|
فقه السيرة النبوية : الدرس 20 –
" عام الحزن "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، ولا يخفى عن الإخوة الكرام
أن العبرة من هذه الدروس أن نستنبط من فعل رسول الله
e
، ومن سيرته ، ومن مواقفه القواعد
الصحيحة في التعامل ، بل إن الأحداث التي وقعت في عهد
النبي صلى الله عليه وسلم وقعت وهي مقصودة لذاتها ،
وقعت ليقف النبي صلى الله عليه وسلم منها موقفاً
كاملاً يعبر به عن سلوك يرضي الله عز وجل .
ذلك أن الحقيقة حينما يعبر عنها
بالسلوك تكون أقوى في التأثير ، وسيرة النبي صلى الله
عليه وسلم لها وجه آخر ، وهو أن هناك مثالية حالمة ،
هناك من لا يلتفت إليها ، يقول
:
ليست واقعية ، وهناك واقع مرّ
مؤلم ، فالنفس تبتعد عن مثالية حالمة ، وعن واقعية
مقيتة ، ولكن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تجمع بين
المثالية والواقعية ، بحق يمكن أن نسميها واقعية
مثالية ، أو مثالية واقعية ، والناس لا يتعلمون
بآذانهم فحسب ، بل يتعلمون بعيونهم ، ولعل موقف النبي
صلى الله عليه وسلم الموقف العملي أبلغ في الدلالة على
فهم النبي في كتاب الله من كلامه ، الموقف العملي حدي
، بينما الكلام يحتمل التأويل .
فرأيي
في موضوع إذا كان كلامياً
فكلامي
يحتمل التأويل ، بينما إذا كان رأيي
في الموضوع سلوكياً ، السلوك حدي ، من هنا جاءت قيمة
فقه السيرة النبوية ، والنبي كما تعلمون صلى الله عليه
وسلم مشرّع
في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، وفي صفاته ،
وألصق شيء في حياتنا من هذا الدين العظيم سيرة النبي
عليه الصلاة والسلام .
إذاً نحن نتعلم من سيرة النبي الشيء
الكثير ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال :
( سورة الأحزاب )
لأن الله جعله أسوة حسنة أذاقه كل شيء
، أذاقه الفقر
قالت عائشة رضي الله عنها
:
((
دَخَلَ عَليّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله
عليه وسلم يَوْماً فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟
فَقُلْتُ
:
لاَ
، قَالَ
: فَإنّي صَائِم
)) .
[ مسلم]
وأذاقه الغنى ، سأله رجل : ((
لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال
:
هو لك ، قال : أتهزأ بي ؟! قال
:
لا ، قال
:
أشهد أنك تعطي عطاء من لا يخشى الفقر ،
أشهد أنك رسول الله )) .
[ رواه مسلم ] .
أذاقه القهر في الطائف ، كذبوه ،
وسخروا منه ، وأغروا صبيانهم بإيذائه ، فقال دعاءه
المشهور :
((
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي
، ولك العتبى
حتى ترضى ))
.
[ السيرة النبوية لابن هشام]
وأذاقه النصر في فتح مكة ، فسألهم : ((
ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا
:
أخ كريم
، وابن أخٍ
كريم ، قال
:
اذهبوا فأنتم الطلقاء
))
.
[ السيرة النبوية لابن هشام]
وأذاقه موت الولد ، فقال :
((
إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا
نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا لفراقك يا إبراهيم
لمحزونون
)) .
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ عن أنس رَضِيَ
اللَّهُ عَنهما ] .
وأذاقه موت الزوجة ، وأذاقه تطليق
البنات ، وأذاقه الهجرة ، لأن الله سبحانه وتعالى
أذاقه كل شيء وقف الموقف الكامل .
إخوتنا الكرام ، حقيقة دقيقة جداً ،
ليست بطولتك ألا تصاب بمصيبة ، حتى إن بعضهم سمى هذا
الإنسان الذي ينجو من كل مصيبة سمي بالعفريت النفريت ،
ولكن البطولة أنه إذا أصابتك مصيبة أن تقف الموقف
الكامل منها ، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف
نقف في المصائب الموقف الكامل .
