1 ـ النبي بنى شخصية الإنسان
المؤمن :
أيها الإخوة الكرام ، مع درس
جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، ونحن في هذه المحن التي يمر
بها المسلمون في أمسّ الحاجة إلى الدروس والعبر المستنبطة من
السيرة النبوية ، يمكن أن نقسم السيرة النبوية إلى مرحلتين
كبيرتين ، المرحلة المكية ؛ وقد انتهت ، وننتقل إلى المرحلة
المدنية ، وما لم يمر المسلمون بالمرحلة المكية أولاً التي
تعني قوة الإيمان ثم بالمرحلة المدنية ، التي تعني حق القوة
فلن تقوم لهم قائمة .
ماذا فعل النبي الكريم بمكة ؟
هناك مرحلة ليس للمسلمين كيان ، وليس معهم قوة ، ولا يملكون
شيئاًَ من القوى التي ترفع مكانتهم ، إلا أنهم في مرحلة الضعف
، امتلكوا قوة الحق ، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في
مكة ؟
بادئ ذي بدء ، بنى شخصية
الإنسان المؤمن ، الشخصية بناء ، ترى الإنسان إيمانه ضعيف ،
نفسه مشتتة ، ثقته بالله ليست كما ينبغي ، عزيمته خائرة ، همته
ضعيفة ، نفسه مشعبة ، مشتتة ،هذا الإنسان لا يصنع شيئاً ،
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم الواحد منهم
بألف ، بينما المسلم في آخر الزمان وقد ضعفت ثقته ولم يستقم
عمله ، ولم يبتغِ مرضاة ربه ، الألف بل المئة ألف ، بل المليون
بأف ، كما ترون ، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم بنى شخصية
مرء المسلم المؤمن ، مؤمن بوجود الله ، مؤمن بألوهيته ،
بربوبيته ، مؤمن بأسمائه الحسنى ، بصفاته الفضلى ، مؤمن أن
الأمر بيده ، مؤمن أن الله لا يتخلى عن المؤمنين .
المشكلة أن كل واحد منا من دون
استثناء ببساطة ما بعدها بساطة يدعي أنه مؤمن .
يمكن لإنسان يرتدي ثوبًا أبيض
، ويضع سماعة في أذنه ، وميزان حرارة في صدره ، ونظارة ، ويقول
لك : أنا طبيب ، وقد يكون أمياً ، بينه وبين الطبيب الذي يحمل
أعلى شهادة ، وقد أمضى تسعة وثلاثين عامًا في الدراسة ، واختص
في اختصاص نادر ، هذا طبيب ، وذلك يدعي أنه طبيب ، الطب عند
الأول ثوب أبيض ، ونظارة ، وسماعة ، وميزان حرارة فقط ، وهو
جاهل ، والثاني أمضى 39 سنة يدرس حتى أصبح مكتبة متنقلة .
2 ـ النبي بنى الإيمان في صدور
الناس :
فكلهم يدعي أنه مؤمن ، النبي
عليه الصلاة والسلام بنى إيماناً ، الإيمان لا يأتي من دون جهد
، وما من إنسان ينام ثم يستيقظ وقد أصبح دكتورا ، ينام ثم
يستيقظ وقد أصبح صاحب أكبر مؤسسة تجارية ، هذه المراتب العلمية
، والمؤسسات الناجحة جداً وراءها أدمغة ، وراءها عقول ، وراءها
خبرات متراكمة ، لذلك أنا أقف عند كلمة النبي عليه الصلاة
والسلام بنى إيماناً في نفوس أصحابه ، الإيمان أقوى من الجبال
، الإيمان أساس الفضائل ، وأس العزائم ، وبلسم الصبر عند
الشدائد ، كلمة مؤمن في الميزان الإيماني ككلمة دكتوراه دولة
في الميزان العلمي ، بالضبط .
نال أحدهم الشهادة الابتدائية
، والإعدادية ، والثانوية ، والليسانس ، والدبلوم والماجستير
، والدكتوراه دولة ، في الميزان العلمي دكتوراه دولة أعلى
مرتبة ، وفي الميزان الإيماني مؤمن ، النبي الكريم بنى مؤمنين
، بنى مؤمنين التبر عندهم والتراب سيان ، التبر والتراب ، فكيف
بإنسان يبيع دينه بيمين كاذبة ، بائع يحلف بالله وبرسوله ،
وبالقرآن ، وبالكعبة أن شراء هذه السلعة أعلى من ثمن بيعها ،
والحقيقة ليست كذلك ، في آخر الزمان يبيع الإنسان دينه بعرض من
الدنيا قليل ، بينما المؤمن :
(( والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في
يميني والقمر في شمالي على أن هذا الأمر ما تركته ، هذا يظهره
الله أو أهلك دونه ))
.
[ السيرة النبوية ]
أنا تأثرت بأن هذا الصحابي
الجليل مع أنه كان ضعيف في مكة ، ومضطهد وينكل به ، ويُعذب ،
لكن في مكة المكرمة بنى النبي الإيمان ، بنى قوة الإيمان ، تجد
المؤمن الصادق ينطوي على عقيدة كالجبال ، وعزيمة كالمرجل ،
ونقاء كالثلج ، وتواضع كالأرض وتألق كالشمس ، هذا المؤمن ،
آمن الصحابة الكرام بالله خالقاً ، ومربياً ، مسيراً ،
موجوداً واحداً ، كاملاً ، آمنوا بأسمائه الحسنى ، وصفاته
الفضلى ، آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق ،
وحبيب الحق ، المعصوم من أن يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي
إقراره ، الآن تجد مئات المسلمين يقولون في حديث شريف : هذا لا
يصلح لهذا الزمان ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرشده
الوحي إلى شيء يصلح لهذا الزمان ، وهؤلاء الصحابة الكرام آمنوا
بالأنبياء جميعاً ، وأطاعوا منهج رسول الله .

