|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة النبوية : الدرس
: 34 -
التاريخ
: 17/ 04 / 2006 ـ
صفات النبي
الخَلقية والخُلقية
ـ لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم
علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا
الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا
برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل
والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى
جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية ،
ولا بد من وقفة سريعة حول حكم الاحتفال بعيد
المولد النبوي الشريف ، لأن هذه قضية اُختلف فيها .
بسطُ القول في حكم الاحتفال
بالمولد النبوي :
أولاً : يجب أن نعلم علم
اليقين أنه ما لم يتم الفرض إلا به فهو فرض ، وما لم لا يتم
الواجب به فهو واجب ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ، هذه
قاعدة أصولية متفق عليها أرأيت إلى الوضوء هو فرض ، لأن
الصلاة وهي فرض لا تؤدى إلا به ، إذاً هو فرض .
الآن كل أمر في القرآن الكريم
يقتضي الوجوب ، هذه قاعدة أصولية ثانية ، ما لم تكن قرينة تصرف
عن الوجوب إلى شيء آخر ، كأن يقول الله عز وجل :

(سورة الكهف الآية : 29 ) .
هذه لام الأمر ، هذا أمر تهديد
، أو أمر إباحة .

( سورة البقرة الآية : 187 ) .
إباحة ، أو أمر ندب :

( سورة التوبة الآية: 32 ) .
مادام هناك قرينة تصرف عن الوجوب فالأمر يأخذ
معنى الإباحة
،
ويأخذ معنى الندب ، ويأخذ معنى التهديد ، ما لم
تكن هذه القرائن فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ،
حينما يقول الله عز وجل :

( سورة الحشر الآية: 7 ) .
خذوه أمر ، هذا أمر يقتضي الوجوب ، التطبيق كيف
نأتمر بما أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام ، وكيف ننتهي عما
عنه نهانا ، إن لم نعرف ما الذي أمرنا
،
وعن أي شيء نهانا ، إذاً معرفة سنة النبي
القولية فرض عين ، وإذا قال الله عز وجل :

(سورة الأحزاب ) .
كيف يكون النبي صلى الله عليه
وسلم أسوة لنا حسنة إن لم نعرف سيرته ، كيف عامل زوجته كيف
عامل أولاده ، كيف عامل جيرانه ، كيف عامل أصحابه ، كيف كان في
سلمه ، كيف كان في حربه ، كيف كان في الفقر ، كيف كان في الغنى
، كيف كان في السراء ، كيف كان في الضراء ، إذاً ومعرفة سيرة
النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم .
حينما تحضر درس فقه السيرة لا
تظنن أن هذا الحضور من نوافل العلم ، بل من واجبات العلم ، بل
من الفرائض التي افترضت على المؤمنين ، لأنهم مأمورون أن
يأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمرهم ، وقد نهوا أن
ينتهوا عن كل شيء نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
إذاً معرفة سنة النبي القولية
فرض عين على كل مسلم ، لأن تنفيذ أمر الله عز وجل :
﴿ وَمَا آتَاكُمْ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ .
لا يتم إلا بمعرفة الأمر ،
ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين ، لأن أن يكون
النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لك ، وهذا لا يتم إلا إذا عرفت
سيرته .
الآن إذا قال الله عز وجل :

( سورة هود الآية : 120 ) .
إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب
الحق يزداد ثبوتاً عندما يسمع قصة نبي دونه فلأن يقوى إيماننا
إذا سمعنا قصة سيد الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى :

( سورة المؤمنون الآية : 69 )
.
يعني اعرفوا رسولكم ، فإذا
جلست في مكان ، في بيت ، في مسجد ، في دعوة من أجل أن تتعلم
شمائل النبي ، وأخلاق النبي ، ومنهج النبي ، وكمال النبي فهذا
من صلب الدين ، الآية السادسة :

