|
فقه السيرة النبوية : الدرس 17 – الهجرة إلى الحبشة ،
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة ، مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى
الهجرة إلى الحبشة ، وقبل الحديث عن الهجرة لا بد من
توضيح ، دققوا في هذه الآيات ، قال تعالى :
( سورة النساء ) .
هل تصدقون أن المستضعف في الأرض إذا لم
يهاجر وقع في وعيد رب العالمين ، كيف ؟ أنت ذهبت إلى
بلد من أجل هدف واحد ، أن تنال دكتوراه ، فإذا منعتك
الجامعة من أن تنتسب إليها ، هل يمكن أن تبقى في هذا
البلد ؟ أنت جئتها من أجل هدف واحد ، هو أن تنال شهادة
عليا ، فإذا منعت من أن تنتسب إلى الجامعة لا معنى
لبقائك في البلد ، لا بد من أن تتحول إلى بلد آخر ،
هذا مثل ، لو كبرنا المثل :
أنت في الدنيا من أجل أن تعبد الله ،
الدليل :
( سورة الذاريات ) .
فإذا حيل بينك وبين أن تعبد الله في
بلد أي بلد ، أي بلد على الإطلاق إذا حيل بينك وبين أن
تعبد الله ، ومهمتك في الدنيا أن تعبد الله لا بد من
أن تغادر هذا البلد ، قبل أن تغادر إن حاولت أن تصلح ،
وأفلحت لا تغادر ، إن استطعت أن تهيئ جواً تعبد الله
فيه فلا تغادر ، إن أقنعت الناس أن يغيروا فلا تغادر ،
أما إذا استحال عليك أن تعبد الله ، وعلة وجودك في
الدنيا أن تعبد الله فلا بد من أن تغادر ، الآن نفهم
الآية الكريمة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ
كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي
الْأَرْضِ ﴾ ، ما معنى مستضعفين ؟ إما أنك ضعيف من
حيث القدرة ، فمنعت أن تعبد الله ، منعت من أن تحجب
نساءك ، منعت من أن تحجب بناتك ، منعت أن تؤدي شعائر
دينك ، منعت أن تقيم فرائض الله عز وجل ، أنت هنا ضعيف
، ولم تستطع أن تصلح ، ولا أن تغير ، إذاً ينبغي تغادر
.
المعنى الثاني : بلد فيه حرية ، لكن
نفسك ضعفت أمام مغريات الحياة ، ضعفت أمام الشهوات ،
لم تستطع أن تقيم أمر الله لا قمعاً بل ضعفاً ، هذا
ضعف من نوع آخر .
فلذلك حينما تكون في بلد ويحال بينك
وبين عبادة الله يجب أن تبحث عن بلد تستطيع أن تعبد
الله فيه ، وأن تحقق سر وجودك وغاية وجودك ، والعلة
التي جيء بك إلى الدنيا من أجلها ، وهي العبادة .
أيها الإخوة ، كان عليه الصلاة والسلام
ضعيفاً ، ويعاني ما يعاني ، ولكن عمه كان يحميه ،
بينما آحاد المسلمين كانوا معرضين للأذى والتنكيل ،
والتضييق ، والضرب ، الإيلام ، والنبي عليه الصلاة
والسلام كما وصفه الله عليه الصلاة والسلام :
( سورة الأحزاب الآية : 21 ) .
( سورة التوبة ) .
فرحمة النبي صلى الله عليه وسلم دعت
أصحابه المضطهدين ، الذين ينكل بهم ، الذين يُضربون ،
الذين تصادر أموالهم ، رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
دعت إلى أن يدعو أصحابه إلى الهجرة إلى الحبشة ، ظناً
أن فيها ملكاً عادلاً .
بالمناسبة ، ما حكم السفر في الإسلام ؟
أعلى أنواع السفر من دون استثناء :
السفر الأول : لنشر الــــدعوة .
السفر الثاني : أن تسافر فراراً بدينك
.
السفر الثالث : أن تسافر طلباً للـعلم
.
السفر الرابع : أن تسافر طلباً للرزق .
والآن هناك سفر اسمه السفر السياحي ،
هذا حكمه حكم المسافر ، فإذا أقام الصلوات الخمس ، وغض
بصره ، ولم يرتكب معصية في هذا السفر فهو مباح ليس غير
، أما إذا كان السفر مطية إلى ارتكاب المعاصي والآثام
فهذا لا يجوز .
