|
فقه السيرة النبوية : الدرس 04 –
" مبعث النبي صلى الله عليه وسلم "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما
علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما
ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق
حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،
وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من
ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن
وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة
، والحديث اليوم عن مبعث النبي محمد صلى الله عليه
وسلم ، فأول بند في هذا الموضوع نسبه صلى الله عليه
وسلم ، وقد حدثتكم في درس سابق أن النسب تاجٌ يتوج به
أهل الحق ، أما إذا أضيف النسب إلى أهل الباطل فلا
قيمة له إطلاقاً ، والدليل قوله تعالى :
( سورة المسد ) .
فالذي يتعرف إلى الله ، ويستقيم على أمره ، ويحرص على
مرضاته إذا كان نسبه من النوع العالي فهذا تاجٌ يتوج
به ، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد
بن عبد المطلب ، بن هاشم ، بن عبد منافٍ ، بن قصي ، بن
كلاب ، وينتهي نسبه إلى عدنان ، وأمه آمنة بنت وهب ،
من بني زُهرة ، ويلتقي نسب أمه بنسب أبيه في كلاب بن
مرة ، وقد قال الله عز وجل :
( سورة الأنعام الآية : 124 ) .
هذا ينقلنا إلى موضوع دقيق ، وهو أن النبوة هبة من
الله ، وفيها جانب كسبي ، بمعنى :
( سورة آل عمران ) .
ويؤكد ذلك قول الله عز وجل : ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .
حينما يجتهد الإنسان في طلب مرضاة الله عز وجل من كرمه
، ومن كماله ، يهيئ له عملاً يتناسب مع طموحه ،
والعبرة أن تطمح لعمل جليل ، فالأعمال بيده الله ، إذا
أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ، ونسبه إليك ،
الله عز وجل يوفق ، ويحفظ ، ويلهم ، ويجري الخير على
يديك بشرط أن تطلب الخير .
"
بن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن
فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء " .
فأنت حينما تسعى في مرضاة الله ، وحينما تخطب ود الله
عز وجل ، فالله يهيئ لك عملاً صالحاً ترقى به عنده ،
وتسعد به إلى أبد الآبدين .
" بن آدم كل لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما
أريد ، ولا تعلمني بما يفرحك ، أنت تريد وأنا أريد ،
فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم
لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما
أريد "
.
لو أردنا أن نضع مثالاً يوضح هذه الحقيقة : لو أرادت
دولة أن تعين سفيراً في بلد مهم جداً ، طبعاً تختاره
من حملة الشهادات العليا ، وفي بعض الدول تشترط دراسة
أدبية وعلمية وحقوقية ، وهذا من كسب الطالب ، بعد أن
تختاره تمنحه صلاحيات ، وحقيبة دبلوماسية ، وتعطيه
كتاباً تقدمه للدولة التي سيقوم بها ، ففي هذه الوظيفة
جانب كسبي ، وجانب وهبي ، الجانب الكسبي يؤكده الله عز
وجل حينما يقول : ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ
يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ ، ويؤكد الجانب الكسبي قول
الله عز وجل : ِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ
وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ
عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ .
وقد ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم
يقول :
((
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من
كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني
هاشم
))
.
وفي حديث يقول عليه الصلاة والسلام :
((
بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من
القرن الذي كنت فيه
))
.
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] .
لذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم خيرية القرون
الأولى ، فقال :
((خير
القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم
))
.
[ أخرجه الشيخان ] .
قد تقول أنت : نحن في عصور التقدم ، وفي عصور
المخترعات ، وفي عصور ترويض الطبيعة لصالح الإنسان ،
النبي عليه الصلاة والسلام حينما وصف قرنه بأنه خير
قرن ، هذا متعلق بسعادة الإنسان الأبدية ، وقد ذكرت في
درس سابق أن الدنيا إذا كانت مريحة جداً ، وكانت
الدنيا عريضة ، وفيها كل ما تشتهيه الأنفس ربما كانت
حجاباً بين العبد وربه ، وأن بعض الشدائد التي في
ظاهرها شدائد ربما كانت معواناً للإنسان على طاعة
الله ، لذلك الآية التي ينبغي ألا تنسى ، وأن
تكون ماثلة أمام أعيننا جميعاً :
( سورة البقرة ) .