( سورة سبأ الآية: 46 ).
﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى
ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا
﴾ .
وتتفكروا في منهج النبي صلى
الله عليه وسلم ، في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، في سنة
النبي صلى الله عليه وسلم .
﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
.
إخواننا الكرام ، الاحتفال
بعيد المولد أي أن نجتمع في أي يوم من أيام العام من دون
استثناء ، وأن نحدث الناس عن سيد الأنام هذا من الدعوة إلى
الله ، هذا من صلب النشاط الدعوي في الإسلام ، لكن إياك أن
تقول : إن الاحتفال بعيد المولد عبادة ، لأن الأصل في الأشياء
الإباحة ، ولا يحرم شيء إلا بدليل قطعي الثبوت والدلالة ، أما
العبادات فبالعكس ، الأصل فيها الحظر ، ولا تشرع عبادة إلا
بدليل قطعي الثبوت والدلالة ، لا تسمِّ الاحتفال بعيد المولد
عبادة ، سمِّه نشاطاً دعوياً ، سمّه تعريف الناس برسول الله ،
سمّه شرح الشطر الثاني من كلمة التوحيد ، لا إله إلا الله محمد
رسول الله .
بالمناسبة أيها الإخوة ، لا
يمكن أن تعيش المُثل إلا بمثل أعلى ، وتكاد مشكلة المسلمين
اليوم أنهم فقدوا المثل الأعلى ، لذلك ضاعوا ، واختلفوا ،
وأصبح بأسهم بينهم المثالية تحتاج إلى مثل ، القيم الأخلاقية
تحتاج إلى كائن متحرك ترى صدقه ، ترى أمانته ترى عفافه ، ترى
كماله ، من هنا كانت صورة النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً
وسنة بشكل عملي ، لو لم يكن في الدين إلا سيرة النبي لكفت ،
لأنها في الحقيقة كتاب وسنة ، ولكن ليست قولاً بل عملاً .
ولبعض العلماء رأي دقيق جداً ،
وأنا أحترمه ، أن دلالة أفعال النبي على فهمه لكتاب الله أدق
من دلالة كلامه على فهمه لكتاب الله ، لأن الكلام يؤول ، بينما
الفعل لا يؤول ، الفعل حدي ، أما الكلام فاحتمالي .
يقول أحدهم : أنا أصلي بغير
وضوء ، ما هذا الكلام ؟ يمكن انه يصلي على النبي بغير وضوء ،
يقول : أنا أفرّ من رحمة الله ، وهو يعني من المطر ، يقول :
أنا أحب الفتنة ، وهو يحب أولاده .

(سورة التغابن الآية: 15 ) .
يقول : أنا أكره اليقين ،
واليقين هو الموت .

