|
فقه السيرة النبوية : الدرس 19 –
مقاطعة المشركين لرسول الله
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا
علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، واليوم ننتقل إلى المقاطعة
، ودخول المسلمين في شِعب أبي طالب ، وقبل أن أبدأ عن
تفاصيل هذه المقاطعة يجب أن تعلموا علم اليقين أن
الإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان ، وأن المؤمن هو
المؤمن ، وأن الكافر هو الكافر ، وأن أعداء الحق هم
أعداء الحق ، وأن التاريخ يعيد نفسه ، ألا تُستخدم
المقاطعة اليوم كإجراء كيدي من المسلمين ؟ .
المقاطعة أسلوب من أساليب معركة الحق
والباطل التي هي أزلية أبدية ، والإنسان أيها الإخوة
حينما يتوقع المتوقع لا يفاجئ ، أنا أتمنى على كل أخ
مؤمن أن علم اليقين أن معركة الحق والباطل معركة أزلية
أبدية ، هكذا شاءها الله عز وجل ، ليرقى المسلم إلى
أعلى عليين ، قال تعالى :
( سورة محمد الآية : 4 ) .
أضرب لكم بعض الأمثلة :
لو أن إنساناً عنده مطعماً يبيع الخمر
، وتاب إلى الله توبة نصوحًا ، الذي يحصل أن الدخل
لهذا المطعم يقلّ إلى العشر ، أليس الله قادراً أن
يجعل الدخل يتضاعف بعد التوبة ؟ شيء بديهي ،
ولكن حكمة الله جل جلاله تقتضي أن يدفع هذا التائب ثمن
قراره البطولي ، ليكون هذا الثمن وسام شرف له يرقى به
في أعلى عليين ، كان من الممكن عقب توبته أن يتضاعف
دخله ، ولكن الذي يحصل أن الدخل يهبط إلى العشر ،
أولاً : هو امتحان ، أنت تريد إرضاء الله أم تريد
تضخيم دخلك ؟ ثانياً : ليكون هذا الثمن ثمن توبته ،
وليكون هذا الثمن ثمن قراره البطولي ، هذا المعنى
مأخوذ من قوله تعالى :
( سورة التوبة الآية : 28 ) .
إذاً منع المشركون من دخول بيت الله
الحرام ، وهذا المنع بالمنظور الاقتصادي هو حصار ، هذا
المنع يقلل العوائد ، والآن السياحة في معظم بلاد
العالم تعبد من دون الله من أجل السياحة نضحي بأخلاقنا
، وبأعراضنا ، وبقيمنا ، وبمبادئنا ، فالله عز وجل
يقــول : ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ
هَذَا ﴾ ما النتائج ؟ .
( سورة التوبة الآية : 28 ) .
أي فقراً .
( سورة التوبة الآية : 28 ) .
وكأن هذه الآية تبين أن دفع الثمن لا
بد منه ، ولكن بعد ذلك حينما يعلم الله من هذا التائب
الصدق والإصرار ، وحينما يضحي هذا التائب بدخله الكبير
إرضاءاً لربه العظيم ، عندئذٍ يفتح الله عليه ، ويعوض
له هذه الخسارة ، ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
فَسَوْفَ ﴾ ، بعد حين ،
﴿ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ .
إذاً الإنسان إذا وقف موقفاً بطولياً ،
وقف موقفاً يرضي الله ربما يكلفه هذا الموقف ثمناً
باهظاً ، هذا الثمن هو ثمن قراره البطولي ، فأنت حينما
توطن نفسك على أن البطولة في دفع الثمن باهظاًَ ،
عندئذٍ لك الجنة التي فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن
سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فالإنسان هو الإنسان ،
والمؤمن هو المؤمن ، والكافر هو الكافر ، والمنافق هو
المنافق ، وملة الكفر واحدة .
