الحديث والسيرة
فقه السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي

فقه السيرة النبوية : الدرس : (32) التاريخ : 27/ 03 / 2006 ـ قصة سراقة ـ حب الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

دلالات ودروس من حادثة سراقة مع النبي

 

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى حديث سراقة ، والحديث عن سراقة حديث ذو دلالات كثيرة ، ذلك أن الإنسان حينما يهزم من داخله ينتهي ، قد يهزم في دولة أو في معركة وهو واثق من نصر الله له  فقصة سراقة تعلمنا دروساً كثيرة ، أبرز هذه الدروس :

1 – وضعية النبي قبل الهجرة وتآمر الناس على قتله :

    أن إنساناً وصلت دعوته إلى النهاية الصغرى إلى الحضيض ، بعد أن خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة ، وبعد أن أخفقت قريش في ملاحقته وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً .

أرأيتم إلى ضعف كهذا الضعف ، إنسان ملاحق ، مهدور دمه ،  موضوع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، ومع ذلك كانت ثقته بنصر الله لا حدود لها ، أحياناً في هذه الظروف الصعبة التي تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ، ورد في بعض الأحاديث الصحية :

(( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل : ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ ، كغثاء السيل )) .

[ رواه أبو داود عن ثوبان ]

لا وزن لهم إطلاقاً ، لمَ يا رسول الله ؟ قال : يصيبكم الوهن .

(( قيل : وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ )) .

2 – صبر النبي e والصحابة في مواجهة الضغوطات :

لذلك كان السلف الصالح الواحد بألف ، ومع تأخر المسلمين وضعفهم الألف بأفٍّ واحد كألف ، وألف بأف .

للتوضيح :

سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه جاءه استنجاد من قائده خالد بن الوليد في معركة من المعارك ، وطلب منه خالد 50 ألف جندي ، لأنه معه 30 ألفًا واجه 300 ألف ، طلب النجدة ، فإذا بالصديق رضي الله عنه يرسل له رجلاً واحداً ، اسمه القعقاع بن عمرو   ، ولولا أن التاريخ يؤكد هذه القصة لما أمكن أن تقبل ، لما وصل القعقاع إليه قال : أين المدد ؟ قال له : أنا المدد ، قال له : أنت ؟! قال له : أنا ، ومعه كتاب ، فتح الكتاب يقول الصديق رضي الله عنه : يا خالد ، لا تعجب أن أرسلت إليك بواحد ، فو الذي بعث محمد بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم ، وانتصر .

3 – قانون النصر والتمكين : يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا :

مليار وثلاثمئة مليون ، وفي رقم أحدث  مليار ونصف ، ليس أمرهم بيدهم  ،  وليست كلمتهم هي العليا ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، لأن القصة كلها كما  يلي :

( سورة النور الآية : 55 ) .

هل نحن مستخلفون ؟ لا والله .

( سورة النور الآية : 55 ) .

هذا قانون :

( سورة النور الآية : 55 ) .

4 - واقع المسلمين وتجرؤ الأعداء على دينهم ورسولهم :

هل نحن ممكَّنون في الأرض ؟ يرسمون النبي عليه الصلاة والسلام بصور لا يستطيع داعية في الأرض أن يصفها .

هل المسلمون آمنون ؟ كل يوم تهديد ، كل يوم وعيد ، كل يوم عدوان ، كل يوم قصف ، يقول الله عز وجل :

( سورة النور الآية : 55 ) .

إن صح التعبير أن الله جل جلاله وتباركت أسماءه فريق أول ، وأن المؤمنين فريق ثانٍ ، الفريق الأول هو الله عز وجل ، وعد بالنصر والتمكين والنصر والتطمين ، وعلى الفريق الثاني أن يعبده ، فإذا أخلّ الفريق الثاني بما عليه فالله جل جلاله في حل من وعوده ، ولا تنسوا أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾ .

كقانون للمؤمنين : ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي ﴾ .

إخواننا الكرام ، هذا في القرآن ، أما في السنة فقد أردف النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذ بن جبل :

(( يا معاذ ، هل تدري ما حق اللَّه على عباده ؟ وما حق العباد على اللَّه؟ قلت : اللَّه ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة ـ قال : فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ـ هذا واضح ، ثم سأله : يا معاذ ، هذا كلام دقيق جداً وفيه بشارة ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال : ألا يعذبهم  )) .

[ متفق عليه ] .

أنشأ الله لنا حق عليه ، الإله العظيم ، خالق السماوات والأرض ، أنشأ لك حقاً عليه ، وقال طالبني به ، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم .

    هناك شاهد آخر :

( سورة المائدة الآية : 18 ) .

استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : أن الله تعالى لو قبِل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم ، لأن الله لا يعذب أحبابه ، فكل مؤمن مستقيم على أمر الله له عند الله حق ألا يعذبه ، الآيات المطمئنة :

(سورة الجاثية) .

حياة الشاب المؤمن هي من تقدير الله عز وجل ، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعامل شاب مستقيم عفيف ورع ، مؤدٍ لعباداته كما يعامل شاب متفلت .

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ .

5 – معية الله : عامة وخاصة :

أنا أطمئن الإخوة الكرام ، الحضور والمستمعين ، لكنني أبين أن معية الله عز وجل لها ثمن ، معية الله معيتان معية عامة ، ومعية خاصة ، المعية العامة هو معنا بعلمه ، هو مع كل إنسان ، حتى الكافر  حتى العاصي ، حتى المنافق ، حتى الفاجر ، معهم بعلمه ، ولكن الله عز وجل إذا قال :

(سورة الأنفال ) .

أي معهم بالتوفيق ، والتأييد ، والنصر ، والحفظ .

6 – المعنويات العالية : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا :

أيها الإخوة ، يقول الله عز وجل :

( سورة التوبة الآية : 51 ) .

ولم يقل : علينا .

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ .

الذي أريد أن أوضحه في هذا الدرس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف رده أهلها شر رد ، كذبوه واستهزؤوا به ، وأغروا صبيانهم أن يضربوه ، وقال :

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى ، غير أن عافيتك أوسع لي )) .

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ] .

كان قد خرج من مكة وقد أخرجه أهلها ، ولما أراد أن يعود إليها يقول سيدنا زيد بن ثابت ، وكان رفيقه في هذه الرحلة : يا رسول الله ، كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله ناصر نبيه )) .

[ ورد في الأثر]

معنوياته عالية جداً ، وفي الهجرة وقد أهدر دمه ، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، ولحقه سراقة وأدركه ، وغاصت قدما فرسه في الرمل ، وعلم سراقة أن هذا الرجل ممنوع منه ، قال : يا سراقة : كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ يعني أنا سأصل إلى المدينة ، وسأؤسس دولة ، وأنشئ جيشاً ، وسأحارب أقوى دولتين في الأرض ، وسأنتصر عليهما ، وسوف تأتيني كنوز كسرى ، ولك يا سراقة سوار كسرى .

 

قصة عدي بن حاتم مع النبي

 

إخواننا الكرام ، عدي بن حاتم بن ملك الغساسنة ، وقعت أخته سفانة أسيرة عند النبي عليه الصلاة والسلام ، ولها قصة ، ولكن حينما أطلق النبي سراحها قالت : يا عدي ، اذهب إلى هذا الإنسان الطيب ، رأيت فيه خصالاً تعجبني ، يطعم الفقير ، ويفك الأسير ، ويحمل الكل ، فإن يكن نبياً فللسابق فضله ، وإن يكن نبياً فلم تزل في عز ملكه ، عدي بن حاتم توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، إلى المدينة ، ودخل عليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم سأله من الرجل ؟ قال : عدي بن حاتم ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أنزلوا الناس منازلهم )) .

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة ] .

وكان عليه الصلاة والسلام يعرف قدر من حوله ، فقام بي إلى بيته ، وهذا عرف عالمي ، إذا دعوت ضيفاً إلى بيتك فهذا تكريم ما بعده تكريم ، يقول عدي بن حاتم ، وهو لا  يعلم أهذا الإنسان نبي أم ملك ؟ يقول عدي بن حاتم : فقال : قم بنا إلى البيت ، وانطلق بي إلى البيت ، وإنه لعامد بي إلى البيت في الطريق لقيته امرأة ضعيفة ، فكلمته ، فوقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها ، فقال عدي : والله ما هذا بأمر ملك ، فلما وصلا إلى البيت ، إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عدي : دفع إلي وسادة من أدم محشوة ليفاً ، فقال : اجلس عليها ، ما في ببيته غير هذه الوسادة ، فقلت : بل أنت تجلس عليها ، قال : بل أنت   قال : فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض ، قال إيه يا علي بن حاتم ألم تكن ركوسياً ـ دين بين النصرانية والصابئة ـ قال : بلى ، قال أو لم تكن تأخذ في قومك بالمرباع ؟ تأخذ ربع أموالهم ؟ قال : بلى ، قال : فإن ذلك لم يكن يحل في دينك ، فانتبه عدي ، قال : فعلمت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل .

الآن ثلاثة أسئلة وجهها النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم معنا في هذا الزمان ، إيه يا عدي بن حاتم ، يعني تكلم ، ثم قال له : لعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، وايم الله ليوكشن أن تسمع بالمرأة في أرض بابل تحج البيت على بعيرها لا تخاف ، يعني سوف ينتصر ، وسوف يؤسس المسلمون دولة عظيمة تفضي السلام والأمن على كل البقاع ، ولعله إنما يمنعك يا عدي من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم من فقرهم ، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعله يا عدي ، إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم الآن :

هناك فقر في المجتمع الإسلامي ، وأعداء المسلمين العالم كله ، كثرة العدو ، والفقر ، وما ترى من تشرذمهم ، وتفرقهم .

ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، الأقوياء ليسوا مسلمين ، الأقوياء من الطرف الآخر ، ولقد عاش عدي حتى رأى هذه البشارات الثالث قد حققت .

أرأيت إلى التفاؤل ؟ هدفي الوحيد من قصة سراقة أن ترتفع معنويات المسلمين الله لا يتخلى عنهم ، لكنه يعالجهم ، نحن في العناية المشددة ، وهذه نعمة ما بعدها نعمة   تماماً كما لو سأل مريض قد أصيب بورم خبيث منتشر في كل جسمه ، سأل الطبيب : ماذا  آكل ؟ وما الأكلات التي تمنعني أن آكلها ؟ يقول له الطبيب : كُلْ كلَّ شيء ، لأن أمْره انتهى ، لذلك :

( سورة الأنعام) .

فرق كبير بين أن تكون في العناية المشددة ، وبين أن تكون خارج العناية المشددة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام تفاءل أن يستتب الأمن والنظام في ربوع العالم الإسلامي   ، وتفاءل للمسلمين أن يغتنوا حتى يفيض المال فيهم ، وحتى لا يوجد من يأخذه ، وتفاءل أن الأعداء سوف ينقلبوا أصدقاء .

 

عصمة الله نبيّه من سراقة بن مالك

 

أيها الإخوة ، وحصلت المعجزة الثانية حين عصم الله جل جلاله رسوله صلى الله عليه وسلم ، وحماه من سراقة بن مالك ، الذي طلبهم طمعاً في جائزة قريش ، فقد علم سراقة بخبرهم من رجل من بني مدلج ، رآه عن بعد وهم مرتحلون مع الساحل ، فاتبعهم سراقة وهم في مكان من الأرض ، وينقل البخاري حديث سراقة حيث يقول :

(( وقد كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المئة ناقة ، كان سراقة يرجو أن يرد النبي على قريش ويأخذ المئة ناقة ، قال : فركبت فرسي على أثره ، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي ، فسقطت عنه ، قال : فقلت : ما هذا ، قال : ثم أخرجت قداحي ـ سهامي ـ فاستقسمت بها ، فخرج السهم الذي أكره ، قال : فأبيت إلا أن أتبعه ، قال : فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه  .

 

سنة الله في أنبيائه : النصر والتمكين :

 

قصة موسى وقومه مع فرعون :

قال سيدنا موسى وهارون :

(سورة طه ) .

فرعون بطاش جبار .

( سورة طه ).

أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان .

هناك قصص في التاريخ عجيبة ، شرذمة من بني إسرائيل ومعهم موسى عليه السلام متجهون نحو الغرب ونحو البحر :

( سورة طه الآية : 78 ) .

طاغية جبار ، متغطرس ، حاقد ، لئيم ، قلبه كالحجر ، لا يرحم ، معه عدة وعتاد وسلاح فتاك .

 

( سورة الشعراء الآية: 61 ) .

المؤمنون مع سيدنا موسى في اتجاه البحر .

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾ ، رأوا فرعون وراءهم ، وو يتبعهم بأسلحته ، وجبروته ، وقسوته ، وحقده ، وبطشه ، وتألهه :

( سورة الشعراء) .

هل هناك أمل ؟ بمقياس الأرض ، بموازين الأرض دولة بكل ثقلها ، بكل أسلحتها   بكل مدرعاتها ، بكل أجهزتها ، بكل طيرانها ، بكل ما تملك من قوة تتبع شرذمة قليلة أمامها البحر ، كم احتمال نجاة ؟ ولا واحد بالمليون .

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ .

(سورة الشعراء ) .