إذاً الجهاد أولاً ، أو نشر الدين
ثانياً ، أو فرار بالدين ثالثاً ، أو طلب العلم رابعاً
، أو طلب الرزق خامساً .
والآن هناك سفر عده بعض العلماء سفراً
مباحاً ، إن لم يكن فيه معصية ترافق هذا السفر .
وكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة في
السنة الخامسة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ،
والذين هاجروا هم أحد عشر رجلاً ، وأربع نسوة ، خرجوا
متسللين سراً حتى انتهوا إلى الشعيبية ، منهم الراكب ،
ومنهم الماشي ، وهذا الإسلام الذي تنعمون به اليوم ،
هذه المساجد ، هذه الخطب ، هذه الدروس ، هذا الأمن
الذي يشعر به المسلمون من دفع ثمنه ؟ أصحاب النبي
عليهم رضوان الله ، دفعوا ثمنه باهظاً ، إنسان يسافر
من مكة إلى الحبشة مشياً ، الحياة شاقة جداً ، والحر
لا يحتمل ، ووفق الله تعالى حين وصلوا إلى الساحل
سفينتين للتجار حملوا هؤلاء الصحابة إلى أرض الحبشة
جميعاً بنصف دينار ، وقد ثبت من طرق صحيحة ما ورد عن
أم المؤمنين أم سامة رضي الله عنها ، وكانت ضمن من
هاجر إلى الحبشة ، في الهجرة الأولى ، حيث قالت : لما
ضاقت علينا مكة ، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وفتنوا ، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في
دينهم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن
يدفع عنهم هذا الأذى ، كان عليه الصلاة والسلام ضعيفاً
، وحكمة أنه ضعيف ذكرتها مرتين من أجل تثمين من يؤمن
به ، ليس عنده شيء يعطيه ، ولا قوة تحمي أتباعه ، ولا
يملك لهم نفعاً ولا ضراً ، فالإيمان به إيمان خالص ،
لكن لو أن قوياً من أقوياء الأرض ادعى أنه جاءته
النبوة ، ودعا الناس إلى الإيمان به ، والله لتجدن
الملايين المملينة تؤمن به خوفاً منه ، لا قيمة لهذا
الإيمان ، أراد الله عز وجل أن يكون إيمان الناس برسول
الله صلى الله عليه وسلم إيماناً حقيقياً لا رغبة ولا
رهبة ، لا طمعاً ولا خوفاً .
وكان عليه الصلاة والسلام في منعة من
قومه وعمه ، لا يصل إليه شيء ، مما ينال أصحابه ، كان
عليه الصلاة والسلام في منعة من قومه بني هاشم ، ومن
عمه أبي طالب ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : إن
بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده ، فالحقوا
ببلاده ، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم
فيه ، فخرجنا ـ كما تقول أم سلمة ـ فخرجنا إليها
أرسالاً حتى اجتمعنا فيها فنزلنا بخير دار إلى خير جار
آمنين على ديننا ، ولم نخشَ من هذا الملك ظلماً .
وتروى الروايات أن سيدنا عثمان بن عفان
كان أول من خرج مهاجراً ، ومعه زوجته رقية بنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، بنات النبي كأي بنات لأصحاب
رسول الله . :
مرة طلبت منه السيدة فاطمة خادمة ، قال
: والله يا فاطمة ، لا أعطيك خادمة ، وفي المسلمين
فقراء وجياع ، معنى ذلك أنه كان أباً لأصحابه ، وكان
واحداً منهم ، وكان لا يقبل أن يتميز عنهم بشيء .
مرةً كانوا في سفر ، وأراد أحدهم يعالج
شاةً ليأكلها أصحابه ، فقال واحد منهم : علي ذبحها ،
وقال الثاني : علي سلخها ، وقال الثالث : علي طبخها ،
فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب ، فقالوا :
نكفيك ذلك يا رسول الله ، قال : أعلم أنكم تكفونني ،
ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ، هذا
من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، الله عز وجل يكره
أن يرى عبده متميزاً على أقرانه
.
إذاً كان عثمان بن عفان أول من خرج
مهاجراً ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وقد أورد الإمام البخاري حديثاً بسند
موصول إلى أنس ، قال : أبطأ على رسول الله صلى الله
عليه وسلم خبرهما ، يعني خبر وصولهما سالمين إلى
الحبشة ، فقدمت امرأة ، فقالت له : لقد رأيتهما ، وقد
حمل عثمان امرأته على دابة ، فقال عليه الصلاة والسلام
: صحبهما الله ، إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله
بعد لوط .
