|
فقه السيرة النبوية : الدرس 18 – إسلام سيدنا عمر بن
الخطاب ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين .
أيها الإخوة ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية ، ووصلنا في فقرات السيرة النبوية إلى
إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه .
بادئ ذي بدء كان عليه الصلاة والسلام
يقول : ((
اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)).
[الترمذي]
ويقصد عمر بن الخطاب ، وعمرو بن هشام (
أبو جهل ) ، ولا بد من وقفة متأنية في شرح هذا الحديث
:
النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة
تقدم ، بينما غير النخبة لا تقدم ، بل تأخذ النخبة
تحمل معك ، وغير النخبة ينبغي أن تحملهم ، النخبة
كالأعمدة للحق ، بينما غير النخبة غثاء كغثاء السيل ،
والذي يؤلم الآن أشد الألم المسلم مع الاحترام البالغ
لأية حرفة ، لكن لماذا المسلم في أدنى درجة ؟ ولماذا
غير المسلم في أعلى درجة ؟ الاختصاصي باختصاص نادر غير
مسلم ، المهندس البارع غير مسلم ، الطبيب الأول غير
مسلم ، مع أن الله سبحانه وتعالى وزع القدرات بين كل
الشعوب والأمم توزيعاً عادلاً .
أيها الإخوة ، حينما قال عليه الصلاة
والسلام : ((
تناكحوا
، تكاثروا ، تناسلوا ،
فإني مباهٍ بكم الأمم يوم
القيامة
)) .
[ رواه عبد الرزاق والبيهقي عن سعيد بن
أبي هلال ] .
والله الذي لا إله إلا هو لا أصدق
ثانية واحدة أن يكون التباهي بالعدد ، والدليل الأمة
الإسلامية اليوم يزيد تعدادها على مليار و300 مليون
مسلم ، ثلث سكان الأرض ، ويتربعون على ربع إحطايطي
نفط في العالم ، ويحتلمون أكبر موقع استراتيجي في
العالم ، وعندهم ثروات لا يعلمها إلا الله ، وإلههم
واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، ولا وزن لهم في
الأرض ، وليس أمرهم بيدهم ، وليست كلمتهم هي العليا ،
وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل .
لذلك أيها الإخوة ، ما لم نتفوق ،
واسمعوا مني هذه الكلمة : ما لم تكن متفوقاً في دنياك
فلن يحترم دينك ، أريد مسلماً صناعياً كبيراً ،
وأستاذاً جامعياً كبيراً ، وعالما ًجهبذاً ، وخبيراً
نادراً ، لذلك عليه الصلاة والسلام طلب النخبة قال :
((
اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين )) .
لا تقنع أن تكون رقماً لا معنى له ، لا
تقنع بأن تكون إنساناً لا يقدم ولا يؤخر ، علو الهمة
من الإيمان .
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن
عن السبب
الله يعطي من يشاء فقف على
حـد الأدب
أيها الإخوة ، المسلمون اليوم في محنة
كبيرة ، وما لم يتفقهوا في العلوم ، وفي الصناعات ،
وفي استخراج الثروات ، وفي استصلاح الأراضي ، وفي
إنشاء السدود ، وويل لأمة تأكل ما لا تزرع ، وويل لأمة
تلبس ما لا تنسج ، وويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعها ،
النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة .
