|
فقه السيرة النبوية : الدرس 15 –
" " السيرة النبوية تعد من السنة "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ، ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، ولا بد من كلمة بين يدي
الموضوع السيرة النبوية تعد من السنة ، لأن سنة النبي
صلى الله عليه وسلم هي أقواله وأفعاله وإقراره أفعاله
، وهي تشريع ، ونحن حينما نقف وقفة متأنية عند سيرته
نكتشف من سيرته قواعد ينبغي أن نتبعها كي نسلم في
الدنيا ونسعد ، فلذلك المقصود من فقه السيرة أن نستنبط
منها القواعد حتى تكون منهجاً لنا في حركتنا في هذه
الحياة .
في الدرس الماضي بينت كيف أن دعوة
النبي صلى الله عليه وسلم قامت على التوحيد ، وقامت
على المساواة بين البشر ، وقامت على بعض التكاليف ،
الأمر الذي أثار حفيظة قريش لذلك تحركت ، ماذا فعلت ؟
جاء أشراك إلى أبي طالب فقالوا : إن ابن أخيك قد سب
آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل أبناءنا ،
فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخل بيننا وبينه ، فإنك
على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه .
إذاً أي إنسان دعا إلى الله بإخلاص
وصدق وشفافية كما يقولون يجب أن يوطن نفسه على أن يلقى
معارضة ، وهذه المعارضة ثمن الجنة ، لولا تلك الحرب
بين الحق والباطل ، لولا الصراع بين الحق والباطل لما
كانت جنة ، ثمن الجنة أن تقبل التحدي ، وأن تستعين
بالله عز وجل ، فقالوا : إما أن تخلي بيننا وبينه ،
وإما أن نكفيكه ، فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً ،
وكان حكيماً ، وردهم رداً جميلاً ، فانصرفوا عنه ،
ومضى النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر
دين الله .
إخواننا الكرام ، بالمناسبة ، لا يليق
بك كإنسان أن تكون لغير الله ، مما بفقد مكانك عند
الله أن تكون محسوباً على زيد أو على عبيد ، أو على
هذه الجهة ، أو تلك ، أو على هذه الفئة أو تلك أنت لله
.
فذهب الوفد لما تابع النبي صلى الله
عليه وسلم دعوته ، وأبو طالب ردهم رداً جميلاً ، ولم
يحرك ساكناً ، عاد الوفد إلى أبي طالب ، فقالوا له :
يا أبا طالب ، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا ، وإنا
قد استنيهناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله
لا نصبر على هذا من شتم آباءنا ، وتسفيه أحلامنا ،
وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك
حتى يهلك أحد الفريقين ، ثم انصرفوا عنه ، الآن أبو
طالب تأثر ، هذا اسمه تصعيد ، صعدوا الخصومة ، أدخلوا
أبا طالب كطرف في النزاع ، فعظم على أبي طالب فراق
قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفساً لتسليم رسول الله صلى
الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه ، فدعى أبو طالب ابن
أخيه محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، وقالوا لي
كذا وكذا ، فأبقي علي ، وعلى نفسك ، ولا تحملني من
الأمر ما لا أطيق ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((
والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في
يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك
فيه ما تركته )) .
[السيرة النبوية لابن هشام]
بالتعبير المعاصر النبي عليه الصلاة
والسلام يعلمنا كيف نكون رجال مبادئ ، الرجال نوعان ،
رجال مصالح ، ورجال مبادئ ، وما أكثر رجال المصالح ،
يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، أما رجل المبدأ لا
يستجيب لا للضغوط ولا للمغريات ، لا يستجيب لسياط
الجلادين اللاذعة ، ولا لسبائك الذهب اللامعة ، رجل
مبدأ .
إخواننا الكرام ، أتمنى على كل مسلم في
هذه الأيام في مجموعة نقاط في حياته اسمها الثوابت ،
هذه لا تخضع لا للحوار ولا للمساومة ، ولا لأنصاف
الحلول ، المؤمن يقول كلمة لا بملء فمه ، هذا المؤمن
، وكذلك المؤمنة ، امرأة فرعون ، فرعون بطغيانه ،
وجبروته ، وادعائه الألوهية لم يستطع أن يقنع زوجته أن
تعبده من دون الله ، قالت :
( سورة التحريم ) .
