|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
الدرس 25 –
بيعة العقبة الثانية ، الوضوح أساس النجاح
،
لفضيلة
الدكتور محمد راتب
النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا
علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما
ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً
وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،
واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في
عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
بيعة العقبة الثانية
: دلالاتها
الحياة دون عمل صالح وقت ضائع
وعيش تافه
أيها الإخوة الكرام ،
مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، والموضوع اليوم بيعة
العقبة الثانية ، ولكن قبل أن نبدأ في الحديث عن هذه البيعة
يمكن أن نقول : إن الإنسان حينما يسمح الله له أن يكون علَماً
من أعلام الدعوة ، أو حينما يكون جندياً من جنود الحق ، أو
حينما يكون أداة للخير ، فهذا أعظم عطاء لله عز وجل .
(( أنا خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن قدرت على
يده الخير
، وويل لمن قدرت على
يده الشر
)) .
[ رواه الطبراني في الكبير عن
ابن عباس ] .
إن هذا الإسلام العظيم الذي
انتشر في الخافقين ، والذي يعد المسلمون اليوم مليارًا
وثلاثمئة مليون ، بداية هذا الدين من بيعة العقبة الأولى وبيعة
العقبة الثانية ، فالذين كانوا في هذه البيعة أو في تلك هم
أعلام الأمة ، فما لم يكن لك دور في بناء هذا الدين ، أو في
نشر هذا الحق فحياة الإنسان عندئذٍ تافهة لا معنى لها ، ولو
كان غنياً ، ولو كان قوياً ، لأن الموت ينهي كل شيء ، ينهي قوة
القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، وصحة الصحيح
، ومرض المريض ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم .
إنّ الله عز وجل أعطى المال
لمن لا يحب ولمن يحب ، أعطاه لقارون ، وهو لا يحبه ، أعطاه
لسيدنا عثمان ، وهو يحبه ، إذاً ليس المال مقياساً ، أعطى
المُلك لمن يحب ، ولمن لا يحب ، أعطاه لفرعون وهو لا يحبه ،
إذاً ليس الملك مقياساً ، لكن كما قال الله عز وجل :
( سورة يوسف ) .
فإذا كان نصيبك من الله علم
وحكمة فهذا من نوع عطاء الله لأنبيائه ولأحبابه ولأوليائه ،
فانظر ما العطاء الذي خصك الله به .
أيها الإخوة ، حديث شريف يقصم
الظهر ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( بَادِرُوا بالأَعْمَالِ
سَبْعاً ، هَلْ تُنْظَرُونَ إِلاّ إِلّا فَقْرًا مُنْسيًا ،
أَوْ غِنًى مُطغيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِداً ، أَوْ هَرَمًا
مُفْنِدًا ، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوْ الدّجّال ، فَشَرّ
غَائِبٌ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السّاعَةِ ؟ فالسّاعةُ أَدْهَى
وَأَمَرّ )) .
[الترمذي عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ] .
هذا الكلام أيها الإخوة أسوقه لكم لنعلم علم
اليقين أن حياة من دون عمل صالح حياة تافهة ،
والذي يقدم على الله من دون عمل صالح لا يقيم
الله له يوم القيامة وزنا ، بل له عند الله صغار ، لأنه أمضى
حياته في مصالحه وشهواته ونزواته ، لذلك لما قرأت عن بيعة
العقبة الثانية وجدت هؤلاء الذين حضروها هم عماد هذا الدين ،
كلٌّ ركنٌ ركين .
حيثيات بيعة العقبة الثانية
ومعانيها
أيها الإخوة ، في العام التالي
الذي تلا بيعة العقبة الأولى قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم
من مسلمي الأوس والخزرج 73 رجلاً وامرأتان ، وترون أن النساء
كن في البيعة الأولى وفي بيعة العقبة الثانية ، فالمرأة كما هو
ثابت مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية وهي شبه
الرجل عند الله ، لكن للمرأة خصائص ، وللرجل خصائص ، وخصائص كل
منهما كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بهما .
