|
فقه السيرة النبوية : الدرس 16 ، لفضيلة الدكتور محمد
راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا
علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، وقبل أن أبدء الحديث عن
فقرات هذا الدرس لا بد من مقدمة :
لماذا أدخل الله جل جلاله نبياً كريماً
السجن ؟ ـ سيدنا يوسف ـ لعل واحداً من المؤمنين
الصادقين لسبب أو لآخر دخل السجن ، فله في هذا النبي
الكريم أسوة حسنة .
ولماذا اتهمت السيدة عائشة بأعظم ما
تعتز به المرأة بعفتها ، لماذا ؟ إن أية امرأة إلى يوم
القيامة اتهمت ، وهي بريئة فلها في هذه السيدة أسوة
حسنة .
لماذا كان ابن سيدنا نوح شقياً ؟ لعل
أباً بذل قصار جهده في تربية ابنه ، لكن الابن مخير ،
واختار طريقاً آخر ، هذا الأب المتألم أشد الألم ، لعل
له في هذا النبي الكريم نوح عليه السلام أسوة حسنة .
لماذا كانت زوجة لوط امرأة كافرة ؟ لعل
أي إنسان ابتلي بزوجة سيئة ، فله في هذا النبي الكريم
أسوة حسنة .
لماذا ابتلي سيدنا أيوب بالمرض ؟ لعل
أي مؤمن اختار له ربه مرضاً لحكمة بالغة له في هذا
النبي أسوة حسنة .
ولماذا كان سيدنا سليمان ملكاً ؟ أي
إنسان ولاه الله أمر المسلمين قدوته هذا النبي الكريم
، بالعدل ، والرحمة ، وإحقاق الحق ، وإبطال الباطل .
لماذا كان أحد أنبياء الله عقيماً ـ
سيدنا زكريا ـ ؟ لعل الله اختار الله لإنسان أن يكون
عقيماً لحكمة بالغة له في هذا النبي أسوة حسنة .
هؤلاء قمم البشر ، هؤلاء نخبة البشر ،
ومع ذلك آتى الله بعضهم الملك ، وجعل بعضهم ضعافاً ،
جعل من بعضهم ذرية ، ولم يجعل لبعضهم ذرية ، إذاً
هؤلاء الذين اختارهم الله عز وجل ليكونوا قمم البشر
كانوا قدوة للبشر .
الدرس اليوم أيها الإخوة ، حينما نأخذ
فقرات هذا الدرس ، وكيف نكلت قريش بأصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكيف تفننت في تعذيبهم ، وفي
إذلالهم ، وفي إفقارهم ، عندئذٍ يهون علينا ما يعانيه
المسلمون اليوم في شتى بقاع الأرض من اضطهاد وحرب
همجية قاسية لا هوادة فيها .
لذلك يجب أن نعلم أن معركة الحق
والباطل معركة أزلية أبدية ، وأن من حِكم الله عز وجل
أي يكون البشر فريقين ، فريق على حق ، وفريق على باطل
، فريق يعيش للناس ، وفريق آخر يعيش الناس لهم ، فريق
يملك قلوب الناس ، وفريق يملكون رقاب الناس .
أيها الإخوة ، روى البخاري ومسلم في
قوله تعالى :
( سورة الإسراء الآية : 110 ) .
عن ابن عباس يقول : " نزلت على رسول
الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكة ، كان إذا صلى
بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع المشركون قراءته
سبوا القرآن ، ومن أنزله ، ومن جاء به ، فقال الله
تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَلَا
تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ ، أي بقراءتك فيسمع
المشركون ، فيسبوا القرآن ، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ
بِهَا ﴾ ، عن أصحابك ، فلا تسمعهم :
( سورة الإسراء ) .
والآن هناك من يسب هذا الدين ، ومن
يتهم هذا القرآن الكريم بأنه كتاب قتال ، كتاب قتل ،
كتاب إرهاب ، التاريخ يعيد نفسه ، وحين قال الله عز
وجل :
( سورة الأحزاب الآية : 33 ) .
ماذا يستنبط ؟ أن هناك جاهلية ثانية ،
هي أدهى وأمر .