فخيرية قرن النبي ، والقرن الذي أتى بعده ، والذي أتى
بعده خيرية متعلقة بسعادة الإنسان الأبدية ، لكن
الإنسان اليوم غارق في منع حسية ، ووقته مليء بملهيات
لا تنتهي ، لكن إذا جاءه ملك الموت يشعر بالخسارة التي
لا تعوض :
( سورة الزمر الآية : 15 ) .
النبي صلى الله عليه وسلم صفته : كان متوسط القامة ،
ليس بالنحيف ، ولا بالجسيم ، عريض الصدر ، ضخم اليدين
والقدمين ، مبسوط الكفين ، قليل لحم العقبين ، يحمل في
أعلى كتفه اليسرى خاتم النبوة ، وهو أحسن الناس وجهاً
، وهو أبيض اللون بياضاً مزهراً ، مستدير الوجه ،
مليحه ، واسع الفم ، وطويل شق العينين ، رَجِل الشعر ،
ولم يشب من شعره الأسود إلا اليسير .
وإضافة إلى حسن خلقه ، وسلامة حواسه وأعضائه فقد كان
صلى الله عليه وسلم يعتني بمظهره من النظافة وحسن
الهيئة .
أيها الإخوة ، أنت حينما تلتقي بإنسان لأول مرة ما
الانطباع الذي يأخذ عنك ؟ أناقتك ، ونظافتك واعتناؤك
بهندامك ، والمؤمن لا ينبغي أن يهمل مظهره ، ولا ملبسه
، فقد ورد في بعض الأحاديث :
((
أن أصلحوا رحالكم ، وحسنوا لباسكم ، حتى تكونوا شامة
بين الناس
))
.
[ورد في الأثر]
لأن الإنسان في أول لقاء الانطباع يؤخذ من هندامك ،
ومن مظهرك ، ومن نظافتك ، ومن رائحتك العطرة ، أما إذا
تكلمت ينسى الذي يلقاك مظهرك ، وينتبه إلى كلامك ، أما
إذا عاملته ينسى مظهرك وكلامك ، وينتبه إلى عملك ،
فلذلك حقيقة الإنسان لا تعرف إلا إذا سافرت معه ، أو
جاورته ، أو حاككته بالدرهم والدينار .
ولكن من أجل أن تكون ممثلاً لهذا الدين العظيم سفيراً
لهذا الدين الرباني ينبغي أن تعتني بمظهرك ،
((
أن أصلحوا رحالكم ، وحسنوا لباسكم ، حتى تكونوا شامة
بين الناس
))
، الاعتناء بالنظافة ، والاعتناء بالمظهر ، جزء من
الدين .
أما صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم فحدثوا ولا حرج
، الله عز وجل وصفه بأنه :
( سورة القلم ) .
والخُلق أيها الإخوة جانب كسبي في الإنسان ، الله عز
وجل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم وسائل الدعوة ،
أعطاه ذاكرة ينفرد بها :
( سورة الأعلى ) .
أعطاه شكلاً جميلاً ، أعطاه وجهاً مليحاً ، أعطاه
فصاحة ما بعدها فصاحة ، قال :
((
أنا أفصح العرب بَيد أني من قريش
))
.