مرةً أحد أكبر الملحدين في أمريكا كان
طالباً في التعليم الثانوي ، وانتقد أستاذ الديانة
عندهم ، فطرده والده من البيت ، فاعتنق الإلحاد ،
وتابع دراسته ، حتى صار أكبر عالم رياضيات في أمريكا ،
كان أستاذاً في جامعة سان فرانسيسكو ، وكان متفوقاً
إلى درجة أن أستاذه كان يقول له : اخرج من القاعة ،
وخذ علامة تامة ، لأنه يربك أستاذه ، واعتنق الإلحاد ،
أستاذه يستعين به أحياناً في بعض معضلات الرياضيات ،
عنده طالبة شرق أوسطية ، مسلمة في أطروحتها مشكلة ،
فأرسلها إلى هذا العالم ، يقول هذا العالم : رأيت فتاة
شرق أوسطية تحضر دكتوراه في الرياضيات ، وهي محجبة
حجاباً تاماً ، في حين أن فتيات أمريكا في الصيف يمشين
في الطرقات شبه عرايا ، فماذا في ذهن هذه الفتاة من
مبادئ وقيم حتى ارتدت هذا الحجاب ؟ قال : أعجبت بأنها
إنسانة تملك مبدأ ، أو تملك قناعة ، ولم أجرؤ أن أنظر
إلى وجهها لأنها قديسة ، هكذا يقول ، ورغبة أن أقدم
لها كل خدمة ، وعكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن ،
إلى أن أسلم ، وهو الآن أكبر داعية في أمريكا ، اسمه
جفري لينغ ، ما الذي جعله يسلم ؟ فتاة تحضر دكتوراه في
الرياضيات ، ومتحجبة .
الآن القوي لا يحترم إلا القوي ،
والعالم لا يحترم إلا العالم ، فإن أردتم لهذا الإسلام
عزاً فتفوقوا ، وما لم نتفوق الآن فلا تقوم لنا قائمة
، هذه الحقيقة التي أنا قانع بها ، طريق أن تعز
الإسلام أن تكون قوياً بعلمك ، أو بمالك ، كن صاحب
مشروع ، هؤلاء القمم كانوا أشخاصاً عاديين في مقتبل
حياتهم ، أنا أطالبكم أن تكون همتكم عالية ، علو الهمة
من الإيمان .
سأريكم الآن ماذا حصل بعد أن أسلم
سيدنا حمزة ، وسيدنا عمر ، علم حمزة بن عبد المطلب بعد
عودته إلى مكة من الصيد ، وذلك في السنة السادسة من
بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علم أن أبا جهل
قد شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأساء إليه
إساءات بذيئة ، فبادر إلى أبي جهل ، وهو في مجلسه بين
قومه فضربه بالقوس على رأسه فشجه شجة منكرة ، وقال له
: أتشتمه ، وأنا على دينه ؟ وانشرح صدر حمزة للإسلام ،
وعرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز
وامتنع ، وأن حمزة سيمنع عنه الأذى ، فكفوا عن بعض ما
كانوا ينالون منه ، كان حمزة قوياً ، فلما انضم إلى
الإسلام قوي الإسلام به .
وأنت حينما تكون قوياً ، وتأتي إلى
المسجد ، وتجلس ، وقد تكون صناعياً ، أو تاجراً كبيراً
، أو عالماً فذاً ، أو أستاذاً جامعياً ، وتجلس تقوي
همة من حضر ، فلان يحضر هذا المجلس ، فلان أتى للمجلس
، فلان صلى الجمعة ، فلان حضر في هذا المسجد ، أنت
حينما تكون قوياً تدعم الحق ، وتنصره .
أيها الإخوة ، هناك نقطة دقيقة جداً :
أن الإسلام ينبغي أن يستخدم السلاح الفعال ، يوم كان
السحر متفوقاً في عهد موسى عليه السلام ، ما نوع معجزة
موسى ؟ شيء يفوق إمكانات السحرة .
( سورة الأعراف ) .
ويوم كان الطب متفوقاً في عهد سيدنا
عيسى ماذا فعل هذا النبي الكريم ؟
( سورة آل عمران الآية : 49 ) .
ويوم كانت العرب في أعلى درجات البلاغة
والفصاحة جاء القرآن بأسلوب معجز ، ونحن الآن حينما
نتفوق يحترمنا أعداؤنا ، حينما نأتي بشيء جديد ، حينما
نحل مشكلاتنا .
مرةً أحد إخوتنا الكرام متفوق تفوقاً
كبيراً في هندسة الري ، وحضر مؤتمرًا في فرنسا ، وعرضت
مشكلة حار بها المؤتمرون طوال أيام المؤتمر ، فألقى
محاضرة ، وقدم حلاً لهذه المشكلة ، دُهش المؤتمرون ،
وسألوه في أية جامعة درست ؟ فقال بأعلى صوته : درست في
جامعة دمشق .