وننتقل في سيرته صلى الله عليه وسلم
إلى حادثين مأساويين مؤلمين وقعا في السنة العاشرة ،
حتى سمى كتاب السيرة السنة العاشرة عام الحزن ، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم فقد إنسانيين ، الأول سنده
من الداخل ، والثاني سنده من الخارج ، فَقَدَ
خديجة زوجته الحبيبة ، وفَقَدَ
عمه أبا طالب الذي كان داعماً له في مكة.
إخوتنا الكرام ،
((
إن هذه الدنيا دار التواء لا دار
استواء ، ودار ترح لا دار فرح
، فمن عرفها
لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى
خلق الدنيا دار بلوى
، والآخرة دار عقبى
، فجعل بلوى
الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا
عوضا
، فيأخذ ويبتلي ليجزي
)) .
[ رواه الديلمي عن ابن عمر ] .
أيها الإخوة الكرام ، أنتم كمؤمنين
حينما توطنون أنفسكم على أن هذه الدنيا دار ابتلاء ،
منزل ترح ، إذا أيقنا أنها دار ابتلاء لا نفاجأ
، هكذا .
مرةً جيء بطيار قصف مدينة ، ووقع
أسيراً ، وأروه الدمار الذي سببه ، فابتسم وقال
:
هكذا الحرب ، الحرب غير ذلك ؟ هكذا
الحرب .
وأنت كمؤمن حينما توقن أنه لا بد من أن
تبتلى ، سيدنا الشافعي سُئل
: أندعو
الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ ابتسم ، وقال : لن تمكَّن
قبل أن تبتلى ، بل إن في حياة المؤمن مراحل ثلاث ، إما
أنها متمايزة ، أو متداخلة ، مرحلة التأديب ، ومرحلة
الابتلاء ، ومرحلة التكريم ، أحياناً تأتي شدة هي
تأديب لمخالفة ، أو تقصير ، أو تجاوز ، أو عدوان ، لأن
الله رب العالمين ، ولأننا في العناية المشددة ،
ولأننا في مستوى نفهم على الله .
وأنا أذكر لكم أن الذي يغرق في المعاصي
والآثام ، ولا يؤدبه الله عز وجل فهو ملعون ومنبوذ ،
وخارج العناية المشددة ، افرح إذا زلّت
قدمك ، وجاء التأديب ، المعنى أنه مطموع فيك ، المعنى
أنك مطلوب ، المعنى أنه بإمكانك أن تعود إلى الله .
تماماً لو جاء طبيباً مريض ، فحصه ،
فإذا فيه مرض الورم الخبيث المنتشر في كل أنحاء جسمه ،
لو أن هذا المريض سأل الطبيب
:
ماذا آكل ؟ يقول له
:
كُل كلَ شيء ، ماذا افعل ؟ افعل ما
تشاء ، أسافر ؟ سافر ، لأنه منتهٍ ، لا أمل ، مادام
لا أمل ولا معالجة ، لو جاء هذا الطبيب مريض معه
التهاب معدة حاد ، يعطيه قائمة طويلة من الممنوعات من
الطعام ، ويشدد عليه ، ويضغط عليه ، ويحذره إن تجاوز
هذه القائمة ، لماذا وقف هذا الموقف الشديد والعنيف ؟
لأن هذا المرض يشفى ، وهناك أمل في شفائه .
فأنت والله أبشرك ، وأبشر نفسي ، لمجرد
أنك إذا أخطأت ، أو تجاوزت ، أو قصرت ، أو زلت قدمك ،
أو خرجت عن منهج الله ، وجاء التأديب ، وجاء التوجيه ،
وجاءت الشدة فأنت ضمن العناية المشددة ، وأنت مطلوب
لرحمة الله ، هذه حقيقة .