هذا الإنسان الإمعة سريعاً ما ينهار ،
سريعاً ما يبدل ، سريعاً ما يغير ، يقبل المساومة ،
يقبل أنصاف الحلول ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ،
هذا الإنسان لو هناك مئة مليون منه كأف ، والواحد من
أصحاب رسول الله كألف .
سيدنا خالد معه ثلاثون ألف مقاتل ،
واجه ثلاثة مئة ألف ، فطلب النجدة من أبي بكر ، وهو
يعتقد أي يرسل له خمسين ألفًا ، فجاء المدد واحد ،
اسمه القعقاع بن عمر ، قال له : يا قعقاع ، أين المدد
؟ قال : أنا المدد ، قال له : أنت ؟! قال له : أنا ،
وهذا الكتاب من أبي بكر ، قرأ الكتاب ، قال : والله يا
خالد ، والذي نفس محمد بيده ، إن جيشاً فيه القعقاع لا
يهزم .
واحد كألف ، والألف كأف ، حال واحد في
ألف أقوى من قول ألف في واحد ، ألف إنسان متكلم لا
يستطيعون أن يؤثروا بواحد ، وواحد موصول بالله عز وجل
يؤثر بألف .
ثم بكى النبي عليه الصلاة والسلام .
في حياتنا المعاصرة عُرض عليك صفقة
أرباحها فلكية ، لكن المادة محرمة ، أو الطريقة محرمة
، أو الأسلوب محرم ، هل تقول : معاذ الله ؟ وتضع هذا
الربح الكبير تحت قدمك ، عندئذٍ تنال الدنيا والآخرة ،
من أحبنا أحببناه ، ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى
بنا عما لنا كنا له ومالنا .
(( ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا
له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه
)) .
[رواه أبو نعيم عن ابن عمر ] .
والله هناك قصص لا تعد ولا تحصى في
تاريخ الدعوة ، مؤمن صادق أمامه إغراء كبير ، تحل بهذا
المبلغ كل مشكلاته ، لكن فيه شبهة ، يضع هذا الثمن تحت
قدمه ، ويقول معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين ،
والله تأتيه الدنيا وهي راغمة ، والله زوال الكون أهون
على الله من أن لا يحقق هذه المقولة لرسوله ،
(( ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا
له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه
)) .
فتاة يأتيها خاطب لا يصلي ، ولا يلتزم
بأوامر الدين ، لكنه غني ، وتقول : معاذ الله ، أريد
رجلاً مؤمناً يحفظ إيماني ، ويعينني على أمر ديني ،
هذه الفتاه بهذا الموقف الصلب لا تستحق من الله أن
يأتيها رجل من أعلى مستوى .
فلما ولى النبي عليه الصلاة والسلام
بعد أن بكى ناداه أبو طالب ، فقال : أقبل يا ابن أخي ،
فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اذهب يا
ابن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً
ـ أخذ قرارًا ـ.
هذه القصة تبين قيمة المواقف المبدئية
، أنت إنسان ، وأنت لله ، وكل شيء بيد الله ، حياتك
بيده ، رزقك بيده ، من هم فوقك بيده ، من هم دونك بيده
، أهلك بيده ، أولادك بيده ، صحتك بيده ، الشرايين
التاجية في قلبك بيده ، أجهزتك بيده كل شيء بيده ،
فلذلك المؤمن يرضي جهة واحدة ولا يعبأ بالباقين .
( سورة يوسف ) .
إذاً أول حركة من حركات قريش أنها أتت
أبا طالب كي يضغط على ابن أخيه ليكف عن دعوته ، هذه
المحاولة أخفقت .
الآن طبقوا خطة ثانية ، عمدوا إلى
المستضعفين في الأرض من المسلمين ، أنزلوا بهم من
الأذى والاضطهاد والتعذيب الشيء الكثير ، ولما ازداد
الأذى بالمسلمين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم
بالهجرة إلى الحبشة ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( اشتقت لأحبابي ، قالوا : أو لسنا
أحبابك ؟ قال : لا ، أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون
في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر
، أجره سبعين ، قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ،
لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون )) .
