|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة النبوية : الدرس
: 38 ـ
التاريخ
: 22/
05
/ 2006 ـ
مقاطعة النبي
صلى الله عليه وسلم من قبل قريش
ـ لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
،
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا
،
إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا
،
وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق
حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،
واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في
عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية
، وقد بينت لكم في درس سابق أننا من حيث توالي الأحداث وصلنا
إلى قرب المدينة المنورة ، ولكن وجدت أن هناك موضوعات كبرى في
السيرة مررنا عليها مرور الكرام تتصل بواقعنا أشد الاتصال ،
لذلك سأقف عندها وقفات متأنية كي نستنبط من السيرة العظات
والعبر .

اليوم الموضوع حول المقاطعة
التي قاطع بها كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
سنوات ثلاثًا ، حتى اضطروهم إلى أن يأكلوا أوراق الشجر ، ليست
المقاطعة إذاً شيئاً جديداً ، إنها أسلوب من أساليب أهل البغي
والعدوان ، لأن ملة الكفر واحدة ، المؤمن هو المؤمن في كل زمان
ومكان ، والكافر هو الكافر في كل زمان ومكان .

أيها الإخوة ، لا بد من إعطاء
صورة مسبقة عن الظروف التي سبقت المقاطعة :
قريش أرسلت إلى النبي صلى الله
عليه وسلم رجلاً من وجهائها ليعرضوا عليه كما تعلمون أجمل
امرأة ليتزوجها ، أو أن يكون زعيماً لهم ، لا يقطعون أمراً
دونه ، أو ليكون أغناهم مالاً وقال قولته الشهيرة ، قال هذا
لعمه :
(( لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي
على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله ، أو أهلك دونه
)) .
ومن الذي قاله لهم :
(( ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ،
ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ـ هذا رده ـ
ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي
كتابه ، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالات
ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في
الدنيا والآخرة ، وإن تردوا عليّ أصبروا لأمر الله حتى يحكم
الله بيني وبينكم )) .
[ السيرة النبوية ]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار
وقت :
إخوتنا الكرام ، أخطر استنباط
من هذا الموقف المشرف للنبي عليه الصلاة والسلام أنك أيها
الإنسان مخير مع ملايين الموضوعات خيار قبول أو رفض ، لكنك مع
الإيمان مخير خيار وقت فقط ، فإما أن تؤمن في الوقت المناسب ،
وتنتفع بإيمانك ، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان ولا ينفعك هذا
الإيمان شيئاً ، كإيمان فرعون حينما أدركه الغرق قال :
 
( سورة يونس الآية : 90 ) .
فكان رد الله عليه :

( سورة يونس الآية : 90 ) .
لذلك قال الله عزوجل :

( سورة الأنعام الآية : 158 )
.
أقول لكم أيها الإخوة ، ما من
إنسان على وجه الأرض في القارات الخمس من أيّ ملة ، ونِحلة ،
ودين أرضي ، أو سماوي ، من أية طائفة ، من أي مذهب ، عند الموت
تنكشف له الحقيقة التي جاء بها الأنبياء .

( سورة ق الآية : 22 ) .
الإيمان عند الموت لا يقدم ولا
يؤخر ، ولا ينفع ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((فإن
تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن
تردوا عليّ أصبروا لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم
)) .
الدنيا كلها لا ترد المؤمن عن
إيمانه :
عرضوا عليه أن يسأل ربه كي
يسير عنهم الجبال ، هذه الجبال السوداء عرضوا عليه أن يسأل
الله أن يسيرها عنهم لتغدو أرضهم منبسطة ، وسألوه أيضاً أن
يفجر لهم الأنهار ، وأن يحي لهم الموتى فإن فعل هذا يصدقونه .

( سورة الإسراء ) .

( سورة الكهف الآية : 110) .

( سورة هود الآية : 31 ) .
(( فَإِنّي لاَ أَملِكُ لَكُمْ
مِنَ الله ضَرّا وَلاَ نَفْعاً )) .
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
.