فلذلك المصائب أنواع ، النبي عليه
الصلاة والسلام في السنة العاشرة للهجرة أصيب بمصيبتين
كبيرتين ، لكن يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم دائماً
، حينما قال مرةً :
وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : ((
لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر
خليلا ، ولكنه
أخي وصاحبي
، وقد اتخذ
الله صاحبكم خليلا
))
.
[مسلم]
الحقيقة الناصعة أن الله وحده حي وباق
على الدوام
،
وأن كل حال يزول
،
وإن كل مخلوق يموت
،
ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
والليل مهما طال فلا بد من طلوع
الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزل القبر
***
وإن كل ابن أنثى وإن طـالت
سلامته يوماً على آلة حـــــدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــــور جـنازة
فاعلـــــــم أنك بعدها محمول
***
إذاً البطولة لا أن تنجو من أية مصيبة
، البطولة أن تقف الموقف الكامل منها ، لكن ما دمنا في
مصيبتين كبيرتين ألمتا بسيد الخلق وحبيب الحق ، مصيبة
فقدِ
السند من الداخل بالسيدة خديجة ، ومصيبة فقدِ
السند من الخارج
،
أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم
، البطولة أن تقف الموقف الكامل من المصيبة ، الآن
المصائب تصيب المؤمنين ، قال تعالى :
( سورة البقرة ) .
مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع ،
ضعفت همته ، أفرغت صلاته من الخشوع ، قرأ القرآن فلم
يشعر بشيء ، تأتيه شدة تحثه على مضاعفة جهده ، تنعقد
صلته بالله عز وجل ، يكون قد قفز قفزة ، قفز وتابع ،
فكلما ضعفت همته ، وكلما بطأ سيره ، وكلما لانت إرادته
، تأتيه شدة تدفعه إلى الله عز وجل ، تعزز مسيرته ،
تقوي إرادته ، تسرع خطاه إلى الله عز وجل ، هذه مصيبة
الدفع ، لذلك ورد في بعض الآثار :
"
أن أوحى ربك إلى الدنيا أن تشدّدي
،
وتكدّري
،
وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي "
.
والله أيها الإخوة
،
رجل كان شارداً عن الله شروداً كثيراً
،
أصيب بأزمة قلبية
،
ودخل في العناية المشددة ، وألقي في رُوعه
أنه سيموت ، فناجى ربه
،
وقال
:
يا رب
،
أريد أن أقابلك عرياناً ، وبلا
عمل صالح ، أعطني مهلة كي أقابلك على عمل صالح ، مد
الله في عمره ، التزم
،
درس
، تعلم
، جاء إلى مسجدنا ، تأثر كثيراً ، ندم كثيراً ، بكى
كثيراً ، قال لي
:
مرةً
وأنا أناجي ربي قلت
:
يا رب
،
كل هذه السعادة التي منحتني إياها عقب
هذا المرض العضال
،
لمَ لم ترسل لي هذا المرض قبل عشر
سنوات ؟ من شدة سعادته .
يد الله يد رحيمة ، يد كريمة ، يد
معطاءة ، يد الله تعمل في الخفاء ، ربما أعطاك فمنعك ،
وربما منعك فأعطاك ، الحزانى في كنف الله ، الحزانى
معرضون إلى الرحمة ، إن الله يحب كل قلب حزين ، الحزن
خلاق ، الحزن يصنع البطولات ، يصنع الأمجاد ، ولكن
الرخاء ، والغنى ، والصحة ماذا تفعلان بالإنسان ؟ لا
تفعل شيئاً .
إذاً المصيبة الأولى دفع ، هناك مصيبة
أيضاً تصيب المؤمنين
،
رفع ، له عند الله مقام لم يبلغ هذا
المقام بعمله الصالح ، عمله أقلّ
من بلوغ هذا المقام ، فساق الله له شدة
،
إن صبر عليها ارتقى إلى هذا المقام ،
فإذا قلت
:
مؤمن المؤمن مبتلى ، والمؤمن مصاب ،
لكن مصيبته مصيبة دفع إلى الله
،
ورفع لمقامه ، والآية المتعلقة
بالمؤمنين
:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ
الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
.