[ورد في الأثر]
أعطاه نسباً رفيعاً ، ولكن حينما أثنى عليه ، أثنى على
خلقه ، تماماً كما لو أنك منحت ابنك بيتاً ، لا يعقل
أن تقيم حفل تكريم لهذا البيت ، لكن تقيم له حفل تكريم
إذا نال الدرجة الأولى ، فالأصل أن يثنى على الإنسان
بما في كسبه ، ويقابل ذلك أنت حينما تزدري إنساناً لأن
شكله لم يعجبك ، هذا اعتراض على الله عز وجل ، وزوجته
عائشة رضي الله عنها قالت عن أختها صفية قصيرة ، فقال
عليه الصلاة والسلام :
((
لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته
))
.
[الترمذي]
خطأ كبير أن تعير إنساناً يشكله ، أو بلونه ، أو بطوله
، هذا ليس من كسبه ، هذا من خلق الله عز وجل ، فكأنك
تعترض على الله ، وكأنك تزدري صنعة الله عز وجل فهذا
فظاظة وللجاجة لا تليق بالمؤمن .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أوتي الكمال في أفعاله
، وفي أقواله ، وفي شكله ، وأوتي الفصاحة ، وأوتي
البيان ، وهو سيد ولد آدم ، وأوتي المعجزات ، وأوتي
القرآن والوحي ، وأيده الله بنصره ، ومع كل هذه
الخصائص يقول الله له أنت بالذات :
( سورة آل عمران الآية : 159 ) .
بربكم هذا الذي لم يؤتَ فصاحة ، ولا شكلاً جميلاًَ ،
ولا وجهاً منيراً ، ولا نسباً أصيلاً ، ولم يؤتَ معجزة
، ولا وحياً ، ولا قرآناً ، وهو فظ غليظ القلب في
دعوته ، لمَ ؟ سيد الخلق وحبيب الحق ، يقول الله له :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، هذا درس بليغ
للدعاة من الله عز وجل .
لكن هنا سؤال ، نحن كما تعلمون مخيرون ، الدليل :
( سورة الإنسان ) .
( سورة الكهف الآية : 29 ) .
( سورة الأنعام ) .
الآيات تؤكد أن الإنسان مخير ، بربكم هل أنتم مخيرون
في آبائكم وأمهاتك ؟ لا أنت لست مخيراً فيما كنت
ذكراً أو أنثى ، هذه واحدة ، ولست مخيراً في أمك وأبيك
، ولست مخيراً في مكان ولادتك ، ولست مخيراً في زمن
ولادتك ، كونك ذكراً أو أنثى ، أو كونك ولدت في دمشق ،
أو في بلد آخر ، من أب فلاني وأم فلانية ، وفي زمن
معين ، هذا ليس من اختيارك ، هذا أنت فيه مسير ، ولكن
حقيقة أنقلها لكم تفلج الصدر :
الذي لم يكن في اختيارك هو أكمل شيء إليك ، لخص هذا
الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فقال : " ليس في
الإمكان أبدع مما كان " ، وفسر هذا القول فقال : " ليس
في إمكاني أبدع مما أعطاني " .
فاعتقد يقيناً أن الذي لست مخيراً فيه أن الذي كنت فيه
مسيراً هو لصالحك مئة في المئة ، وحينما يكشف الله لك
يوم القيامة عن سر هذه الأشياء التي لم تكن مخيراً بها
، ينبغي أن تذوب كالشمعة محبة لله عز وجل وامتناناً
منه ، فالذي كنت به مسيراً هو لصالحك ، وليس في
الإمكان أبدع مما كان .
السيدة عائشة أم المؤمنين كانت تؤكد حينما تُسأل عن
خلقه تقول :
((
كان خلقه القرآن
))
.
[مسلم]
بل إن بعضهم يقول : القرآن كون ناطق ، والكون قرآن
صامت ، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي ، ونستنبط
من هذه الأوصاف أن المؤمن لا يتأثر الناس بكلامه بل
بمعاملته ، وأن دلالة الحال أبلغ من دلالة المقال ،
وهذا درس للآباء والمعلمين والدعاة إلى الله عز وجل ،
دلالة الحال أبلغ من دلالة المقال ، وحال واحد في ألف
خير من مقالة ألف في واحد ، إذاً قوة التأثير لا تتأتى
من الفصاحة ، بل تتأتى من أن هذا المتكلم صادق فيما
يقول ، ومطبق لما يقول .