أحياناً حينما تهاجر فراراً بدينك هذا
وسام شرف يكتب لك ، إذا كنت ضعيفاً ضعفاً يمنعك أن
تقيم شعائر الله ، أو ضعفاً نفسياً يجعلك لا تقوى على
تحمل المغريات .
لكن الآن عندنا شيء آخر ، إنسان يذهب
إلى بلاد الغرب ليدرس ، تروق له الحياة ، حياة جميلة
جداً ، بلاد جميلة ، حاجات الإنسان مؤمنة ، الدخل فلكي
، الأمور كلها في خدمة الإنسان ، ينسى وطنه ، وينسى
بلده ، وينسى أمته ، وينسى أن لحم كتفه من خير وطنه ،
فهو يسعى لكسب أكبر قدر من المال ، هذا الإنسان لو
اتخذ قراراً بطولياً أن يعود إلى بلده المسلم ، وبلده
المسلم ليس بلداً متطوراً ، بل هو بلد نامٍ ، ليقدم
علمه لهؤلاء المسلمين الذين هم أبناء جلدته ، هذا
الإنسان أنا أرى أن عودته إلى بلده ، وتحمله بعض متاعب
بلده في سبيل أن يقدم خدمات جُلا لأمته الإسلامية هذا
يعد عند الله مهاجراً .
ومعناً آخر للهجرة ، أن عبادة في الهرج
، في زمن الفتن ، وزمن الفسق والفجور ، وفي زمن أن
يغدو الدين ضعيفاً ، وزمن أن الذي يعبد الله كالقابض
على الجمر ، وزمن النساء الكاسيات العاريات ، وزمن
يؤتمن الخائن ، ويخوَّن الأمين ، وزمن يضام الآمرون
بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، وزمن يذوب قلب المؤمن
في جوفه مما يرى ، ولا يستطيع أن يقول كلمة ، إن تكلم
قتلوه ، وإن سكت استباحوه ، وزمن فيه موت كقعاص الغنم
، لا يدري القاتل لمَ يقتل ، ولا المقتول فيم قتل ، في
هذا الزمن الصعب عبادة في الهرج كجرة إلي .
من يعبد الله في آخر الزمان حيث الفتن
والاضطرابات ، والضلالات والشهوات ، وكل شيء على خلاف
ما هو عليه ، في زمن يصبح المعروف منكراً ، والمنكر
معروفاً ، هذه أيضاً هجرة إلى الله خالصة ، لو وسعنا
الهجرة أيضاً قال عليه الصلاة والسلام : ((والمهاجر
من هجر ما نهى الله عنه )) .
[ رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن
ابن عمرو ] .
أيها الإخوة ، بعد فتح مكة أغلق باب
الهجرة ، (( لا هجرة بعد فتح
مكة
)) .
[ رواه البخاري عن مجاشع بن مسعود ] .
ولكن أي مدينتين في آخر الزمان يشبهان
مكة والمدينة يمكن أن تهاجر من بلد يشبه مكة إلى بلد
يشبه المدينة ، الصحابة الكرام الذين هاجروا على رأسهم
عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن
العوام ، وأبو حذيفة بن عتبة ، ومصعب بن عمير ، وأبو
سلمة بن عبد الأسد ، وعثمان بن مضعون ، وغيرهم ، وأما
النسوة فهن رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، وسهلة
بنت سهل امرأة أبي حذيفة ، وأم سلمة بنت أبي أمية
امرأة أبي سلمة ، وليلى بنت أبي حثمة ، امرأة عامر بن
أبي ربيعة ، وقد عرفت هذه الهجرة بالهجرة الأولى إلى
الحبشة .