( سورة الحجر ) .
فالكلام يؤول ، أما الفعل فلا
يؤول ، هذا الموضوع القصير بدأت به الدرس لأننا في ذكرى مولد
النبي عليه الصلاة والسلام ، ونتابع السيرة .
مرور النبي عليه الصلاة
والسلام بخيمة أم معبَد ومعجزته مع الشاة العجفاء :
أيها الإخوة الكرام ، في طريق
النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مر بخيمة أم
معبد ، أم معبد امرأة لها خيمة مرّ بها النبي عليه الصلاة
والسلام مع صاحبه أبي بكر ، قال : وكانت امرأة برزةً ، معنى
برزة أي برزت محاسنها ، هذا قول ، معنى برزة أي امرأة موثوق
برأيها وعفتها ، والقول الثاني أرجح ، أو إن كشف وجهها ، أو
كهلة لا تتحجب كما تتحجب الشابات ، هذه المعاني وردت في كلمة
برزة ، يرجح عندي أنها امرأة موثوق برأيها وعفتها ، وأنها كهلة
لا تتحجب ، أو لا تخفي وجهها ، وكأن الحجاب من الفطرة ، هذه
امرأة لم تسلم بعد ، الحجاب من الفطرة ، ورد في القاموس أن
المرأة البرزة هي الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشابات .
أيها الإخوة ، وكانت امرأة
برزةً جلدة ، ليس بين جلدها وعظمها لحم كثير ، يعني أنها
ممتلئة ، ولكنها ليست بَدِينة ، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي ،
قال بعض العلماء : الاحتباء حيطان العرب ، الخيمة
ليس فيها حائط تستند إليه ، بل إن القماش لا يحتمل أن تستند
إليه ، إذاً كان العرب وهم في الصحراء يشبكون أصابعهم أمام
ركبهم ، وهذا هو الاحتباء .
إذاً هذه المرأة كانت امرأة
برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ، ثم تطعم ، وتسقي من مرَّ بها
يسألاها ، النبي عليه الصلاة والسلام مع صاحبه سألاها : هل
عندك شيء نشتريه ؟ فقالت : والله لو عندنا شيء ما أعوزتكم إلى
القرى ، لو عندنا شيء نبيعكم إياه ما حملتكم على أن تسألوني ،
لأطعمتكم من تلقائي نفسي ، لأن صفة الكرم والشجاعة من أبرز
صفات الصحراء .
ثمة إنسان في الصحراء كان من
لصوص الخيل ، وأرض تصنع الألم من شدة الحر ، مرّ به فارس على
فرسه ، فرقّ له ، ودعاه إلى ركوب الخيل ، فما إن ركب هذا اللص
الخيل حتى دفع صاحبها نحو الأرض ، وعدا بها لا يلوي على شيء ،
قال له صاحب الفرس : يا هذا ، وهبتُ لك الفرس ، ولن أسأل عنها
بعد اليوم ، ولكن إياك أن تشيع هذا الخبر في الصحراء ، فتذهب
منها المروءة ، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما في الصحراء .
والآن الذين يمنعون الماعون ،
تقترض فلا تؤدي ، يقترض فلا يؤدي ، الآن معظم الناس يمتنعون عن
الإقراض الحسن ، هذا الذي اقترض ، ولم يؤدِ منع الماعون ، هذا
الذي استعار حاجة فأتلفها منع الماعون ، أنت حينما تسيء لمن
أحسن إليك تمنع الماعون .
أيها الإخوة ، ثم قالت :
والشاء عازب ، معنى عازب لا يدرّ ضرعها ، وكانت سنة شهباء ، أي
لا نبات فيها ولا مطر ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
شاة في كسر الخيمة ، يعني في جانب الخيمة ، فقال : ما هذه
الشاة ؟ قالت : خلّفها الجهد عن الغنم ، أي التعب والمشقة
والنصب ، فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك ، هي
أضعف من أن تعطي اللبن ، فقال عليه الصلاة والسلام بأدب جم :
أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : نعم ، بأبي أنت وأمي ، إن رأيت
بها حليباً فاحلبها ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده
الشريفة ضرعها ، مسح ضرعها وسما الله ودعا ، فتفاجت عليه ،
معنى تفاجت أي فرقت ما بين رجليها كي يسهل عليه حلب ضرعها ،
فتفاجت عليه ودرت ، فدعا بإناء لها يربض الرهط ، معنى يربض أي
يشبع يروي ، الرهط أهلها زوجها وأولادها ، فدعا بإناء لها يربض
الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها ، سقى أم معبد ، لم
يشرب هو ، سقاها أولاً فشربت حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا
، ثم شرب هو ، ساقي القوم آخرهم شرباً ، وحلب فيها ثانياً فملأ
الإناء ، ثم غادره عندها ، وارتحلوا ، فما لبس أن جاء زوجها
يسوق أعنزاً عجافاً ، أي هزيلة من شدة الجوع ، وتساوتن هزالاً
، أي كل عنزة تشبه أختها في هزالها ، لأن السنة شهباء ، قاحلة
فلما رأى اللبن ، قال أو معبد : من أين هذا والشاء عازب لا
تدرّ ؟! ولا حلوبة في البيت ، قالت : والله مر بنا رجل مبارك ،
ومن حديثه كيت وكيت ، قال : والله إني أراه صاحب قريش الذي
تطلبه ، وضعوا مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، صِفِيه لي
يا أم معبد .
وصف أم معبَد للنبي صلى الله
عليه وسلم الخَلْقية والخُلقية :
هذا هو درس اليوم صفيه لي يا
أم معبد ، ومرة واحدة في درس السيرة نصف شكل النبي عليه الصلاة
والسلام ، ومن أدق وصف ورد عن أم معبد ، لكن أصحابه الكرام من
شدة هيبته ، ومن شدة مكانته إذا جلسوا معه كأنهم على رؤوسهم