لماذا كانت المقاطعة ؟ ذلك لأن قريشاً
حينما أرسلت وفداً إلى النجاشي ، وكانت الهجرة إلى
الحبشة موضوع الدرس السابق ، حينما أرسلت وفداً إلى
النجاشي ، يطلب من النجاشي أن يعيد هؤلاء المهاجرين
إلى قريش لينكلوا بهم ، منعهم النجاشي ، وحماهم ،
وأمّنهم في بلده ، فأخفقوا ، وحينما أسلم سيدنا الحمزة
خفت حدة الإيذاء للمسلمين ، وحينما أسلم سيدنا عمر بن
الخطاب استطاع المسلمون أن يصلُّوا في بيت الله الحرام
، فالمسلمون في مكة آمنون بسبب أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه ، وأن حمزة رضي الله عنه أسلما ، وكانا من
كبراء قريش ، والمؤمنون في الحبشة بقوا آمنين مطمئنون
، يمنعهم النجاشي من أن يعتدي أحد عليهم ، لذلك فكرت
قريش بموضوع المقاطعة .
وقد ذكر البخاري في صحيحه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قد حدد مكان خيف بني كنانة موضعاً
تقاسمت فيه قريش ؛ أي أقسمت على أن تناهض هذا الدين ،
وعلى أن تبقى على كفرها وشركها ، وتحالفت على مقاطعة
بني هاشم ، بنو هاشم تعاطفوا مع النبي صلى الله عليه
وسلم ، هم أهله ، فلما تعاطفت بنو هاشم مع النبي صلى
الله عليه وسلم اتخذت قريش قراراً بمقاطعتهم جميعاً ،
إلا أنه لم تثبت رواية في تفاصيل حادثة مقاطعة قريش
للمسلمين ، وفي تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب ،
على الرغم من أن أصل الحادث ثابت ، حدث المقاطعة
ثابت ، لكن التفاصيل التي وردت في كتب السيرة أسانيدها
ضعيفة لم تثبت بعد ، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع
تفاصيل الحادث تاريخياً ، الحادث حادث المقاطعة ثابت
تاريخياً ، والموضع التي تمت فيه قرارات المقاطعة ثابت
أورده البخاري في صحيحه ، لكن التفاصيل موجودة ، إلا
أن الأحاديث التي أوردتها لا ترقى إلى مستوى الصحة .
ولقد وردت الأخبار عن المقاطعة ، ودخول
المسلمين الشِعب في مراسيل عروة بن الزبير ، وتلاميذه
الزهري ، وأبي الأسود ، أما عن تاريخ بداية الحصار
فإنه وقع بعد إخفاق قريش في استعادة المسلمين
المهاجرين إلى الحبشة ، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم قد كثروا ، وعزوا بعد إسلام
حمزة بن عبد المطلب ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ،
وأن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة قد نزلوا بلداً
أصابوا به أمناً وقراراً ، وأن النجاشي منع المسلمين
وأمنهم ، وأن الإسلام بدأ ينتشر في القبائل هاجها
الأمر ، واشتد بلائها على المسلمين في مكة ، وعزمت
قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد ذكرت لكم من قبل أن عمير بن وهب
قال لصفوان : لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها ، ولولا
أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت ، وقتلت
محمداً ، وأرحتكم منه ، فقال له صفوان : أما أولادك
فهم أولادي ما امتد بهم العمر ، وأما ديونك فهي علي
بلغت ما بلغت ، فامضِ بما أردت ، فلذلك عمر بن وهب سقى
سيفه سماً ، وامتطى راحلته ، وتوجه إلى المدينة
المنورة ليقتل محمداً صلى الله عليه وسلم ، وصل إلى
المدينة رآه عمر ، فقال : هذا عدو الله عمير جاء
المدينة يريد شراً ، وقيده بحمالة سيفه ، وساقه إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ، دخل على النبي ، وهو يقوده
مقيداً ، قال له عليه الصلاة والسلام : أطلقه يا عمر ،
قال عمر : هذا عدو الله جاء يريد شراً ، قال : يا عمر
أطلقه ، فأطلقه ، قال : ابتعد عنه ، فابتعد عنه ، قال
: ادنُ مني يا عمير ، فدنا منه ، قال : اجلس ، فجلس ،
قال : سلم علينا ، فقال عمير : عمت صباحاً يا محمد ،
قال له : قل : السلام عليكم ، قال : لست بعيد عهد
بسلام الجاهلية ، هذا سلامنا ، قال له النبي الكريم :
يا عمير ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ بقلب كبير ، قال :
جئت أفك ابني من الأسر ، قال : وهذا السيف الذي على
عاتقك ؟ قال : قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم
بدر ؟ قال : يا عمير ، ألم تقل لصفوان : لولا ديون
ركبتني ما أطيق سدادها ، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت
من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه ؟ وقف عمير ،
وقال : أشهد أنك رسول الله ، لأن الذي قلته لصفوان كان
بيني وبينه ، ولا يعلمه أحد إلا الله ، وأنت رسول الله
، وأسلم .