[ورد في الأثر]
إخوانا الكرام ، نحن في هذا الزمان
وصفه النبي وصفاً رائعاً قال :
(( كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف
، ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا : وكائن
ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد
منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف
أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟ قالوا
: وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده
وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال :
كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا
: وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ،
والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون
))
[ أخرجه ابن أبي الدنيا رواه أبو يعلى
عن أبي هريرة ]
شاعر في عهد سيدنا عمر دخل السجن لأنه
قال في واحد :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فأنت الطاعم الكاسي
هذا البيت الذي دخل من نظمه السجن شعار
كل إنسان الآن
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فأنت الطاعم الكاسي
قال له : أتزوجني ابنتك ، فالأب واعٍ ،
قال له : أعندك بيت ؟ قال : عندي بيت ، قال : ائتني
بالسندات الرسمية لملكية البيت ، جاءه بالسند ، قال له
: عندك عمل ؟ قال : عندي معمل ، قال : ائتني برخصة
المعمل ، وعليها اسمك ، فجاءه بالترخيص الصناعي ،
وعليها اسم الخاطب ، قال له : عندك مركبة ؟ قال له :
عندي ، قال : ائتني برخصة المركبة ، أب من أعلى درجة
بالوعي ، شاب وسيم ، بيت بملكه ، مركبة بملكه ، معمل
باسمه ، وافق ، الآن في مرحلة الخطوبة ، كان عند عمه
في محله التجاري ، ودخل بعض التجار ، وقال : هذا صهري
، خاطب ابنتي ، فتغير لون أحدهم ، فانزوى به جانباً ،
قال : كيف هذا صهرك ؟ قال له : صهري ، قال له : هذا
ليس مسلماً ، تعال إلى هنا ، قال له : أنت ما سألت عن
ديني أبداً ، سألتني عن البيت والمعمل والمركبة ، ولم
تسألنِي عن ديني .
أيها الإخوة ،
(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ،
والمنكر معروفاً
)) ، لذلك أجر المستقيم في هذه الأيام ، ((
كأجر سبعين ، قال : منا أم منهم ؟ قال
: بل منكم ، ولمَ يا رسول الله ؟ قال : لأنكم تجدون
على الخير معواناً ولا يجدون
)) ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام
فيما يرويه عن ربه :
(( العبادة في الهرج ـ
في زمن الفتن
ـ كهجرة إلي
)) .
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن
ماجة عن معقل بن يسار ] .
والله أيها الإخوة ، الشاب التائب
والشابة التائبة التي تركل بقدمها كل مغريات الأزياء ،
وتحتشم ، وتتحجب ، والله هي مهاجرة في سبيل الله .
(( إن الإسلام بدأ غريبا
، وسيعود
غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء
)) .
[ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة]
((
طوبى للغرباء
، أناس
صالحون في أناس سوء كثير
)) .
[ أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عمر ]
وأمر عليه الصلاة والسلام هؤلاء
المستضعفين الفقراء الذين تنكل بهم قريش ، يعذبونهم ،
يضربونهم حتى الموت ، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة ، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : لأنها أرض صدق بها
ملك لا يظلم أحداً ، فهاجر عدد من الرجال والنساء في
السنة الخامسة ، ثم لحق بهم مهاجرون آخرون بعد بضعة
شهور ، حتى وصلوا إلى 83 رجلاً مع بعض النساء ، أن
تنعم بالإسلام في هذه البلدة ، وأن تنشأ هذه المساجد ،
وأن تقام هذه الدروس ، بفضل أصحاب رسول الله ، الذين
تركوا مكة ، وهاجروا إلى أرض الحبشة ، خائفين ، قريش
تخطط التاريخ يعيد نفسه ، قريش خافت من أن ينتشر
الإسلام خارج مكة ، فأرسلت رجلين إلى النجاشي ، ملك
الحبشة هدايا قيمة بغيت استعادة المهاجرين إلى مكة ،
فلما طلبا من النجاشي تسليمهم ، استدعاهم النجاشي
وسألهم عن أمرهم ، فتحدث نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب
رضي الله عنه ، وعرض بإيجاز جوهر دعوة رسول الله صلى
الله عليه وسلم حينما قال .