( سورة الأعراف الآية : 188 )
.
ضعف النبي سبيل إلى إيمان طوعي
:
ما الحكمة أن النبي عليه
الصلاة والسلام كان ضعيفاً ؟ يمر على أصحابه وهو عمار بن ياسر
وهو يعذب ولا يملك أن ينجيه ، يقول : صبراً آل ياسر فإن موعدكم
الجنة ، لو أن النبي كان قوياً كأقوياء الأرض ، وأعطى إشارة أن
يؤمنوا به لآمن به الملايين المملينة ، لا حباً بالله ، ولا
رغبة في عبادته ، بل آمنوا به خوفاً منه ، الله عليه الصلاة
والسلام يريد الإيمان الذي يأتي طواعية ، يأتي مبادرة يأتي من
عند الإنسان ، من دون قهر ، من دون ضغط ، من دون إكراه ، لذلك
يقول الله عزوجل :

( سورة البقرة الآية : 256 ) .
من أساليب الكفار : أسلوب
التحدي :
أو عرضوا عليه أن يسأل ربه أن
يبعث له ملكاً يصدقه ، وأن يجعل له جنات وكنوزاً ، وقصوراً من
ذهب وفضة ، فكان جوابه :
﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا
بَشَرًا رَسُولًا ﴾
.
ثم عرضوا عليه ، وقد تحدوه أن
يسقط السماء عليهم كسفاً ، كما يقول ويتوعد فقال : ذلك إلى
الله إن شاء فعل ، فقالوا أما علم ربك أنا سنجلس معك ؟ ونسألك
؟ ونطلب منك ؟ حتى يعلمك ما تراجعنا به ؟ وما هو صانع بنا ؟
فليفعل ربنا بنا ما يشاء ، ثم هددوه أشد أنواع التهديد ،
وقالوا : والله لا نتركك ، وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا ،
فقام عليه الصلاة والسلام وانصرف من عندهم ، أغروه أن يكون
ملكاً عليهم ، أغروه أن يزوجوه أجمل فتاة في قريش ، أغروه أن
يكون أغناهم ، فكان عليه الصلاة والسلام رجل مبدأ .
من أساليب الكفار : التهديد
بالقتل :
بل إن أبا جهل عزم على قتل
النبي عليه الصلاة والسلام كل هذه المساومات لم تجدِ ، لأن
النبي صاحب مبدأ ، والكلمة المشهورة :
(( والله يا عم : لو وضعوا الشمس في يميني ،
والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره
الله ، أو أهلك دونه ))
.
الحلول الوسط ليست حلولاً :
ثم عرضوا عليه مساومة أخرى ،
يعني يا محمد اعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد .
دائماً الحلول الوسط ليست
حلولاً ، ولكنها تجميد المشكلة ، نعبد ربك وتعبد آلهتنا فجاء
الرد القاطع :

( سورة الكافرون ) .
الحق لا يقبل المساومة ، لكن
المؤمن مسموح له أن يتعايش مع الطرف الآخر .

( سورة التوبة الآية : 7 ) .

(سورة الممتحنة الآية :8 ) .
التعايش مع الطرف الآخر أمرٌ
مطلوب :
إذاً التعايش مطلوب ، مسموح أن
تزورهم ، أن تهنئ جارك غير المسلم بمولود جاءه ، أن تقدم له
هدية ، أن تعاونه ، كل هذا مسموح لك ، أما أن تتخلى عن عقيدتك
إرضاء له هذا غير مسموح ، فالتوافق لا يكون ، لكن التعايش يكون
، لذلك الآن مع تنوع المذاهب والطوائف ، والأديان ،
والاتجاهات ، والملل ، والنحل ، يمكن التعايش ، كل إنسان له مع
ربه علاقة هو حر في أن يقيمها في أعلى مستوى ، وينبغي أن يكون
منهج الله عزوجل مطبقاً في الأرض ، ومنهج الله يتسع لغير
المسلمين ، يتسع ، بل إن صدر المؤمن واسع جداً للطرف الآخر ،
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أُنزل عليه من القرآن
الكريم في قوله تعالى :

دققوا الآن :
( سورة الروم ) .
من الذين انتصروا ؟ أهل الكتاب
، هناك قواسم مشتركة بيننا وبينهم ، بل إن الصحابة الكرام أثبت
الله لهم أنهم فرحوا بانتصار الروم على الفرس ، بانتصار من
يعبد الله بطريقة أو أخرى ، على من يعبد النار .
إذاً هناك في الإسلام ما يسمى
النسبيةَ ، والدليل :