ومن أدق الآراء التي قرأتها عن أحد العلماء أن الذي
يدعى إلى الله بمضمون غير متماسك ، هزيل سطحي ، أو
يدعى إلى الله بأسلوب غير علمي وغير تربوي ، أو يدعى
إلى الله ولا يجد مصداقية في الداعية ، هذا الإنسان
الذي دعي بمضمون هش ، وبأسلوب غير علمي ولا تربوي ،
ودعوى فرأى المدعو عدم المصداقية في الداعي ، هذا
المدعو إلى الله في هذه الطريقة لا يعد عند الله
مبلغاً ، ويقع إثم تفلته من منهج الله على من دعاه
بهذه الطريقة .
فلذلك رتبت المعاصي والآثام ترتيباً تصاعدياً ، فكان
في أعلاها :
( سورة البقرة الآية : 169 ) .
((
إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم
))
.
[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس ، السجزي عن أبي
هريرة ] .
((
يا ابن عمر
، دينك ، دينك ، إنما هو لحمك ودمك ،
فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا
تأخذ عن الذين قالوا
))
.
[مسند الفردوس]
من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد تواضعاً
مقترناً بالمهابة ، والقاعدة أيها الإخوة أن الفضيلة
وسط بين رذيلتين ، التهور رذيلة ، والجبن رذيلة ،
والشجاعة بين التهور والجبن ، البخل رذيلة ، وتبذير
المال رذيلة ، والكرم بين التبذير والبخل ، فالفضيلة
وسط بين طرفين .
فيا أيها الإخوة ، سهل جداً أن تأخذ الحد الأقصى ، سهل
جداً وأنت تربي أولادك أن تكون قاسياً إلى أبعد الحدود
، تضربهم ضرباً مبرحاً ، وسهل جداً أن تسيبهم ، ولكن
البطولة أن يحبك أولادك إلى درجة عالية جداً ، وأن
يهابوك أيضاً لدرجة عالية جداً ، هذا هو المنهج الوسطي
والإسلام وسطي .
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً مع المهابة ،
إنسان يتواضع مع الذل ، ارفع رأسك ، متى أمّتَّ علينا
ديننا .
( سورة الشورى ) .
أحياناً يتطرف المؤمن متهماً أنه متواضع ، فإذا هو
ذليل ، فالمتكبر على المتكبر صدقة ، وقد رأى النبي صلى
الله عليه وسلم بعض أصحابه قبيل المعركة يتبختر أمام
الأعداء فقال عليه الصلاة والسلام :
((
إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن
))
.
أي الطرف الآخر قوة لا تره ضعفاً ، فقد قرن تواضعه
بالمهابة ، وقرن حياءه بالشجاعة ، في شجاعة ، وفي
وقاحة ، وفي خجل ، والخجل مرض نفسي ، والوقاحة غلظة
خلقية ، وبينهما الحياء والشجاعة ، والحياء من علامة
الإيمان ، الإيمان والحياء قرنا جميعاً ، فإذا نزع
أحدهما نزع الآخر ، فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياء
من العذراء في خدرها ، وقد رأى رجلاً استأجره يغتسل
أمام الناس عرياناً ، فقال له : خذ أجارتك لا حاجة لنا
بك ، إنك لا تستحي من الله .
لذلك علامة الإيمان الحياء ، الإيمان :
((
الإيمان بضع وسبعون شعبة : فأفضلها قول لا إله إلا
الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة
من الإيمان
))
.
[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي
هريرة ]
.
لكن هناك فرق بين الحياء والخجل ، الخجل أن تستحي أن
تطلب حقك ، الخجل أن تستحي أن تنصح أحداً ، الخجل أن
تستحي أن تقول لا ، حينما تؤمر بمعصية ، ففي حياة
المؤمن كلمة لا ، لا ورب الكعبة ، فالذي يؤكد شخصيتك
أحياناً كلمة لا ، لا كلمة نعم .