أما العصاة والشاردون والكفار
والمشركون
فمصائبهم
نوعان : مصائب قصم
،
أو ردع
،
إذا في المليون
واحد
من الخير
فمصائب
ردع ، وإن علم الله أنه لم ينتفع بهذه المصيبة :
( سورة هود )
تأتي مصيبة القصم ، يبطش الله به ،
للكفار والمشركين المصيبة مصيبة ردع
،
إن كان
ثمة
بقية خير ، أو قصم حتى ينتهي كلياً .
بقيت مصائب الأنبياء والمرسلين ، هذه
مصائب كشف ، هؤلاء قمم البشر
،
ينطوون على كمال لا يظهر أبداً
بالأحوال العادية ، كما لو اقتنيت مركبة ، مثلاً 250
حصانًا
،
ومعظم المركبان من 15 إلى 20 ، 250 ،
هذه المركبة التي تسوق بقدرتها المركبات العادية عشرة
أمثال لا تبدو قيمتها في طريق مستوٍ
، ولا
في طريق نازل ، تبدو قيمتها في طريق صاعد تنطلق بأعلى
سرعة ، في هذا الطريق الصاعدة ، إذاً هذا المحرك القوي
جداً لا يظهر في الأحوال العادية ، لذلك مصائب
الأنبياء مصائب كشف
،
مصائب كشف لكمالاتهم ، إنسان يمشي على
قدميه ليس في الشام
،
في الحجاز
، درجة
الحرارة 56 ، بلاد لا نبات فيها ، جبال
وصحارى ، والحر لا يحتمل ، والله في بعض مواسم الحج إن
خرجت من البيت المكيف
،
والله كأنني داخل إلى فرن ، الساعة
العاشرة
ليلاً فرن ، في هذه البيئة القاسية الحارة مشى على
قدمين
،
لا بسيارة مكيفة ، لا ، مشى على قدميه
إلى الطائف ، كم كيلو قطع ؟ 80 كم ، من هنا إلى النبك
مشياً على قدمين
،
وجبال عالية
،
وطرق وعرة
،
وصل إليهم
،
ينتظر أن يؤمنوا به
،
ويدعموه ، ويعززوا موقفه بعد موت عمه
وزوجته ، فما كان منهم إلا أن كفروا به
،
وسخروا منه
،
وأغروا صبيانهم كي يضربوه ، وألجؤوه
إلى حائط ، ودعا ربه الدعاء المشهور
،
فقال
: ((
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي
،
ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع
لي
)) .
[السيرة النبوية لابن هشام]
جاءه ملك الجبال ، قال
:
يا محمد ـ الآن أعطي صلاحية الانتقام ـ
لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين .
إذا استفز إنسان إنسانًا
، وتمكن منه يسحقه ، قال
:
لا ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ،
لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، ما تخلى عن قومه
، ودعا لهم ، واعتذر عنهم ، ورجا لهم ذرية صالحة ، هذا
الموقف ، هذه مصيبة أن تُكذب ، وأن يُسخر منك ، و
تُضرب .
لكن مرةً خطر في بالي خاطر ، لماذا سمح
الله لهؤلاء الصبية أن يضربوا سيد الخلق
e
، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، ومن
أقسم الله بعمره الثمين ، ومن بلغ سدرة المنتهى ، في
المقام الأعلى ، لأن أية داعية إلى يوم القيامة لو أنه
أوذي في طلب دعوته له في رسول الله
e
أسوة حسنة ، جبر خاطر ، إذا كان سيد
الخلق قد ضُرب فأي داعية بسبب دعوته ذاق شدة ، أو فقد
حريته فله في رسول الله أسوة حسنة .
لماذا اتهمت السيدة عائشة في أعز ما
تملك امرأة ؟ لأن أية مؤمنة ليوم القيامة لو أنها
اتهمت خطأ وظلماً وعدواناً وهي بريئة مما اتهمت به
فلها في السيدة عائشة أسوة حسنة .