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

يا رب ، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟

كن مع الله تــر الله معك         و اترك الكل وحاذر طمعك

و إذا أعطاه من يمنــعه          ثم من يعطي إذا ما مـنعك

                           ***

فإنك بأعيننا

  

أيها الإخوة ، يقول سراقة : فركبت فرسي على أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر بي ، فسقطت عنه ، قال : فقلت : ما هذا ، قال : ثم أخرجت قداحي ـ أي أسهمي ـ فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره ، قال : فأبيت إلا أن أتبعه ، قال : فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد بي عثر ـ المرة الثالثة ـ فسقطت عنه قال : فقلت ما هذا ؟ فلما بدا لي القوم ، ورأيتهم يعني رأى النبي وصاحبه ، ومن يقود الناقة ، فلما رأيت القوم ، ورأيتهم عثر بي فرسي للمرة الرابعة ، وذهبت يداه في الأرض ، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض ، وتبعهما دخان كالإعصار ، قال : فعرفت حين رأيت أنه قد مُنع مني ، وأنه ظاهر ، قال : فقال رسول e لأبي  بكر : قل له : وما تبغي منا ؟ فقال له ذلك أبو بكر ، قال : قلت ـ سراقة ـ تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك ، فقد أدرك سراقة أن هذا إنسان غير عادي ، لأنه أصر أول مرة والثانية ، والثالثة ، والرابعة ، وكل مرة تغوص قدما فرس سراقة ، ويقع عن فرسه ، لكن المئة ناقة تتلألأ له فكان مصراً على أن يقتل محمدًا عليه الصلاة والسلام ، أما في المرة الرابعة أدرك أن هذا الإنسان ممنوع من أن يناله أذىً ، قال الله عز وجل قال :

( سورة الطور الآية : 48 ) .

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

أجمل كلمة أقولها لكم : قال بعض العلماء : هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ، لكن لكل مؤمن من هذا الخطاب نصيب ، وأنت أيها المؤمن إذا كنت مستقيماً ومخلصاً ، ومتوجهاً إلى الله فإنك بأعين الله ، فإنك بعين الله ترعاك ، بقدر إيمانك   واستقامتك وإخلاصك ، فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟

( سورة طه ) .

أين أنا ؟ لذلك لما رأى سراقة أن النبي e إنسان غير عادي ممنوع من أن يناله أحد بأذى قال : أريد أن تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك ، قال : اكتب له يا أبا بكر ، فكتب لي كتاباً في عظم ، أو في رقعة ، أو في خرقة ، ثم ألقاه إلي ، فأخذته فجعلته في كنانتي ، ثم رجعت فلم أذكر شيئاً ، أراد أن يكون هذا سراً بينه وبين النبي ، ويبدو أنه حينما أيقن أنه ربما قُتل ، وأن النبي e لم يقتله ، وإنه إنسان ممنوع من أن يناله بأذى ، أراد وفاء مع النبي أن يعتم عليه كل خبر ، فلم أذكر شيئاً مما كان ، ثم حكى خبر لقاءه برسول الله e بعد فتح مكة وإسلامه .

مقام ومنزلة النبي عن المسلمين بين الحقيقة والواقع :

 

أنا أتصور هؤلاء الذين عاملوا النبي كإنسان عادي لما كشفت لهم الحقيقة أنه رسول الله ، ماذا الذي حصل لهم ؟

سهيل بن عمر حينما فاوض النبي e في صلح الحديبية قال النبي لعلي بن أبي طالب : اكتب : هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله ، قال : امحُ رسول الله ، لو آمنا بك رسولاً لما فاوضناك ، امحُ ، قال : امحها يا علي ، ند لند ، فإذا علمت أن هذا الإنسان هو سيد الخلق وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، كيف نتأدب بعد مماته ؟

( سورة الحجرات الآية : 1) .

لا تقدم اقتراحات ، ولا تنتقد توجيهات ، ولا تقل : دعوة النبي لغير هذا العصر ، ولا تقل : الحياة كانت محدودة ، كل هذا من باب تقديم اقتراحات فيها تطاول على مقام النبي عليه الصلاة والسلام .

هناك معنى آخر أحب أن أضيفه إليكم : أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

( سورة الأنفال الآية:33) .

المعنى الآن الظاهر : ما دام النبي بين ظهراني صاحبته الكرام فهم في مأمن من عذاب الله ، لكن ماذا نفعل في هذه الآية بعد وفاة رسول الله ؟ قال علماء التفسير : مادامت سنة النبي e قائمة في أمته فأمته في مأمن من عذاب الله ، أما إذا نالهم العذاب إذاً هم ليسوا على منهجه ، ولم يستغفروا ، لأن الله عز وجل يقول :

( سورة الأنفال ) .