(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف
، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا : أو
كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا
: وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر
، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا
: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ،
قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أصبح المعروف
منكراً والمنكر معروفاً
)) .
[علل ابن أبي حاتم]
وروى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه ،
وأبوا أن يسمعوا منه ، وكان الرجل إذا أراد أن يستمع
من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو ، وهو
يصلي ، يسترق السمع فرقاً منهم ؛ أي خوفاً منهم ، فإن
رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم ، ولم
يستمع ، وإن خفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته لم
يسمعوا شيئاً من قراءته ، فأنزل الله قوله تعالى : ﴿
وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ ، أي فيتفرقوا
عنك ، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، فلا يسمع من
أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دون علمهم ، ﴿
وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾
.
وعندما كان المسلمون يسبون أصنام
الكفار أخذ المشركون يسبون الله تعالى عَدْواً بغير
علم ، فأنزل الله تعالى :
( سورة الأنعام الآية : 108 ) .
فقرات ثلاث ماذا نستنبط منها ؟ أن سيد
الخلق ، وحبيب الحق كان ضعيفاً ، وقد تفنن المشركون في
التنكيل بأصحابه ، وفي إيذائهم ، وهو لا يستطيع أن
يفعل شيئاً ، فإذا كنت ضعيفاً في وقت ما ، وفي حقبة ما
، وفي ظرف ما ، لا تتألم كثيراً ، سيد الخلق ، وحبيب
الحق كان ضعيفاً ، ولم يستطع أن يدافع عن أصحابه ، ولا
أن يعطيهم شيئاً ، وكان يقول لهم دائماً :
( سورة الجن ) .
بل أبلغ من ذلك :
( سورة الأعراف الآية : 188 ) .
( سورة هود الآية : 31 ) .
( سورة الأعراف 188 ) .
( سورة الأنعام ) .
أربع آيات ، لا يعلم الغيب ، لا يملك
لكم نفعاً ولا ضراً ، لا يملك لنفسه نفعاَ ، ولا ضراً
، يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم ، هل يجرؤ الآن إنسان
يعمل في حقل الدعوة أن يدعي أنه يعلم الغيب ؟ هو كاذب
إذاً ، أن يدعي أنه بإمكانه أن ينفع أو أن يضر ، كاذب
، إذا كان سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وهذه خصائصه لا
يجرؤ إنسان كائناً من كان مهما علا نجمه ، ومهما سطع
اسمه أن يدعي ماذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
أيها الإخوة ، هناك ملامح دقيقة جداً ،
لو أنك استفتيت إنسان ما ، وأفتى لك بشيء ، وأنت في
غاية السرور ، لأنك انتزعت من فمه فتوة لصالحك ، هو
المسؤول ، أنا لست مسؤولاً ، من قال لك ذلك ؟ إذا
استطعت أن تنتزع فتوة من فم سيد الحق وحبيب الحق محمد
صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب
الله ، الدليل : ((
وَلَعَلّ بَعْضَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجّتِهِ
مِنْ بَعْضٍ
، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ
مِمّا أسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ
مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ
شَيْئاً ، فَإنّمَا
أَقْطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النّارِ
)) .
[ متفق عليه ] .
أيها الإخوة ، هذه بديهيات الدين ، أما
هذا الجاهل الذي يستنطق من إنسان يعمل في الحقل الديني
فتوى في شأن إيداع المال في البنك ، أو فتوى بالاختلاط
، أو فتوى بالغناء ، أو فتوى بسفر المرأة دون محرم ،
هذا الذي يأخذ من أفواه من يعملون في الحقل الديني
فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان ، وينام ناعم البال ،
قرير العين ، على توهم أن هذا الذي أفتى ، هو المسؤول
، من قال لك ذلك ؟ والله لو استطعت أن تنتزع من فم سيد
الخلق وحبيب الحق فتوة ، ولست محقاً بها لا تنجو من
عذاب الله ، (( وَلَعَلّ بَعْضَكُم أنْ يَكُونَ
ألْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ
لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ مِنْهُ ،
فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ
يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً ،
فَإنّمَا أَقْطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ
النّارِ
)) .