أيها الإخوة ، إذاً المصائب مصائب رفع
ودفع للمؤمنين ، ومصائب ردع وقصم
للكفار والمشركين ، ومصائب كشف للأنبياء والمرسلين .
إذاً
في
حياة المؤمن مرحلة اسمها التأديب ، ومرحلة اسمها
الابتلاء ، الطالب أجاب إجابة صحيحة ، يقول له المدرس
:
متأكد ؟ يقول
:
لا ، أخطأت ، الآن يمتحن ، هل متأكد من معلوماته ، أم
سمع هذه الكلمة من صديق له ، الابتلاء ليس شرطاً أن
يسبقه معصية ، الابتلاء امتحان المصداقية ، امتحان
التأكد ، فمرحلة يؤدب فيها المؤمن ، ومرحلة يبتلى
ويمتحن ، وفي مرحلة يكرم ، هذه المراحل تكون متمايزة
أو متداخلة ، لكن أطمئنكم أن حياة المؤمن أدبه الله ،
واستقام على أمره ، والذي امتحنه الله ، ونجح في
الامتحان لا تستقر ، ولا تستمر إلا على الإكرام ، هذا
معنى قوله تعالى :
( سورة النحل الآية : 97 ) .
هذا معنى قوله تعالى :
( سورة الرحمن ) .
هذا معنى قول بعض العلماء : " في
الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة
"
، هذا معنى قوله تعالى :
( سورة الرعد ) .
هذا معنى قول أحد العارفين :
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه
لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولـــــو سمعت أذناك حسن خطابنا
خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة
عذرت الذي أضحى قتيلاً في حبنا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة
لــــمت قتيلاً و اشتياقاً لقربنا
***
إذاً هذه المصائب ، وتلك حكتها ، وتلك
الإجراءات التي تقتضي سلامة المؤمن ، مرحلة التأديب ،
مرحلة الامتحان ، مرحلة التكريم .
لكن أيها الإخوة ، كتعليق دقيق جداً ،
ونحن في أمسّ
الحاجة إلية ، الله عز وجل كريم ، لطيف ، ورحيم ، في
حديث قدسي أيها الإخوة يذوب القلب له ، يقول ربنا جل
جلاله فيما يرويه عنه النبي صلى الله عليه وسلم :
(( ما ترددت
ـ الله لا يتردد ـ
ما ترددت في شيء
أنا فاعله
ترددي في قبض روح عبدي المسلم
، يكره الموت ،
وأنا أكره مساءته ولا بد له من الموت
)) .
[ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ]
.
رنا عز وجل قبل أن يقبض عبده المؤمن
إليه يتردد ، هكذا الحديث ، ((
أكره مساءته
))
، هو يكره الموت ، ((
وأنا أكره مساءته
))
، فالله عز وجل يرحم ، ((
وأنا أكره مساءته
))
، إذاً الله عز وجل قبل أن يسوق
للإنسان المصيبة لا بد من أنها ضرورية جداً ، فلذلك
الله عز وجل يبدأ بالهدى البياني ، وأنت صحيح معافًى ،
تتمتع بحواسك الخمس ، ولك بيت وأهل وزوجة ، ولا تشكو
من شيء ، يسمعك موضوعاً إسلامياً ، يبين لك خطيب مسجد
، وأنت جالس في المسجد حكماً شرعياً ، أو موقفًا
لصحابي كبير ، هذا اسمه الهدى البياني ، بيان فقط ،
مرتاح ، خطبة ، درس ، كتاب مقالة ، ندوة ، يبين الله
لك الحقيقة ، وأنت صحيح معافى ، هذا اسمه الهدى
البياني ، أكمل موقف هذا للهدى البياني أن تستجيب لله
:
( سورة الأنفال الآية : 24 ) .
فإن لم نستجب أخضعنا الله لإجراء آخر ،
التأديب التربوي :
( سورة السجدة ) .
