|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة
النبوية :
الدرس 26 – الهجرة - الهجرة في مواطن كثيرة ،
لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا
ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً
وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،
واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في
عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس
جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد وصلنا في دروس سابقة
بعد بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية إلى الهجرة ،
ونحن على مشارف ذكرى الهجرة .
مفهومات الهجرة في الإسلام
المفهوم الأول : الهجرة حركة
بادئ ذي بدء ، الهجرة حركة ،
وليست سكوناً ، لذلك الإسلام حركي ، وليس الإسلام سكونياً ، أي
أنك استمعت ، وأعجبت ، وأثنيت ، ومدحت ، وقدرت ، وأكبرت ، ولم
تفعل شيئاً فأنت لست على شيء .

( سورة المائدة الآية : 68 ) .
ويا أيها المسلمون ، لستم على
شيء حتى تقيموا أحكام القرآن في حياتكم ، الإسلام حركة ، سلوك
، التزام ، عطاء ، صلة ، مجاهدة ، فإذا بقي الإنسان معجباً
بالإسلام إعجاباً نظرياً ، أو إعجاباً سكونياً ، أو إعجاباً لا
يسبر عملاً ، هذا فالإنسان أبعد شيء عن حقيقة هذا الدين .
كان من الممكن أن يستمر
الإسلام في مكة المكرمة بترتيب إلهي ، أن يخضع أهل مكة إلى
النبي ، ويبقى النبي في مكة ، ولكن لماذا شاءت حكمة الله أن
تشتد المعارضة في مكة ، وأن يبالغ القرشيون في التنكيل بأصحاب
النبي ، وأن يبدو الطريق مسدوداً للدعوة في مكة ، عندها كانت
الهجرة .
هذا الدرس بليغ ، ما لم تتحرك
، ما لم تلتزم ، لك حرفة لا ترضي الله ينبغي أن تتركها ، لك
سلوك لا يرضي الله ينبغي أن تتوب منه ، لك علاقة مشبوهة ينبغي
أن تقطعها ، اعتقدت أن العلاقة مع هذا الإنسان تنفعك مع الله
ينبغي أن تقيمها ، أما أن تبقى ساكناً ، وهذا من أصعب ما يواجه
المسلمون به اليوم أعداءهم ، سكون ، انتظار ، ماذا يفعل بنا ؟
دون حركة ، دون سعي ، دون تفكير في المستقيل ، لذلك المفهوم
الأول للهجرة يعني الحركة ، المسلم كائن متحرك ، وليس كائناً
ساكناً ، والإنسان يميل إلى السكون ، والقعود ، والاستسلام
ويندب حظه ، ويندب أعداءه ، ويندب الظروف الصعبة التي يمر بها
، ليس هذا من الإسلام في شيء .
النبي عليه الصلاة والسلام
واجه أعتى أنواع الظلم ، والكفر ، والاضطهاد ، والتنكيل أصحابه
يعذبون أمامه ، ولا يملك شيئاً ، يقول : صبراً آل ياسر ، فإن
موعدكم الجنة .
المفهوم الثاني : هجرة المعاصي
أيها الإخوة ، أوسع معنى
للهجرة أنها حركة ، والإسلام حركة ، وفي معنى واسع آخر ذكره
النبي عليه الصلاة والسلام فقال :
(( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى
اللَّهُ عَنْهُ
)) .
[ رواه البخاري وأبو داود
والنسائي عن ابن عمرو ] .
أنت مهاجر ، بعد ما أُغلق
باب الهجرة من مكة إلى المدينة هو في الحقيقة مفتوح بين كل
مدينتين يشبهان مكة والمدينة ، أما الهجرة بالذات من مكة إلى
المدينة فأُغلق بابها ، لقول النبي
عليه الصلاة والسلام :
(( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ
)) .
[ متفق عليه عن ابن عباس] .