إذاً الآن إسقاطًا على واقعنا
، ولو كنا ضعافًا ، إن أردنا أن ننتصر في النهاية يجب أن نبني
الإيمان ، الإيمان من أين يأتي ؟ لا يأتي وأنت في البيت ، لا
يأتي وأنت مستلق ، وأنت مسترخٍ ، وأنت تتابع المسلسلات ،
الإيمان لا يأتي من دون جهد كبير ، لذلك كل واحد منا يجب ألا
يقنع بإيمانه ، الدليل :

( سورة النساء الآية : 136 ) .
ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن
إيمانكم لا يكفي ، إن ما أنتم عليه من إيمان ليس في المستوى
المطلوب ، فالنصر نتيجة لآلاف الدروس ، وآلاف الجهود ، وآلاف
العبادات ويتوج هذا كله بالنصر .
3 – النبي بنى المحبة في قلوب
الناس :
شيء آخر أيها الإخوة ، الشخصية
الإيمانية التي فيها قوة الإيمان فيها محبة ، ليس هناك التزام
فقط ، هناك محبة ، والمحبة تجعل الإنسان ينطلق ، يضحي ، يبذل
الغالي والرخيص ، النفس والنفيس .
امرأة أنصارية بلغها أن النبي
قُتل ، انطلقت إلى أُحد ، تقول : ما فعل رسول الله ؟ رأت ابنها
مقتولاً ، تقول : ما فعل رسول الله ؟ رأت زوجها مقتولاً ، تقول
: ما فعل رسول الله ؟ رأت أباها مقتولاً ، ما فعل رسول الله ؟
رأت أخاها مقتولاً ، فلما رأته واطمأنت على حياته وسلامته ،
قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل ، وفي رواية أنها رأت
غباراً على وجهه الشريف ، قالت : والله يا رسول الله لهذا
الغبار أشد عليّ من موت كل من حولي ، عندنا هذا الحب ؟ ائتني
بقوة الإيمان وحب النبي العدنان ، وعندئذٍ نصنع المعجزات .
4 – النبي زكى النفس الإنسانية
:
شيء آخر ، ما الذي فعله النبي
في مكة المكرمة ؟ زكى النفس الإنسانية ، ليس هناك مؤمن لئيم ،
ولا مؤمن مخادع ، ولا مؤمن بخيل ، ولا مؤمن جبان ، ولا مؤمن
كذاب ، ما لم تزك نفسك بمكارم الأخلاق ، ما لم تكن أميناً عند
التعامل ، صادقاً عند التكلم ، ما لم عفيفاً عند إثارة الشهوة
، ولم تكن متواضعاً ، ولم تكن منصفاً ، ولم تكن معطاء فلست
مؤمناً ، ائتني بواحد بهذا البناء ، وهذه الأخلاق ، عندئذٍ كما
قال النبي الكريم :
(( لن ـ
اسمعوا جميعاً ـ لن
تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة
))
.
[ الجامع الصغير ] .
فتاة بارعة الجمال في عهد
النبي الكريم ، عند النبي الكريم شاب فقير جداً ، لكنه دميم
جداً ، أعرج ، وفيه عور بعينيه ، عاهات ، كتلة عاهات ، على
كتلة دمامة ، على قتلة فقر ، النبي الكريم قال له : ألا تتزوج
يا جليبيب ؟ قال : من يزوجني يا رسول الله ؟ النبي الكريم
أرسله إلى بيت فيه هذه الفتاة ، قصة طويلة ، لكن ملخصها أن
الأب حينما طلب منه النبي أن يزوج ابنته لهذا الأخ جليبيب ،
سكت ، صُعق ، فلما حدث الأم قالت : لا والله لا أزوجها إياه ،
فسمعت البنت ، قالت : أنا أتزوجه ، ورسول الله لا يضيعني ، هل
هناك بنت هكذا ؟ عشرات الفتيات لسبب تافه جداً ترفضه ، بعد عقد
العقد ترفضه ، لسبب تافه جداً ، فلذلك فتاة بارعة الجمال ترضى
بإنسان دميم وفقير ، لكنها في النهاية قبلت ، قبلت راضية بوصية
رسول الله ، وهيأ نفسه ، وهيأت نفسه ، وهيأ البيت ، ويوم العرس
نادى منادي الجهاد فانطلق إلى الجهاد ، ومات في ساحة المعركة
، وأمسكه النبي بيديه إلى أن حُفر قبره وبكى .