أرأيتم أيها الإخوة إلى العنصر النسائي
؟ وكيف أن الصحابيات الجليلات كن يشاركن أزواجهن
السراء والضراء ، والإقامة والسفر ، والحلة والترحال ؟
أيها الإخوة ، وللصديق قصة ، ذلك أن
أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يلتحق بالمهاجرين إلى
الحبشة ، في هذه الهجرة الأولى ، بعد أن اشتد أذى قريش
عليه ، وهو سيد كبير في قومه ، لكن الباطل أرعن ،
الباطل لا يعرف أقدار الناس ، الباطل لا يميز الصالح
من الطالح ، فبعد أن اشتد أذى المشركين على سيدنا
الصديق سلك طريقاً آخر ، تشير الأخبار أنه سار في طريق
اليمن ، حتى إذا ما بلغ برك الغماد ، وهو موضع على خمس
ليال من مكة لقيه ابن الدغنة ، وهو سيد قبائل القارة
حلفاء بني زهرة القرشية ، دققوا الآن ،
قال
: أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر
: أخرجني قومي ، فأنا أريد أن أسيح في الأرض ، وأن
أعبد ربي ـ اشكروا الله عز وجل على أنكم تستطيعون أن
تعبدوا ربكم في بلدكم ، وأن تدخلوا إلى بيوت الله دون
أن تُساءلوا ، وأن تصلوا ، وأن تحضروا مجالس العلم ،
وأن تحجبوا نساءكم هذه نعم لا يعرفها إلا من فقدها ـ
فقال الصديق رضي الله عنه : أخرجني قومي ، فأنا أريد
أن أسيح في الأرض ، وأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة : إن
مثلك لا يَخرج ولا يُخرج
،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((لا
يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل )) .
[ورد في الأثر
إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج ، فإنك
تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف
، وتعين على نوائب الحق ، وكان الصديق رضي الله عنه
أشبه الصحابة برسول الله ، وما طلعت شمس على رجل بعد
نبي أفضل من أبي بكر ، ولوزن إيمان الخلق مع إيمان أبي
بكر لرجح ، لذلك أجاره ، معنى أجاره أي جعله في ذمته ،
هذه عادة مطبقة في الحياة الجاهلية ، أن إنساناً
شريفاً وجيهاً إذا أجار إنساناً لا يستطيع أحد أن ينال
منه .
أيها الإخوة ، الحق أبلج ، أنا أذكر ،
لي صديق لا أزكيه ، ولكن أحسبه صالحاً وورعاً ، وكان
موظف بمكان ، أمانته ظاهرة ، استقامته ظاهرة ، ورعه
ظاهر ، أدبه ظاهر ، التزامه ظاهر سمته حسن ، سافر مرة
مع من هو أعلى منه في الدائرة ، وكان بعيداً عن الدين
بعد الأرض عن السماء ، ليس عنده شيء محرم ، فلما دعوا
إلى طعام هذا الذي هو رئيسه في العمل منع أن يأتي إلى
الطعام أي مشروب ، فلما انتهى الطعام ، سأل صديقه
رئيسه ، قال له : هل انتبهت أننا لم نضع على الطاولة
مشروباً ؟ قال : له نعم ، قال له : هذا من أجلك ، لأن
دينك أصلي ، حتى الفاسق ، حتى المبتعد عن الدين إذا
رأى مؤمناًَ ، صادقاً ، مخلصاً ، ورعاً ، أميناً
عفيفاً ، له مكانة عنده .
فهذا الرجل أجار أبا بكر رضي الله عنه
، فوافقت قريش على ذلك ، واشترطت عليه أن تكون عبادته
في داره ، وألا يستعلم بها ، التاريخ يعيد نفسه ،
اشترطوا على من أجار الصديق أن يصلي في بيته ، وأن
يتعبد ربه في بيته ، وبعد مدة أخذ أبو بكر يجتهد
بالقراءة في فناء داره ، وكان رجلاً بكاءً لا يملك
دمعه إذا قرأ القرآن ، فيجتمع إليه أبناء ونساء
المشركين يعجبون بقراءته ، وينظرون إليه ، ويستمعون
القرآن مما أفزع قريشاً ، ودفعها إلى مطالبة ابن
الدغنة أن يكفه عن ذلك ، فخيره ابن الدغنة بين الإسرار
بعبادته ، أو أن يرد عليه جواره ، فرد أبو بكر عليه
جواره ، وقال إني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ،
وهكذا بقي أبو بكر بمكة إلى جوار رسول الله صلى الله
عليه وسلم مستجيراً بالله سبحانه وتعالى ، يحتمل أذى
المشركين بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن
له بالهجرة .
دققوا في هذا النص : " ما من مخلوق
يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض
هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما
من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته
فتكدوه أهل السماء والأرض إلا جعلت له من بين ذلك
مخرجاً " .