لكن بين أيّ مدينتين تشبهان
مكة والمدينة الهجرة قائمة بينهما .
المعنى الثاني الذي ذكره النبي
عليه الصلاة والسلام الذي يوسع معنى الهجرة الضيق :
(( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى
اللَّهُ عَنْهُ
)) .
تركت هذه الحرفة التي بُنيت
على معصية ، فأنت مهاجر تركت هذه السهرة التي فيها اختلاط فأنت
مهاجر ، تركت هذه العلاقة التجارية التي فيها شبهة فأنت مهاجر
تركت إيداع المال في مؤسسة ربوية ، وأخذت رأس مالك فأنت مهاجر
(( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى
اللَّهُ عَنْهُ
)) .
أعطى النبي عليه الصلاة
والسلام مفهوماً ثالثاً للهجرة ، الأول حركة :

( سورة الأنفال الآية : 72 ) .
أول مفهوم حركي .
المفهوم الثاني : أن تترك ما
نهى الله عنه فأنت مهاجر .
المفهوم الثالث : هجرة المعاصي
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ :
((
الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ
)) .
[ رَوَاهُ مُسلِم عن معقل بن
يسار رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ] .
أي في زمن الفتن ، في زمن
النساء الكاسيات العاريات ، المائلات المميلات ، في زمن
الفضائيات ، في زمن الإنترنت ، في زمن أن يعم الفسق والفجور
أهل الأرض ، في زمن أن يصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً
، في زمن لا يأمر الناس فيه بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر ،
في زمن أن يأمر الناس بالمنكر ، وينهون عن المعروف ، في زمن أن
يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، في زمن أن تضيع الأمانة
، وأن يكذب الصادق ، وأن يصدق الكاذب ، وأن :
(( يكون الولد غيظا ، والمطر قيظا ، وتفيض
اللئام فيضا ، وتغيض الكرام غيضا
)) .
[رواه الخرائطي من حديث عائشة
والطبراني من حديث ابن مسعود ] .
في زمن يذوب قلب المؤمن في
جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغيّر ، إن تكلم قتلوه ، وإن سكت
استباحوه ، في زمن موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ؟
المقتول فيمَ قُتل ، تطهير عرقي ، في زمن التناقضات ، في زمن
أن تحتقر الأَمَة ربّتها التي ربّتها ، تقول : أمي دقة قديمة ،
هي مثقفة ، في زمن أن يوسد الأمر لغير أهله ، في زمن أن ترتكب
المعصية على قارعة الطريق ، في زمن أن يكون الفجار هم علية
القوم ، في هذا الزمن :
((
الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ
)) .
إذا عبدت الله في زمن الفتن ، في زمن أن يمس
الناس غبار الربا ، في زمن أن يُكذب الصادق ، ويصدق الكاذب ،
فهذه العبادة بنص الحديث الصحيح القدس
:
((
الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ
)) .
أول مفهوم : الحركة .
المفهوم الثاني : أن تدع ما
نهى الله عنه .
المفهوم الثالث : أن تعبد الله
في زمن الفتن
توقيت الهجرة بالمفهوم العام
ولكن متى ينبغي أن تهاجر ؟
ومتى ينبغي ألا تهاجر ، أنا أتكلم عن الهجرة بالمفهوم الواسع .
أضرب مثلاً : أُرسلتَ ببعثة
إلى بلد غربي لتنال الدكتوراه ، من جامعة بالذات ، إذا مُنعت
من دخول هذه الجامعة ، وقرار إيفادك ينص على هذه الجامعة ، ولم
يسمح لك بالانتساب إلى هذه الجامعة أيعقل أن تبقى في هذا البلد
؟ الجواب : لا ، علة وجودي الوحيدة في هذا البلد أن أنتسب لهذه
الجامعة ، وأن أنال الدكتوراه ، فإذا مُنعت من أن أنتسب إليها
فلا معنى للبقاء في هذا البلد ، هذا المثل .