إخوانا الكرام ، الأمر واضح وضوح الشمس
، مرةً ثانية : ﴿ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ ، من ؟
سيد الخلق ، وحبيب الحق :
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ
عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا
﴾ .
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا
وَلَا ضَرًّا
﴾ .
هذه خصائص النبي عليه الصلاة والسلام ،
وأي إنسان يدعي ما ليس للنبي فهو في باطل ، وفي ضلال ،
وفي دجل ، وفي إيهام ، بل هو في غباء .
إخوانا الكرام ، أوفدت قريش نفراً منهم
إلى المدينة ، على رأسهم النضر بن الحارث ، ليأتوا من
اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحونها على النبي صلى الله
عليه وسلم ، فقالت لهم اليهود : سلوه عن أهل الكهف ،
وعن ذي القرنين ، وعن الروح .
( سورة الكهف الآية : 83 ) .
( سورة الإسراء الآية : 85 ) .
ولكن الله أبطل كيدهم عندما أنزل الله
قرآناً في شأن الإجابة عن هذه الأسئلة ، هذا يؤكد أن
السماء توحي إليه بالحق .
( سورة آل عمران ) .
أيها الإخوة ، هذا الموضوع ينقلنا إلى
موضوع كبير اسمه الولاء والبراء ، الولاء أن توالي
المؤمنين ، أي أن تحبهم ، وأن تنصرهم ، وأن تنصحهم ،
وألا تسلمهم لأعدائهم ، وألا تتعاون مع أعدائهم عليهم
، ومن لم يكن موالياً للمؤمنين فليس مؤمناً ، هذا الذي
يتعاون مع الطرف الآخر ليقهر المؤمنين ، الله ورسوله
بريء منه ، فاليهود تعاونوا مع قريش كي يحرجوا النبي
صلى الله عليه وسلم ، كي يسألوه أسئلة لا يعلمها ،
تعجيزية ، ولكن الوحي أجاب عن كل هذه الأسئلة ، وقهرهم
، أحياناً وهذا شيء واقع :
( سورة الإسراء ) .
الطرف الآخر يستخدم أسلوب الترغيب ،
لذلك قريش أرادت أن تجرب أسلوب الترغيب ، فأرسلت عتبة
بن ربيعة الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن
أخي ، إنك منا ، قد حيث علمت من المكان في النسب ، وقد
أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، فاسمع مني
أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها ، إن قلت : إنما
تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون
أكثرنا مالاً ـ إغراء ـ إن أردت من هذه الدعوة ، هم لا
يفهمون الأشياء إلا بقيمهم ، لا يفهمون دعوة لله خالصة
، يفهمون دعوة من أجل المال ، يفهمون دعوة من أجل
المتع ، يفهمون دعوة من أجل السلطان ، وكأن هذا
الإنسان عبر عن مكنون نفسه ، ونفس قومه ، إن كنت إنما
تريد من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون
أكثرنا مالاً وإن كنت تريد شرفاً ـ سيطرة ، مكانة ،
هيمنة ، ملك ، سلطة ـ وإن قلت : إنما تريد شرفاً
سودانك علينا ، جعلناك سيدنا ، فلا نقطع أمراً دونك ،
وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي
يأتيك رئية تراه لا تستطيع رده عن نفسك ، طلبنا لك
الطبيب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ ، يا عندك حالة
فصام ، عندك حالة مرضية ، أو تريد ملكاً ، أو سيادة ،
أو شهوة ، أو مالاً ، كل هذا متاح لك ، بشرط أن تنصرف
عن هذه الدعوة ، فلما فرغ من قوله تلا النبي صلى الله
عليه وسلم عليه صدر سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله
تعالى :
( سورة فصلت ) .
أيها الإخوة ، سمع هذه الآيات ، وكأن
صاعقة نزلت عليه ، فعاد إلى قومه ، وأخبرهم بما سمع ،
وقال : هذا الذي يقوله محمد ليس شعراً ، ولا سحراً ،
ولا كهانة ، وأقترح عليكم أن تَدَعو محمداً وشأنه .
وفي روايات أخرى من هذه الروايات : وإن
كان بك الباءة ؛ أي تشتهي النساء ، زوجناك عشرة نسوة
تختار من أي أبيات قريش شئت .