فبايعوه بيعة العقبة الثانية ،
وقد بينت لكم في اللقاء السابق أن الحياة الدنيا دار تكليف ،
لا دار تشريف ، ودار عمل لا دار أمل ، ودار دفع ثمن الآخرة ،
فلذلك هذه البيعة التي بايع بها أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم نبيهم من نوع بيع النفس .
( سورة التوبة الآية : 111 ) .
المؤمن باع نفسه لله ، أعطى من
ماله ، أعطى من وقته ، أعطى من جهده ، أعطى من خبرته ، أعطى من
صحته ، من أجل أن يسعد في الدار الآخرة إلى أبد الآبدين .
إذاً : بايعوه أن يمنعوه إذا
قدم عليهم ، الآن هناك تفاصيل ، إذا قدم عليهم ، وهاجر إليهم
بايعوه ، أي منعوه مما يمنعون منه نسائهم وأبناءهم وأنفسهم .
الجماعة المؤمنة رحمة والفرقة
عذاب
إن المؤمن يعيش في جماعة ، ومن
نظلم الجماعة أن الكل للواحد ، والواحد للكل ، وأنتم قد لا
تشعرون بقيمة الجماعة ، لأن انتماء الإنسان في هذا الأيام إلى
نفسه ، همه بيته فقط ، همه أولاده ، همه دخله ، لا يهتم بشأن
المسلمين ، وكلما نمت روح الجماعة في مجتمع ما ، كان هذا
المجتمع أقوى وكان أقرب إلى الله ، لأن الله عز وجل يقول :
(( يدُ اللهِ مع الجماعة )) .
[ رواه الترمذي عن ابن عباس ]
.
وفي رواية :
(( يد الله مع على الجماعة من
شذ شذ في النار )) .
[ رواه الحاكم عن ابن عمر ] .
(( عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ ،
وَإِيّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، فَإِنّ الشّيْطَانَ مَعَ
الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ )) .
[رواه أحمد في مسنده والترمذي
والحاكم في المستدرك عن عمر ] .
(( فإنما يأكل الذئب من الغنم
القاصية )) .
[رَوَاهُ أبُو دَاوُد عن أبي
الدرداء ] .
فوعدوه على أن يمنعوه إذا قدم
عليهم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم ، وهذه البيعة
هي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الدعوة ، حيث أصبح للإسلام دار
يمكن أن يتخذ قاعدة للانتشار ، وهو ما حصل بالفعل ، فأذن النبي
صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة .
بيعة العقبة الثانية تحوُّلٌ
كبير في الدعوة إلى الله
إخوتنا الكرام ، أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم وهم في مكة المكرمة مُنعوا أن يجابهوا
أحداً :
( سورة النساء الآية : 77 ) .
لم يكن هناك إذن في مكة
المكرمة أن يجابه المسلمون أحداً ، مع أن قريشاً بالغت في
التنكيل بهم ، وفي تعذيبهم ، وفي مقاطعتهم ، وبأعمال لا تحصَى
، ومع ذلك التوجيه القرآني ، وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام
يمنع أن تكون هناك مواجهة بين المسلمين في مكة ، وبين أعدائه ،
وقد يسأل أحدكم : لماذا ؟ لأن البيت الواحد فيه مسلم ، وفيه
مشرك ، فلو سُمح بالمواجهة لكانت حرباً أهلية ، المسلمون
في مكة ليس لهم كيان ، مؤمنون متفرقون يجمعهم النبي عليه
الصلاة والسلام ، لكن ليس لهم كيان ، لذلك كانت بيعة العقبة
تحولاً كبيراً في الدعوة إلى الله ، صار هناك مكان يضم
المسلمين ، ثم صار هناك كيان ، ثم صار هناك مجتمع ، وعلى رأس
هذا المجتمع رسول الله ، عندئذٍ لما كان هناك كيان مستقل له
قيادة مؤمنة ، قال تعالى :
( سورة الحج ) .
