|
فقه السيرة النبوية : الدرس 14 –
" " فحوى الدعوة في مكة "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، ننتقل اليوم إلى فحوى
الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة ، وردود الفعل التي
نتجت عن هؤلاء الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم بين
ظهرانيهم .
أيها الإخوة ، هذا الدين الإسلامي الذي
من وحي السماء ، لو أردنا أن نلخصه بكلمة واحدة نقول :
توحيد ، إله واحد ، هو الذي خلق الأكوان ، هو الذي رب
العالمين ، هو المسير ، هو الفعال ، هو الرزاق ، هو
المحي ، هو المميت ، هو الممد ، هو الباسط ، هو القابض
، هو المعز ، هو المذل ، هو المعطي ، هو المانع ، هو
المغني ، هو المفقر ، هو الذي يمنح الصحة ، هو الممرض
، حينما تؤمن أن كل شيء بيد الله تكون قد عرفت حقيقة
هذ الدين ، هذا الدين دين التوحيد ، نزل في بيئة تعبد
أصناماً متعددة ، أصناماً من صنع البشر .
( سورة الصافات ) .
مرةً عبدوا صنماً من تمر ، فلما جاعوا
أكلوه ، في هذه البيئة التي تقوم على عبادة الأصنام ،
وهي أحجار لا تنفع ولا تضر ، ولا تميت ولا تحيي ، نزلت
آيات القرآن الكريم ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له
، الله عز وجل ينبغي أن يعبد وحده ، وينبغي ألا يعبد
معه إله آخر ، إن كان ظاهراً ، وإن كان باطناً ،
الوحدانية المطلقة هي القضية الأساسية التي قامت عليها
دعوة الأنبياء ، هذا الدين دين التوحيد ، وما تعلمت
العبيد أفضل من التوحيد .
بل إن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً هو
التوحيد .
( سورة الأنبياء ) .
أيها الإخوة ، الخوف من ضعف التوحيد ،
القلق من ضعف التوحيد ، النفاق من ضعف التوحيد المعصية
من أجل الرزق من ضعف التوحيد ، الأمراض النفسية على
كثرتها من ضعف التوحيد .
أيها الإخوة ، لو أن طفلاً ارتفعت
حرارته ، وأخذناه إلى طبيب أعطاه خافضًاللحرارة ، نقول
: ليس هذا بالطبيب ، لأن ارتفاع الحرارة عرض من أعراض
مرض التهابي إنتاني ، فما لم يعالج أصل المرض فلا يعد
هذا الطبيب طبيباً ، مشكلات العالم الإسلامي اليوم لا
تعد ولا تحصى ، يتوهمها بعضهم أمراضًا اجتماعية ،
والحقيقة هي ليست أمراضًا اجتماعية ، هي في مجموعها
أعراض لمرض واحد ، إنه البعد عن الله ، وضعف التوحيد ،
لماذا يعصي الإنسان الله من أجل الرزق ؟ لأن توحيده
ضعيف ، لأنه رأى أن الرزق بيد فلان ، لماذا يزل
الإنسان ؟ من ضعف التوحيد ، لماذا ينافق ؟ من ضعف
التوحيد ، لماذا ينخلع قلبه خوفاً ؟ من ضعف التوحيد ،
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
لذلك لو تتبعتم آيات القرآن الكريم ،
وقد لخص الله دعوة كل نبي على حدة :
( سورة المؤمنون الآية : 32 ) .
أيها الإخوة ، قريش تعبد اللات والعزى
، تعبد آلهة منتصبة في الحرم المكي ، والكعبة من آثار
سيدنا إبراهيم ، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام
، فقوم يعبدون آلهة لا تقدم ، ولا تؤخر ، ولا تنفعهم ،
ولا تضرهم ، ولا ترزقهم ، ولا تحييهم ، ولا تميتهم ،
والإنسان أيها الإخوة لا يليق به أن يكون لغير الله ،
الجماد للنبات ، والنبات للحيوان ، والحيوان للإنسان ،
لكن الإنسان لله وحده ، عبدي خلقت لك ما في السماوات
والأرض ، ولم أعيَ بخلقهن ، أفيعيني رغيف أسوقه لك كل
حين ؟ لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في
فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ
بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش
في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا
أبالي ، وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد ، وأنا أريد ،
فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلمي
فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد
.