أنت حينما تتفوق يحترمك خصمك ، بربكم
لو رأيتم إنساناً في الطريق يتبع ديناً من أديان شرق
آسيا ـ بوذي مثلاً ـ قذر ، متطامن ، رث الهيئة ، يتسول
، هل تفكر لثانية واحدة أن تقرأ شيئاً عن دينه ؟ وضعه
المزدري ، وضعه القميء حجبك عن دينه ، والمسلم حينما
يكون جاهلاً لا يفهم ما يجري حوله ، ضعيف الفهم ، ليس
دقيقاً في مواعيده ، لا يقدم شيئاً للأمة ، لا أحد
يفكر أن يقرأ عن الإسلام شيئاً ، بالمناسبة :
( سورة البقرة الآية : 165 ) .
القوي هو الله ، واسمعوا هذه الكلمات ،
الله وحده هو القوي ولا قوي سواه ، وكل قوة في الأرض
مستمدة من قوة الله ، استدراجاً لغير المؤمنين ، أو
تمكيناً للمؤمنين ، أو تسخيراً لغير البشر ، هذه القوة
وزعت بحكمة بالغة عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها ،
القوة قوة العلم ، وقوة المال ، وقوة المنصب ، فإذا
وصلت إلى أحد هذه القوة خياراتك في العمل الصالح كثيرة
جداً ، وحينما تعلم أن سر وجدوك في الدنيا العمل
الصالح فالحالة التي تمكنك من الأعمال الصالحة حالة
تتوافق مع دينك ، القوي بماله يفتتح مستشفى ، يفتح
ميتم يؤسس مدرسة ، يبني جامع ، ينشر كتاب ، يرسل
بعثات إلى الخارج ، لو أن واحداً من أهل الغنى أرسل
فرضاً ألف طالب على نفقته إلى جامعات الغرب ، وجاءوا
بأعلى الشهادات ، وكانوا في خدمة المسلمين اختلف الوضع
.
فلذلك المال قوة ، والعلم قوة ،
والمنصب قوة ، فإذا علمت أن سر وجودك هو العمل الصالح
، ينبغي أن تكون قوياً ، ولكن اسمعوا أيها الإخوة ،
إذا كان الطريق إلى القوة سالكاً وفق منهج الله فينبغي
أن تكون قوياً ، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج
الله فينبغي أن تكون غنياً ، وإذا كان الطريق إلى منصب
قوي سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تبلغ هذا المنصب ،
أما إذا كان طريق القوة في العلم ، أو المال ، أو
النصب يقوم على معصية الله فأن تكون فقيراً هو وسام
شرف لك ، وأن تكون ضعيفاً وسام شرف لك ، وأن تكون
محدود الإمكانات وسام شرف لك ، العبرة أن تكون في طاعة
الله .
أيها الإخوة ، أما سيدنا عمر فكان
رجلاً قوياً مهيباً ، وكان يؤذي المسلمين ، ويشتد
عليهم ، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن ينصر
دينه به .
لكن هناك ناحية دقيقة ، الإنسان الذي
لم يعرف الحق ، وكان قوياً ويحب الخير ، ويحب ألا يؤذي
أحداً ، هذا الصالح يتولى الله أمره ، لقوله تعالى :
( سورة الأعراف ) .
تجد إنسانًا في الجاهلية لا يصلي ، ولا
ينتمي إلى هذا الدين ، لكن لا يحب أن يظلم ، لا يحب أن
يؤذي ، لا يحب أن يعمل شيئاً لا يرضي ضميره ، هذا
الإنسان الصالح يتولاه الله بالهداية ، لذلك قال عليه
الصلاة والسلام :
(( خياركم في الجاهلية خياركم في
الإسلام إذا فقهوا )) .
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] .
وحينما أسلم بعض الصحابة قال : ((
أسلمت على ما أسلفت من خير )) .
[ رواه أحمد في مسنده ومتفق عليه
البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ] .