نحن نعيش في مجتمعات متفسخة ،
فيها أثرة ، وبخل ، وقسوة ، ليس فيها رحمة ، لكن فيها صلوات ،
فيها شعائر ، لكن ليس فيها أخلاق المسلمين ، ولا فيها ورع
المسلمين ، ولا فيها أمانة المسلمين ، ولا فيها صدق المسلمين .


( سورة النساء ) .
الآن لهم علينا ألف سبيل وسبيل
، انظر من أجل جنديين دُمرت أمةٌ بأكملها ، ألا ترون ؟ أريد أن
أركز ماذا فعل النبي الكريم بمكة وهو ضعيف ، أصحابه ضعاف ،
يُعذبون ، يُنكل بهم ، يقُتلون ، شردوا في الآفاق ، هاجروا إلى
الحبشة ، حُصروا ، أكلوا ورق الشجر ، لكن بنوا إيمانهم ، صار
الواحد منهم كألف ، وصار الواحد منهم كجيش .
هل من المعقول أن سيدنا الصديق
يُطّلب منه خمسين ألف رجل مددًا لسيدنا خالد ، فيرسل له واحدًا
؟! "القعقاع بن عمرو" ، ولما وصل إلى سيدنا خالد في نهاوند قال
له : أين المدد ؟ قال له : أنا ، قال له : أنت ؟! قال له : أنا
، وهذا الكتاب من خليفة رسول الله ، فتحه ، يا خالد فوجد فيه :
<< والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم >> ،
ما هذا ؟ .
إخواننا الكرام ، نحن في محنة
كبيرة ، نحن في محنة الآن إما أن ننتصر أو لن تقوم لنا قائمة ،
العالم كله يراهن علينا ، أليس كذلك ؟ لذلك كل إنسان يبني نفسه
، افرضوا أن هذه مرحلة مكية ، نحن ضعاف ، لنستغل هذا الضعف في
بناء الذات ، في طلب العلم ، في الانضباط ، في إتقان العبادات
، في البذل ، في العطاء .
الطبيب الذي يحمل أعلى شهادة ،
ما الذي يمنع أن تُعمم علمك على زملائك الأطباء الذين لم يتح
لهم أن يذهبوا إلى تلك البلاد ؟ ما الذي يمنعك ؟ .
ما لم تنشأ عندنا روح تعاون ، ما لم تر أن أخاك
هو أقرب الناس إليك ، ما لم تعط من كل شيء معك ، ما لم تبذل
علمك ، وخبرتك ، ومالك ، ووقتك ، وجهدك لأخيك فلن ننتصر أبداً
، لن ننتصر إلا إذا رضي الله عنا ، ولا لن يرضى عنا إلا إذا
تحاببنا .
(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ ،
وحقت محبتي للمتواصلين فيّ ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ ، وحقت
محبتي للمتزاورين فيّ ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ ، المتحابون
في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون
والشهداء يوم القيامة )) .
[ أخرجه أحمد في مسنده
والطبراني ، والحاكم ، عن عبادة بن الصامت ] .
إذاً بنى الإيمان وزكى النفس
والعقل ، عنده مسلّمات ، بديهيات ، يقينيات ، لو أن الدنيا
كلها كفرت بقي هو ثابتًا كالصخر والجبل .
إخواننا الكرام ، المؤمن إن لم
تهِم في حبه فليس مؤمناً ، من تواضعه ، من عقله الراجح ، من
إيمانه ، من عزيمته ، من صدقه ، من أمانته ، من عفافه ، بنى
الإيمان في العقول ، وزكى النفوس ، هذه محصلة مكة ، كانوا
ضعافا ، والكفار أقوياء ، أشداء ، متغطرسون ، لكن المؤمنين
كانوا في قمم الكمال .
5 – النبي ربى أصحابه على
العلم :
والله الذي لا إله إلا هو
بالمناسبة ، إن أضفت على كلمة مسلم كلمة واحدة تكن عنصرياً ،
فلان جيد ، لكنه من الريف ، وقد تكون قُلامة ظفر إنسان في
الريف تشرف مئة إنسان في المدينة ، هذا عبد لله مؤمن ، تحبه
فقيراً ، وتحبه غنياً ، تحبه مثقفاً ، تحيه محدود الثقافة ،
تحبه وسيماً ، تحبه دميماً ، تحبه قوياً ، تحبه ضعيفاً ، مؤمن
، ما لم نضع تحت أقدامنا كل المرجحات الجاهلية فلن ننتصر .