أما صفوان بن أمية فكان يتوقع خبراً
ساراً للمشركين ، كان ينتظر على أبواب مكة يسأل
الركبان عن خبر سار ، وهو قتل النبي صلى الله عليه
وسلم ، فأخبر أن عمير بن وهب قد أسلم .
أيها الإخوة ، النبي عليه الصلاة
والسلام كان خبيراً بقلب العدو إلى صديق ، بينما هناك
أناس ببساطة بالغة يحولون أصدقائهم إلى أعداء ، قلبه
كبير ، نفسه مشرقة ، يأنس الإنسان به بل يأنس عدوه به
.
أيها الإخوة ، الشيء الذي قد نفاجأ به
أن قريشاً هاجها الأمر ، واشتد بلائها على المسلمين ،
وعزمت على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا قرارها
، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم شعبهم ، وأن يحموه ، فدخلوا الشعب
جميعاً مسلمهم وكافرهم ، ولم يشذ عن ذلك إلا أبو لهب
بن عبد المطلب ، فقد انحاز إلى كفار قريش وظاهرهم .
في هذه المناسبة ورد عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال :
(( لقد أوذيت في الله
، وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله
، وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم
وليلة ، وما لي ولبلال
طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال
))
.
[ رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن
ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ] .
وقد يسأل أحدكم : ما ذنب النبي
صلى الله عليه وسلم ، وهو المعصوم أن
يذوق الخوف والأذى ، والجوع ؟ الجواب : النبي قدوة لنا
، قدوة لنا في السراء ، وقدوة لنا في الضراء .
مثلاً : النبي صلى الله عليه وسلم ذاق
الفقر ، كان إذا دخل البيت يسأل : ((
أعندكم طعام ؟ يقال له : لا ، يقول : فإني صائم
)) .
[مسلم عن عائشة]
النبي صلى الله عليه وسلم ذاق الغنى ،
عقب بعض الغزوات سأله أمير من أمراء العرب : لمن هذا
الوادي من الغنم ؟ قال : هو لك ، قال : أتهزأ بي ؟ قال
: لا والله ، هو لك ، قال : أشهد أنك رسول الله ، تعطي
عطاء من لا يخشى الفقر ، ذاق الفقر ، فكان قدوة في
الصبر ، وذاق الغنى ، فكان قدوة في العطاء ، وذاق
النبي النصر في فتح مكة ، دخل مكة ، وقد كادت ذؤابة
عمامته تلامس عنق بعيره ، فكان متواضعاً ، وذاق القهر
في الطائف ، فقال : ((
يا رب ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى
حتى ترضى
)) .
[السيرة النبوية لابن هشام]
ذاق الفقر فكان قدوة ، وذاق الغنى فكان
قدوة ، وذاق النصر فكان قدوة ، وذاق القهر فكان قدوة ،
وذاق موت الولد دمعت عيناه :
(( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ،
وَالقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما
يُرْضِي رَبَّنا ، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا
إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ )) .
[ رواه البخاري عن أنس رضي الله عنهما
] .