أيها الإخوة ، كلمات سيدنا جعفر تكتب
بماء الذهب ، قال : (( أيها الملك ، كنا قوماً أهل
جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش
، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا
الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف
نسبه ، وصدقه ، وأمانته وعفافه )) .
[أحمد عن أم سلمة]
أيها الإخوة ، الصدق والأمانة والعفاف
أركان الأخلاق ، إن تكلم فهو صادق ، إن عاملته فهو
أمين ، إن استثيرت شهوته فهو عفيف ، فدعانا إلى الله
لنعبده ونوحده ، ونخلع ما كان يعبد آباءنا من الحجارة
والأوثان ، وأمرنا ، هذا تعريف الإسلام من صحابي جليل
، أمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ،
وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن
الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف
المحصنات ، هذا الإسلام ، الإسلام مكارم أخلاقية بعد
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ،
والقدر وخيره وشره ، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك
بالخلق زاد عليك في الإيمان .
(( وإنما بعثت معلم )) .
[ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ] .
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) .
[ رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه من
حديث أبي هريرة ] .
إخواننا الكرام ، على عجل ، الصلاة
التي هي عماد الدين ، تسقط حينما لا تكون أخلاقياً ،
كيف ؟ سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه :
(( أتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟
قالُوا : المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ
دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ
، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ،
وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا
، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ
هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ
هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ
حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ
أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ
خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ،
ثُمّ طُرِحَ في النّار
)) .
[رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي
الله عنه ] .
ذهب الصلاة .
(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال
كجبال تهامة ، يجعلها الله هباء منثورا قيل : يا رسول
الله
، جلهم لنا ، قال : إنهم
يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ،
ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله
انتهكوها
)) .
[ورد في الأثر]
الصلاة طارت .
الحج :
(( من حج بمال حرام
، ووضع رجله في الركاب ،
وقال : لبيك اللهم لبيك ، ينادى أن
لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك
)) .
[ورد في الأثر]
الحج طار .
الصيام :
(( من لم يدع قول الزور ، والعمل به
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) .
[ رواه أحمد في مسنده وصحيح البخاري
وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ] .
(( كم من صائم ليس له من صيامه إلا
الجوع والعطش )) .
[ أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي
هريرة ] .
طار الصيام .
بقيت الزكاة :
( سورة التوبة ) .
بقيت الشهادة :
(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل
الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم
الله )) .
[ورد في الأثر]
ألا
تكفي هذه الأدلة حتى تتيقن أن العبادة
الشعائرية إن لم تسبقها عبادة تعاملية لا قيمة لها ،
ولا يقبلها الله عز وجل وقد تسقط ؟ لذلك الدين مجموعة
قيم أخلاقية ، لأوضح لكم الحقيقة : حينما قال عليه
الصلاة والسلام :
(( بني الإسلام على خمس )) .
[ متفق عليه ] .
الإسلام هذه أم هذه ؟
(( بني الإسلام على خمس )) ،
فهذه أركان الإسلام هي أعمدة ، وليست
الإسلام ، الإسلام البناء الأخلاقي ، هذا كلام سيد
الفصحاء ، كلام مبعوث العناية الإلهية كلام سيد الخلق
، وحبيب الحق ، يا رسول الله : (( إن فلانة ـ
دققوا ـ تذكر أنها تكثر من صلاتها ـ الفرائض
والضحى والأوابين وقيام الليل ـ
فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها ،
وصدقتها ، وصيامها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ،
قال هي في النار
)) .
[الترمذي]
(( دخلت امرأة النار في هرة حبستها ،
لا هي أطعتها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )) .
[البخاري]
هي في النار .
النمام لا يدخل الجنة ، العبادات
الشعائرية لا تصح ، ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات
التعاملية ، هذا كلام سيدنا جعفر ، (( أيها الملك ،
كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ،
ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل
القوي منا الضعيف ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه
، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، ونسيه ، فدعانا إلى الله
لنوحده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة
والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة
الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء )) .