أيها الإخوة ، وبعد هجرة الحبشة الأولى
لفترة قليلة حدث أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
في المسجد الحرام ، فقرأ سورة النجم ، وسجد في موضع
السجود ، فسجد معه كل من كان يسمعه من المسلمين ومن
غير المسلمين ، ماذا تستنبطون ؟ استنباط ، المؤمن له
وهج المؤمن منوّر ، المؤمن عليه سكينة ، المؤمن عليه
وقار ، حتى الذي لا يعرفه يهابه ، حتى الذي لا يعرفه
يسعد بقربه .
من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم أنه
من رآه بديهة هابه ، ومن عامله أحبه .
إذاً صلى النبي صلى الله عليه وسلم في
بيت الله الحرام ، وقرأ سورة النجم ، وسجد سجد معه كل
الناس من غير المسلمين ، وشاع في مكة أن قريشاً قد
أسلمت ، وبلغ المسلمين الذين هم في أرض الحبشة أن مكة
أسلمت فرجع ناس منهم ، منهم عثمان بن مظعون إلى مكة ،
فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحاً ، فرجعوا ، وسار معهم
جماعة إلى الحبشة ، وهي الهجرة الثانية ، وقد ذكرت
إحدى الروايات الصحيحة أنهم كانوا اثنين وثمانين رجلاً
، سوى نسائهم وأبنائهم ، وقيل : إن عدد النسوة في
الهجرة الثانية كن ثماني عشرة امرأة .
أيها الإخوة ، هذه الهجرة الأولى
والثانية ، قريش آلمها جداً أن يذهب المسلمون ،
ويتخلصوا من تعذيب قريش ، ومن التنكيل بهم ، ومن
التضييق عليهم ، ومن إيذائهم ، وعاشوا في بلاد الحبشة
في ظل ملك الحبشة النجاشي آمنين مطمئنين ، فكادوا لهم
.
أيها الإخوة ، نية الكافر شر من عمله ،
كل الذي يفعله يتمنى أن يفعل أكبر منه ، نية المؤمن
خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله ، هربوا بدينهم
، وعاشوا غرباء في الحبشة ، أرادوا أن يأتوا بهم قهراً
، لذلك بادرت قريش بعد الهجرة الثانية ، وبعد إخفاقها
، في منع المسلمين من الهجرة ، ونتيجة تخوفها من
انتشار الدعوة الإسلامية أرسلت وفداً مؤلفاً من عمرو
بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة ، وكان عمرو ابن
العاص داهية العرب ، يروى أن معاوية بن أبي سفيان سأله
مرةً : يا عمر ، ما بلغ من دهاءك ؟ أعرفك داهية ، ما
بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت
الخروج منه ، فقال معاوية : يا عمر ، لست بداهية ، أما
أنا فوالله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، أيهما
أشد دهاءً ؟ الذي يدخل مخطئاً ثم يخرج ، الأشد دهاءً
هو الذي لا يدخل أصلاً .
هذا الوفد معه هدايا ثمينة ، إلى
النجاشي ، وإلى بطاركته بهدف أن يعيد لهم هؤلاء
المهاجرين ، لينكلوا بهم ، ويعيدوهم إلى مكة ، وحاول
الوفد إقناع البطاركة عن طريق الهدايا ، الإنسان
أحياناً يقنع بالشيء ، لا لأنه قانع به ، ولكن لأن
المبلغ كبير ، المبلغ أقنعه ، فهؤلاء عرفوا ضعف
الإنسان ، فتوسلوا إلى أن يجعلوا من البطاركة قوة
ضاغطة على النجاشي كي يعيد إليهم هؤلاء ، فأغروهم
بهدايا ثمينة .
شيء آخر ، صوّر هؤلاء المسلمون على
أنهم غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في
دين النجاشي ، وأنهم جاؤوا بدين مبتدع ، لا نعرفه نحن
ولا أنتم ، وبيتوا الأمر مع البطاركة على أن يشيروا
على النجاشي بأي يسلمهم إليهم ، ولا يكلمهم ـ يا الله
ـ آية قرآنية طبعاً وردت على لسان سيدنا سليمان :
( سورة النمل ) .
النجاشي رأى أن يتحرى الأمر بنفسه ،
فدعا المسلمين ، وطلب منهم توضيح الحقيقة ، فانبرى
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وتكلم نيابة عن
إخوانه المهاجرين كما سبق ، وأسلفنا ، قائلاً : " أيها
الملك ، كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان ، ونأكل
الميتة ، ونسيء الحوار ، ونستحل المحارم بعضنا من بعض
، في سفك الدماء وغيرها ، ولا نحل شيئاً ، ولا نحرمه ،
فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا ، نعرف وفاءه ، وصدقه
، وأمانته ، فدعانا إلى الله لنعبده ، ونوحده ، ونخلع
ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق
الحديث ، وأداء الأمانة وصلة الرحم ، وحسن الجوار ،
والكف عن المحارم والدماء " .