التطبيق : هل يعلم الأخ المؤمن
ما علة وجوده في الأرض ؟ أن يعبد الله .

( سورة الذاريات ) .
سبب الهجرة العامة ودليلها
أن يعبد الله بالمفهوم الواسع
، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ،
تفضي إلى سعادة أبدية ، فإذا كنت في مكان ، وحيل بينك وبين أن
تعبد الله ، وحيل بينك وبين أن تحقق علة وجودك في هذا المكان ،
هل تبقى في هذا المكان ؟ إن كان في الإمكان أن تعبد الله في
مكان فابقَ فيه ، وإذا كان في الإمكان أن تصلح هذا المكان
ليتاح أن تعبد الله فيه فابقَ في هذا المكان ، أما إذا مُنعت
أن تعبد الله ، وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً في هذا المكان
فعليك أن تغادر هذا المكان إلى مكان تعبد الله فيه ، هذا كلام
، ما الدليل ؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، الدليل :

( سورة النساء الآية : 97 ) .
معنى الاستضعاف في الأرض
المعنى الأول : عدم الاستطاعة
لعبادة الله
ما معنى مستضعفين ؟ أي لا
نستطيع أن نفعل شيئاً وفق اختيارنا ، لا نستطيع أن نعبد الله ،
لا نستطيع أن نؤدي شعائر الإسلام ، لا نستطيع أن نصلي ، لا
نستطيع أن نحجب نساءنا ، لا نستطيع أن نفعل شيئاً يرضي ربنا ،
﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ،
يعني كان الذي يتولى الأمر يمنع الناس أن يحققوا شعائر دينهم .
المعنى الثاني : الضعف أمام
الشهوات
هناك معنى آخر : ﴿ قَالُوا
كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، أي : ضعفنا في
مكان ما أمام الشهوات ، أمامي كأس من الماء شربت من رشفة ، قلت
: هذا العمل في بلاد المسلمين بمَ يقيم ؟ هل يعدّ الذي شرب
الماء قد ارتكب منكراً ؟ لا يعد منكرا أبداً ، هذا الماء ماء
عذب زلال أنزل الله من السماء ، فاختزن في الأرض ، وظهر ينبوع
، وشربنا منه ، والناس شركاء في ثلاث ، في الماء ، والإنسان
خلق فيه ، أو خلقت فيه حاجة إلى الماء .
أقسمت إلى أحد الإخوة الكرام
البارحة أن الزنا في بلاد الغرب كشربة الماء تماماً ، ويستحيل
أن تجد فتاة عذراء هناك ، بل إن الفتاة العذراء متهمة في عقلها
، فإذا كان الإنسان في بلد كهذا البلد المعاصي ترتكب على قارعة
الطريق ، وفي الحدائق ، وأمام الناس ، ترتكب الفاحشة العظمى في
الطريق فليهاجر .
كنت أضرب على هذا بعض الأمثلة
:
إن شاباً أعجبته فتاة هناك
فاستأذن والده بالزواج منها ، والأب كان زير نساء ، هذا مصطلح
معروف ، قال : لا يا بني ، إنها أختك ، وأمك لا تدري ، فأحجم
عنها ، ثم أعجبته فتاة ثانية ، فاستأذن والده ، قال : لا يا
بني ، إنها أختك أيضاً ، وأمك لا تدري ، أعجبته فتاة ثالثة ،
فقال : لا يا بني ، إنها أختك أيضاً ، وأمك لا تدري ، هذا
الشاب ضجر فأخبر والدته ، قالت له : خذ أين شئت ، فأنت لست
ابنه ، وهو لا يدري ، هكذا .