كإسقاط على حياتنا اليومية ، لا يمكن
أن تسعد إلا إذا كنت موحداً ، لا يمكن أن تكون عزيزاً
إلا إذا كنت موحداً ، لا يمكن أن تكون جريئاً إلا إذا
كنت موحداً ، لا يمكن أن تشعر بقيمتك الإنسانية إلا
إذا كنت موحداً ، لما الحسن البصري قام بمهمة العلماء
التي أوكلت إليهم ، وهي التبيين ، والذي قاله في
الحجاج وصل إليه ، فقال لجلسائه : يا جبناء ، والله
لأروينكم من دم ، وأمر أن يؤتى به ليقطع رأسه ، وجيء
بالسياف ، ومد النطع ، وأرسل الجنود ليأتوا بالحسن
البصري ، وهو جالس يتميز غضباً ، دخل الحسن البصري ،
فرأى السياف والنطع ، وعرف القصة كلها ، جاء ليقطع
رأسه ، وتوجه إلى الله الذي بيده كل شيء قال : يا
مؤنسي في وحشتي ، يا ملاذي عند كربتي ، اجعل نقمته علي
برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على
إبراهيم ، ودخل فإذا بالحجاج يقول له : يا أبا
سعيد ، تعال إلى هنا ، وما زال يقربه حتى أجلسه إلى
جانبه على السرير ، وسأله بعض الأسئلة ، وكانت له هيبة
العالم ، ومكانة الداعية ، وسأله بعض الأسئلة ، وطيبه
بطيب ، وودعه إلى باب القصر ، وقال : يا أبا سعيد ،
أنت سيد العلماء ، ما الذي حصل ؟
الآن أيها الإخوة ، أضع بين أيديكم
حقيقة خطيرة ، ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :
((
قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن )) .
[أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو
] .
لماذا يصف النبي أن قلوب العباد بين
أصبعين من أصابع الرحمن ؟ من أجل أن تطمئن ، هذا تخافه
قلبه بيد الله ، هذا الذي تخشى أن يبطش بك قلبه بيد
الله ، هذا الذي تخافه أن يمنعك قلبه بيد الله ، لذلك
أن تكون قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن من
أجل أن تكون في اطمئنان .
( سورة طه ) .
فرعون الذي قال :
( سورة النازعات ) .
فرعون الذي قال :
( سورة القصص الآية : 38 ) .
بكل جبروته وقوته ، وبكل وزنه ، وبكل
ظلمه ما استطاع أن يقنع امرأته أن تعبده من دون الله ،
لمَ لم يقتلها ؟ ما الذي منعه ؟ مع أن قتل الإنسان سهل
عليه ، الأمور بيد الله كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا
تقرب أجلاً .
أيها الإخوة ، أنا مضطر أن أقول هذه
الحقيقة : التوحيد كفكرة واضح ، التوحيد كفكرة من
السهل أن تستوعبها ، ولكن أن تعيش التوحيد هذا شيء
كبير ، أن تعيش التوحيد ، ألا ترى مع الله أحداً ، أن
ترى أن يد الله وحدها تعمل في كل شيء ، أن ترى :
( سورة الفتح الآية : 10 ) .
أن ترى :
( سورة آل عمران الآية : 128 ) .
أن ترى :
( سورة الكهف ) .
أن ترى :
( سورة هود الآية : 123 ) .
أن ترى :
( سورة فاطر ) .
أن ترى :
( سورة محمد الآية : 19 ) .
أن ترى :
( سورة الزخرف الآية : 84 ) .
صدقوا أيها الإخوة ، 95 % من المسلمين
لا يرون أن الأمر بيد الله ، يرون بيد زيد أو عبيد أو
فلان ، أو علان ، وفلان بإمكانه أن يعطي ، أو أن يمنع
، أن يقرب ، أو أن يبعد ، أو أن يرفع ، أو أن يخفض ،
لذلك الناس على أنهم مسلمون يعبدون آلهة من دون الله
بشكل غير مباشر ، وهذا معنى أن النبي صلى الله عليه
وسلم يقول :
(( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي
، أما إني لست أقول : إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ،
ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله ) .
(ورد في الأثر)
يقول الإمام علي رضي الله عنه : "
الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة
الصماء ، في الليلة الظلماء
" .
نملة سمراء تمشي على صخرة صماء ، في
ليلة ظلماء ، هل لها صوت ؟ الشرك أخفى من دبيب النملة
السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ،
أدناه أن تحب على جور ، لك قريب غني ، وهو ظالم ، لكنك
تحبه ، لأنك إذا زرته قدم لك الهدايا الثمينة ، وإن
دعاك إلى بيته أطعمك أطيب الطعام ، وإن رافقته في نزهة
أنفق عليك المال الكثير ، تحبه مع أنه ظالم ، هذا شرك
، وأدناه أيضاً أن تبغض على عدل ، إنسان نصحك بكل أدب
فتبغضه ، كيف تجرأ عليك ، هذا من الشرك .