أما الوليد بن المغيرة الذي جاء النبي
صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن ، فكأن رق له ،
فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال : يا عم ، إن قومك يرون
أن يجمعوا لك مالاً ، قال : لمَ ؟ قال : ليعطونك ،
فإنك أتيت محمداً لتعرض عنه ، يعني إن أتيت محمداً
أعرض عنه ، وخذ من المال ما شئت ، ثم قال الوليد عن
القرآن : " والله إن لقوله الذي يقول حلاوة ، وإن عليه
لطلاوة مثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه يعلو ، وما
يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته " .
لما جاء بعض من ادعى النبوة جاؤوا
بكلام ادعوا أنه من عند الله ، قال : والطاحنات طحناً
، والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً .
سبحانك يا رب ! المؤمن يشعر بكل خلية
في جسمه أن هذا كلام الله ، وأن هذا كذب وهراء ، أليس
كذلك ؟ وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه يعلو ،
وما يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته ، يئست قريش من
أسلوب الترغيب ، لذلك المؤمن لا يلين لا لسبائك الذهب
اللامعة ، ولا يلين لسياط الجلادين اللاذعة ، المؤمن
رجل مبدأ .
(( والله يا عم
، لو وضعوا
الشمس في يميني ، والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا
الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه
)) .
[السيرة النبوية لابن هشام]
الآن لونت قريش في أسلوبها ، واتبعت
أسلوب الترهيب ، كان أبو جهل إذا سمع عن الرجل أنه
أسلم ، وله شرف ومنعه ، أنّبه وأخزاه ، وقال له : تركت
دين أبيك ، وهو خير منك ، والله لنسفهن حلمك ، ولنضعفن
رأيك ، ولنضعن شرفك ، وإن كان تاجراً قال له : والله
لنكسدن تجارتك ، ولنهلكن مالك ، وإن كان ضعيفاً ضربوه
، وأغروا به ، التاجر يهدد ببوار تجارته ، والشريف
يهدد بأن يكون وضعياً سفيهاً ، والضعيف يهدد بالضرب
والأذى ، وحينما لم تثمر كل هذه الأساليب السابقة في
صد النبي صلى الله عليه وسلم عن دينه لجأت قريش إلى
أسلوب الاعتداء والتصفية الجسدية .
( سورة الأنفال ) .
( سورة يوسف ) .
( سور غافر ) .
( سورة الروم ) .
هؤلاء الذين نصروا النبي صلى الله عليه
وسلم في أعلى عليين ، وهؤلاء الذين حاربوه في مزابل
التاريخ ، في أسفل السافلين .
أيها الإخوة ، ما من إنسان أشقى ولا
أغبى ممن يقف في خندق مضاد للحق ، هل تعلم من هو الطرف
الآخر ؟
( سورة التحريم الآية : 4 ) .
امرأتان ، حفصة وعائشة .
( سورة التحريم الآية : 4 ) .
خالق الكون .
( سورة التحريم ) .
يا رب ، من أجل امرأتين ، ﴿ فَإِنَّ
اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
ظَهِيرٌ ﴾ ، معقول ! لو أن امرأتين انتقدتا نظاماً
ما ، استنفار القوى البرية ، والبحرية والجوية ، وقوى
الأمن ، والاقتصاد ، معقول ! ما معنى هذه الآية ؟ معنى
هذه الآية : أنك إذا فكرت أن تكون عدواً للحق ، أنك
إذا فكرت أن تكون عدواً لله ، أنك إذا فكرت أن تكون
عدواً لأنبيائه ، أنك إذا فكرت أن تكون عدواً لصالح
المؤمنين ، أنك إذا أردت أن تكون عدواً لعالم مخلص ،
يجب أن تعلم من هو الطرف الآخر ، من هو خصمك ، إنه
الله الذي بيده كل شيء ، لذلك أشقى إنسان على وجه
الأرض الذي يحارب الله ورسوله ، نهايته في مزبلة
التاريخ ، نهايته مع فرعون وقارون ، ومع كل الظالمين
الذين أذلهم الله عز وجل .