[أحمد عن أم سلمة]
الآن لجأت قريش إلى أسلوب آخر ، أولاً
لجؤا إلى أبي طالب فلم ينجحوا ، لجؤا إلى تعذيب
الضعفاء من قريش فهاجروا ، أرسلوا وفداً لاسترجاعهم
فلم يفلحوا ، الآن لجأت قريش إلى ترويج الاتهامات
الباطلة ، هذه الحملة الإعلامية ، التاريخ يعيد نفسه ،
لجأت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة لصد الناس عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من ذلك أنهم اتهموه
بالجنون ، وفي ذلك قال الله تعالى :
( سورة الحجر ) .
يستطيع مواطن بأي دولة بالعالم الثالث
يقول لمن يقف على رأس
هذه الدولة : مجنون ، وينام في بيته ؟ ماذا نستنبط ؟
أن يقول هؤلاء لسيد الخلق وحبيب الحق : ك لمجنون معنى
ذلك أنه ضعيف ، أليس كذلك ؟ ما من إنسان فيه عقل ، ما
من إنسان عنده ذرة من العقل يواجه إنسان قوي يقول له :
أنت مجنون ، أما حينما قالوا لرسول الله : ﴿
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ معنى ذلك هو ضعيف ، فما
الحكمة من كون النبي ضعيفاً ؟ لأن القوي لو جاء بهذه
الرسالة لدخل الملايين المملينة بيوم واحد فيها ، لا
إيماناً ، ولا حباً بالله ، ولا طاعةً له ، ولا عبادة
له خوفاً وطمعاً فقط ، لو أن الأنبياء أقوياء لسقطت
دعوتهم ، الأنبياء ضعاف ، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً
، بل :
( سورة الأعراف الآية : 188 ) .
قل :
( سورة هود الآية : 31 ) .
( سورة الأنعام ) .
لا يعلم الغيب ، ولا يملك لهم نفعاً
ولا ضراً ، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ويخاف إن
عصى ربه عذاب يوم عظيم ، حكمة أن يكون النبي ضعيفاً ،
ليكون الإيمان به حقيقياً ، ما عنده شيء يعطيه لمن
يؤمن به ، الناس لا يخافونه ، ولا يرجونه ، لذلك الذي
يؤمن برسول الله ، وهو ضعيف ، هذا أعلى درجة من
الإيمان ، لا يبتغي نفعاً ، ولا يخاف ضيماً ، إنما آمن
بالله ، وآمن برسوله ، لأنه فعلاً رسوله ، ﴿
يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، الله عز وجل رد عليهم ،
قال :
( سورة القلم ) .
( سورة هود ) .
والله أيها الإخوة ، المؤمن يعيش بحالة
من الأمن ، وحالة من السعادة والله لو علمها الملوك
لقاتلوه عليها ، هذا كلام قاله ملك ، اسمه إبراهيم بن
الأدهم ، كان ملكاً وترك الملك باختياره ، وصار عارفاً
لله ، وقال : لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا
عليها بالسيوف ، قال :
( سورة القلم ) .
النبي الكريم رأى في الطريق مجنون فسأل
سؤال العارف فقال : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قال
: لا ، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله ، هذا هو
المجنون ، وقد يسأل سائل : فلان معه دكتوراه ، هذا ذكي
، وليس عاقلاً ، الذكي اختصاص نادر ، تفوق باختصاص
معين ، ذكي بما هو في فقط ، أما إدراك شمولي بسر وجودك
، وغاية وجودك ، وطريق سلامتك ، وسعادتك غير موجود ،
لذلك ما كل ذكي بعاقل ، ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ، قال : لا هذا ليس بمجنون
، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله .
وفي آية ثانية :
( سورة القلم ) .
هي رقم اثنان ، واتهموه بالسحر ، وفي
ذلك قال تعالى :
( سورة ص ) .
( سورة الفرقان ) .