فكان عليه الصلاة والسلام متواضعاً مع المهابة ، ومن
أدق صفاته أنه من رأى بديهة هابه ، ومن عامله أحبه ،
له هيبة .
دخل عليه رجل فأصابته رعدة ، قال :
((
هَوِّنْ عَلَيْك
، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا
أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ
))
.
[ رواه ابن ماجة عن أبي مسعود ] .
لذلك المؤمن له هيبة أما إذا عاملته أحببته ، وكان
كريماً وصادقاً في كرمه ، بعيداً عن حب الظهور ،
الإنسان أحياناً تذل قدمه من الكرم إلى حب الظهور ،
بقدم لك مالاً ليسهم ببناء مسجد ، ولكنه يشترط لوحة
رخامية يكتب فيها أنشأ هذه المئذنة المحسن الكبير ،
وقد علمت أن محسناً كبيراً في بعض البلاد الإسلامية
قدم رقمًا فلكيًّا للدعوة ، ولتعليم طلاب العلم ،
الرقم فلكي ، فسمع أحد الزائرين عن هذا المحسن ، وعن
هذا الرقم ، فتمنى أن يراه ، فدعي هذا المحسن إلى
الطعام ، ودعي الضيف معه ليلتقيا ، فجاء الضيف ، ولم
يأتٍ المحسن ، قال : أين ضيفنا ؟ قال : هو إلى جانبك ،
من شدة تواضعه ما عرفه ، الإنسان أحيانا يدفع مبلغاً
محدوداً جداً يجب أن يملئ الدنيا ضجيجاً بهذا المبلغ .
إذاً كان كريماً عليه الصلاة والسلام ، ولكنه كان
بعيداً عن حب الظهور .
إخوتنا الكرام ، علامة إخلاصك أن عملك لا يزداد
بالثناء ، ولا يضعف بالذم ، إلهي أنت مقصودي ، ورضاك
مطلوبي ، والإنسان حينما تذل قدمه إلى استجداء المديح
تضعف مكانته ، الإنسان إذا ضعف إخلاصه علق الأمل على
المديح ، فإن شح المديح استشار من حوله ، كيف وجدت
الطعام ، أعجبك الطعام ، هو يستثيره كي يمدح هذه
الوليمة ، كيف وجدت هذا البيت ؟ كيف وجدت هذا الأثاث ؟
كيف وجدت هذا الدرس ؟ يستثيرك كي تمدحه ، هذه حالة
مرضية اسمها استجداء المديح ، لذلك الإخلاص من لوازمه
أنك لا تعلق أهمية لا على المادحين ، ولا على القادحين
، لأنك تبتغي وجه الله عز وجل ، هذه علامة من علامات
الإخلاص .
وعلامة ثانية : أن المخلص لا يزداد عمله أمام الناس ،
ولا يقل في خلوته ، خلوته كجلوته ، وظاهره كباطنه ،
وعلانيته كسريته ، ومع الناس كخلوته أيضاً ، وكان
أميناً بأوسع معاني هذه الكلمة .
لذلك أيها الإخوة قريش تهاجمه ، وترد دعوته ، وتسفل
دينه ، وتقدح في رسالته وأموالها عنده ، وحينما أراد
النبي أن يهاجر ترك ابن عمه في مكانه ليرد الودائع إلى
أصحابها ، وأصحابها مشركين ، فما بال هؤلاء المسلمين
اليوم إذا ذهب إلى بلاد الغرب يشتر ببطاقة الائتمان
بآلاف الدولارات ، ويظن أن هذه غنيمة من حقه أن يأكلها
، هذا سوء فهم هؤلاء الذين أودعوا عند النبي مالاً
أليسوا مشركون ؟ لمَ لم يقل هؤلاء المشركون : وهذا
المال لنا ؟ أبقى ابن عمه ، ووضعه تحت خطر القتل من
أجل رد الودائع لأصحابها ، وما لم تكن مستقيماً مع كل
الناس لا يقبلك الله عز وجل ، وقد قال الله عز وجل :
( سورة المائدة الآية : 8 ) .