أكمل موقف في التأديب التربوي أن تتوب
إلى الله ، فإن لم تتب أخضعك الله لإجراء ثالث ،
الإكرام الاستدراجي :
( سورة الأنعام الآية : 44 ) .
فإن لم تذكر وتعُدْ
إلى الله جاء الإجراء الرابع الذي لا بد منه ، وهو
القصم ، دعوة بيانية ، تأديب تربوي ، إكرام استدراجي ،
قسم ، هكذا ، فأسأل الله لي ولكم أن نكون في المرحلة
الأولى ، بالمرحلة الأولى الهدى البياني .
فكانت مصيبة النبي صلى الله عليه وسلم
كبيرة بوفاة عمه أبي طالب ، وزوجته أم المؤمنين خديجة
بنت خويلد رضي الله عنها ، في آخر السنة العاشرة من
بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن غادر المسلمون
، هذه بعد المقاطعة التي استمرت سنوات ثلاثًا
، وكان أبو طالب يحوط النبي
e
، ويغضب له ، ولكن الشيء والله الذي
أتمنى ألا أذكره أن أبا طالب رغم كل جهده في صون النبي
e
، وفي الدفاع عنه ، وفي تعزيز مكانته
لم يُسلِم
، هذا المغزى خطير جداً ، العمل الصالح إن لم يُبْنَ
على الإيمان
فلا
قيمة له ، وما من إنسان في أول البعثة قدم خدمة لسيد
الأنام كعمه أبي طالب ، ومع ذلك لم يُسلِم
، وكان أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ،
ويغضب له ، كما كان ينصره ، وكانت قريش تحترمه ، وقد
جاء زعمائها حين حضرته الوفاة ، فحرضوه على التمسك
باللات
والعزى
، وعدم الدخول في الإسلام ، وعرض عليه النبي صلى الله
عليه وسلم الإسلام بإلحاح طالباً منه أن يتلفظ
بالشهادتين ليشهد له بها يوم القيامة ، وكان رد عمه
عليه
:
لولا أن تعيرني
بها قريش ، يقولون
:
إنما حمله عليها الجزع ، لأقررت بها عينك ، رفض أن
ينطق بالشهادة ، ولا أحب أن أكمل ، وهذه حكمة بالغة أنه
ما مِن عمل إن لم يُبْن
على إيمان بالله
فهذا
العمل يكون هباءً منثورا .
أيعقل أن يموت الإنسان ، وهذا الكون
كله ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، أنزل الله
عز وجل بعد هذه الحادثة :
( سورة القصص ) .
فإذا كان أيها الإخوة
منا
مؤمن بخالق الأكوان فهو في نعمة كبيرة
، هناك من لا يستطيع أن ينطق بالشهادة عند الموت ، بل
عند الموت يذكر الإنسان الشيء الذي كان مهتماً به في
حياته ، فالذي أمضى حياته في لعب النرد لا يذكر وقت
مغادرة الدنيا إلا لعب النرد ، والذي أمضى حياته في
المعاصي والآثام لا يذكر إلا المعاصي والآثام .
الآن مع الألم الشديد هناك روايات
كثيرة تناقض هذا الكلام لا أصل لها ، أنهما بعد الموت
بعثا وأسلما ، أو أنهما أسلما ، الروايات الأخرى ليست
موثقة ، وليست صحيحة ، فنحن لا علاقة لنا بذلك ،
الله عز وجل هو ربه ، وهو يتولى أمره ، ونحن نتألم
ألماً شديداً ، ونتمنى أن هذا الإنسان الذي أحاط
الدعوة بكل طاقته ، وأمدها بقوته ، ودافع عن النبي صلى
الله عليه وسلم لعل الله يقبل منه هذا العمل الطيب ،
وتقييم العباد اطمئنوا ، تقييم العباد من شأن الله
وحده ـ .