( سورة الأحقاف الآية : 19 ) .

( سورة الزمر الآية : 9 ) .

في القرآن مرجِّحان فقط ، قيمة
العلم ، وقيمة العمل ، وما سوى ذلك لم يعترف القرآن أصلاً بها
، الآن بعد التزكية التعلم ، رسخ الإيمان ، و زكت النفس ،
ينبغي أن تكون عالماً ، فما الذي يمنع أحدنا أن يطلب العلم
الديني ؟ أن يتعمق في فهم حقيقة الدنيا ، أن يتعمق في فهم
القرآن ، في فهم السنة ، في فهم السيرة ، وما من قيمة في الأرض
أقوى من العلم ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت
الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ،
والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك
لم يعطك شيئاً .
أنا أروي لكم قصة ، لعلي
رويتها لكم سابقاً عن رجل من صعيد مصر فلاح ، أرسل ابنه إلى
الأزهر ، وعاد يحمل شهادة الأزهر ، وقد عُيّنَ خطيباً في قريته
، وسمع الأب خطبته فبكى ، الأب أُميّ ، لما رأى ابنه يعتلي
المنبر بكى ، ثم ركب دابته ، وانطلق بها إلى القاهرة ، أما
السؤال الأول : لماذا بكى ؟ لا لأن ابنه أصبح خطيباً ، بكى
ألماً من نفسه ، كيف هو جاهل ، ولا يعلم ، توجه بدابته نحو
القاهرة ، وبقي يمشي عشرين يوماً ، إلى أن وصلها ، سأل عن
الأزعر ، هو الأزهر ، لا يحفظ اسمه ، فدلوه على الأزهر ، وهو
في سن الـ55 ، وتعلم القراءة والكتابة ، ثم تعلم القرآن وقرأه
، ثم طلب العلم الشرعي ، وعاش مدة طويلة ، مات في الـ96 ، وما
مات إلا وهو شيخ الأزهر .
لذلك تعلموا ، إذا أردت الدنيا
فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما
معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك
، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
الآن كم ممن يحضر دروس العلم
يُفكر أن يدعو إلى الله ؟ مع أن الحقيقة أنه ما لم تطلب العلم
أولاً ، وما لم تعمل به ثانياً ، وما لم تدع إليه ثالثاً ، وما
لم تصبر على طلبه والعمل به ، والدعوة إليه فأنت خاسر ، كم من
الناس ممن يفكر أن ينقذ من حوله ؟ ائتي به معك إلى المسجد ،
أعطه شريطاً ، اجلس معه ، حدثه عما سمعت ، خذ بيده إلى الله ،
فالصحابة الكرام بنى النبي عليه الصلاة والسلام فيهم الإيمان
أولاً ، إيمانا راسخا لا يتزعزع ، ثم زكى نفوسهم ، فتحلت
بالكمالات البشرية ، ثم طلبوا العلم علم الكتاب ، علم السنة ،
الأحكام الشرعية ، ثم دعوا إلى الله ، والدعوة إلى الله فرض
عين على كل مسلم ، والدليل :