وقد نذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من رسول الله e وأبي بكر حتى سمع قراءة رسول الله e وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، كما ذكر أنه عرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً ، وأن وصيته كانت أنه أخفِ عنا

 

العناية الإلهية المشددة دليل خير وعافية

 

أيها الإخوة ، موضوع سراقة أمضينا فيه وقتاً طويلاً ، لكن أهم شيء في هذا الموضوع يجب أن تكون واثقاً بأن الله لا يتخلى عن المؤمنين ، لكنه يعالجهم ، لكنه يؤدبهم لكنه يشدد عليهم ، وقد ورد في الأثر :

(( أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي ، وتضيقي على عبدي المؤمن لأني أحب أن أرحمه )) .

[ ورد في الأثر]

وقد ورد في بعض الآثار القدسية :

(( لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته )) .

[ ورد في الأثر]

إخوتنا الكرام ، استبشروا إذا كنتم في العناية المشددة ، استبشر إذا تابعك الله عز وجل ، استبشر إذا جاء عقب تقصير ، أو مخالفة العقاب الإلهي ، معنى ذلك أنك ضمن العناية المشددة .

إذا كان معك التهاب معدة فقط ، وليس معك ورم خبيث ، ما دام هناك تشديد ، وتضييق ومتابعة ، وعقاب ، وتأديب ، معنى ذلك أنت في العناية المشددة ، والمرض الذي سبب فوق هذه المصيبة قابل للشفاء ، أما إذا أعطى الله الإنسان كل ما يشتهي وهو يزداد كفراً وعناداً ومعصية فهذا خارج العناية المشددة ، هذا كلام دقيق ، معنى ذلك أنه يرجى منك الخير .

وصدقوا أيها الإخوة أن 90% ممن ينجو من أخطار الدنيا كانت نجاته بسبب معالجة إلهية حكيمة .

والله مرة أحد الإخوة له أخ بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء ، أخ شارد ، غارق في كل أنواع المعاصي والآثام ، وله شبكة علاقات نفيسة مع الأقوياء ، ومع المنحرفين ، ثم أصيب بأزمة قلبية حادة أدخِل على أثرها إلى المستشفى ، وإلى غرفة العناية المشددة ، بعد هذا التقيت معه ، وقال لي وهو على سرير العناية المشددة انه قال : يا رب أعطني فرصة أتوب إليك ، أنا لا أرضى أن آتي إليك وأنا بهذه الحال ، فالله عز وجل أعطاه فرصة ، والأزمة أزيحت عنه ، واستعاد صحته ، ولزم دروس العلم ، وتابع هذه الدروس ، ثم مرة قال لي : وأنا أناجي ربي ، قلت له : يا رب ، كل هذه السعادة بسبب الإقبال عليك على إثر هذه المصيبة التي أصابتني ! لمَ لم ترسل لي هذه المصيبة من عشر سنوات ؟ تمنى أن تأتي في وقت مبكر .

أنت حينما تنالك عناية الله بشيء يزعجك في الأول .

( سورة البقرة ) .

لعلي ذكرت هذه القصة سابقاً ، لكن هنا مناسبة جداً :

فتاة تحمل شهادة ثانوية ، وتحب أن تكون معلمة ، إنها سافرة ، ولا تصلي ، ولا تعتقد أن الدين سبيل سعادتها ، فطلب منها فحص صدر ، ذهبت إلى مستشفى حكومي ، وفُحص صدرها ، فإذا بتقرير يؤكد أنها مصابة بمرض السل ، فلما علم أهلها ابتعدوا عنها ، وخافوا من العدوى ، وجعلوها تقبع في غرفة خاصة ، ولها أدواتها الخاصة ، وثيابها الخاصة ، وحاجاتها الخاصة ، وبكت ، وبكت ، وانهارت ، ويأسِت إلى أن قررت أن تصلي ، ثم قررت أن تتحجب ، ثم ذاقت طعم القرب من الله ، لكنّ أخاها من باب الفضول ذهب إلى المستشفى ليستطلع الخبر ، فإذا بالتقرير أعطي لها خطأ ، هي سليمة ، لكن أعطي لها تقرير إنسان آخر ، إذاً الله عز وجل ساق لها شبح المصيبة ، حتى حملها على التوبة ، لذلك قال تعالى :

( سورة لقمان الآية : 20 ) .

والحمد لله رب العالمين