وذاق تطليق ابنتيه ، وذاق أن يقول
الناس عن زوجته الطاهرة : زانية ، حديث الإفك فصبر ،
وذاق الهجرة ، اقتلع من جذوره ، وبعض أصحابه وصف له
مكة في أيام الربيع ، فدمعت عينه ، وقال : لا تشوقنا
يا أُصيل ، ذاق الهجرة ، وذاق موت الولد ، وذاق تطليق
البنات ، وذاق الفقر ، وذاق الغنى ، وذاق النصر ، وذاق
القهر فكان قدوة ، لذلك يقول الله عز وجل :
( سورة الأحزاب ) .
فأجمعت قريش على قتل النبي صلى الله
عليه وسلم ، فأراد بنو عبد المطلب أن يحموا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فأدخلوه شعبهم ، وحموه بذلك ،
فدخلوا الشعب جميعاً مسلمهم وكافرهم ، ولم يشذ عن ذلك
إلا أبو لهب ، فقد انحاز إلى كفار قريش وظاهرهم ،وأجمع
مشركو قريش أمرهم ، وائتمروا بينهم على ألا يجالسوا
بني هاشم وبني عبد المطلب ، وألا يخالطوهم ، وألا
يبيعوهم ، وألا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا ، حينما
حوصرت بعض البلاد الإسلامية أقول لكم نتائج المحاصرة :
راتب أعلى رتبة في الجيش وصل لمستوى
علبة من علب البيض ، حينما تكون المحاصرة يكون بلاء
كبير ، اسألوا الله العافية ، لذلك قال النبي الكريم :
(( لقد أوذيت في الله
، وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله
، وما يخاف أحد ، ولقد أتت
علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله
ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال
))
.
[ رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن
ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ] .
الآن قريش قاطعت بني هاشم ، وبني عبد
المطلب ، لا يبيعونهم ، ولا يشترون منهم ، ولا
يجالسونهم ، ليضغطوا عليهم كي يضغطوا على محمد صلى
الله عليه وسلم ، فيعود عن هذه الدعوة ، بل كان شرطهم
قاسياً جداً ، هذه المقاطعة لا تنتهي حتى يسلموا
محمداً ليقتلوه ، هذا الثمن ، تبقى المقاطعة مستمرة
إلى أن يسلم بنو هاشم وبنو عبد المطلب محمداً إلى قريش
ليقتلوه ، وكتبوا بهذه المقاطعة صحيفة علقوها في جوف
الكعبة المشرفة ، في هلال المحرم عام سبع من بعثة
النبي صلى الله عليه وسلم ، في السنة السابعة من بعثة
النبي صلى الله عليه وسلم تمت هذه المقاطعة .
أيها الإخوة ، جزم بعض كتاب السيرة أن
المقاطعة استمرت ثلاث سنين ، صمد خلالها المسلمون ،
ومن شايعهم من بني هاشم ، وبني عبد المطلب ، واشتد
عليهم البلاء والجهد والجوع ، ولم يكن يأتيهم من
الأقوات إلا خُفية ، يعني تهريباً ، وكان ممن يصلهم
حكيم بن خزام ، وهشان بن عمر العامري ، وزهير ابن أبي
أمية ، والمطعم بن عدي ، وزمعة بن الأسود ، وأبو
البحتري بن هشام ، وكانت تربطهم ببني هاشم وبني عبد
المطلب صِلات كثيرة ، ما الذي حدث بعد هذه المقاطعة ؟
اشتد البلاء .
بالمناسبة أيها الإخوة ، كل محنة
وراءها منحة من الله ، وكل شِدةٍ وراءها شَدةٌ إلى
الله ، ومن سياسة ربنا جل جلاله أنه إذا امتحن المؤمن
، ونجح في الامتحان فله بعد الامتحان مكافئة كبيرة ،
حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف ،
وحينما بالغ أهل الطائف في إيقاع الأذى به ، بل ضربوه
، وسخروا منه ، وكذبوه ، ورفع يديه إلى السماء وقال :
(( يا رب
، إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة
حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ،
إلى من تكلني ؟ إلى صديق
تجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب
علي فلا أبالي ، ولك العتبة حتى ترضى ، لكن عافيتك
أوسع لي
))
.
[ رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]
.