( سورة آل عمران الآية : 167 )
.
هذا موقف موضوعي ، وحكم نسبي .
من أساليب الكفار : اقتراحُ
تبديلِ القرآن :
ثم عرضوا عليه أن يبدل هذا
القرآن الكريم ، والآن يُعرض علينا أن نبدله ، احذفوا لنا آيات
أهل الكتاب ، وآيات الجهاد ، وآيات اليهود ، وما من اتفاقية
بين أعدائنا وبين دولة مسلمة إلا وهذه البنود الأولى لا بد من
أن يبدل قرآننا ، على الأقل هذه الآيات لا يمكن أن تدخل في
المناهج ، ولا في قراءة القرآن في الإذاعة عرضوا عليه أن يبدل
قرآنه ، فكان رد الله عليهم :

( سورة يونس ) .
وفي آية ثانية ، ويا أيها
الإخوة صدقوا أن الطرف الآخر من أول تاريخ البشر إلى نهاية
الدوران ، هذا همه :

( سورة الإسراء ) .
لمجرد أن تتوافق معهم ، وأن
تلغي بعض الأحكام ، وأن تعلن أن الزنا ليس جريمة كما ضغط على
بعض البلاد الإسلامية ، وأن تعلن أن الربا ليس حراماً ، وأن
تعلن أن الاختلاط موقف حضاري :
﴿ وَإِنْ كَادُوا
لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ .
هم لا يعترضون لا على
صلاتك ولا على صيامك ، بل يشجعونك عليها ، هذا عندهم فلكلور ،
لكنهم يعترضون على منهجك الاقتصادي ، وعلى منهجك الاجتماعي ،
وعلى حجاب المرأة ، وعلى محاسبة السارق أشد الحساب ، هم يعلقون
الآمال على تبديل .
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا
لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾
.
هناك تطبيع علاقات ، إذا
بدلت هذا الذي أوحي إليك ، بدلته وافتريت علينا غيره .

الآن أيها الإخوة ، ولكن
تأكدوا أن هذه الخطة لن تنجح ، هناك كتاب مقدس أعد لنا اسمه
الفرقان ، مؤلف من 12 جزءاً ، وقد طُبع منه جزءان ، وقد وزع
منه في البلاد العربية على المتفوقين ، من بعض آيات هذا
الفرقان :
يا محمد أأنت أضللت عبادي ؟
قال : يا رب ، ضللت فأضللتهم .
هذه بعض آياته ، وصدقوا أيها
الإخوة أن كل الذين قلدوا القرآن الكريم تقليدهم هذا لا يستأهل
إلا ابتسامة ساخرة :
والطاحنون طحناً ، والعاجنون
عجناً .
في بعض مواقع المعلومات فقرات
من كتاب يسمونه فرقاناً ، قرأتهُ قرأته للتسلية من أجل أن
تضحك ، سبحانك يا رب هذا القرآن الكريم مركز في أعماقنا ، وأية
كلمة أخرى لا تثير فينا إلا الضحك :
]
وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا
لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾
.

( سورة الإسراء ) .
هذه محاولات أهل الكفر ، من
بداية البشرية وحتى نهاية البشرية .
﴿ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
إسلام حيض ونفاس لا مشكلة ! حيض ، ونفاس ، ووضوء ، واستنجى ،
واستبرأ ، ليس هناك مشكلة أبداً ، أما إسلام عدم اختلاط ،
إسلام حجاب ، إسلام كسب مال حلال من دون ربا ، هذا يقلقهم .
قال بعض شياطينهم نصحهم قائلاً
: يا معشر قريش ، والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد
ـ يعني لا في حل فيه ـ قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً ، أرضاكم
فيكم ، وأصدقكم حديثاً ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في
صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر ، لا والله ما
هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ، وقلتم : كاهن ،
لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم ، وسمعنا
سجعهم ، وقلتم : شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، لقد رأينا
الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها ، هزجه ورجزه ، وقلتم : مجنون ، لا
والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بسوسته ولا
تخليطه ، يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد
نزل بكم أمر عظيم .