لذلك هذه البيعة كما قلت قبل
قليل : كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة ، حيث أصبح
للإسلام داراً يمكن أن يتخذ قاعدة للانتشار ، وهو ما حصل
بالفعل ، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى
المدينة .
تفاصيل بيعة العقبة الثانية
ومعانيها
الآن يحدثنا الصحابي الجليل
كعب بن مالك الأنصاري عن تفاصيل بيعة العقبة الثانية فيقول :
خرجنا إلى الحج ، وواعدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني تواعدنا معه ـ بالعقبة من
أوسط أيام التشريق .
اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك في يوم
النحر ، والأيام الثلاثة اسمها أيام التشريق ، فهذه البيعة
كانت في أوسط أيام التشريق
، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى
إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله
عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين ـ الإسلام ضعيف ، سيد
الخلق لن يستطع أن يعدهم في وضح النهار ، بعد ثلث الليل ،
وخرجوا متخفين ـ حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن 73
رجلاً ، ومعنا امرأتان من نسائنا ، فاجتمعنا في الشعب ننتظر
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مَن لم تكن له بداية محرقة لم
تكن له نهاية مشرقة
إنّ الأمر في البدايات صعب ،
لكن من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة ، وقد
تدخل على إنسان حصل علماً عالياً ، ودرس 44 سنة ، ولم ينم
الليل ، ولم يعرف طعم الحياة ، بعد هذه الدرجة العلمية العالية
جداً قد يأتيه دخل كبير ، وقد يحظى باحترام كبير ، هذه المكانة
وهذا الدخل من هذه السنوات الطويلة التي أمضاها في طاعة الله ،
فمن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة ، حتى جاءنا
النبي صلى الله عليه وسلم ، معه العباس بن عبد المطلب ، وهو
يومئذٍ على دين قومه .
أثر القرابة وشأنها في الدعوة
كما ترون علاقات القرابة لها
شان كبير في الدعوة ، لذلك قال تعالى :
( سورة الشعراء ) .
وكان مع النبي صلى الله عليه
وسلم العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذٍ على دين قومه ، إلا
أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، وأن يتوثق له ، فلما جلس كان
أول المتكلمين العباس بن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج ـ
وكانت العرب إنما يسمون الحي من الأنصار الخزرج ـ قال : يا
معشر الخزرج ، إن محمداً منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من
قومنا ، منعنا محمداً من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ،
فهو في عز في قومه ، ومنعة في بلاده ، وإنه قد أبى إلا
الانحياز لكم ، واللحاق لكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما
دعوتموه إليه ومانعوه ، ممن خالفه فأنتم ، وما تحملتم من ذلك ،
وإن كنتم ترون أنكم مسلموه ، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن
الآن فدعوه .
الوضوح والبيان في بداية
الدعوة والعمل
هذا يعلمنا أنك أيها الأخ في كل أعمالك كن
واضحاً ، كن واضحاً في البداية ، وضح كل شيء ، وبيّن كل شيء
، واستفهم عن كل شيء ، كلما كان الأمر واضحاً في البداية كان
ناجحاً في النهاية ، لذلك أكثر المشكلات التي تتفاقم بين
المسلمين ، لأن البداية ليست واضحة ، لذلك قيل : " الجهالة في
الإِسقاط لا تفضي إلى المنازعة " .
فالعباس بن عبد المطلب قال
كلاماً دقيقاً ، قال : يا معشر الخزرج ، إن محمداً منا حيث قد
علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو
في عز في قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم
، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم واقون له لما دعوتموه إليه
، مانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون
أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ،
فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده .
مرة ثانية : في عقد الزواج
وضح كل شيء ، في عقد
الشراكة وضح كل شيء ، في عقد البيع وضح كل شيء ، في أي اتفاق ،
أو أي بيع ، أو أي شراء ، أو أي عمل ، كن واضحاً في البداية
تسترح في النهاية .