مع هؤلاء الذين تكرهونهم .
( سورة المائدة الآية : 8 ) .
ما لم تكن محسناً مع الآخرين ، مع البعيدين ، مع
الشاردين ، لن يظهر دينك على أنه دين الله عز وجل .
وكان صادقاً في القول والعمل .
((وإن
الصدق يهدي إلى البر ...
))
.
[ متفق عليه ] .
هناك صدق في القول ، وصدق في العمل ، صدق القول أن
يكون مطابقاً للواقع ، أما صدق العمل فأن يأتي العمل
مطابقاً لما تدعي .
وكان زاهداً في الدنيا عند إقبالها ، لمن هذا الوادي
يا رسول الله ، قال : هو لك ، قال : أشهد أنك رسول
الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
بالمناسبة أيها الإخوة ، لماذا نحن ندرس سيرة النبي
عليه الصلاة والسلام ؟ لأن دراسة سيرة النبي فرض عين
على كل مسلم ، دققوا فرض عين على كل مسلم ، لماذا ؟
لأن الله يقول :
( سورة الأحزاب ) .
كيف يكون النبي أسوة لنا ؟ إن لم نعرف سيرته في بيته ،
مع زوجته ، مع أولاده مع أقربائه ، مع أصحابه ، في
سلمه ، في حربه ، في غناه ، في فقره ، إذاً هو أسوة
لنا ، أذاقه الله الفقر ،دخل بيته ، وسأل أهله :
((أعندكم
شيء ؟ قالوا
: لا ، قال : فإني صائم
))
.
أحياناً المسلم يتأخر الطعام يقيم الدنيا ويقعدها ،
ويغضب ، ويزمجر ، ويكسر ويعلو صياحه في البيت إذا
تأخر الطعام ،
((
أعندكم شيء ؟ قالوا لا ، قال فإني صائم
))
.
فلما أصاب الغنائم الكثيرة ، لمن هذا الوادي ؟ قال :
هو لك ، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله ، قال : أشهد
أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
أذاقه الله النصر ، فدخل مكة مطأطأ رأسه حتى كادت
عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله ،
((
ما تظنون أني فاعل بكم
؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ
كريم ، فقال: أقول كما قال أخي يوسف : {لا
تثريب عليكم اليوم} : اذهبوا فأنتم الطلقاء
))
.
[السيرة النبوية]
وذاق القهر في الطائف فدعا دعاءً يحتاجه المسلمون
اليوم ،
((
اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني
على الناس ، يا أرحم الراحمين ، إلى من تكلني ؟ إلى
عدو يتجهمني ، أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن
ساخطا علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي
))
.
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ] .
أذاقه الله موت الولد :
((
" إن العين لتدمع ، والقلب ليخشع ، ولا نقول إلا ما
يرضي الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون
))
.
[البخاري]
أذاقه الله تطليق بنتيه ، أذاقه الله أن تتهم زوجته
بأثمن ما تملك امرأة ، وتأخر الوحي أربعين يوماً ، لو
أن الوحي بيد رسول الله لجاءت آية التبرئة بعد ساعة ،
لكن أراد الله أن يتأخر الوحي بتبرئة السيدة عائشة
أربعين يوماً ، إذاً الوحي لا يملكه النبي لا رداً ولا
استدعاء .
شيء آخر ، لما جاءت آية تبرئة السيدة عائشة
فقال أبو بكر لابنته : قومي فاشكري رسول الله ،
قالت : والله لا أقوم إلا لله ، فتبسم النبي عليه
الصلاة والسلام وقال : عرفت الفضل لأهله .