الحقيقة أيها الإخوة ، الحق قوي ، ولو كان أهله
ضعافاً ، الحق قوي ، والباطل ضعيف ولو كان أهله أقوياء ، لما
رأوا صموده صلى الله عليه وسلم
في وجه كل التحديات ، ورفضه كل المغريات ،
وصلابته في كل مرحلة مع ما كان يتمتع به من الصدق ، والعفاف ،
ومكارم الأخلاق ، قويت شبهتهم في كونه رسولاً حقاً ، فقرروا أن
يتصلوا باليهود ، حتى يتأكدوا من أمره صلى الله عليه وسلم ،
فلما نصحهم هذا الذي تكلم هذا الكلام بما سبق ، كلفوه مع آخرين
ليذهبوا إلى اليهود في المدينة ، فأتاهم فقال أحبارهم : سلوه
عن ثلاث ، فإن أخبر فإنه نبي مرسل ، اليهود ، لأن اليهود :

( سورة البقرة الآية : 146 ) .
فإن أجاب عن هذه الأسئلة فإنه
نبي مرسل ، وإلا فهو متقول ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر ،
الأول ما كان من أمرهم ؟ فإن لهم حديثاً عجبا ، وسلوه عن رجل
طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبأه ؟ وسلوه عن الروح
ما هي ؟ فلما قدم مكة قال جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ،
وأخبرهم بما قال به اليهود ، فسألت قريش رسول الله عليه الصلاة
والسلام عن الأمور الثلاثة ، فنزلت بعد أيام سورة الكهف ، عن
الفتية :
 
( سورة الكهف ) .
ونزل الجواب عن الروح :

( سورة الإسراء ) .
وأجابهم عن ذي القرنين الذي
آتاه الله :

( سورة الكهف ) .
تحدوه ، ساوموه ، فاوضوه ،
تنازلوا معه قليلاً ، إنه رجل مبدأ ، لذلك بعد كل هذه
المحاولات اليائسة قرروا مقاطعته ، وقبل أن يقاطعوه عرضوا على
أبي طالب أن يسلمه لهم ليقتلوه ، وإلا قاطعوا بني هاشم ، آخر
تحدي عرضوا على أبي طالب أن يسلمه لهم ليقتلوه ، ثم إن أبى
أخذت قريش هذا القرار في مقاطعة محمد عليه الصلاة والسلام
وأصحابه ، ومن يلوذ به يعني بني هاشم .