فإذا كنت في هذا البلد ، في
بلد غربي ترتكب فيه الفواحش على قارعة الطريق وضعفت أمام شهوتك
، هذا الضعف من نوع آخر ، هناك ضعف قمع ، وضعف غلبة ، غلبتك
شهوتك ، فإذا كنت في بلد ضعفت أمام شهواتك ، ولأن الشهوات
مستعرة ، وسبلها ميسرة أيضاً فهاجر من هذا البلد ، متى أهاجر ؟
إذا كنت مستضعفاً .
الترغيب في سكنى بلاد الشام
الاستضعاف الأول : أن أُمنع من تأدية شعائر
الإسلام
، نحن في فضل كبير ، والحق يقال : المساجد ممتلئة ، وعامرة
بالمصلين ، ولك أن تفعل كل ما يأمرك به الدين ، ولك أن تحجب
فتياتك ، ونساءك .
نحن في بلد تكلم عنه النبي صلى
الله عليه وسلم ، فعَنْ عَمْرِ بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ :
(( بَيْنَا أَنَا فِي
مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ ، فَحَمَلَتْ عَمُودَ
الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي ، فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى
الشَّامِ أَلَا ، فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ
بِالشَّامِ )) .
[أحمد]
(( طوبى لمن له فيها
مربض شاة )) .
كحجم هذه الطاولة ،
(( طوبى
لمن له فيها مربض شاة ، الداخل إليها فبرضائي ، والخارج منها
بسخطي )) .
[ورد في الأثر]
هناك أحاديث صحيحة في الترغيب
والترهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين فضل السكنى بالشام
، ذكرت هذا من أجل أهمس من آذان من اغتربوا ، وأقاموا في بلاد
الغرب ، وضعفوا أمام أولادهم ، حيث لا تستطيع إذا رأيت مع
ابنتك في غرفتها الخاصة شاباً في فراشها ، إذا غضبتَ فأنت لست
حضارياً ، أنت لست مهذباً ، لأن هذا الذي ينام معها جاء بطلب
منها ، هو مدعو ، وأنت إنسان همجي حينما ترى ابنتك تحتضن شاباً
في غرفتها أو هي في المدرسة فتنهاها عن ذلك ، لذلك تؤخذ إلى
دوائر الشرطة كي توقع تعهداً ألا تغضب مرة ثانية إذا رأيت
شاباً مع ابنتك ، في مثل هذه البلاد لا يعاش فيها ، لذلك :
(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة
)) .
[ رواه الطبراني في الكبير
والبيهقي في السنن عن جرير ] .
لي طالب أقام في بلد بعيد ادعت زوجته التي هي
حلاله ، أنه التقى بها وهي ليست راضية فحُكم عليه بسنتين سجنا
، هذا اسمه بالقانون الغربي اغتصاب الزوجة ، زوجته وهو بحاجة
إليها حلاله ،
(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة
)) ، لأن عندهم الزواج عقد بين شخصين ، لا بين
ذكر وأنثى ، قد يكون العقد بين رجلين ، أو بين امرأتين ، أو
بين رجل وامرأة ، والإجهاض مسموح به ، والزوجة ليست مطالبة أن
تتابع زوجها ، لها أن تسكن في مكان آخر ، وهذا حديث يطول عن
مؤتمر السكان ، وعن توصيات مؤتمر السكان ، وعما يفرض على
العالم الإسلامي من إباحيات مؤتمر السكان .

( سورة النساء الآية : 97 ) .
﴿ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا
كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، كم نوعًا من
الضعف ؟ ضعف قمع ، وضعف غلبة شهوة ، فمثل هاتين الحالتين إذا
كنت ترجو الله والدار الآخرة ينبغي أن تهاجر إلى بلاد المسلمين
، إلى بلاد تؤدي فيه الصلوات بحرية ، إلى بلاد تستطيع أن تحجب
بناتك .