فقلنا له : لقد سمعنا ما قلت ،
فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت .
قضية أن تكون خادماً للحق ، أن
تكون جندياً للحق ، أن تكون جندياً للحق ، أن تسخر إمكاناتك
للحق ، أن تسخر وجاهتك للحق ، هذا مقام كبير عند الله ، الآية
الكريمة التي خاطب الله سيدنا موسى عليه السلام :
( سورة طه ) .
أنت لي ، قال : فلتكلم النبي
عليه الصلاة والسلام فتلا القرآن ، ودعا إلى الله ، ورغب
في الإسلام ، ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه
نساءكم وأبناءكم ، فقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام في حلف
معهم ، يمنعونه من خصومه كما يمنعون نساءهم وأبناءهم ، فأخذ
البراء بن معرور بيده ، ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبياً
لنمنعك مما نمنع منه أزواجنا ، فبايعنا يا رسول الله ، فنحن
والله أبناء الحروب ، وأهل الحلق ، ورثناها كابراً عن كابر ،
قال : فاعترض القول ، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إننا بيننا وبين الرجال حبالاً ،
إن بيننا وبين الرجال ـ أي اليهود الذين كانوا في المدينة ـ
حبالاً وإنا قاطعوها ، ـ يعني اليهود ـ فهل عفيت إن نحن فعلنا
ذلك ، أيْ قطعنا علاقاتنا مع اليهود ، وانضممنا إليك ، فعل
عفيت إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك ،
وتدعنا ، هل يمكن هذا ؟!
أرأيتم إلى هذه الصراحة ، وإلى هذه الجرأة ،
وإلى هذا الأدب ، وإلى هذا الاستفهام وإلى ذاك التوضيح
؟
مرة ثانية : إن تسعين بالمئة
من مشكلات الزوجين ناتجة عن الجهالة ، وعدم التوضيح والمخادعة
، كن واضحاً إذا خطبت امرأة ، كن واضحاً إذا شاركت إنساناً .
إن أيّ كلام فيه جهالة ، ضبابي
، في تعمية ، في مخاتلة تتفجر بعده الأحداث ، هنا العباس بن
عبد المطلب قال : هو في عز ومنعة ، فإذا انحاز إليكم فهل أنتم
مانعوه مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم ؟ من الآن قولوا ، وهذا
الأنصاري بالمقابل قال : يا رسول ، الله إن بيننا وبين القوم
حبالاً ، ونحن قاطعوها ، فهل عسيت إن أظهرك الله ، ونصرك أن
تدعنا ، وأن تتركنا إليهم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ، وهو
سيد الأوفياء ، وسيد الأسخياء ، وما عرف التاريخ أوفى من رسول
الله ، قال :
(( بل الدم الدّم
، والهدم الهدم ، أنتم مني ،
وأنا منكم ، أحارب من حاربتم ،
وأسالم من سالمتم
)) .
قصة : عبرة وموعظة
لذلك جاءت الأنصار عقب معركة حنين ، حين أعطى
النبي صلى الله عليه وسلم حديثي العهد بالإسلام الغنائم ، بل
معظم الغنائم ، ولم يعطِ الأنصار شيئاً ، فوجدوا عليه في
أنفسهم ، وخافوا أنه إذا انتصر ، وأظهره الله أن يعود
إلى مكة ، ولا يبقَى معهم ، فجاءه سيد الأنصار سعد بن عبادة ،
قال :
(( يا رسول الله ، إن قومي وجدوا عليك في
أنفسهم من أجل هذا الفيء الذي وزعته ، ولم يأخذ منه الأنصار
شيئاً ، فقال : أين أنت يا سعد ؟ فقال سعد : ما أنا إلا من
قومي ، فقال : اجمع لي قومك ، فجمع له الأنصار ، وألقى كلمة
تكتب بماء الذهب ، قال :
يا معشر الأنصار ، مقالة بلغتني عنكم ، وجدة
وجدتموها علي في أنفسكم ، من أجل لعاعة تألفت بها قوم ليسلموا
، ووكلتكم إلى إسلامكم ، يا معشر الأنصار ، مقالة إن قلتموها
صدقكم الناس ، أما إنكم إن شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم به :
أتيتنا مكذباً فصدقناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فأغنيناك
)) .