أما ما نقله ابن إسحاق من
أن
العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه ،
فقال للنبي صلى الله عليه وسلم
:
يا ابن أخي ، والله لقد قال أخي الكلمة
التي أمرته أن يقولها ، فقال عليه الصلاة والسلام لم
أسمع ، فهو خبر لم يصح .
لا نريد وهمًا
مريحًا
، نريد حقيقة مُرّة
، الوهم المريح ما له قيمة ، مثلاً
:
ما الذي يحدث الآن ؟ يكون تاركًا
للصلاة ، ما توجه إلى القبلة في حياته ، وماله حرام ،
وغارق بالمشروبات ، يموت ، يقول أهله
:
رأيناه في الرؤيا كبة نور ، يرتدي ثيابًا
بيضاء ، هذا كلام لا يصح ، أرح نفسك من تقييم الأشخاص
، تقييم الأشخاص من شأن الله وحده ، وأنت حينما تقييم
تطاولت على الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان
عند أحد أصحابه ، وقد توفاه الله ، واسمه أبو السائب ،
فسمع امرأة تقول
:
هنيئاً لك أبا السائب ، لقد أكرمك الله
، لو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً ، فسألها
:
ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قال
:
قولي : أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبي
مرسل لا أدري يفعل بي ولا بكم ، وهو سيد الخلق ، هذا
سماه العلماء التألّي
على الله أن تقول
:
فلان من أهل الجنة ، من أنت ؟ قل
:
أرجو أن يكون من أهل الجنة ، أو تقول
:
فلان في النار ، من قال لك ذلك ؟ إذا
تاب قد يسبقك ، فأن تحكم على العباد مستقبلاً هذا تألي
على الله ، وهذا تطاول على الذات الإلهية .
بل إن العلماء السابقين رحمهم الله
تعالى إن كلفوا بتقييم إنسان يقولون
:
نحسبه صالحاً ، ولا نزكي على الله
أحداً .
لما استخلف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه
عمر بن الخطاب ، وخوفه بعض الصحابة بأن عمر شديد على
أصحابه ، فقال الصديق
:
أتخوفونني
بالله ؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة
:
لمَ وليت عليهم عمر لأقولن
له
:
يا رب استخلف وليت عليهم أرحمهم ، هذا
علمي به ، فإن بدل وغيّر
فلا علم لي بالغيب ، هذا علمي به ، فإن بدل وغيّر
فلا علم لي بالغيب .
تأدب مع الله ، لا توزع ألقاب الهلاك
والإيمان على من حولك ، قل
:
أحسبه صالحاً ، ولا أزكي على الله
أحداً ، إن رأيت إنساناً عاصياً ، هو الآن عاصٍ ، لكن
قد يتوب ويسبقني ، لكن ، هناك أناس يجعلون الدين شيئًا
غير مقول ، أحياناً يرون شارب خمر ، هذا وليّ
، لا نعرف نحن ، لا هذا ليس ولياً ، هذا شارب خمر ،
أناس يتأولون ، ويتألّون
على الله ما ليس من حقهم
.
مثلاً : الإمام الغزالي رحمه الله
تعالى ، هذا الإنسان العظيم الذي ترك الإحياء ، قال
بعد أن مات ، ورآه بعض تلاميذه في الرؤيا ، وقد قيل له
:
يا إمام ، ما فعل الله بك ؟ قال
:
لم ينفعني عملي من شيء ، له أعمال
كالجبال ، قال
:
لم ينفعني من عملي شيء ، لكن الله غفر
لي بذويبية ـ كائن متحرك ، حجمه أقل من واحد على مئة
بالميليمتر ، نقطة سوداء تتحرك على الكتاب ، هذه
الذويبية ، قال
:
وقفت ذويبية على كلمة كتبتها لتشرب من
الحبر ، فانتظرتها ، فرحمني الله بها ، هذا خلل في
الدين ، أعمال ، مؤلفات ، وهاجر ، حتى يقنعك أن الدين
ليس بالعمل ، أما الحقيقة : ادخلوا الجنة برحمتي
واقتسموها بأعمالكم .