سؤال دقيق ، قالوا : ساحر ، وقالوا :
كذاب ، وقالوا : مجنون ، إذا لا سمح الله ولا قدر قال
واحد عنك : مجنون وساحر وكذاب ، لزم أن نكتبها في كتاب
، ونطبع منه مئة ألف نسخة ، ونوزعه بالعالم كله ،
قالوها في وقت محدود ، في مكان محدود ، فلما أثبتها
الله في القرآن الكريم أصبحت قرآناً تتلى في كل زمان
ومكان ، ما الحكمة ؟ لماذا أثبت الله اتهام كفار قريش
لرسول الله بأنه مجنون ، وبأنه ساحر ، وبأنه كذاب ،
بالقرآن ، وهذا القرآن يتلى إلى يوم القيامة ، ما
الحكمة ؟ قالوا عنه : مجنون ، وقالوا عنه : ساحر ،
وقالوا : عنه كذاب ، لو ما جاءت في القرآن ، القضية
انطوت هذا أعلى إنسان بالأمة ، أعلى إنسان بين بني
البشر ، سيد ولد آدم ، سيد الخلق وحبيب الحق ، يا رب ،
أقسمت بعمره الثمين ، لعمرك ، إله عظيم يقسم بعمر هذا
الإنسان ، فلماذا أثبت يا رب أنه مجنون في كتابك ،
قاوا عنه : إنه لمجنون وساحر وكذاب ، هذا مواساة
للدعاة إلى يوم القيامة ، من أنت إذا اتهمت بأنك لست
حضارياً ؟ إذا اتهمت بأنك متزمت ، إذا اتهمت بأنك غيبي
غيبي ، تبحث فيما وراء الطبيعة ، إذا اتهمت بأنك محدود
، لست متمشياً مع روح العصر من أنت ، سيد الخلق وحبيب
الحق اتهم بأنه مجنون ، وأثبتها الله في القرآن الكريم
، من أجل كل داعية دع فواجهة معارضة وواجهة انتقاداً ،
لماذا تتهم السيدة عائشة ، وهي زوجة سيد الخلق ، وهي
الطاهرة العفيفة بأنها زانية في حديث الإفك ، لماذا ؟
من أجل أية مؤمنة إلى يوم القيامة اتهمت وهي بريئة ،
لها بالسيدة عائشة أسوة حسنة ، لماذا دخل نبي كريم
السجن ؟ سيد يوسف ، من أجل كل سجين بريء ، اتهم ظلماً
، مواساة له ، لماذا كان ابن سيدنا نوح عاق ؟ إكراماً
لكل أب قدر الله له ابن سيئاً ، لماذا كان والد سيدنا
إبراهيم سيئ مشرك ، قد يواجه شاب أن أبوه سيئ لا يصلي
، يحارب الدين يحارب الابن الذي يصلي ، مواساة لهذا
الشاب ، في نبي والده مشرك ، هناك نبي زوجته سيئة جداً
، امرأة لوط .
( سورة التحريم الآية : 10 ) .
الذي عنده زوجة سيئة يمكن أن يكون هذان
النبيان أسوة له ، الذي عنده أب سيئ ، الذي عنده ابن
سيئ ، الذي عنده عقيم ، سيدنا زكريا كان عقيما ،
سيدنا أيوب كان مريضا ، الله عز وجل جعل الأنبياء
نماذج إنسانية .
الآن قد اقترب موسم الحج ، فالوليد بن
المغيرة خاف أن يصير خبر هذه البعثة ، وهذا القرآن بين
القبائل التي تأتي للحج ، فتضعف مكانة قريش ، أخذهم
الهم ، ماذا نفعل ؟ ماذا نقول ؟ لذلك قال لهم الوليد :
يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وأن وفود
العرب ستقدم عليكم في ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ،
فأجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم
بعضا ، أرادوا أن يتفقوا على رواية إذا جاءهم الوفد
يعطونه إياها ، طبعاً استبعدوا أنه كاهن ، واستبعدوا
أنه شاعر ، واستبعدوا أنه ساحر ، إلا أنهم اتفقوا على
أن يقولوا :إنه ساحر ، لأنه يفرق بين الأقارب ، فأنزل
الله في الوليد .
استكبر عن الإيمان ، ﴿ فَقَالَ
﴾ بالنهاية .
( سورة المدثر ) .
هذا النبي ساحر .
( سورة المدثر ) .
أيها الإخوة :
( سورة الفرقان الآية : 4 ) .
واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم
الإتيان بالأساطير ، ولا زلنا في الحملة الإعلامية
التي أرادتها قريش كي يشوه سمعة النبي عليه الصلاة
والسلام ، قال تعالى :
( سورة الفرقان الآية : 4 ) .