[أحمد عن أم سلمة
والله كلام رائع ، فالنجاشي طلب من
جعفر أن يقرأ عليه شيئاً مما جاء به محمد صلى الله
عليه وسلم ، فقرأ عليه أوائل سورة مريم ، فبكى النجاشي
، وبكى معه أساقفته ، وقال : إن هذا الكلام ـ كلمة
رائعة ـ إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها
موسى ، انطلقوا راشدين آمنين في بلدي ، وأقسم بألا
أسلمكم لأحد ، اطمأنوا .
إخوانا الكرام ، أتمنى عليكم جميعاً
إذا كنت في موضع القيادة ، ولو قيادة بيت ، جاءتك
ابنتك تشكو زوجها ، تقبل كلامها على علاته ، هذا الصهر
اسأله ، اطلبه على الهاتف ، ما الذي أزعجك من ابنتي ؟
لمَ لم تكن منصفاً ؟ لمَ تأخذ كلام ابنتك على أنه منزل
، ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
الْكَاذِبِينَ ﴾ ، نحن نتوهم أن القاضي الذي في
قصر العدل ، لا ، الأب قاض بين أولاده ، الأب قاض بين
بناته ، الأب قاض بين أصهاره ، الأب قاض بين إخوته ،
معظم الناس مكلفون أن يحكم بين متخاصمين ، ﴿ قَالَ
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
﴾ ، لكن هذه المحاولة أخفقت ، لذلك في اليوم التالي
جاء عمرو بن العاص ـ كان مخيفا ـ وقال للملك : إنهم
يقولون في عيسى قولاً عظيماً ، يعني أنتم تعتبرونه ابن
الله ، هم يقولون في عيسى قولاً عظيماً ، فاستدعاهم
النجاشي ، فسألهم ، فقال جعفر : نقول فيه : هو عبد
الله ورسوله ، وكلمته ، وروحه ألقاها إلى مريم العذراء
البتول ، فقال النجاشي : ما عدا عيسى بن مريم مما قلت
هذا شيئاً ، قال : هذه حقيقة عيسى بن مريم ، هو عبد
الله ورسوله ، وكلمته ، وروحه ألقاها إلى مريم العذراء
البتول ، واستقر رأي النجاشي على منح المسلمين الآمان
، فأقاموا في خير دار مع خير جار ، أما القسيسين
والرهبان الذين سمعوا قول جعفر ، واستمعوا إليه ، وهو
يرتل القرآن فقد ذرفوا الدموع مما عرفوا من الحق ،
فأنزل الله تعالى قوله الكريم :
( سورة المائدة ) .
أيها الإخوة ، مكث أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم في الحبشة ما شاء لهم ، ولقد توفي عبيد
الله بن جحش زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان ، تكريماً لها
هي في المهجر ، ومات زوجها ، وليس لها أحد ، فتكريماً
لها خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ، وتزوجها ،
وهي بالحبشة ، من الذي زوجه إياها ؟ النجاشي ، ومهرها
4000 ، ثم جهزها من عنده ، ولم يرسل إليها النبي بشيء
، وقد بعثها النجاشي مع شرحبيل بن حسنة .
إخوانا الكرام ، مرة جاء وفد النجاشي
إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، من كرم أخلاق النبي
أبى إلا أن يخدمهم بنفسه ، وفد النجاشي الذي زار
المدينة خدمهم النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه ، وكان
وفاؤه مضرب المثل .
أيها الإخوة ، وردت العديد من الدلائل
التي تفيد إسلام النجاشي ، فقد ورد في الأخبار أنه
أسلم ، ولذلك خرج عليه قومه ، أسلم فخرج عليه قومه ،
ولكنه حرص قبل محاربتهم أن يؤمن للمسلمين سفناً
ليغادروا عليها إذا ما تعرض للهزيمة ، وأنه كتب كتاباً
يشهد بإسلامه ، وقد أورد الشيخان أن النبي صلى الله
عليه وسلم نعى بنفسه النجاشي ، في اليوم الذي ما فيه
في العام التاسع للهجرة ، وأنه صلى بالمسلمين عليه
صلاة الغائب .
والحمد لله رب العالمين |