( سورة النحل ) .
أي اقتسموا الجنة بأعمالكم ، أما أصل
دخولها
فبرحمة
الله .
وقد فَقَدَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاة عمه سنداً كبيراً
، إذ لم يعد بنو هاشم مستعدين يعد لتقديم القدر نفسه
من الحماية للنبي
e
لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسية ،
كما تبين من المقاطعة ، أما خديجة بنت خويلد
فإنها امرأة عملاقة ، إنها امرأة تعلم النساء جميعاً
كيف تكون الزوجة ، لا تنسوا أن النبي صلى الله عليه
وسلم حينما فنح مكة دعاه سادتها لبيت عندهم ، قال
:
انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ، وركز
لواء النصر أمام قبرها ، ليعلم العالم كله أن هذه
المرأة التي في القبر شريكته في النصر ، أما خديجة بنت
خويلد رضي الله عنها فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى
المدينة بثلاث سنين ، في عام وفاة أبي طالب نفسه ،
وكانت خديجة وزيرة صدق .
إخوانا الكرام ، هناك ملمح في هذه
المرأة لا يصدق ، حينما جاءه الوحي ، وجاء إلى البيت
مضطرباً عليه الصلاة والسلام ، ماذا قالت له ؟ لم يأتِ
الوحي بعد ، لم تستمع لكلمة
من الوحي ، ولم تأتِ السنة بعد ، قالت
:
والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتطعم
الجائع ، وتكسو العاري ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ،
وتصل الرحم ، وتعين نوائب الدهر ، أنى
لها هذه المعرفة ؟ هذه الفطرة .
أنا أقول لكم أيها الإخوة
:
والله لا أعتمد إلا على الله ، أي شاب
مؤمن ، مستقيم يجب أن يتفاءل مهما تكون الظروف صعبة
.
( سورة السجدة ) .
( سورة القلم ) .
( سورة الجاثية ) .
دقق فيما سأقول
:
مستحيل ، وألف ألف ألفِ
مستحيل أن يعامل المستقيم كالمنحرف ، والصادق كالكاذب
، والأمين كالخائن ، والمنصف كالجاحد ، وأن يستوي
هؤلاء مع هؤلاء ، هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب ـ
دققوا فيما سأقول ـ
بل
يتناقض مع وجو د الله ، بأي زمان كنت ،
بأي مكان ، بأي ظرف صعب ، بأي حالة اضطراب ، لك معاملة
خاصة .
( سورة الأنبياء ) .
يا معاذ ،
((
سأل النبي معاذ بن جبل ، وكان رديفه
على الدابة ، ما حق الله على عباده ، فقال
:
الله ورسول أعلم ، فأعاد
عليه السؤال ثانية ، يا معاذ ، ما حق الله على عباده
؟
قال : الله ورسول أعلم ، ثم سأله ثانية
، ما حق الله على عباده
؟
فقال عليه الصلاة والسلام : حق الله
على عباده أن يعبدوه ، وألا يشركوا به شيئاً ، ثم سأله
يا معاذ ـ الآن دقوا ـ ما حق العباد على الله إذا هم
عبدوه ؟ قال
:
الله ورسول أعلم ، سأله ثانية ، وثالثة
، ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ فقال عليه
الصلاة والسلام : حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا
يعذبهم
))
.
[مسلم]
اطمئنوا ، أنت إذا عبدت الله أنشأ الله
لك حقاً عليه ألا يعذبك ، لذلك
: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
﴾ .
( سورة الروم ) .
أيها الإخوة الكرام ، ننتقل في درس
قادم إن شاء الله إلى رحلة النبي صلى الله عليه وسلم
إلى الطائف ، وهذا العام ، العام العاشر هو عام الحزن
، لأن النبي فقد سنده من الداخل ، وفقد سنده من الخارج
، فسماه علماء السيرة عام الحزن ، ولنا في رسول الله
e
أسوة حسنة .
والحمد لله رب العالمين |