(سورة يوسف الآية : 108 ) .
فالذي لا يدعو الله ، أو فالذي
لا يدعو إلى الله على بصيرة ، أي على دليل وتعليل ، ليس متبعاً
لرسول الله ، والذي لا يتبع رسول الله لا يحب الله ، والدليل :

( سورة آل عمران الآية : 31 )
.
ما قبل الله دعوى محبته من دون
دليل .
6– النبي ربى أصحابه على الصبر
:
لقد ربى النبي أصحابه على
الصبر ، و الإنسان الآنلأقل إغراء يُفتن ، ولأقل ضغط ينهار ،
مع أن المؤمن الصادق لا تسنيه عن عقيدته لا سبائك الذهب
اللامعة ، ولا سياط الجلادين اللاذعة ، فربى أصحابه على الصبر
، لأن حقيقة الحياة فهيا ابتلاءات ، فيها ظروف صعبة ، فالذي
رُبيّ على الصبر يتحمل ، لا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ،
فهذا الذي لا دخل له ، لو طُلب منه في الأراضي المحتلة أن يدل
على إنسان معين ، فإذا دل عليه أعطي مبلغا كبيرا ، هذا المجتمع
الفقير الذي يُغرى بمال وفير ، حينما يخون أمته معنى ذلك أنه
لا صبر عنده ، أما المؤمن فيموت من الجوع ولا يخون أمته ، إنه
إيمان لا يتزعزع ، وتزكية نفس ، وطلب علم ، ودعوة إلى الله ،
وصبر ، هؤلاء الذين هاجروا هؤلاء هم نواة دولة المسلمين ، وهذا
ما فعله صلاح الدين ، أعد جيلاً مؤمناً ، وأزال كل المنكرات ،
فوفق سنن الله استحق النصر على 27 جيشاً فرنجياً ، وردهم ،
وفتح القدس ، وألقى خطيب المسجد خطبة تكتب بماء الذهب ،
افتتحها بقوله تعالى :

( سورة الأنعام ) .
الله يرينا أياماً كهذه الأيام
، كأيام النصر التي نتحدث عنها .
6– النبي علم أصحابه التعاون :
شيء آخر ، من إنجازات النبي
عليه الصلاة والسلام في مكة أنه علم أصحابه التعاون ، مجتمعات
المسلمين المتخلفة ألِفت التنافس ، في كل تجمع ، في كل مؤسسة ،
في كل دائرة ، في كل شركة ، في كل مكان ، حتى في الأسرة هناك
تنافس ، و كيد ، ووشاية ، لذلك ما لم نتحلَ بروح التعاون ، ما
لم نتحلَ بروح التضامن فلن يرضى الله عنا .
أعداؤنا هذه ميزة عندهم ، يتعاونون على الباطل
، ونحن نتقاتل ومعنا الحق ، أعداؤنا يتعاونون على خمسة بالمئة
فقط من القواسم المشتركة ، ونحن نتقاتل وبيننا 95 % قواسم
مشتركة ، أليس كذلك ؟ هل يمكن لمسلم أن يقتل مسلما ؟ يحرق
المصحف ؟ أليس مصحفك ؟ هذا الذي يجري لذلك
:
((
يوشِكُ الأُمَمُ أنْ تُدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا
تُدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا ، فقالَ قَائِلٌ :
وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ : بَلْ أنْتُمْ
يَوْمَئِذٍ كَثُير )) .
[أبو داود عن ثوبان ] .
المسلمون مليار وخمسمئة ،
مليون ربع سكان الأرض .
((ُ
وَلَيَقْذِفَنّ الله في قُلُوبِكُم الَوَهْنَ ، فقالَ
قَائِلٌ : يَا رَسُولَ الله وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ
: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ
)) .
إخواننا الكرام ، درس اليوم
يجب أن نحظى بإيمان راسخ ، ومن خلال اتصالنا بالله ، وأداء
العبادات ، تشتق أنفسنا من كمالات الله الشيء الكثير ، ثم
ينبغي أن نزكي أنفسنا وأن نطلب العلم ، وأن ندعو إلى الله ،
وأن نصبر ، وأن نتبع الأسلوب الجماعي في حياتنا .

