً عن سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا
يجد ، ولا يكثر إذا وجد .
لنبي صلى الله عليه وسلم ما
أمر بصنع طعام بعينه ليأكله ، أبداً ، وإذا جيء بطعام له ما
عاب طعاماً قط ، بل في بعض آداب النبي عليه الصلاة والسلام أنه
ما عاب طعاما قط ، ولا مدح طعاما قط ، ما هذه الأكلة ؟ تجنن ،
ما عاب طعاماً قط ، ولا مدح طعاماً قط .
3 – اللباقة عند الحرج من
الأكل :
وعن جابر بن سمرة : أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً بعث فضله إلى أبي
أيوب ، فأوتي يوماً بقصعة فيها ثوم ، فبعث بها كلها إلى أبي
أيوب فقال : يا رسول الله أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكني
أكره ريحه ، قال : وإني أكره ما تكره يا رسول الله ، يعني
مراعاة لأصحابه ما أكل طعاماً في ثوم ، من أجل رائحته .
ما هذه اللباقة ؟ ما هذا الحس
الراقي جداً ؟ عن أبي أيوب رضي الله عنه ، قال : كنا نصنع له
العشاء ، ثم نبعث به إليه ، فإذا رد علينا فضله ، وتيمنت أنا
وأم أيوب موضع يديه ، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة ، حتى
بعثنا إليه ليلة بعشائه ، وقد جعلنا له بصلاً أو ثوماً فرده
النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم نرَ ليده أثراً للطعام ، فجئته
فزعاً ، فقلت يا رسول الله ، بابي أنت وأمي رددت عشاءك ، ولم
أرَ به موضع يدك ، وكنت إذا رددته تيمنت أنا وأم أيوب موضع يدك
نبتغي بذلك البركة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن وجدت فيه
ريح هذه الشجرة ، وأنا رجل أناجي ربي ، فأما أنتم فكلوه ، فقال
أبو أيوب : فأكلناه ، ولم نصنع له تلك الشجرة بعدها .
4 – التواضع في المسكن :
وعن أبي أيوب قال : لما نزل
علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفلي ،
أرضي ، وأنا وأم أيوب في العلوي ، فقلت له : يا نبي الله بأبي
أنت وأمي ، إن لأكره ، وأعظم أن أكون أنا فوقك ، وتكون أنت
تحتي ، فكن أنت في العلوي ، ونحن في السفلي ، فقال : يا أبا
أيوب إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفلي البيت ، قال
فكان عليه الصلاة والسلام في سفله ، وكنا فوقه في السكن ، فلقد
انكسر حِبُ ماء لنا في ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ،
بلحاف ، ما لنا لحاف غيرها ، ننشف بها الماء تخوفاً من أن يقطر
على النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه .
5 – استعذاب الماء :
وأما عن شرابه فكان أبو أيوب
حينما نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم ليستعذب له الماء من
بئر مالك بن النظر ، والد أنس ، وكان أنس وهند وحارثة أبناء
أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السُقيا ، ومن ذلك
دلالة على سنة استعذاب الماء كان النبي عليه الصلاة والسلام ذا
أذواق عالية جداً .
6 – الشرب ثلاث دفعات وحمد
الله بعد ذلك :
وعن أنس بن مالك أنه رأى رسول
الله صلى الله عليه وسلم شرب جرعة ، ثم قطع ثم سمى ، ثم جرع
جرعة ، ثم قطع ثم سمى ، ثم جرع جرعة ، ثم قطع حتى فرغ ، فلما
فرغ حمد الله ، كان يشرب الماء على دفعات ثلاثة .
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي
الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل
وشرب ، قال : الحمد لله الذي أطعمنا ، وسقنا ، وسوغه ، وجعل له
مخرجاً .
7 – الاجتماع على الطعام
والشراب :
وكان عليه الصلاة والسلام لا
يأكل منفرداً ، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستة عشرة رجلاً ،
ولم يكن يأكل وحده .
أيها الإخوة الكرام ، هذه
أخلاق النبي ، كان إذا دخل عليه أصحابه ، ودخل إنسان غريب لا
يعرف من رسول الله ، يقول : أيكم محمد ؟ لتواضعه .
8 – المساعدة في تحضير الطعام
:
ومرة كان في سفر ، أرادوا أن
يعالجوا شاةً ، قال أحدهم : علي ذبحها ، وقال الثاني : علي
سلخاها ، وقال الثالث : علي طبخها ، وقال عليه الصلاة والسلام
: وعلي جمع الحطب ، فقالوا : نكفيك ذلك ، قال : أعلم أنكم
تكفونني ذلك ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على إقرانه
.