أيها الإخوة الكرام ، هذه علة
الهجرة ، لكن المشكلة أن هؤلاء المسلمين الذين أقاموا في بلاد
الغرب وجدوا الحياة هناك طرية ، والعيش رغيداً ، والحاجات
موفرة ، وفي حريات ، وفي إباحية والإنسان فيما يبدو له حقوق
كثيرة جداً محققة هناك ، فآثروا دنياهم على أخرتهم ، لذلك لا
توازن بين دولة متقدمة جداً ، وبين بلد إسلامي متخلف ، وازن
بين الدنيا والآخرة .
في رمضان كنت مدعواً إلى طعام
الإفطار فجلس إلى جانبي رجل عرّفني عن نفسه بأنه رائد فضائي
سوري ، ركب مركبة فضائية وصل إلى منطقة انعدام الوزن بين الأرض
والقمر ، قلت له : هذا الجنين الذي في بطن أمه حجمه بعد أن
يبلغ الابن تسعة أشهر 750 سم مكعبًا ، وهو جالس في مكان
مرتاحًا ، هناك سائل أمينوسي ، يحقق له الدفء والراحة ، طعامه
وافر ، ليس عنده مشكلة ، حينما يعلم أنه سيخرج يتألم أشد الألم
، لكن غاب عنه أنه سيخرج من ضيق الرحم ، إلى سعة الدنيا ،
سوريا وحدها فيها ساحل ، وفيها شمال ، وفيها جنوب ، وفيها شرق
، وفيها بادية ، أليس كذلك ؟ وفي بلاد أوربا ، وفي بلاد أمريكا
، وفي بلاد آسيا ، إفريقيا ، أقينوسيا ، استراليا ، وفي ريادة
فضاء .
في الأثر : " ينتقل المؤمن من ضيق
الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة
الدنيا " .
فهذا الذي آثر الدنيا ما عرف
الآخرة ، وقد خسر أكبر خسارة :

( سورة الزمر الآية : 15 ) .
أعظم خسارة تتحقق أن تخسر
الآخرة ، فهذا الذي آثر الدنيا على الآخرة ما عرف قيمة الآخرة
، لذلك يقول :

( سورة الفجر ) .
فهذا الذي استمرأ الحياة في
بلاد يعصى الله فيها على قارعة الطريق ، ويضعف الإنسان أمام
شهواته هناك ، هذا الذي فعل ذلك خسر الآخرة ، فلذلك الهجرة جزء
لا يتجزأ من الدين .
مفهومات الهجرة الضيقة
وتطبيقاتها
أيها الإخوة ، لو وصلنا إلى
مفهوماتها الضيقة : قد تكون في حرفة لا ترضي الله يقتضي مفهوم
الهجرة أن تدعها إلى حرفة ترضي الله .
حدثني أخ قال لي : في رمضان
الماضي وأنا راكب مركبتي متجهًا إلى أحد المساجد لأداء صلاة
التراويح ، استوقفه شرطي لمخالفة ، قال لي : أعطيته خمسين ليرة
فرفضها ، توهمت أنه لم تعجبه ، أعطيته مئة ليرة ، قال له : لا
تحاول ، أنا تائب إلى الله ، ولن آخذ منك قرشاً واحداً ، قال
له : انظر إلى يدي ، أنا أنقل الرمل مساء لئلا آخذ درهماً
حراماً ، هذا الشرطي مهاجر ، أليس كذلك ؟ والقصة لها تتمة
رائعة ، فهذا الإنسان عنده معمل ألبسة درجة أولى أعجب بتوبة
هذا الشرطي فأخذه إلى معمله وكسا أهله جميعاً بأحدث الألبسة ،
هذا شرطي مهاجر .
لما تنتقل فجأة في وضع فيه
معصية إلى وضع في طاعة فأنت مهاجر عند الله ، سهرة لا ترضي
الله ، فيها لعب نرد ، وفيها غناء ، فيها مقاهٍ ، فيها نساء
كاسيات عاريات ، والسهرة عمرها عشر سنوات ، بعد أن عرفت الله
أنا أعتذر ، أنا لا أجلس في مثل هذه الجلسات ، أنت مهاجر .