الآن بدأ الدرس " المقاطعة
" .
ملة الكفر واحدة ، الكافر هو
الكافر ، المؤمن هو المؤمن ، اجتمعوا في خيف بني كنانة ، في
مكان في وادي المحصب ، فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب ألا
يناكحوهم ولا يبايعوهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا
يدخلوا بيوتهم ، ولا يكلموهم .
والله أشد أنواع المقاطعة التي
تمت على الشعب العراقي ليست كواحد بالألف من مقاطعة قريش لرسول
الله .
حتى يسلموا إليهم رسول الله
للقتل ، وكتبوا صحيفة فيها عهود ومواثيق ألا يقبلوا من بني
هاشم صلحاً أبداً ، وألا تأخذهم به رأفة حتى يسلموا محمداً
للقتل .
قال ابن القيم : كتبها منصور
بن عكرمة بن عامر بن هاشم ، ويقال كتبها النضر بن الحارث ،
والصحيح أن الذي كتبها بغيض ـ اسم على مسمى ـ بن عامر بن هاشم
، فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فشلت يده ، وعُلقت
الصحيفة في جوف الكعبة .
يعني الآن لا بد من أن تجروا
انتخابات ، في فلسطين ، أجريت ، لا بد من أن تكون في إشرافنا ،
أوفدوا رئيس جمهورية سابق وأشرف على الانتخابات ، لا بد من أن
تعلنوا النتائج ، أعلنوها ، فلما فازت جهة لا يرضون عنها
قاطعوها ، والحصار الآن يشبه إلى حد ما الذي حوصر به النبي صلى
الله عليه وسلم .
وعُلقت الصحيفة في جوف الكعبة
فانحاز بنو هاشم ، وبنو المطلب ، الآن مؤمنهم وكافرهم ، إلا
أبا لهب ، وحُبسوا في شعب أبي طالب ، وذلك فيما يقال ليلة هلال
المحرم لسنة سبع من البعثة ، وقد قيل غير ذلك ، هذا الحصار
استمر أعواماً ثلاثة ، واشتد الحصار يقول عليه الصلاة
والسلام :
(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، وأخفت في
الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما
لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال
)) .
[ أخرجه أحمد في مسنده
والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ] .
قبل سنوات في أثناء في الطواف
حول الكعبة كان الإنسان الضعيف العاجز يُحمل على نقالة ، كنت
أنظر إليه ، إنسان بالثمانين كومة عظام يهز ، أنا والله مع
الأسف الشديد أرى المسلمين اليوم كهذا الإنسان ، مستسلمين ، لا
يتحرك أحدهم ، ولا يتكلم ، ولا يبذل ، ولا يقدم ، هذا موقف
سلبي لا يحتمل .
لذلك هذه المقاطعة تمت ، لكن
أصحاب النبي صمدوا ، اشتد الحصار ، قُطعت عنهم الميرا " القمح
" حتى أكلوا أوراق الأشجار ، فلم يكن المشركون يتركون طعاماً
يدخل مكة ، ولا بيعاً إلا بادروه فاشتروه ، حتى بلغ بهم الجهد
مبلغه ، جوع شديد ، والتجئوا إلى أكل أوراق الأشجار ، وإلى أكل
الجلود .
أعاذنا الله وإياكم من الجوع ،
وعظمة من سنوات عليها أثر لا يزيد على غرامات من اللحم المقدد
، هذه غنيمة كبيرة للجياع ، حينما يجوع الإنسان ، حبسوا أناساً
في بعض البلاد الإسلامية فأكلوا جلد بعضهم بعضاً ، شربوا بولهم
، الإنسان فقير ، فقير إلى كأس ماء .
مرة قالها هارون الرشيد إلى
وزيره ، أو وزيره سأله : يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا
الكأس من الماء إذا منع عنك ؟ قال : بنصف ملكي ، قال : فإذا
منع إخراجه ؟ قال : بنصف ملكي الآخر ، نعم لا يعرفها إلا من
فقدها ، أيكون هناك كأس ماء تشربه ، أيكون هناك كسرة خبز
تأكلها ، أيكون هناك دواء تستعمله ، أيكون هناك مأوى تؤوي إليه
، أيكون هناك طعام تأكله ، لذلك هذه محنة ما بعدها محنة ، ولكن
المحنة للمؤمن وراءها منحة من الله ، وأن الشِدة للمؤمن ،
وراءها شَدة إلى الله .
حتى كان يُسمع من وراء الشعب
أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع ، وكان لا يصل إليهم
شيء إلا سراً ، تهريبًا ، وكانوا لا يخرجون من الشعب لشراء
الحوائج إلا في الأشهر الحرم ، وكانوا يشترون من العير التي
ترد إلى مكة من خارجها ، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم
بالسلعة قيمتها حتى لا يستطيعون شراءها .

كل إنسان له موقف ، معهد شرعي
مكانه ضيق جداً ، فاشترى أرضًا ، ودفع نصف ثمنها ، مع ارتفاع
أسعار الأراضي جاء هذا المعهد تهديد من البائع ، إما أن تدفع
الستين مليون في عشرة أيام أو العقد باطل ، ولن تستطيع استرداد
النصف الأول ، هذا موقف ، استغل ارتفاع الأراضي ، وضع شرطا
تعجيزيا في عشرة أيام ، والفضل لله تأمن المبلغ ، لكن يوم
القيامة هذا له موقف .
موقف آخر : رجل فقير جداً يعمل مستخدما في
مدرسة ، راتبه أربعة آلاف عنده ، 8 أولاد ، ورث أرضاً من شهر ،
الأرض مناسبة جداً لمسجد ، محسن في الميدان كبير عافه الله
أراد
أن ينشئ
مسجداً في هذا المكان ، كلف أحد إخوتنا الكرام
، الأرض مناسبة جداً ، موقعها مناسب ، مساحتها مناسبة ، شكلها
الهندسي مناسب ، السعر مناسب ، فدعا هذا المحسن الكبير كي يطلع
على الأرض ، فلما أعجبته وقع سند بـ 2 مليون ليرة ، نصف ثمنها
، فسأل صاحب الأرض هذا المحسن متى بقية الثمن ؟ قال له : عند
التنازل قال : ما التنازل ؟! قال : تذهب إلى الأوقاف ، وتتنازل
عن هذه الأرض ، لأنها سوف تصبح مسجداً ، وبعدها تأخذ بقية
الثمن ، قال له : هذه الأرض سوف تكون مسجداً ؟! وما الذي يمنع
؟ قال له : أنا أبيع أرضاً تكون مسجداً ؟! والله أستحي من الله
، والله أنا أولى بك أن أقدمها لله منك ، ومزق الشك ، وقد
الأرض ، والآن أطول مئذنة بعد القدم هذا هو المسجد ، لو وقف
هذا الإنسان يوم القيامة بين يدي الله عزوجل فقير ، أربعة آلاف
دخله ، و8 أولاد ، محروم ، بيت غرفتين ، متداع ، وجاءه أربعة
ملايين ، واستحى من الله أن يبيع أرضاً تغدو مسجداً ، هذا إذا
وقف يوم القيامة بين يدي الله ، وقف الثاني معكم عشرة أيام ،
إما أن تدفعوا ، وإما العقد باطل ، ولن تستردوا قيمة النصف
الأول من الأرض .