ما الذي حدث بعد الطائف ؟ الذي حدث كان
الإسراء والمعراج ، وقد بلغ النبي سدرة المنتهى ، وقد
أعلمه الله عز وجل أنه سيد ولد آدم ، وأنه سيد
الأنبياء والمرسلين ، دققوا في هذا الكلام ، المؤمن
الصادق المستقيم ، إذا ابتلاه الله بابتلاء وصبر ، بعد
هذا الابتلاء منحة كبيرة ، وإذا شدد الله عليه فصبر
بعد هذه الشِدة شَدةٌ إلى الله عز وجل
.
((عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ
، إِنّ أَمْرَهُ كُلّهُ خَيْرٌ
، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاّ لِلْمُؤْمِنِ ،
إِنْ أَصَابَتْهُ سَرّاءُ شَكَر َ، فَكَانَ
خَيْراً لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرّاءُ
صَبَرَ ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ
وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ المُؤْمِنِ))
.
[ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبي يحيى صهيب
بن سنان ] .
بل إن هذه الشدائد التي تصيب المؤمن
وردت في القرآن الكريم على أنها نعم باطنة ، قال تعالى
:
( سورة لقمان الآية : 20 ) .
هي نعم باطنة ، فلما كان رأس ثلاث سنين
، بعد سنوات ثلاث من هذه المقاطعة تلاوم رجال من قريش
، يعني لام بعضهم بعضاً على ما حدث ، واجمعوا على نقل
الصحيفة ، وقد أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه
لم يبقَ فيها سوى كلمات الشرك والظلم ، وهكذا انتهت
المقاطعة ، وكان خروج المسلمين من الشِعبِ السنة
العاشرة من البعثة ، استمرت هذه المقاطعة ثلاث سنين .
بالمناسبة أيها الإخوة ، الطاعات ،
والابتلاءات تنقضي ، وتبقى ثمرتها ، والدنيا بمباهجها
وشهواتها تنقضي أيضاً ، وتبقى تبعاتها ، يعني الشر
ينتهي ، ويبقى أجر الصبر ، والخير ينتهي ، وتبقى
تبعة التفلت ، لذلك سأل ملك وزيره : أنبئني بحكمة إن
كنت فرحاً أحزن ، وإن كنت حزيناً أفرح ، فقال له : كل
حال يزول .
( سورة النحل الآية : 127 ) .
( سورة الإنسان ) .
( سورة الضحى ) .
( سورة هود ) .
لما خرج قارون على قومه بزينته :
( سورة القصص ) .
إخوتنا الكرام ، شاءت حكمة الله أن
يكون الإنسان عجولاً ، لأنه إذا اختار الآخرة اختار
شيئاً بعد الموت ، قاوم رغبته ، وقاوم جبلته ، ولهذا
يرقى .
أيها الإخوة ، وعلى الرغم من المقاطعة
، وما أصاب المسلمين من جرائها من معاناة فإن النبي
صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عن الدعوة ، فقد كان يخرج
في الموسم يلتقي من يقدم إلى مكة للحج ، ويعرض عليهم
الإسلام ، كما كان يعرض ذلك على كل من يتصل به من
مشركي قريش ، فلإنسان المؤمن لا يغير ولا يبدل ، هدفه
ثابت ، وقيمه ثابتة ، وسلوكه ثابت ، والله سبحانه
وتعالى يقول :
( سورة الأحزاب ) .
ولكن بعض الناس في معركة الخندق يقول
بعضهم : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى
، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ، لذلك قال الله تعالى
:
( سورة الأحزاب ) .
ثم يقول الله عز وجل :
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ
مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ .
المقاطعة هي موضوع هذا الدرس ، وملة
الكفر واحدة ، والمقاطعة تتكرر من حين لآخر على بلاد
المسلمين ، ونسأل الله السلامة ، وأن نصبر ، وأن نحتسب
، وأن نصطلح مع الله عز وجل ، لأنه إذا رجع العبد إلى
الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً ،
فقد اصطلح مع الله .
والحمد لله رب العالمين |