علمنا التوحيد أيضاً عليه الصلاة والسلام ، وكان عليه
الصلاة والسلام قد زهد في الدنيا عند إقبالها ، ولم
يتضعضع عند إدبارها ، الآن معظم المؤمنين هداهم الله
إلى ما هو أفضل ما داموا في بحبوحة ، وفي نعيم ، وفي
صحة جيدة ، وفي دخل وفير شاكرون حامدون ، فإذا امتحنهم
الله بشيء تضعضعوا ، وضعفت ثقتهم بالله عز وجل ،
والبطولة أن تنجح بالامتحان .
سئل الإمام الشافعي رضي الله عنه : أندعو الله
بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فقال : لن تمكن قبل أن تبتلى
.
وأنا أؤكد لكم أنه يستحيل أن تصل إلى الجنة من دون
ابتلاء ، لقوله تعالى :
( سورة المؤمنون ) .
( سورة العنكبوت ) .
أيها الإخوة ، نحن ممتحنون بمادتين بالذي أعطانا ،
وبالذي زوي عنا ، ممتحن بالصحة ، ممتحن بالمرض ، ممتحن
بالغنى ، ممتحن بالفقر ، ممتحن بالقوة ، ممتحن بالضعف
، ممتحن بالوسامة ، ممتحن بالدمامة ، ممتحن بطلاقة
اللسان ، ممتحن بعي اللسان ، من هنا يأتي الدعاء
الرائع :
((اللهم
وما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب ، اللهم
وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب
))
.
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ] .
وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الإخلاص ،
والإخلاص أيها الإخوة ينفع مع قليل العمل ، وعدم
الإخلاص لا ينفع لا مع قليل العمل ولا مع كثيره .
((يا
رب تعلمت العلم ، يقال له يوم القيامة كذبت ، تعلمت
العلم ليقال عالم وقد قيل خذوه إلى النار ، يا رب
قاتلت في سبيلك ، يقال له كذبت ، قاتلت ليقال عنك شجاع
وقد قيل خذوه إلى النار
))
.
[أحمد]
لذلك ينبغي أن نرعى قلوبنا ، وأن نهتم بنوايانا ،
فالنية الطيبة ، أساس قبول العمل لقول النبي عليه
الصلاة والسلام في الحديث المتواتر :
((إنما
الأعمال بالنيات
))
.
[ متفق عليه عن عمر ]
وكان فوق كل هذا فصيح اللسان ، وقد يقال جمال الرجل
فصاحته ، والفصاحة أيها الإخوة ككأس من الماء ،
المعاني مضمون هذا الكأس ، والفصاحة شكل هذا الكأس ،
فأنت لا تقبل على شراب نفيس بكأس لا يليق ، كما أنك لا
ترضى أن تشرب شراباً خسيساً بكأس نفيس ، فلا بد من أن
يجتمع المضمون مع الشكل ، والمؤمن له شكل مقبول ، فصيح
اللسان وقد قال سيدنا عمر : تعلموا العربية فإنها من
الدين ، الإنسان الضعيف في اللغة مشكلته كبيرة جداً .
أراد أحدهم أن يتغنى بقول أحد الصحابة فقال :
ولست أبالي حين أَقتل مسلماً على أي جنب ألقى في
الله مصرعي
إلى النار ، حركة واحد نقلته من الجنة إلى النار ، أصل
البيت :
ولست أبالي حين أُقتل مسلما على أي جنب ألقى في
الله مصرعي
فقال : ولست أبالي حين أَقتل مسلماً ، الذي يقتل
مسلماً خالد مخلد في النار إلى أبد الآبدين ، إذاً
تعلموا العربية فإنها من الدين ، ولغتنا دقيقة جداً
أيها الإخوة ، عندنا في اللغة نظر لها معنى ، لاح لها
معنى ، لاح شيء ظهر واختفى ، أما لمح نظرت وأعرضت فرق
كبير بين لاح ولمح ، نظر شجراً ؛ نظر مع الاحتقار ،
شخص ؛ مع الخوف ، رمى ؛ مع المحبة ، حدج ؛ مع السعادة
، حدث القوم ؛ ما حدجوك بأبصارهم ، استشرف ؛ مع التمطي
استشف ؛ مع حركة اليدين ، بحلق وحملق ؛ ظهر حملاق عينه
، وحدق ؛ اتسعت حدقة عينه نظر شذراً ، ولاح ، ولمح ،
واستشف ، واستشف ، وتمطى ، وشخص ، ورمى ، وحدج ونظر ،
ورأى هذه اللغة اختارها الله لتكون لغة كلامه .