9 – النوبة في المشي والركوب :
ولما كان مع أصحابه في غزوة
بدر ، وكان أصحابه بضعة عشر رجلا ، وكانت الرواحل قليلة ، فقال
:
(( كل ثلاثة على راحلة ، وأنا وعلي وأبو لبابة
على راحلة ، فركب الناقة في نوبته ، فلما انتهت نوبته وجاء
دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً ، فقال عليه الصلاة
والسلام : ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما
عن الأجر ))
.
[ أحمد ]
10 – آخر الناس شربا للماء :
وكان إذا وزّعَ الماء بين
أصحابه كان آخرهم شربا .
11 –
كان يجلس حتى ينتهي به المجلس
:
وكان يجلس حتى ينتهي به المجلس
، هذا مجتمع المسلمين ، ما في تفرقة أبداً .
12 –
جمع الشمل
:
الآن هناك شيء اسمه جمع الشمل
، بلاد كثيرة إسلامية لا تقبل موظفاً من بلد آخر إلا وحده من
دون زوجته ، سنة بأكملها هو يعاني بُعده عن زوجته ، وهي تعاني
بُعدها عن زوجها ، فإذا كان هو أو هي ضعيف الإيمان أخطأ ،
وأخطأت ، ووقعت الفاحشة ، لبُعده عن زوجته .
بينما النبي عليه الصلاة
والسلام حينما بنى مجتمع المدينة جمع شمل الأسر ، ماذا فعل ؟
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام وهو في بيت أبي أيوب زيد بن
حارثة ، وأبا رافعة إلى مكة ، وأعطاهما 500 درهم وبعيرين
ليأتيا بأهله ، وقد أخذاها من أبي بكر ، ليشتريا بها ما
يحتاجان إليه ، فاشترى بها زيد ثلاثة أبعرة ، وأرسل أبو بكر
معهما عبد الله بن أريقط دليلاً فقدما بفاطمة ، وأم كلثوم بنتي
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجته سودة بنت زمعة ،
وحاضنته أم أيمن زوج زيد بن حارثة ، وابنهما أسامة ، وقدما
بعيال أبي بكر عبد الله ابن أبي بكر ، وأم رومان زوجته ،
وعائشة بنت أبي بكر ، وأختها أسماء زوجة الزبير وهي حامل ،
فولدت عبد الله بن الزبير في قباء ، لشدة متاعب الهجرة ، ثم
قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره ، فكان عبد
الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام في المدينة .

هذا كان مرة مع أطفال صغار كثر
، مر سيدنا عمر ، له هيبته الشديدة ، فالأولاد تفرقوا وهربوا ،
إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً ، وقد لفت نظر سيدنا عمر ،
فقال : أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال له : أيها
الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ،
والطريق يسعني ويسعك .
هذا عبد الله بن الزبير أرسل
كتاباً إلى معاوية بن أبي سفيان ، اسمعوا هذا النص ، قال :
أما بعد ، فيا معاوية ـ وليس
أمير مؤمنين ، ولا خليفة رسول الله ـ أما بعد ، فيا معاوية ،
إن رجالك قد دخلوا أرضي ، فانههم عن ذلك ، وإلا كان لي ولك شأن
، والسلام .
كلام لا يحتمل ، من مواطن إلى
أمير المؤمنين ، معاوية بن أبي سفيان كان يزيد ابنه إلى جانبه
، أعطى الكتاب ليزيد ، قال : ما ترى أن نفعل ؟ قال : يزيد أرى
أن ترسل له جيشاً ، أوله عنده في المدينة ، وآخره عندك في
الشام ليأتوك برأسه ، فقال معاوية : غير ذلك أفضل ، أمر كاتبه
أن يكتب له كتاباً ، قال :
أما بعد ، فقد وقفت على كتاب
ولد حواري رسول الله ، ولقد ساءني ما ساءه ، والدنيا كلها
هينة جنب رضاه ، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها .
جاء الكتاب من عبد الله بن
زبير :
أما بعد ، فيا أمير المؤمنين :
أطال الله بقاءك ، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا
المحل ، دفع الكتاب إلى ابنه يزيد الذي اقترح عليه أن يرسل له
جيش أوله عنده وآخره عندك ، قال : يا بني ، من عفا ساد ، ومن
حلُم عظُم ، ومن تجاوز استمال إليه القلوب .
ونزل عيال أبي بكر في بيت
حارثة بن النعمان ، وكانت ولادة عبد الله بن الزبير في شوال
بعد أشهر من الحجرة .
نتابع هذا إن شاء الله في درس
قادم ، ونبين لكم كيف بنى النبي عليه الصلاة والسلام مجتمع
المؤمنين ، وكيف أضاف إلى قوة الحق حق القوة .
والحمد لله رب العالمين |