هناك توجيه لطيف ، إن رأيت صديقاً لك
لا يصلي ، ولا يؤدي العبادات ، لكنه لا يؤذي ، لا يرضى
أن يؤذي أجداً ، عنده مروءة ، عنده شهامة ، لا يحب إلا
أن يكون بطلاً ، هذا الإنسان فاطمع به ، وقدم له كل
خير ، فلعل الله سبحانه وتعالى يجعله يلتزم فيكون قوة
للمسلمين .
من أغرب ما سمعت أنه في إحدى السنوات
حج رجل قد أسلم من أمريكا ، وألقى محاضرة في مِنى ،
وقال بالحرف الواحد : نحن أقوى دولة في الأرض ، فإذا
أقنعتمونا بدينكم كانت قوتنا لكم ، نحن مقصرون ، إن
أقنعتمونا بدينكم كانت قوتنا لكم .
فكان عمر رجلاً قوياً مُهيباً ، وكان
يؤذي المسلمين ، ويشتد عليهم ، وكان عليه الصلاة
والسلام يدعو الله أن ينصر دينه به ، ((
اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))
.
قال سعيد بن زيد بن عمر ، ابن عم عمر ،
وزوج أخته : والله لقد رأيتني ، وأن عمر لموثقي ـ
قيّده ـ وأخته على الإسلام قبل أن يسلم ، يعني كان
يشتد على ابنه عمه زوج أخته وعلى أخته ، ماذا قال
النبي عن أهل الطائف : ((
اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ))
.
[ رواه عن عبد الله بن عبيد بن عمير ]
.
اعتذر عنهم ، واحد دخل إلى بستان
أنصاري ، وأكل من دون إذن ، وساقه صاحب البستان إلى
رسول الله على أنه سارق ، فقال عليه الصلاة والسلام :
هلا علمته إن كان جاهلاً ، وهلا أطعمته إن كان جائعاً
، قبل أن تنفجر ، وقبل أن تصرخ ، هل أديت واجبك نحو
هذا الفقير ؟ علمته إن كان جاهلاً ؟ أطعته إن كان
جائعاً ؟ .
ولم تصح رواية في تعيين وقت إسلام عمر
، وتحديد هذا الإسلام بشكل دقيق ، فقد جعل ابن إسحاق
كاتب السيرة الشهير إسلامه بعد هجرة المسلمين إلى
الحبشة ، والواقدي جعل إسلامه في نهاية السنة السادسة
من البعثة النبوية ، وكان عدد المسلمين أربعين مسلما ،
لما أسلم سيدنا عمر كان عدد المسلمين أربعين ، وفي
رواية 56 ، منهم 11 امرأة ، هؤلاء :
( سورة الواقعة ) .
الآن أخبرت أم عبد الله وهي من مهاجرة
الحبشة أن عمر ـ الآن يجب أن تعلموا سر إسلامه ـ في
رقة بقلبه ، كان رحيم ، لما سيدنا عمر تولى الخلافة ،
وسيدنا الصديق استخلفه ، جاء من يلوم سيدنا الصديق لأن
عمر فيما يزعمون شديد وقوي ، فقال سيدنا الصديق
أتلمونني على أنني وليت عمراً ؟ والله إنه أرحم الناس
بكم ، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب ، سيدنا عمر لما
تولى الخلافة قال : إن الناس هابوا شدتي ، كنت خادم
رسول الله وسيفه المسلول ، وجلواده ، فكان يغمدني إذا
شاء ، وتوفي وهو عني راضٍ ، الحمد لله على هذا كثيراً
، وأنا به أسعد ، ثم كنت خادماً لأبي بكر وجلواده ،
وسيفه المسلول ، فكان يغمدني إذا شاء ، وتوفي وهو عني
راضٍ وأنا بذلك أسعد ، ثم آلت الأمور إلي فاعلموا أن
تلك الشدة قد أضعفت ، وإنني سأضع رأسي ليدوس عليه أهل
العفاف والتقوى ، كان رحيماً ، قال : والله لو يعلم
الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه .
إخوانا الكرام ، بالمناسبة إن كان هناك
مؤشر للإيمان ، ومؤشر للرحمة اعلم علم اليقين أن
المؤشرين يتحركان معاً ، بقدر إيمانك بقدر رحمتك ،
والله عز وجل يقول :
( سورة الزمر الآية : 22 ) .