[السيرة النبوية بسند صحيح]
أرأيت إلى هذا الوفاء ؟
وهو في قمة نجاحه ، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى
أقصاها .
(( يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم
الله بي ، ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ألم تكونوا أعداء
فألف بين قلوبكم ، يا معشر الأنصار ، أوجدتم علي في أنفسكم من
أجل لعاعة تألفت بها قوماً حتى يسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ،
يا معشر الأنصار ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ،
وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ قال : فبكوا حتى أخضلوا
لحاهم ، وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظا
)) .
أيها الإخوة ، هذه القصة أين
مكانها في السيرة ؟ مع وفاءه أم مع رحمته ؟ أم مع تواضعه ؟ أم
مع وضوحه ؟ أم مع حنكته في القيادة ؟ طوق الحادثة ، وامتص
النقمة ، وأعلن عن وفائه للأنصار ، وفي رواية أخرى :
((بل المحيى محياكم ، والممات
مماتكم )) .
((ولو سلك الأنصار شعباً ، وسلك الناس شعباً
لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء
أبناء الأنصار
)).
أنا لا أصدق أن في العالم كله إنسان أوفى من
رسول الله ، قال :
(( بل الدم الدم
، والهدم الهدم ، أنتم مني ،
وأنا منكم ، أحارب من حاربتم ،
وأسالم من سالمتم
)) .
قال كعب ، وقد قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
(( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على
قومهم بما فيهم
، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ،
منهم تسعة من الخزرج ، وثلاثة من
الأوس
)) .
هؤلاء النقباء هم نخبة ، هؤلاء
الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام ، وبعد هذه البيعة قام
العباس بن عبادة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : والله الذي
بعثك بالحق ، إن شئت لنميلن على أهل مِنى غداً بأسيافنا ،
نحارب معك غداً ، فقال عليه الصلاة والسلام : لم نؤمر بهذا .
كما قلت قبل قليل : هناك توجيه
رباني ألا يواجه المسلمون أحداً في مكة ، فقال عليه الصلاة
والسلام : لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، فرجعوا إلى
رحالهم .
وفي صباح اليوم التالي ـ الآن دققوا ـ في صباح
اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم
من بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعوتهم له بالهجرة ، هم
سألوا عامة أهل الخزرج ، فقال المشركون : وحلفوا بالله بأنهم
لم يفعلوا كذلك ، هم سألوا أناساً ما حضروا بيعة العقبة ،
فأسموا بالله أنهم ما فعلوا كذلك ، أرأيت إلى قول الله عز وجل
:
( سورة الحج الآية : 38 ) .
((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي
أعرف لك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين
ذلك مخرجا ، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته
إلا قطعت أسباب السماء بين يديه ، وأرسخت الهوى من تحت قدميه
)) .
[ أخرجه ابن عساكر عن كعب بن
مالك ] .
فحلفوا أنهم لم يفعلوا ذلك ،
مرة النبي أرسل سيدنا حذيفة في معركة ، وكان البرد شديداً ،
والجوع أشد ، والقلق أشد وأشد ، فأمره النبي أن ينطلق إلى
معسكر العدو ، وأن يجلس بينهم ليستمع إلى أخبارهم ، وماذا
يزمعون أن يفعلوا ، فجلس ، فقال أبو سفيان : لعل فيكم غريباً ،
ليتفقد كل منكم صاحبه ، فسيدنا حذيفة بتوفيق الله عز وجل بادر
، وأسرع إلى من على جنبه ، قال له : من أنت ؟ هو المطلوب ، قال
له : من أنت ؟ فأجابه .