لك حرفة مبنية على معصية
غيّرها .
حدثني أخ قال لي : عندي مطعم
، من خمس وعشرين سنة مسموح فيه الخمر ، قال لي : والله أرباحي
فلكية ، أنا متعاقد مع 18 شركة أجنبية ، والأسعار عشرة أمثال ،
لكن فيه خمر ، تاب إلى الله ، بعد أن تاب إلى الله هبط الدخل
إلى واحد من عشرين ، لأن 18 شركة ألغوا العقد معه باعتبار
إلغاء الخمر ، لأنهم أجانب ، صاحب هذا المطعم ما تصنيفه عند
الله ؟ مهاجر ، هذا هجر المنكر .
امرأة سافرة ، ولها مكانة اجتماعية ، فلما عرفت
أن الحجاب جزء من الدين تحجبت ، وقطعت كل علاقاتها مع من كنّ
على شاكلتها فهي مهاجرة ،
(( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه
)) ، إنْ ثيابك ، أو في بيتك ، أو في علاقاتك ،
أو في حرفتك ، أو في عملك .
قال لي أخ : أنا منعَم عليّ
والحمد لله ، وأسافر دائماً بالدرجة الأولى ، أنا مرة دعيتُ
لمؤتمر ، طبعاً الداعي أمير بالخليج ، بالدرجة الأولى ، قرأت
بطاقة الطائرة 50 ألفًا ، 25 ألفًا زيادة على الضعف ، يضعون
معطفك في مكان ، هناك كأس عصير ، وهناك بعض المجلات الزائدة ،
وثمة أخوان لنا كرماء ، بعد أن عرفوا الله ألغوا الدرجة الأولى
من حياتهم ، لأن الزيادة في هذا المال الفقراء أولى بها ،
السفر كله ساعة مثلاً أو ساعتين فأوقف الدرجة الأولى ، هذا
مهاجر ، اركب طائرة ولا مانع ، وحقق أعمالك ، لكن لا داعي أن
تدفع الضعف من أجل أشياء بسيطة جداً ، والناس في أمسّ الحاجة
لهذا المبلغ .
لو أردت أن أسرد عليكم أنواع
من الهجرة لا تعد ولا تحصى ، لمجرد أن تنتقل من موقع إلى موقع
، من حرفة إلى حرفة ، من علاقة إلى علاقة ، من نمط إلى نمط ،
من سلوك إلى سلوك ، من مكان إلى مكان .
أحد الإخوة الكرام حج بيت الله الحرام ، لشدة
ما امتن الله عليه بحالة مسعدة عاهد الله ألا يغادر بلده إلا
إلى الحرمين الشريفين ، هذا أيضاً مهاجر ،
(( والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه
)) .
أردت بهذا الدرس أيها الإخوة
أن يكون حول مفهومات الهجرة ، ونحن على مشارف ذكرى الهجرة .
لماذا اختار سيدنا عمر رضي الله عنه التأريخ
الهجري ليبدأ من هجرة النبي ؟ الهجرة حركة ، لذلك أعيد عليكم
هذه الآية :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ
ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
﴾ .
الضعف نوعان : ضعف قمع ، وضعف
خضوع للشهوة .
﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ
وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ
جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا
﴾ ، هل هناك وعيد أشد من هذا الوعيد ؟ .
كنت في مؤتمر في لوس أنجلوس ،
وعقب إلقاء المحاضرة قالت لي امرأة محجبة هذه الكلمة ، قالت لي
: أنا فلانة أخت فلان ، فلان صديقي الحميم في الشام ، قلت لها
: أهلاً وسهلاً فبكت فوراً ، خير إن شاء الله ، قالت لي : ابني
ملحد ، وابنتي راقصة ، هذا ثمن الإقامة هناك .
﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً
فَتُهَاجِرُوا فِيهَا
﴾ ، لذلك الوعيد ، ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ .
أيها الإخوة الكرام ، قضية
الهجرة تدخل في حياتنا اليومية ، في بعض الحرف التي لا ترضي
الله ، في بعض البيوت في أمكان لا ترضي الله ، حولك طبقة من
المجتمع المخملي ، نساءهم كاسيات عاريات ، مع الاستمرار بهذه
المنطقة يأتيك ضغط من بناتك عليك كي يقلدن ما يرين بأعينهن ،
فيجب أن تغادر إلى مكان محافظ .
الهجرة حركة أيها الإخوة ،
الهجرة موقف ، لكن أخطر شيء بالموضوع :
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ
مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ .
أسوق لهذه الآية هذا المثل :
أنت مهما كنت متعمقاً بالدين ،
وهمما عظمت هذا الشرع العظيم ، ومهما أثنيت على هذا القرآن
العظيم ، ومهما اعتززت بهذا الدين القويم ، إن لم تطبقه فلا
قيمة لك عند الله أبداً ، تماماً كما لو أن إنساناً يعاني من
مرض جلدي ، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس ، وهو قابع في
غرفة مظلمة قميئة ، لا ترى ضوء الشمس ، وهو فصيح اللسان يتحدث
عن الشمس ، وعن قيمتها ، وعن أشعتها ، وعن نصاعتها ، وعن
تألقها في كبد السماء ، وعن أنها شمس عظيمة ، كل هذا الكلام لا
يقدم ولا يؤخر ، ما لم يتعرض لأشعة الشمس .
لذلك القرآن الكريم بآية واحدة
لخصت القرآن كله ، أين الآية ؟

الآن تلخيص القرآن :

( سورة الكهف ) .
إن أردت لقاء الله عز وجل
بالمعنى الواسع ، إن أردت أن تتصل به ، إن أردت أن يتجلى على
قلبك ، إن أردت أن تكون محظياً عنده ، إن أردت أن تكون في مقعد
صدق عنده ، إن أردت السلامة والنجاة :
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا
لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ .
هناك جانب عقدي ، وجانب سلوكي
، العقدي : ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
والجانب السلوكي : ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
صَالِحًا ﴾ .
إذاً : الإسلام حركة ، ونحن في عيد الهجرة ،
ونحن في مفهوم الهجرة ، أوسع مفهوم الحركة ، يليه أن تدع ما
نهى الله عنه ، يليه أن تعبد الله في زمن الفتن ،
(( العبادة في الهرج كهجرة إليّ )) ،
والهجرة بين مكة والمدينة أغلقت لقول النبي
عليه الصلاة والسلام :
(( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ
)) ، بينما الهجرة من أي مدينتين تشبهان مكة
والمدينة قائمة إلى يوم القيامة ، والمستضعف ينبغي أن يهاجر ،
أي الذي مُنع من أداء شعائره الدينية ، أو ضعفت نفسه أمام
الشهوات المستعرة في تلك البلاد ، والعقاب جهنم ، ﴿
فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا
﴾ .
الوعيد مخيف ، لأنك حينما لا
تستطيع تحقيق علة وجودك ببقائك في هذا البلد أو في بلد لا
تستطيع أن تؤدي به شعائر الله ، ولا أن تقيم أمره ، أو أن تضعف
أمام شهواتك هذا بلد يلغي آخرتك ، والإنسان كما ترون وكما
تسمعون في قبضة الله ، بثانية واحدة انتهى أحد زعماء إسرائيل ،
ثانية واحدة ، خثرة بالدماغ ، والناس جميعاً يدعون له بطول
البقاء ثانية ، هذا الذي يؤثر الدنيا على الآخرة ، إنسان غبي
أحمق ، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى
إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ
يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ .
وفي درس قادم إن شاء الله
نتابع أحداث الهجرة ، وأسبابها ، وبعض الوقائع التي كانت بها.
والحمد لله رب العالمين |