أبعد قلب عن الله القلب القاسي ، وأقرب
قلب إلى الله القلب الرحيم ، وهل تصدقون أن بغياً من
بني إسرائيل رأت كلباً يأكل الثرى من العطش فرقت له ،
وأدلت بخفها مع نطاقها وملئت خفها ماء فسقت الكلب ،
فشكر الله لها وغفر لها ، لأنها رحمت هذا الكلب ،
بينما امرأة :
(( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت
فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ،
ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )) .
[ متفق عليه ] .
سيدنا عمر كان رحيماً ، وأي قلب ليس
فيه رحمة بعيد عن الله ، وأي قلب ينبض بالرحمة قريب من
الله عز وجل ، الإنسان قبل أن يسلم ، وقبل أن يؤمن ،
وقبل أن يلتزم ، إن كان رحيماً هذه بشارة طيبة ، لأن
الله سيتولاه .
هذه أم عبد الله وهي مهاجرة إلى الحبشة
، أخبرت أن عمر اطلع على استعدادها للهجرة ، وأنه رق
لها ولزوجها ، على الرغم ما كان يلقون منه من البلاء
والأذى قبل ذلك ، ولأنها رأت منه رقة لم تكن تراها من
قبل ، قالت : ثم انصرف ، وقد أحزنه ما رأى من
استعدادنا للخروج ، لذلك مرة ثانية ، إن رأيت قلباً
رحيماً اطمع به ، واعتنِ به لعل يكون هداه على يديك ،
وإن رأيت ذكياً فاطمع به .
هناك ملمح أيها الإخوة دقيق جداً ،
سيدنا خالد أسلم متأخراً ، فلما أسلم قال عليه الصلاة
والسلام : عجبت لك يا خالد ، لماذا ؟ عجبت لك يا خالد
أرى لك فكراً ، لأنه لك فكر وقاد ينبغي أن تكون أسرع
الناس إسلاماً ، لذلك ورد في الأثر " أن أرجحكم عقلاً
أشدكم لله حباً " .
فهذه أم عبد الله طمعت في إسلامه في
حين أن زوجها كان يائساً من إسلامه لما يرى من غلظته
وقوته وقسوته على المسلمين .
أيها الإخوة ، هناك ملمح آخر يجب أن
يكون واضحًا عندكم ، حينما جاء جبريل عليه السلام ،
وسأل سيد الأنام ، قال : يا رسول الله ، أتحب أنم تكون
نبياً ملكاً ، أم نبياً عبداً؟ قال فيه كلام آخر يبدو
متناقضاً مع الذي قلته قبل قليل ، أتحب أن تكون نبياً
ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال : بل نبياً عبداً أجوع يوما
فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره ، كيف نوفق بين قول النبي
عليه الصلاة والسلام : ((
المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ
تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيف )) .
[ رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله
عنهما ] .
وبين قول النبي الكريم حينما سُئل أتحب
أن تكون نبياً ملكاً ؟ أم نبياً عبداً ؟ التوفيق سهل ،
القوي بماله ، أو القوي بعلمه ، أو القوي بمنصبه أقدر
على العمل الصالح من الضعيف والجاهل ومحدود الإمكانات
، أقل بكثير ، القوي أقدر والضعيف أقل قدرة ، والغني
أقدر ، والفقير أقل قدرة ، والذي يحتل منصب رفيع أقدر
، بجرة قلم يحق حقاً ، ويبطل باطلاً ، بجرة قلم يقر
معروفاً ، ويزيل منكراً ، بجرة قلم يقرب ناصحاً ويبعد
فاجراً .
لماذا اختار النبي أن يكون نبياً
ضعيفاً عبداً يجوع يوماً فيذكره ، ويشبع يوماً فيشكره
؟
الملمح الآخر ملمح ينفعنا جميعاً ،
المئة قوي إذا امتحنهم الله بالقوة قد ينجح منهم 10
% ، و100 غني لو امتحنوا بالغنى قد ينجح منهم 10 % لكن
الـ 100 ضعيف قد ينجح 90 والـ 100 فقير قد ينجح 90 ،
فإذا كان الواحد إيمانه قوي جداً أنا أدعو له أن يكون
قوياً بالمعنى المادي ، لأن أعماله الصالحة كبيرة جداً
، والله هناك أعمال صالحة كالجبال ، والله بعض أغنياء
المسلمين لهم أعمال كالجبال والله ، ويحملون عبئا كبير
جداً ، أما إذا كان الإنسان ضعيفاً فهو أقرب إلى
العبودية من القوي .