الطير ، لن يصفوا ، لكن أم معبد وصفته قالت :
<< هذا الرجل ظاهر الوضاءة ،
الوضاءة ؛ النظافة والحُسن ، ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ،
الكلمة كالكائن الحي ، يولد ويشب ويهرم ويموت >> .
هناك كلمات كثيرة جداً في
التاريخ العربي الآن ليست مستخدمة ، أضرب لكم مثلا ، قال بعض
الشعراء في الجاهلية :
مدخوصة بنحيص الدحص باذلها
له صريفٌ صريفُ القعو في المسد
***
هل فهمتم شيئًا ؟ هذه لغة
عربية ، كلها كلمات الآن غير مستعملة ، فهذا الوصف رائع جداً ،
إلا أن أكثر كلماته تحتاج إلى شرح .
<< رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ،
يعني نظيفاً ، حَسن الوجه ، أبلج الوجه ، وجه مشرق ، ليس
عبوساً قمطريرا ، حسن الخلق ، كامل ، لم تعبه سجلة ، ما هي
السجلة ؟ ضخامة البطن ، لم تعبه سجلة ، ما له بطن كبير ،
التجار أحياناً يستخدمون البطن الكبير بمعنى آخر ، ولم تزرِ به
صعلة ، الصعلة صغر الرأس ، ليس بطنه كبيراً ، ولا رأسه صغيراً
وسيم ، وسيم يعني جميل .
وأجمل منك لم ترَ قط عينٌ
وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبرأ من كل
عيـبٍ كأنك خلقت كما تشـاءُ
***
وسيم قسيم ، معنى قسيم له من
كل أنواع الحسن قسم ، والحسن قد يكون طولا ، وقد يكون بياضًا
...إلخ ، له من كل أنواع الحسن نصيب ، قسم ، في عينيه دعج ،
عيناه واسعتان ، وبياضها شديد النصوع ، وسواد بؤبؤها شديد
السواء ، وهذا هو الحور في اللغة شدة بياض العين مع شدة سوادها
، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، والأشفار رموش عينه طويلة ،
وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، بحة ، الآن كبار قراء القرآن
الكريم له بحة محببة جداً ، بحة الصوت فيها أنس ، النفس تطرب
لهذه البحة ، في صوته صحل ، وفي عنقه سطع ، عنقه طويلة ـ في
رأس ملزوق بالكتف وفي عنق جميل ـ وفي لحيته كثاثة ، شعره غزير
، أكحل في سواد في جفنه ، طبيعي من دون كحل أكحل ، أزج ، ومن
أدق ما قال العلماء وعلماء اللغة في أزج : يعني حواجبه طويلة
ورقيقة ومنقطعة بين العينين ، بياض ناصع بين الحاجبين ، حاجب
طويل ورقيق ومعرج ، أقرن يميل مع العين ، طويل ورقيق ومنعرج ،
وبين الحاجبين بياض ناصع ، أزج أقرن ، شديد سواد الشعر ، إذا
صمت علاه الوقار ، من رآه بديهة هابه ، ومن عامله أحبه .
دخل عليه رجل أصابته رعدة ،
قال : هوّن عليك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل
القديد بمكة ، حتى أن أصحابه الكرام قالوا : من رآه بديهة هابه
، ومن عامله أحبه .
إذا صمت علاه الوقار ، وإذا
تكلم علاه البهاء ، أجمل الناس ، وأبهاهم من بعيد ، هناك
إنسان تراه عن بُعد جميلا ، إذا اقترب منك والعياذ بالله ،
أجمل الناس وأبهاهم من بعيد ، وأحسنهم وأحلاهم من قريب ، جميل
على البعد وعلى القرب ، حلو المنطق ، كلامه جذاب بالتعبير
الحديث ، متحدث لبق ، يأسر القلوب بكلامه ، لا ندْر ، معنى ندر
أي قليل الكلام ، قد تسأل الطبيب : ما الوضع ؟ أخذ مبلغًا
كبيرًا ، لا يتكلم ولا كلمة ، خذ الدواء فقط ، المريض يحب أن
يفهم ما وضعه ، هل الحالة صعبة ؟ سهلة ؟ علاجها سهل ؟ عيب
بالإنسان في قلة كلامه ، هناك إنسان قلة كلامه جفاء لمن حوله ،
وإنسان لا يحتمل من كثرة كلامه ، كان عليه الصلاة والسلام حلو
المنطق ، منطقه لا ندر ولا هدر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن
كأنه عقد ، الحبة الأكبر ، الأصغر ، الأصغر ، نظم الكلام فن ،
كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة ، لا هو طويل تشنأه العين
من طوله ، ولا هو قصير تقتحمه العين من قصره ، لا هو قصير
يقتحم ، ولا طويل يصعب أن تنظر إليه .
قال رجل قصير لرجل طويل :
الطقس عندك كيف فوق ؟ لأن ثمة مسافة طويلة .
ربعة ، أي ليس بالطويل ولا
بالقصير ، معتدل ، لا تقتحمه عين من قصر ، ولا تشنأه عين من
طول ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظراً ، معه اثنان
حادي الإبل وسيدنا الصديق ، الغصن بين غصنين ، النبي الكريم
كغصن أنضر الأغصان الثلاثة ، أجملهم وأحسنهم قدراً ، له رفقاء
يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله ، وإذا أمر تبادروا إلى
أمره محفود ، أي التف الناس حوله ، محشود مخدوم ، لا عابس ولا
مفند ، هناك إنسان ينتقد دائماً مُتعب ، ظله ثقيل ، كل شيء
ينتقده ، لا عابس ولا مفند ، لا ينتقد ، قال أبو معبد : والله
هذا صاحب قريش ، يعني هذه الصفات الكاملة .
بالمناسبة أيها الإخوة ، هذا
الإنسان الكامل ، الجميل ، الرحيم ، الكامل المتواضع ،
الأخلاقي ، الذي يوحى إليه ، الذي معه القرآن ، الذي آتاه الله
المعجزات الفصيح ، الحكيم ، كل هذه الكمالات قال له الله أنت
أنت بالذات ، على كل هذه الخصائص :