أيها الإخوة ، لقد استفحل إيذاء قريش
لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا في الدعوة السرية ،
بل في الدعوة العلنية ، بعد أن أمر الله جل جلاله نبيه
أن يظهر شعائر دينه ، كالصلاة عند الكعبة ، فقد روى
مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا جهل قال :
(( هَلْ يُعَفّرُ مُحَمّدٌ وَجْهَهُ
بَيْنَ أَظْهُرِكُم ـ
يعني إذا سجد ـ فَقِيلَ : نَعَمْ
، فَقَالَ : وَاللاّتِ وَالْعُزّىَ لَئِنْ
رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنّ عَلَىَ
رَقَبَتِهِ ، أَوْ
لأُعفّرَنّ وَجْهَهُ فِي التّرَابِ
)) .
( سورة المسد ) .
(( فَأَتَىَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله
عليه وسلم وَهُوَ يُصَلّي
، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَىَ
رَقَبَتِهِ ـ كما حلف ـ قَالَ : فَمَا
فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلاّ وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَىَ
عَقِبَيْهِ ، وَيَتّقِي بِيَدَيْهِ ،
قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنّ
بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقاً مِنْ نَارٍ ،
وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً ،
فقالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم : لَوْ دَنَا لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ
عُضْواً عُضْواً
)) .
قال تعالى :
( سورة المائدة الآية : 67 ) .
( سورة الطور الآية : 48 ) .
يجب أن تثق أن الله يحفظك ، وأن الله
لا يسلمك ، وأن الله يدافع عنك ، وإذا كان الله معك
فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ لذلك نزل القرآن
الكريم :
( سورة العلق ) .
أيها الإخوة ، ألا ترون معي أن هذه
الوقائع المؤلمة تتكرر من حين إلى آخر ؟ بل نحن نجدها
اليوم ، المسلم محارب في شتى بقاع الأرض ، وقد يعذب ،
وقد يضطهد ، وقد يحاصر ، وقد يجوع ، وقد يعطش ، وقد
يعرى ، كل هذا :
( سورة الطارق ) .
روى البخاري بسنده إلى عروة بن الزبير
، قال : سألت عبد الله ابن عمر عن أشد ما صنع المشركون
في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " رأيت عقبة
بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو
يصلي ، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا ، فجاء
أبو بكر حتى دفعه عنه صلى الله عليه وسلم ، فقال :
أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات
من ربكم ؟ " .
هذه الدعوة التي وصلت إلينا بذل من
أجلها الغالي والرخيص ، بذل من أجلها النفس والنفيس ،
ينبغي ألا نضيعها ، الإسلام وصل إلى هذه البلاد بفضل
هؤلاء الصحابة الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم ،
هكذا عُمل النبي صلى الله عليه وسلم .
فلما جاءه جبريل ، وقال : يا محمد ،
أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم
الجبلين ، قال : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي .
ما تخلى عن قومه ، ودعا لهم بالهداية ،
واعتذر لهم فإنهم لا يعلمون ، ودعا لهم هذا الإنسان
الذي أقسم الله بعمره الثمين ، قال له :
( سورة الحجر ) .
ألا ينبغي أن نقتدي بهذا النبي الكريم
؟ ألا ينبغي أن يكون الوقت عندنا ثميناً أن نفعل فيه
شيئاً لصالح المسلمين ؟ أن نخفف من متاعبهم ، أن نعزز
مكانتهم ، أن نحل مشكلاتهم ، أن نأخذ بيد ضعيفهم ، أن
نطعم جائعهم ، أن نكسو عاريهم .
وروى بخاري ومسلم من حديث ابن مسعود
قال : ((
بَيْنَمَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي
عِنْدَ الْبَيْتِ ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ
جُلُوسٌ ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ
، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : أَيّكُمْ
يَقُومُ إلَىَ سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ ـ يعني
أحشائها ـ فَيَأْخُذُهُ ،
فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمّدٍ إذَا سَجَدَ ؟
)) .