هناك مغامرة ، إذا كنت قوياً قد لا
تنجح ، وإذا كنت غنياً قد لا تنجح ، لذلك أجمل ما يقال
في هذا المقام علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما
سيكون ، لكن الرابعة أقوى شيء ، وعلم ما لم يكن لو كان
كيف كان يكون ، أنت على دخل محدود ، إنسان من طلاب
المساجد ، مستقيم ، بيتك إسلامي ، دخلك حلال ، إنفاقك
حلال ، زوجتك محجبة ، لا تقترف المعاصي ، لو كان معك
ألف مليون ، أين تكون ؟ لا نعرف ، من يعرف ذلك ؟ الله
وحده ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، لذلك قال
عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه : ((
إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى
، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه ،
وإن من عبادي من لا يصلح له إلا ،
الفقر فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه
)) .
[ورد في الأثر]
وهذا فيما تروي بعض الروايات ، وهناك
من يقول حولها كلاماً ، الذي كان حمامة المسجد ، وسأل
النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو له بالغنى ، فصار
غنياً ، امتنع عن إعطاء الزكاة ، ثم قال : قولوا
لصاحبكم ، قال تعالى :
( سورة التوبة الآية : 77 ) .
فاستعذ بالله من الفتنة ، المال فتنة .
( سورة الأنفال الآية : 28 ) .
إذا دخل إنسان إلى صديق يبيع قطعًا من
الذهب نفيسة جداً ، قال له : انتقِ لي أنت ، وصديقه
يحبه كثيراً ، هذا الصديق لما أوكلته أن ينتقي لك
سينتقي لك أجمل الأشياء ، وأنت أيضاً قل لله عز وجل
الله : تخير لي ، واختر لي .
أيها الإخوة ، لا زلنا مع سيدنا عمر ،
الله عز وجل استجاب لدعوة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وأسلم عمر ، لكن عدة روايات لا ترقى إلى مستوى
الصحة تتحدث عن سبب إسلام عمر ، لكن أقواها أن هذا
الخليفة الراشد يوم كان في الجاهلية يبدو أنه أصغى
إلى تلاوة القرآن ، وقد سمعها من سيد الأنام ،
والقرآن فيه روعة وبيان ، وتصوير لمشاهد يوم القيامة ،
ووصف للجنة والنار ، رقى قلبه .
أحياناً تلقي محاضرة ، هذه المحاضرة
تضيف إلى قناعتك بهذا الدين خمسة غرامات ، ومحاضرة
ثانية خمسة غرامات ، تتنامى قناعتك ، إلى أن تصل إلى
درجة الالتزام عندئذٍ تطبق ، في البداية أنت لست
قانعاً ، كلما استمعت إلى درس ، كلما فهمت آية ، كلما
وصلت إلى معنى حديث صحيح ، كلما قرأت عن مشهد بطولي
لأصحاب رسول الله ، كلما اطلعت على آية في الإعجاز
العلمي تتنامى قناعاتك ، فإذا تنامت قناعتك ما
الذي يحصل ؟ تدخل في طور آخر وهو التطبيق .
إن صح التمثيل : ميزان ، كفة للقناعات
، وكفة للشهوات ، كفة الشهوات راجحة ، لو أن الشهوات
مثلناها بعشرة كيلو هذه المحاضرة خمس غرامات ، الكفة
راجحة ، الشهوات راجحة ، هذه المحاضرة خمسون غرامًا ،
هذه خمسمئة ، إلى أن تتجمع القناعات إلى مستوى الشهوات
، تدخل بالصراع ، تحتار أفعل أو لا تفعل ؟ عندك قناعات
كثيرة ، عندك قوى ضاغطة ، أما إذا جاءت القناعات مئة
كيلو ، والشهوات عشرة كيلو دخلت في الأعماق .