واتهموا المؤمنين بالضلالة .
( سورة المطففين ) .
ثم بدأت حملة السخرية ، مجنون ، ساحر ،
ضال ، يأتي بالأساطير ، بالخرافات ، هذا التهم التي
وجهت قريش لرسول الله ، لذلك ورد في بعض الآثار أنه
بالمناجاة سيدنا موسى كليم الله قال : يا رب ، لا تبقِ
لي عدواً ، قال : يا موسى ، هذه ليست لي ، يعني لا بد
من عدو للمؤمن ، بل بعضهم قال : المؤمن لا بد له من
كافر يقاتله ، ومن منافق يبغضه ، ومن مؤمن يحسده ، ومن
شيطان يغويه ، ومن نفس ترديه ، لك خمسة أعداء ، أكبر
عدو الكافر يريد أن يقاتلك ، في عدو آخر المنافق يبغضك
، العدو الثالث مؤمن ، لكنه ضيق الأفق ، يحسدك ، بدل
أن يسأل الله من فضله ،
ملك الملوك إذا وهب .
البيت : لا تسألن عن السبب ، أنا عدلته
ملك الملوك إذا وهب قم فسئلن عن
السبب
الله يؤتي من يشاء فقف على حد
الأدب
فالكافر يقاتل ، والمنافق يبغض ،
والمؤمن يحسد ، والنفس تغري ، والشيطان يغوي .
الآن الحملة الثانية حملة السخرية
والاستهزاء ، والضحك ، والغمز ، واللمز والتعالي ،
عليه صلى الله وسلم وعلى المؤمنين ، وقال الله عز وجل
:
( سورة الأنعام ) .
هؤلاء ازدراء واحتقاراً مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا .
روى البخاري أن امرأة قالت لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ساخرة مستهزئة : إني لأرجو أن يكون
شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ،
فأنزل الله تعالى :
( سورة الضحى ) .
إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان
عليك فمن معك .
وروى البخاري أيضاً أن أب جهل قال
مستهزئا : اللهم إن كان هذا الحق من عندك فأمطر علينا
حجارة من السماء ، أن أتينا بعذاب اليم ، فنزل قوله
تعالى :
(سورة الأنفال ) .
وقال الله عن ضحكهم وغمزهم
﴿ إِنَّ الّذِينَ أَجْرَمُوا
كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا
مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا
إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهَينَ ﴾
( سورة المطففين : 29 ـ 31 )
إخواننا الكرام ، هل تحبون أن أقول لكم
من هو البطل ؟ هو الذي يضحك أخيراً .
( سورة المطففين ) .
لا تكن من الذين يضحكون أولاً ، فالذي
يضحك أولاً يبكي كثيراً آخراً ، كن ممن يبكي أولاً ،
ويضحك أخيراً ، ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا
مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ ومن منطلق
الاستعلاء والسخرية قال المشركون : لا نرضى بمجالسة
أمثال هؤلاء ، من هم ؟ يعنون صهيباً وبلالاً وخباباً
...... لا يجلسون مع هؤلاء استكباراً وعلواً في الأرض
، فقال الله عز وجل :
( سورة الأنعام ) .
ومر النبي صلى الله عليه وسلم بجماعة
من قريش فهمزوه ، واستهزؤوا به ، ، فغاضه ذلك ، فأنزل
الله عز وجل :
( سورة الأنعام ) .
( سورة فصلت ) .
أيها الإخوة ، هذه مواقف قريش من رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، بدءوا بأبي طالب على أن
يتخلى عن ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم
اتجهوا إلى تعذيب المستضعفين ، ثم اتجهوا إلى ترويج
حملة إعلامية ظالمة ، اتهموه بالشرك وبالسحر وبالكذب
وبالأساطير ، ثم اتجهوا بالاستهزاء به والسخرية منه ،
والغمز واللمز ، وهذا كله يبين لنا أن حمل الرسالة عبء
كبير ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهلاً لها ،
ولقد أقسم الله بعمره الثمين فقال :
( سورة الحجر ) .
والحمد لله رب العالمين |