نحن الآن بحبوحة ، والحمد لله ،
معززون ، مكرمون ، نأتي إلى المساجد ، نستمع إلى
الدروس ، نستمع إلى الخطب ، ندخل إلى بيوتنا نصلي ،
نساؤنا محجبات ، لا أحد يعترضنا ، هذه نعمة كبيرة جداً
، وقد قُدِّم الإسلام إلينا على طبق من ذهب ، أما
هؤلاء الأصحاب الكرام الذين فدفعوا من أجل هذا الإسلام
دفعوا حياتهم ، ودفعوا كل ما يملكون ونحن لا نعرف قيمة
هذا الإسلام .
(( فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ
فَأَخَذَهُ ، فَلَمّا سَجَدَ النّبِيّ صلى الله عليه
وسلم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ
، قَالَ : فَاسْتَضْحَكُوا ،
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَىَ بَعْضٍ ، وَأَنَا
قَائِمٌ أَنْظُرُ ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ
طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم ، وَالنّبِيّ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ مَا
يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، حَتّى انْطَلَقَ إنْسَانٌ
فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ . فَجَاءَتْ ، وَهِيَ
جُوَيْرِيَةٌ ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمّ أَقْبَلَتْ
عَلَيْهِمْ ، تَشْتِمُهُمْ ، فَلَمّا قَضَى النّبِيّ
صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ،
ثُمّ دَعَا عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ إذَا دَعَا ،
فَوَالّذِي بَعَثَ مُحَمّداً صلى الله عليه وسلم
بِالْحَقّ لَقَدْ رَأَيْتُ الّذِينَ سَمّىَ ـ أي
ذكر أسماءهم بالدعاء عليهم ـ
صَرْعَىَ يَوْمَ بَدْرٍ . ثُمّ سُحِبُوا إلَىَ
الْقَلِيبِ ، قَلِيبِ بَدْرٍ
)) .
وقد خاطبهم واحداً واحداً : ((
يا فلان ، يا فلان ، يا فلان : أَلَيْسَ قَدْ
وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا ؟ فَإِنّي قَدْ
وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا ، لقد كذبتموني
وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، أَلَيْسَ
قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا . فَقَالَ
: يَا رَسُولَ اللّهِ أتخاطب قوماً جَيّفُوا ؟ قَالَ :
مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُم )) ،
أين عقلهم ؟
.
مرة ثانية ، أيها الإخوة ، هذا الذي
نشاهده في العالم من قسوة على المسلمين ، واتهام لهم ،
وتنكيل بهم ، وحصار لبلادهم ، وإخراجهم من بعض الأماكن
، وسجنهم ، وتعذيبهم ، هذا ذاقه النبي وأصحابه الكرام
في أول هذه الدعوة ، وبفضل تضحياتهم ، وبفضل جهادهم
واستجهادهم وصلت هذه الدعوة إلينا ، فلنحافظ عليها .
ومرةً ضربوا النبي صلى الله عليه وسلم
حتى أغشي عليه ، فقام أبو بكر فجعل ينادي : " ويلكم
أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ، فتركوه ، وأقبلوا
على أبي بكر ، وحاولت أم جميل زوجة أبي لهب أن تعتدي
عليه بحجر فحماه الله منها ، فلم تره ، فكانت تحمل
الحطب كي تضعه في طريقه صلى الله عليه وسلم كما حكى
القرآن ذلك : ﴿
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا
حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ .
قال : يا رب ، إنسان يقرأ القرآن فقرأ
قوله تعالى :
( سورة طه ) .
قال : يا رب ، إذا كانت رحمتك بمن قال
: أنا ربكم الأعلى فكيف رحمتك بمن قال : سبحان ربي
الأعلى ؟ وإذا كانت رحمتك بمن قال :
( سورة القصص الآية : 38 ) .
فكيف رحمتك بمن قال : لا إله إلا الله
؟ كيف ؟ ورد في بعض الآثار القدسية : " أن يا داود ،
لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم
لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلي ، يا داوود
هذه إرادتي في المعرضين فكيف في المقبلين ؟! " .
إذا كنت مطيعاً لرب العالمين ، محباً
له ، محباً لأنبيائه ، محباً لكتابه ، محباً للمؤمنين
، محباً للمساجد ، محباً لعمل الخير فأبشر
.