(( والله يا عم
، لو وضعوا
الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر
ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه
)) .
[السيرة النبوية]
استجاب الله تعالى لدعوة رسول الله
فأسلم عمر ، وأعز الله به الإسلام والمسلمين ، أول
ثمرة من ثمرات إسلام عمر أن المسلمين صلوا بالبيت
العتيق ، ولم يكونوا يجرؤون أن يصلوا في هذا البيت ،
بعد أن أسلم عمر صلى المسلمون بالبيت العتيق ، وبعد أن
أسلم حمزة امتنع الكفار عن إيذاء المسلمين ، ((
اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين )) .
سيدنا عبد الله بن مسعود قال : " لقد
رأيتنا ما نستطيع أن نصلي بالبيت العتيق حتى أسلم عمر
، وما زلنا أعزة منذ أسلم عمر " ، إن إسلامه كان نصراً
، وهو ما عناه حبر الأمة عبد الله بن عباس حينما خاطب
عمر رضي الله عنه بعد حادثة طعنه ، فقد قال له : فلما
أسلمت يا أمير المؤمنين كان إسلامك عزاً ، وأظهر بك
الإسلام وأيده وقواه .
إذاً إسلام حمزة رضي الله عنه منع
الإيذاء عن المسلمين ، وإسلام عمر جعل المسلمين يصلون
في بيت الله الحرام ، لذلك كن قوياً ، إذا كان طريق
القوة سالكاً وفق منهج الله ، وكن غنياً إذا كان طريق
الغنى سالكاً وفق منهج الله ، أما إذا كان طريق القوة
سالكاً على حساب دينك فمرحباً بالضعف ، وإذا كان طريق
الغنى سالكاً على حساب دينك مرحباً بالفقر .
لذلك قالوا : فرق بين المداهنة
والمداراة ، المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا ،
والمداراة بذل الدنيا من أجل الدين ، والفرق كبير
بينهما .
لما أسلم سيدنا عمر تعمد إبلاغ قريش
جميعاً عن طريق أكثر الرجال نقلاً للأخبار في قريش ،
وهو جميل بن معمر الجمحي ، فما أن علم عمر بإسلامه حتى
قام يجر رداءه ، وعمر خلفه ، حتى إذا قام على باب
المسجد صرخ بأعلى صوته : " يا معشر قريش ، ألا إن عمر
قد صبأ " ، كان مصطلحًا لمن يسلم ، وعمر خلفه ، يقول :
كذب والله ، ولكنني أسلمت ، وشهدت أنه لا إله إلا الله
، وأن محمداً عبده ورسوله ، فساروا ، حتى لقد سال بهم
الوادي من كثرتهم يريدون قتله ، لولا أن أجاره العاص
بن وائل السهمي ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم
سماه الفاروق ، أي الذي فرق بين الحق والباطل .
سيدنا عمر رضي الله عنه كان رجل مبدأ ،
وقد أنشئ متحف في بريطانيا سمي كهف العدالة ، فيه
أقوال هذا الخليفة العظيم ، وأحكامه السديدة ، سيدنا
عمر هناك من يصفه بأنه عملاق الإسلام ، وكان هذا
الخليفة الراشد خليفة قوياً ، لكن قد يتساءل بعضكم :
كيف يهاجر جهاراً نهاراً ، ويتحدى المشركين ، بينما
النبي عليه الصلاة والسلام يهاجر سراً متخفياً؟ النبي
عليه الصلاة والسلام مشرع ، وسيدنا عمر غير مشرع ، لو
أن النبي هاجر كهجرة عمر لعد اقتحام الأخطار واجباً ،
ولعد أخذ الحيطة حراماً فهلكت أمة النبي من بعده ،
ولكن النبي مشرع ، وسيدنا عمر وقف موقف شخصي ، .
إن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى
موضوع جديد موضوع الحصار الاقتصادي الذي ضربه المشركون
حول المسلمين ، والتاريخ يعيد نفسه .
والحمد لله رب العالمين |