(سورة آل عمران الآية : 158) .
فالواحد لو لم يكن نبياً ، ولا
رسولاً ، ولا يوحى إليه ، ولا معه قرآن ، ولا معجزات ، وليس
فصيحاً ، وليس جميلاً ، ومع ذلك فهو غليظ قال له :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾
.
أنتَ أنت بالذات :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
﴾ .

( سورة آل عمران ) .
قال أبو معبد : هذا والله صاحب
قريش الذي تطلبه ، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى
ذلك سبيلا ، وأصبح النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى
المدينة .
هذا أدق وصف مر بالسيرة
النبوية للنبي عليه الصلاة والسلام في شكله أولاً ، وفي أخلاقه
، وفي تواضعه وأدبه ، وحسن صحبته مع إخوانه .
هذا الدرس الوحيد في فقه
السيرة متعلق بشكل النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد جمعت لكم
بعض الأحاديث الشريفة حول خَلقه صلى الله عليه وسلم ، وقد
علمنا النبي الكريم أن أحدنا إذا وقف أمام المرآة ، ورأى شكله
حسناً ، له عينان ، وله أنف طبيعي ، وله حجم معتدل ، شكله تام
، كان عليه الصلاة والسلام يقول :
(( اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ
خُلُقِي
)) .
[ أحمد عن عائشة]
لأنه قيل :
جمال الجسم مع قبح
النفوس كقنديل على قبر المجوس
***
أحد الناس كان أنيقًا جداً ،
جميل الصورة ، تكلم كلامًا بذيئًا ، فقال له أحدهم : إما أن
تتكلم وفق هندامك ، وإما أن ترتدي ثياباً وفق كلامك .
أحاديث في وصف النبي عليه
الصلاة والسلام :
إخواننا الكرام ، تجلس مع مؤمن
والله لا أبالغ 30 عامًا ، تصحب مؤمناً 30 عامًا لا تستمع منه
إلى كلمة نابية ، أبداً ، لسانه مضبوط .
(( قلت : يا رسول الله ، أنؤاخذ بما نقول ؟
فقال : ثكلتك أمك يا ابن جبل وهل يكب الناس في النار على
مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟
)) .
[ أخرجه الترمذي وصححه وابن
ماجه والحاكم عن معاذ ] .
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا
يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه
)) .
[ أخرجه ابن أبي الدنيا في
الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق ] .
(( مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما
لا يعنيه))
.
[ رواه عن أبي عليّ الفُضَيْل
بن عياض رضي اللّه عنه ] .
(( وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ
مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي
بِها في جَهَنَّم سيعين خريفاً
)) .
[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]
.
كان عليه الصلاة والسلام :
(( أحسن الناس وجها ، وأحسنهم خلقا ، ليس
بالطويل البائن ، ولا بالقصير
)) .
[ متفق عليه ] .
كل واحد منا إذا كمل الله عز
وجل خَلْقه فعليه أن يسعى ليكمل أخلاقه .
وكان عليه الصلاة والسلام : أبيض مليح الوجه ،
ولا تنسوا مرة ثانية الدعاء المأثور عن النبي عليه الصلاة
والسلام إذا وقف أحدكم أمام المرآة ، ورأى شكله حسناً أن يقول
: ((
اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ
خُلُقِي
)) .
[ أحمد عن عائشة]
وكان عليه الصلاة والسلام
مربوعاً ، عريض ما بين المنكبين ، كث اللحية تعلوه الحمرة ،
بالتعبير الدارج على كل خد وردة ، تعلوه حمرة ، لقد رأيته في
حُلةٍ ، يقول راوي الحديث : رأيته في حُلةٍ ما رأيت أحسن منه .
إخواننا الكرام ، الإنسان
بحاجة إلى الجمال ، إذا رتب بيته ، نظف بيته ، رتب محله
التجاري ، أنا لا أقول : أن تشتري أشياء غالية ، لكن الجمال لا
يحتاج إلى جِمال ، بل يحتاج إلى ذوق فقط ، المسلم كما وجه
النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( حسنوا لباسكم ، وأصلحوا رحالكم ، حتى تكونوا
كأنكم شامة في الناس
)) .
[الحاكم في المستدرك عن سهل بن
الحنظلية ] .
كان عليه الصلاة والسلام :
(( ضخم الرأس ، واليدين ، والقدمين ، حسن الوجه
، لم أرَ قبله ولا بعده مثله
)) .
[ رواه البخاري ] .
وكان عليه الصلاة والسلام :
(( وجهه مثل الشمس والقمر ،
وكان مستديرا )) .
[ رواه مسلم عن جابر بن سمرة ]
.
كان عليه الصلاة والسلام :
(( إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر
)) .
[ متفق عليه ].
لذلك ورد في بعض الأحاديث :
(( إذا كان الوجه الحسن رجلاً لكان رجلاً
صالحاً
)) .
وكنا نعرف ذلك ، مسرور .
وكان عليه الصلاة والسلام :
(( لا يضحك إلا تبسما
)) .
[ رواه أحمد في مسنده والترمذي
والحاكم في المستدرك عن جابر بن سمرة ].
هناك ضحك فيه قلة أدب ، يضحك
الإنسان ، لكن كان ضحكه تبسمًا ، هناك شخص يقلب للوراء ، وعن
عائشة قالت :
((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
مستجمعا ضاحكا حتى أرى لهواته ، إنما كان يتبسم ))
.
[ أخرجه الشيخان والترمذي عن
عائشة رضي الله عنها ] .
الإنسان أحيانا يضحك فيفتح فمه
، ترى أعمق حلقه ، تقول السيدة عائشة :
((ما
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى
لهواته ، إنما كان يتبسم ))
.
ويقول سيدنا جابر :
(( فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولُ الله صلى
الله عليه وسلم وَإِلَى الْقَمَرِ ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ
حَمْرَاءُ ، فَإِذَا هُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ
)) .
[ رواه المحفوظ عن جابر بن
سمرة ] .
الله عز وجل جميل ، ويكسب
المؤمن جمالا ، ولو كان ملونًا ، سيدنا بلال ملون ، أنا متأكد
أن في وجهه نورًا ، والإنسان يكون لونه أحيانا فاتح جداً ،
واستوفى الجمال البشري ، لكن فيه ذنوب ومعاصٍ وآثام وخبث ،
فتجد في وجهه فتورًا وغبرة .