أيها الإخوة ، هذا المجتمع
المدني الجديد فيه أشخاص ، الواحد كألف ، الآن اتجه هذا
المجتمع إلى بناء القوة ، كان يتمتع بقوة الإيمان ، الآن يبحث
عن حق القوة .
أيها الإخوة ، بدأت مهمة
التربية الفردية للمجتمع الجديد ، مع قدوم رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة ، حيث بدأت عملية إقامة مجتمع مختلف عن
نظام القبائل العربية .
اسمعوا هذه الكلمة : مادام
الفرق بين مسلم وغير المسلم الصلاة فقط ، فلن تقوم للإسلام
قائمة ، قاعدون المقهى كلهم ، حيث الأغاني ، وطاولات فيها خمر
، وزوجته محجبة ، ويستمع للأغاني ، ويملأ عينيه من محاسن
النساء ، الفرق بينه وبين الثاني ، قام وصلى الظهر فقط ،
الأماكن واحدة ، المتنزهات واحدة ، المطاعم واحدة ، الأغاني
واحدة ، كسب المال الحرام مشترك ، ما دام الفرق بين المسلم
وغير المسلم الصلاة فقط فلن تقوم للإسلام قائمة ، إذا لم يكن
500 ألف فرق ، هذا صادق ، هذا كاذب ، هذا أمين ، هذا خائن ،
هذا منصف ، هذا ظالم ، هذا محسن ، هذا مسيء ، هذه حليم ، هذا
منتقم ، هذا رحيم ، هذا قاسٍ ، إذا لم يكن هناك مئة ألف فرق
بين المسلم وغير المسلم فلن تقوم للإسلام قائمة ، مسلم تصلي
وتصوم ، وفيما سوى ذلك أنت كالآخرين تماماً ، لا تلحظ فرقاً ،
وقد تجد محجبة تشرب القهوة و( الأركيلة ) ، لا فرق أبداً ، كل
مثل بعضه ، قيم روحية ومشروبات روحية ، ، ثم يأتي رمضان
إكراماً لرمضان الفيلم الفلاني ، والتمثيلية الفلانية ،
والمسرحية الفلانية ، كله إكرام لرمضان ، شهر ولائم ، شهر
مسلسلات ، هكذا ، مثل هذه الأمة لا تقوم لها قائمة ، ولن
تستطيع أن تثبت لله أنها تستحق النصر ، أنا لست متشائماً ، لكن
لا يمكن أن نشم رائحة النصر ما دمنا على خلاف منهج رسول الله .
مجتمع المسلمين الذي أسس في
المدينة مجتمع القيم الأخلاقية ، مجتمع المثل العليا ، مجتمع
الإنسان ، الذي تسود حياته المبادئ والقيم ، مجتمع رسالة
السماء ، رسالة السماء الآن متمثلة في المظاهر الإسلامية ،
يقول عليه الصلاة والسلام :
(( إنما بعثت معلما )) .
[أخرجه ابن ماجه من حديث عبد
الله بن عمرو ] .
(( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
)) .
[ أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي
من حديث أبي هريرة ] .
كل واحد يحاسب نفسه ، إن لم
تكن متميزاً في أخلاقك ، بضبط لسانك ، بضبط جوارحك ، إن لم تكن
متميزاً في إنفاقك ، بعباداتك ، فلا : تقل أنا مسلم ، ولا تقل
: أنا مؤمن ، في هذا المجتمع أيها الإخوة فيه محافظة على كل
الفضائل والمكارم ، التي عرفتها المجتمعات الإنسانية السابقة ،
فيه السعي لإتمامها وإكمالها ، في هذا المجتمع فيها استبعاد
لمفاسد الأخلاق للظلم والعدوان ، وللاستغلال والجهل والعبودية
لغير الله ، فيه إقصاء لرواسب الماضي وانحرافات الناس الخلقية
، والاجتماعية ، والنفسية .
الشيء الدقيق أن هذا المجتمع
الإيماني في المدينة ، هذا المجتمع تحولت فيه الطاقة المبعثرة
للأفراد إلى بناء متكامل يسمو بها جميعاً ، ويحقق لها العلم
والتقدم ، والوحدة الإنسانية ، وتوجهها رسالات السماء ، وفق
المثل العليا الإنسانية ، لذلك أيها الإخوة ، يقول الله عز وجل
:

( سورة الأحزاب الآية : 21 ) .

ملخص هذا الكلام هؤلاء الذين
أمضوا في مكة المكرمة 13 سنة وزيادة بنوا فيها إيمانهم ، أصبح
الواحد كالألف ، الآن نبحث عن حق القوة من أعمال النبي صلى
الله عليه وسلم في المدينة بادئة ذي بدء :
هو البناء الفردي ، هناك كلمة
: بعضهم يرى أن الكثافة السكانية في بلد ما تندرج مع الخسائر ،
وبعضهم يراها تندرج مع الأرباح ، والحقيقة أنها ليست هكذا ،
وليست هكذا ، الكثافة السكانية تعني الشخص ، الإنسان الفرد إذا
آمن بالله ، وطبق منهجه ، وزكى نفسه ، وجند نفسه لخدمة أمته هو
مع الأرباح ، أما إن لم يكن مؤمناً ، ولا ملتزماً ولا مطبقاً ،
ولا مزكياً نفسه مع الخسائر ، الإنسان الجاهل عبء على الأمة ،
مجرم ، محتال ، يبتز أموال الناس بالباطل .

أيها الإخوة ، البناء الفردي
أساس البناء الاجتماعي ، بناء الفرد أساس بناء الأسرة ، أساس
الأسرة أساس بناء المجتمع ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام
اعتنى بالفرد المسلم ، لذلك أول شيء فعله النبي عليه الصلاة
والسلام إصلاح العلاقات بين الأفراد ، الآن استمعوا ما يقول
الله عز وجل :


( سورة الأنفال ) .
7 – النبي أصلح ذات البين :
أقول لكم هذه الكلمة : لن نكون أقوياء إذا كانت
العلاقات فيما بيننا فاسدة ، تجد في الأسرة الواحدة الشرخ ،
الابن مع أمه ، والبنت مع أبيها ، وخصام دائم ، في الشركة
الواحدة محوران ، ومجتمع واحد فيه اتجاهات ، لذلك النقطة
الأولى : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ
بَيْنِكُمْ ﴾ ، يقول عليه الصلاة والسلام
:
(( إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ
الْبَيْنِ فَإِنَهَا الْحَالِقَةُ )) .
[رواه أبو داود والترمذي وصححه
من حديث أبي الدرداء] .
(( لا أقول : حالقة الشعر ولكن
أقول : حالقة الدين )) .
[ رواه البزار عن الزبير ] .
ينتهي الدين بفساد ذات البين ،
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أول شيء أصلح ذات البين ، أصلح
ما بين المسلمين ، لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام على بني
عمرو بن عوف ، وقد كان بين الأوس والجزرج ما كان من العداوة ،
الأنصار أوس وخزرج ، بينهم عداوة لا يعلمها إلا الله ، أول عمل
فعله النبي أنه أزال العداوة بين الأوس والخزرج ، لأن المجتمع
المنشق على نفسه ينتهي ، احفظوا هذه القاعدة ، إذا كان في بيتك
انشقاق انتهى البيت ، صار الوقت كله للصراع الداخلي ، ليس هناك
إنجاز ، ولا الطالب يتفوق ، ولا الفتاة تتفوق ، ولا الأب مرتاح
، ولا الزوجة مرتاحة ، فحيثما حل الشقاق حل التخلف ، لذلك قال
عليه الصلاة والسلام :
((
إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ )) .
فحينما رأى بين الأوس والخزرج
من العداوة الشيء الكثير ، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار
الأوس ، الخزرجي يخاف أن يدخل دار أوسي ، وكانت الأوس تخاف أن
تدخل دار الخزرج ، لذلك عليه الصلاة والسلام أول عمل قام به
أنه ألف بين الأوس والخزرج .