أيها الإخوة ،
إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر ،
فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، ونائلة
، وأساف ، لو قد رأينا محمدا لقد قمنا إليه قيام رجل
واحد ، فلم نفارقه حتى نقتله ، فأقبلت ابنته فاطمة
بالذي قالوا ، فجاء وحصبهم بقبضة من تراب من أصابته
منهم قتل يوم بدر كافراً .
مرةً أيها الإخوة ، صفوان ابن أمية
التقى بعمير بن وهب ، فقال له عمير : يا صفوان ، والله
لولا صغار أخشى عليهم العنت من بعدي ، ولولا ديون
لزمتني ما أطيق سدادها لذهبت ، وقتلت محمداً ، وأرحتكم
منه ، صفوان عدو لدود ، قال : يا عمير ، أما أولادك
فهم أولادي ما امتد بهم العمر ، وأما ديونك فهي علي
بلغت علي ما بلغت ، فامضِ بما أردت ، يعني اذهب ،
واقتل محمداً ، وأرجنا منه ، فسقى سيفه سماً ، ووضعه
على عاتقه ، وركب ناقته ، وتوجه إلى المدينة بحجة أنه
أتى المدينة ليفك أسر ابنه ، فلما وصل المدينة رآه عمر
رضي الله عنه ، فقال : هذا عدو الله جاء يريد شراً ،
وقيده بحمالة سيفه ، وساقه إلى النبي صلى الله عليه
وسلم ، سيدنا النبي لطيف ، قال : يا عمر ، أطلق سراحه
، فأطلق سراحه ، قال : يا عمير ، ادنُ مني ، فدنا منه
، قال : يا عمير ، سلم علينا ، قال له : عِمت صباحاً
يا محمد ، قال له : قل : السلام عليكم ، قال له : لست
بعيد عهد بسلامنا ، هذا سلامنا ، كتلة غلظة ، قال : يا
عمير ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال : جئت أفك ابني من
الأسر ، قال : يا عمير ، وهذه السيف التي على عاتقك ؟
قال : قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال
: يا عمير ، ألم تقل لصفوان : لولا ديون لزمتني ما
أطيق سدادها ، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من
بعدي لذهبت ، وقتلت محمداً ، وأرحتكم منه ؟ وقف ، وقال
: أشهد أنك رسول الله ، لأن هذا الذي جرى بيني وبين
صفوان لا يعلمه أحد إلا الله ، وأنت رسوله .
وأسلم ، أما صفوان فكان يخرج كل يوم
إلى ظاهر مكة ليستقبل الركبان ، فلعل الخبر السار بقتل
محمد يصل إليه ، ثم فوجئ أن عمير أسلم .
( سورة آل عمران الآية : 119 ) .
( سورة البقرة ) .
وروى الإمام أحمد من حديث أنس أن جبريل
عليه السلام جاء ذات يوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم
: وهو جالس حزيناً ، قد خضب بالدماء ،
ضربه بعض أهل مكة ، قال : فقال له : ما لك ؟
قال : فقال له : فعل بي هؤلاء ، وفعلوا ،
قال : فقال له جبريل عليه السلام : أتحب أن أريك
آية ؟ قال : نعم ، قال : فانظر إلى شجرة من
وراء الوادي ، فقال : ادع بتلك الشجرة ،
فدعاها ، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه ،
فقال : مرها فلترجع ، فأمرها ، فرجعت
إلى مكانها ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : حسبي .
ويقول ابن كثير : إن غالب ما وقع للنبي
صلى الله عليه وسلم من أذىً كان بعد وفاة عمه أبي طالب
.
أيها الإخوة ، إن شاء الله نتابع هذا
في درس قادم ، ولكن هذه الوقائع ، وهذا الأذى ، وهذا
الاضطهاد ، وهذا التنكيل ، وهذا التعذيب ، وهذا
التكذيب ، وهذا الازدارء ، وهذه السخرية ، وهذه
الإهانة كلها صبت على النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ليبين الله لنا أن هؤلاء كانوا أهلاً للدعوة
إلى الله .
( سورة الأحقاف الآية : 35 ) .
أيها الإخوة ، ونحن فلنصبر ، وإن الله
وعدنا وعوداً كثيرة ، قال :
( سورة النور الآية : 55 ) .
والحمد لله رب العالمين |