(سورة عبس ).
أيها الإخوة ، أبو طالب وصف
النبي عليه الصلاة والسلام شعراً قال :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
***
يطعم اليتامى ، ويمنع الأرامل
من أن تُظلمن .
أيها الإخوة الكرام ، الحياة
الدنيا كما يقال : ساعة اجعلها طاعة ، والنفس طماعة عودها
القناعة ، والإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه
، ومن أدق تعريفات الإنسان أنه زمن ، أو أن أثمن شيء يملكه هو
الزمن ، وأن الزمن رأس ماله ، وأن هذا الزمن إما أن ينفق
استهلاكاً ، وإما أن ينفق استثماراً ، فإذا طلبت العلم ،
وتعرفت إلى سيد الخلق ، وسرت على منهجه ، أنشأ الله له حق عليه
أنا أخاطب الشباب ، المستقبل مخيف لكنك إذا كنت مع الله
مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامل الشاب المؤمن كما يعامل
الشاب المتفلت ، قال تعالى ، دققوا في هذه الآية أيها الشباب ،
سمعتَ خبرًا أنه مما يلفت النظر أن رواد المساجد في دمشق ـ خبر
أذيع قبل يومين ـ من الشباب ، وأنا أخاطب الشباب ، وريح الجنة
في الشباب :