إذا كان الله معك فمن عليك ؟
وإذا كان عليك فمن معك ؟ أحياناً الله عز وجل يحمي دعوة كبيرة
جداً بشيء بسيط جداً ، هذا الإسلام العظيم ، وهذا الدين القويم
الذي يدين له ثلث الأرض ، كيف حماه الله في الغار ؟ بالعنكبوت
، العنكبوت نسج ، فاستنبطوا أن هذا الغار ليس فيه أحد ،
والدليل العنكبوت ، لو كان فيه أحد لخرق هذا النسيج .
إن من تمام عظمة الله أن يكافئ
عباداً بأقل الأشياء ، وأضعفها ، ويمكن أن يدمر إنساناً بأقل
الأسباب .
وفي صباح اليوم التالي جاءهم
جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي صلى
الله عليه وسلم ، ودعوتهم له بالهجرة ، فحلف المشركون من
الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك ، والمسلمون ينظرون إلى
بعضهم ، وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام ، وعاد الأنصار إلى يثرب ،
وهم ينتظرون هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، والمسلمين بلهف
كبير .
( سورة التوبة الآيات : 38 ـ
39 ) .
إذا دعيت إلى خير فبادر إلى
فعل الخير ، لأنك إن لم تبادر فسيأتي من يبادر :
( سورة التوبة الآية : 39 ) .
آية دقيقة جداً : ﴿ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ
انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا
مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
﴾ إن لم تبادر فغيرك سيبادر ، إن دعيت إلى عمل صالح ،
واعتذرت وتنصلت ، وجئت بالحجج الواهية يأت غيرك ، ويأخذ شرف
هذا العمل ، لذلك إذا دعي الإنسان إلى خير من تمام توفيقه ومن
تمام عقله أن يسارع ، قال تعالى :
( سورة المطففين )
( سورة الصافات )
هذه بدايات الإسلام ، وبدأ
الدين غريباً ، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ، كما قال عليه
الصلاة والسلام :
(( أناس صالحون في قوم سوء
كبير )) .
وقد قال الإمام مالك : "
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " .
صلح أولها بإخلاص لله ، وصلح
أولها بمحبة رسول الله ، وصلح أولها بالتضحية بالغالي والرخيص
، والنفس والنفيس ، فما لم نعد سيرة السلف الصالح في التفافنا
حول النبي صلى الله عليه وسلم فليس هناك من أمل أن نتقي كيد
الكائدين ، وعدوان المعتدين .
أيها الإخوة الكرام ،
حقيقة دقيقة جداً يقول الله عز وجل :
( سورة الأنفال الآية : 33 ) .
وهذه الآية إلى يوم القيامة ،
لكن في حياة النبي ، ما دام شخص النبي بين ظهرانيهم فهم في
مأمن من عذاب الله ، ولكن بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم
إلى الملإ الأعلى فلها معنى آخر : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ، أي أن سنتك مطبقة
فيهم ، إذا طبقنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم فنحن في مأمن
من عذاب الله .
( سورة الأنفال ) .
أما إذا لم نطبق ، وخالفنا ثم
ندمنا ، واعتذرا واستغفرنا ، أيضاً فنحن في مأمن آخر ، نحن
آمنون إذا طبقنا منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، ونحن آمنون
إذا استغفرنا الله بعد التقصير في تطبيقه .
والشيء الدقيق جداً أن الله عز
وجل يقول :
( سورة آل عمران ) .
فعلامة محبة الله في قلبك أنك
تتبع النبي عليه الصلاة والسلام .
أيها الإخوة الكرام ،
أرجو الله في دروس قادمة أن نتابع فقه السيرة ، وننتقل بعدها
إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، والهجرة حركة
، والإسلام حركي ، وليس سكونياً ، والهجرة بمعناها الواسع وهذا
بإمكاننا أن نطبقه ، من هجر المنكر أو هجر المعصية أو المخالفة
فهو عند الله مهاجر .
والحمد لله رب العالمين |