( سورة الإسراء الآية: 84 ) .
دُعينا مرة لافتتاح مسجد في
يعفور ، الذي أنشأ هذا المسجد استقبلنا جميعاً ، دعا معظم
علماء دمشق وألقيت كلمات ، وأكرمنا إكراماً شديداً ، خرجت في
هذا المسجد ، فإذا في الضفة الغربية على الطرف الثاني من
الطريق ملهى ، سمعت أن فيه كل أنواع الموبقات التي لم تؤلف في
هذا البلد ، وأن صاحبه ـ أستخدم هذا التعبير بالذات ـ ( فطس )
بعد سبعة أيام من افتتاحه ، فجاء في خاطري أنه يوم القيامة إذا
وقف هذا الذي أنشأ لله مسجداً ، ووقف إلى جانبه هذا الذي أنشأ
ملهاً ، فرق كبير ، لذلك قال تعالى :

( سورة السجدة ) .

( سورة القلم ) .

( سورة القصص ) .

( سورة الزمر الآية : 9 ) .
والله أيها الإخوة أن ﴿
يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
﴾ ، أن يستوي المحسن مع المسيء ، والصادق مع الكاذب ، والأمين
مع الخائن ، هذا الاستواء لا يتناقض مع عدل الله فحسب ، بل
يتناقض مع وجود الله ، اطمئنوا ، وإذا كنت شاباً مؤمناً صادقاً
مستقيماً ، والله زوال الكون أهون على الله من أن تعامل مثل ما
بعامل الفاسق ، أبداً .
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ
فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾
.
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ
كَالْمُجْرِمِينَ ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
.

في الدنيا ؟

( سورة الجاثية ) .
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ
لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾
.

دققوا : وحتى كان يُسمع من
وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع وكان لا
يصل إليهم شيء إلا سراً ، وكان حكيم بن حزام ربما يحمل قمحاً
إلى عمته خديجة رضي الله عنها ، وقد تعرض له مرة أبو جهل ،
فتعلق به ليمنعه فتدخل بينهما أبو البخترة ، ومكنه من حمل
القمح إلى عمته خديجة ، تسلل ، تهريب ، بصعوبة بالغة جداً ،
وكان أبو طالب يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم لأن المساومة
على القتل ، الآن الأمر بلغ القتل ، فكان إذا أخذ الناس
مضاجعهم يأمر أبو طالب رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يضجع
على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله ، فإذا نام الناس أمر
أحد بنيه أو إخوانه ، أو بني عمه ، فاضطجع على فراش رسول الله
، وأمره أن يأتي بعض فرشهم ، إجراءات أمنية مشددة ، لأنه أُريد
أن يقتل .
وكان عليه الصلاة والسلام
والمسلمون يخرجون في أيام الموسم فيلقون الناس ، ويدعون إلى
الإسلام ، وقد أسلفنا ما كان يأتي به أبو لهب .
هذه المقاطعة ، هذا الإسلام
الذي وصل إليكم ، بذل من أجله الغالي والرخيص والنفس والنفيس
حتى وصل إلينا ، لذلك حافظوا عليه .