( سورة الجاثية الآية : 21 ) .
مستحيل وألف ألف مستحيل أن
يعامَل شاب مؤمن يخاف من الله كما يعامَل شاب فاسق .
(( ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب
)) .
[ أخرجه أبو المظفر السمعاني
في أماليه عن سلمان ] .
(( إن الله تعالى يباهي بالشاب العابد الملائكة
، يقول : انظروا إلى عبدي ، ترك شهوته من أجلي
)) .
[ أخرجه ابن السني الديلمي في
مسند الفردوس عن طلحة ] .
إذاً : ما من يوم ينشق فجره
إلا وينادي منادٍ : " يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك
شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة " .
حضور درس فقه السيرة مما يجب
على كل مسلم ، لماذا ؟ ليعرف عن النبي أخلاقه ، ليعرف عن النبي
شمائله ، ليعرف عن النبي رحمته ، ليعرف عن النبي تواضعه ليعرف
عن النبي حكمته ، ليعرف عن النبي عفته .
سيدنا جعفر لما سأله النجاشي حدثنا عن نبيكم ،
قال : ((
أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد
الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم ، ونسيء
الجوار حتى بعث الله إلينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ،
وعفافه ، ونسبه
)) .
( أحمد عن أم سلمة )
والحمد لله رب العالمين
|