( سورة الشعراء ) .
وتعلموا العربية فإنها من الدين ، أنا لست متشائماً
لكن لا أصدق طالباً جامعياً يحمل لسانسا نكلفه أن يقرأ
صفحة من كتاب الله دون أن يخطئ عشرات الأخطاء ، أخطاء
كثيرة جداً ، يخطئ ، هذه وصمة عار في حق المسلم ،
تعلموا العربية فإنها من الدين ، كان عليه الصلاة
والسلام فصيحاً ويقول
((أنا
أفصح العرب بَيد أني من قريش
))
، وقريش أفصح قبيلة في العرب ، هذا أسلوب اسمه
تأكيد المدح بما يشبه الذم .
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع
الكتائب
فكان صلى الله عليه وسلم فصيح اللسان ، ثابت الجنان ،
في حنين قال :
((
أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب
))
.
[ متفق عليه ] .
وكانت معركة حنين فاصلة ، فأسك تراباً وذره في عيون
القوم وقال :
((
أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب
))
، وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه : كنا إذا حمي
الوطيس لذنا برسول الله ، فلم يكن أحد أقرب إلى العدو
منه .
وكان عليه الصلاة والسلام قوياً في عقله وحسن فهمه .
وكان عليه الصلاة والسلام رحمةً للكبير والصغير ، لين
الجانب ، رقيق المشاعر يحب الصفح والعفو عن المسيء .
معقول حاطب بن بلتعة ارتكب خيانة عظمى ، كتب كتاباً
إلى قريش إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم ، في كل نظام
العالم جزاء الخيانة العظمى الإعدام ، فجاء عمر ، وقال
: يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قال :
لا يا عمر ، إنه شهد بدراً ، لم يهدر عمله السابق ،
تعال إلي يا حاطب ، ما حملك على ما قلت ؟ قال : والله
يا رسول الله ، ما كفرت ولا ارتدت ، لكن كنت لصيقاً في
قريش ، فأردت في هذا الكتاب أن أحفظ مالي وأولادي ،
وأن واثق أن الله سينصرك ، فاغفر لي ذلك ، فقال عليه
الصلاة والسلام : إني صدقته فصدقوه ، ولا
تقولوا في إلا خيراً ، فكان يحب العفو والصفح عن
المسيء .
جاء عكرمة مسلماً ، من عكرمة ؟ ابن أبي جهل ، ألد
أعداء رسول الله ، تفنن عشرين عاماً للنيل من رسول
الله قال عليه الصلاة والسلام :
((يأتيكم
عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه ، فإن
سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت
))
.
[ رواه الواقدي وابن سعد وابن عساكر - عن عبد الله بن
الزبير)
وكان عليه الصلاة والسلام صابراً في مواطن الشدة ،
وكان جريئاً في قول الحق .
وفي درس آخر إن شاء الله نتابع فقه سيرته صلى الله
عليه وسلم ، ونحاول أن نستنبط منها الدروس والعبر التي
تنفعنا في حياتنا ، لأن هذا النبي الكريم جعله الله
أسوة لنا ، ومن لوازم أن يكون أسوة لنا أن نتعرف إلى
سيرته ليكون الشخصية التي نمشي على طريقها .
والحمد لله رب العالمين |