مر عامان أو ثلاثة والأمر على
ذلك ، حينما حوصر العراق التضخم النقدي صار 23 ألف ضعف ، أعلى
مرتب كان مرتب لواء في الجيش ، أو أستاذ جامعة خمسة آلاف دينار
، وكان الدينار 250 ليرة ، فصار أعلى مرتب في هذا البلد يساوي
طبقا من البيض فقط ، الخمسة آلاف دينار ثمن طبق بيض ، هذه
المقاطعة ، اسألوا الله السلامة ، موظفون كبار أصبح دخلهم لا
يساوي طبق بيض ، فاضطروا أن يعملوا سائقي تكسي ، وبائعي دخان
في الطريق .

( سورة النمل الآية : 34 ) .
اسألوا الله أن يحفظ علينا نعمة الأمن في هذه
البلاد ، أن يحفظ علينا نعمة المأوى ، أن يحفظ علينا نعمة
الطعام والشراب .
(( يا عائشة أحسني جوار نعم الله ، فإنها قلما
نفرت عن أهل فكادت أن ترجع إليهم
)) .
[ أخرجه ابن ماجه والحاكم عن
عائشة] .
والله في هذا المسجد جاءني رجل
قال لي : الذي حصل في العراق لا يصدق ، قلت : كيف ؟ قال لي :
قبل أن يأتي العدو الأجنبي تغلق محلك التجاري صباحاً تجده
مغلقاً ، أما الآن فتجده مفتوحاً ، وقد نُهب ، ترسل ابنتك إلى
المدرسة تعود ظهراً ، الآن تُخطف ، لا ماء ، ماء من النهر
ملوث ، ولا وقود سائل ، ننتظر عشر ساعات على محطة الوقود ،
ولا كهرباء ، الهيروين يباع على الطرقات .
﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً
أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
.
ادعوا الله في جوف الليل أن
يحفظ علينا النعم التي نعيشها .

مر عامان أو ثلاثة والأمر على
ذلك ، وفي شهر المحرم سنة عشر من النبوة نُقضت الصحيفة ، وفك
الحصار ، وذلك أن قريشاً كانوا بين راضٍ بهذا الميثاق وكارهٍ
له ، حدث انشقاق ، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهاً لها ،
وفي قصة نقض الصحيفة قصة طريفة :

كان القائم بهذا هشام بن عمر ،
من بني عامر بن لؤي ، وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفياً
بالليل بالطعام ، كان يأتيهم ليلاً بالطعام ، فإنه ذهب إلى
زهير بن أبي أمية المخزومي ، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب .
والله ، أنا لا أنسى موقف زعيم
وقائد جيش غطفان في معركة الخندق الذي جاء ليحارب النبي عليه
الصلاة والسلام ، كان قابعاً في خيمته ، اسمه نُعيم ، خاطب
نفسه فقال : يا نعيم ، أنت عاقل ، لمَ جئت إلى هنا ؟ من أجل أن
تقتل هذا الرجل الصالح ، ماذا فعل ؟ سفك دماً ؟ نهب مالاً ؟
انتهك عرضاً ؟ أين عقلك يا نُعيم ؟ فوقف ، وتوجه إلى معسكر
المسلمين ، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي :
نعيم ؟ قال : نُعيم ، قال له النبي : ما الذي أتى بك إلينا
؟ قال له : جئت مسلماً ، كان قائد جيش ليحارب النبي ، فصار
سيدنا نُعيم بن مسعود ، وأنا لا أصدق أن هذا الإنسان أجرى الله
على يديه أسباب النصر في معركة الخندق ، قال له : مرني ماذا
أصنع ؟ قال له : أنت واحد ، قال له : ماذا أصنع ؟ قال له : خذل
عنا ، بذكاء ما بعده ذكاء أوقع بين قريش وبني قريظة ، وجاءت
الريح الشديدة ، وقلبت قدورهم ، واقتلعت خيامهم ، وأطفأت
نيرانهم .
 
( سورة الأحزاب الآية : 25 ) .

( سورة الأحزاب ) .