الآن كدرس عملي : كل واحد له
أسرة لو كان فيها خلاف بين اثنين ، بين أخوين ، بين عمين ، بين
خالين ، وجمع الأسرتين ، وفق بينهما ، وصار الصلح ، تماسكت
الأسرة ، في كل مكان خلافات ، نحن نريد من هذه السيرة أن تكون
درسا عمليا لنا ، أن نقتبس منها الدروس والعبر ، ألا ندع
خلافاً بين الأوس والخزرج ، لذلك سمى القرآن الكريم الخلاف بين
المؤمنين كفراً ، كيف ؟

( سورة آل عمران الآية : 101 )
.
لأنه جاءت موجة كراهية بين
الأوس والخزرج ، فنزل قوله تعالى : ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ
وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ ﴾ .
معنى ذلك أن الله سمى الخلاف
بين المؤمنين كفراً ، لذلك من مقتضيات الإيمان أن أُزيل كل
خلاف في ما بين المؤمنين ، أن أُجري صلاحاً بين كل المتخاصمين
، هذه من دروس السيرة ، أن لا يبنى مجتمع قوي يستأهل النصر إلا
على أفراد مؤمنين ، موحدين ، زكوا أنفسهم ، وطلبوا العلم ،
ودعوا إلى الله وصبروا على قضائه وقدره .
إذاً الدرس الأول : إزالة الخلافات الفردية ،
هذا من أولى مهمات النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة ،
كإسقاط لهذه الحقيقة على مجتمعنا يجب أن تعاهد نفسك ، أن توفق
بين كل متخاصمين ، وأن تزيل خلافاً بين كل شخصين ، على مستوى
أسرة ، على مستوى عائلة ، على مستوى حي ، على مستوى أصدقاء ،
جيران ، حرفة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول
:
(( يد الله على الجماعة ، ومن
شذ شذ إلى النار)) .
[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]
.
(( عليكم بالجماعة وإياكم
والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )) .
[ أخرجه أحمد ، والترمذي
والحاكم ، عن عمر ] .
(( فإنما يأكل الذئب من الغنم
القاصية )) .
[ رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ عن أبي
الدرداء ] .
وفي درس قادم إن شاء الله
سأقرأ على مسامعكم قصة حصلت بين الأوس والحزرج ، وكيف بدأت ،
تجدون هذه القصة منطبقة على مجتمعاتنا ، وهل تصدقون أن عدداً
كبيراً جداً في بلد عربي مجاور ، هذا العدد مهمته إحراق مسجد ،
وإحراق حُسينية ، نفس الفريق ، من أجل أن تنشب حرب أهلية ،
والذي يفعل هذا طرف ثالث ، هل تصدقون هذا الذي يحصل ، لذلك
الآن الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعداء المسلمين الفتن
الطائفية .
والله إخوة كرام موثوق بهم
جاؤوا من العراق ، وأكدوا هذا ،عدد كبير من الموساد هو الذي
يحرق المساجد ، مساجد السنة ومساجد الشيعة معاً ، إلى أن نشبت
الحرب الأهلية ، كل يوم مئة قتيل ، على الهوية فقط ، الذي خطط
له وقع ، أنا أحذركم ، الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعداء
المسلمين الفتن الطائفية ، هذا الذي أتمنى لأن النبي الكريم
أول شيء فعله في المدينة أنه أصلح ذات البين أصلح بين الأوس
والخزرج .
يقول بعض الزعماء في العالم
الغربي : أنا لا يعجبني أن يكون العالم 200 دولة ، أتمنى أن
يكون العالم 5000 دولة ، يخططون لكل دولة عربية ست دول ، لكل
فئة دولة ، انتهى العالم العربي والإسلامي بهذه الطريقة .
أنا تعقيبي على أن النبي عليه
الصلاة والسلام أصلح ذات البين ، لأنه لن تقوم لنا قائمة
وبيننا خلافات شديدة تفرق وحدتنا ، وتمزق جمعنا ، ولنقتدِ
برسول الله ، ولو على مستوى بسيط .
وفي درس قادم إن شاء الله سوف
نتابع القصة التي حصلت بين الأوس والخزرج ، وقد عادوا نوعاً ما
إلى ما قبل الإسلام .
والحمد لله رب العالمين