( سورة البقرة ) .
قال يا زهير ، لحظة تفكير
سليمة ، يا زهير أترضى أن تأكل الطعام ، وأن تشرب الشراب
وأخوالك بحيث تعلم ؟ قال : ويحك فماذا أصنع ، وأنا رجل واحد ؟
قال : أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها ، قال : قد
وجدت رجلاً ، قال : من هو ؟ قال : أنا أنا ثان ، قال له زهير :
نريد ثالثاً ، فذهب إلى مُطعم بن عدي ، فذكره أرحام بني هاشم ،
وبني عبد المطلب ، ابني عبد مناف ، ولامه على موافقته لقريش
على هذا الظلم ، فقال المطعم : ويحك ماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل
واحد ، قال : قد وجدت ثانياً ، قال : من هو ؟ قال : أنا ، قال
: أصبحنا ثلاثة ، قال : قد فعلت ، فقال زهير : نريد رابعاً ،
فذهب إلى أبي البختري ابن هشام ، فقال له نحواً مما قال للمطعم
، فقال : هل من أحد يعين على هذا ؟ قال : نعم ، قال : من هو ؟
قال : زهير بن أبي أمية ، والمطعم بن عدي ، وأنا معك ، قال :
أصبحنا خمسة ، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد
فكلمه ، وذكر له قرابتهم ، وحقهم فقال له : وهل على هذا الأمر
الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال : نعم ، ثم سمى له القول ،
فاجتمعوا عند الحجون ، وتعاقدوا على القيام بنقد الصحيفة ،
وقال زهير : أنا أبدأكم ، فأكون أول من يتكلم ، فلما أصبحوا
غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير ، وعليه حلة فطاف بالبيت سبعاً ،
ثم أقبل على الناس ، فقال : يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ، ونلبس
الثياب ، وبنو هاشم هلكة ؟ لا يباع ، ولا يبتاع منهم ؟ والله
لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة للرحم الظالمة .
إذا لم يكن في الأمة من يرد
الظلم فلا خير فينا ، وهذا درس بليغ لنا .
قال أبو جهل ، وكان في ناحية
المسجد : كذبت ، والله لا تشق الصحيفة ، فقال زمعة بن الأسود :
أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابتها يوم كُتبت ، قال أبو
البختري : صدق زمعة ، ولا نرضى ما كُتب فيها ، ولا نقر به ،
قال المطعم بن عدي : صدقتما ، وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى
الله منها ، ومما كُتب فيها ، وقال هشام بن عمر : نحواً من ذلك
، فقال أبو جهل : هذا أمر قُضي بليل ، أي مؤامرة ، وتشوّر به
بغير هذا المكان ، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد ، إنما
جاءهم لأن الله ـ دققوا الآن ـ أطلع رسوله على أمر الصحيفة ،
وأنه أرسل عليها الأرضة ، يعني حشرة ، فأكلت جميع ما فيها من
جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله تعالى ، فأخبر بذلك عمه ، فخرج
إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قال كذا وكذا ، فإن كان كاذباً
يعني ابن أخيه خلينا بينكم وبينه ، سلمناكم إياه إن تقتلوه ،
وإن كان صادقاً رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا ، قالوا : والله قد
أنصفت ، هذا خبر من السماء ، أن الورقة في جوف الكعبة ، مغلقة
، الأرضة أكلتها ، عدا اسم الله ، وبعد أن دار الكلام بين
القوم وبين أبي جهل قام المُطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد
الأرضة قد أكلتها ، إلا بسمك اللهم ، يعني باسمك اللهم نظلم .
الآن يعمل عمل خلاف الشرع ،
يقول : الله وفقني فيه ، كيف وفقك الله فيه ؟
باسمك اللهم نظلم ، وما كان
فيها من اسم الله فإنها لم تأكله ، ثم نقض الصحيفة وخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب ، وقد رأى المشركون
آية عظيمة من آيات نبوته ، ولكنهم كما أخبر الله عنهم :

( سورة القلم ) .

أعرضوا عن هذه الآية ،
وازدادوا كفراً إلى كفرهم ، الملخص أن التهديدات التي نسمعها
من حين لآخر بالمقاطعة ليموت إخوتنا في فلسطين جوعاً هذه ليست
جديدة على تاريخ المسلمين ، ولكن الله مع عباده :

( سورة آل عمران ) .
كل محنة وراءها منحة ، وكل
شِدة وراءها شَدة .

( سورة يوسف ) .

( سورة إبراهيم ) .
 
( سورة آل عمران الآية : 120 )
.

( سورة يونس الآية : 24 ) .

( سورة الصافات ) .

( سورة آل عمران ) .
ثم يقول الله عزوجل :

( سورة الأنفال الآية : 36 ) .
والحمد لله رب العالمين |