بلد وقوم يعبدون الأصنام ، وآلهة
عديدون ، فيأتي نبي كريم ويقول : إن هم إلا أوهام في
أوهام ، وليس إلا الله الواحد الديان ، لا إله إلا
الله ، هذا أول شيء ، والحديث عن التوحيد والله لا
ينتهي ، الحديث عن التوحيد هو الدين ، لكن هذا ملخص .
لذلك أقول كلمة أيها الإخوة : ليس إلا
الله ، مهما تعمق الإنسان فيها لا ينتهي ، هناك أشخاص
مخيفون في الحياة ، هناك أسلحة فتاكة ، وأمراض عضالة ،
وفيروسات قاتلة .
( سورة الفلق ) .
لكن كل هذه التي خلقها الله ـ دقق ـ :
( سورة الزمر ) .
بيده ، إن أراد وصلت إليك ، وإن أراد
أبعدها عنك ، علاقتك معه ، وليست مع الأشياء المخيفة .
أيها الإخوة ، كلما تعمقت في التوحيد
امتلأ قلبك أمناً :
( سورة الأنعام ) .
كلما تعمقت في التوحيد توكلت على الله
، كلما تعمقت في التوحيد رضيت نفسك ، كلما تعمقت
بالتوحيد ازدادت عزتك ، ((
اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري
بالمقادير )) .
[ أخرجه تمام وابن عساكر عن عبد الله
بن بسر ] .
أيها الإخوة ، هؤلاء دهشوا ، وصعقوا
لهذه الدعوة التوحيدية ، عندهم آلهة كثيرون ، فإذا
فحوى دعوة النبي أن الإله واحد ، هم يعتقدون أن هذه
الحياة :
( سورة المؤمنون الآية : 37 ) .
ليس ثمة غيرها :
( سورة المؤمنون الآية : 37 ) .
فإذا بهذا النبي الكريم يقول : لا ،
هناك حياة أخرى ، حياة أبدية .
والله أيها الإخوة ، لو أغفلنا الدار
الآخرة لتفجر مليون سؤال ، لماذا فلان غني وفلان فقير
؟ فلان صنبور مائه بثمن بيت ، هناك صنبور من الذهب
الخالص ، صنبور بثمن بيت ، لماذا فلان بيته أربعمئة
متر ، وفلان لا يجد غرفة في رأس الجبل يتزوج فيها ؟ لو
ليس هناك آخرة يقفز إلى الذهن مليون سؤال ، لماذا
إنسان يأمر بقتل شعوب بأكملها ، ويتصدر في المجالس ،
ويتبجح ويتغطرس ، وأناس يموتون قهراً ؟ إذا ليس هناك
آخرة ، يتفجر مليون سؤال .
فلذلك ، ما من ركنين من أركان الإيمان
تلازما في القرآن الكريم كركني التوحيد واليوم الآخر ،
في اليوم الآخر تسوى الحسابات ، في اليوم الآخر يؤخذ
للمظلوم من الظالم ، وللمغتصب ماله من المغتصب ، في
اليوم الآخر يؤخذ كل ذي حق حقه .
فلذلك لم يصدقوا ، ﴿ إِنْ هِيَ
إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾
.
( سورة المؤمنون ) .
فإذا بهذا النبي الكريم يقول : لا ،
الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية ، الحياة الآخرة هي
الحياة الأبدية ، الحياة الآخرة فيها ما لا عين رأت ،
ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، الحياة الآخرة
أساسها التكريم .
( سورة ق ) .
الحياة الآخرة ليس فيها تعب ولا نصب ،
ولا فقر ولا مرض ، ولا زوجة سيئة ولا ولد عاق ، ولا
جار مزعج ، ولا إنسان ظالم ، ولا مرض ، الحياة الآخرة
نعيم مقيم .
(( أعددت لعبادي الصالحين
ـ دققوا ـ
ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا
خطر على قلب بشر
)) .
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن
ماجة وأحمد في مسنده عن أبي هريرة ] .
دائرة المرئيات محدودة ، لعلك زرت بضع
مدن في العالم ، لكن دائرة المسموعات ، تستمع في
الأخبار إلى مئتي مدينة ، أما دائرة الخواطر فلا تنتهي
، أي شيء واقع أو غير واقع خاطر ، ((
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ،
ولا خطر على قلب بشر )) .
النبي عليه الصلاة والسلام كان يستخدم
أسلوب التصوير ، كيف يبين الفرق بين الدنيا والآخرة ،
كيف ؟ اذهب إلى مدينة الساحل ، ولتكن اللاذقية ، واركب
قارباً ، وأمسك بإبرة ، وغمسها في الماء ، واسحبها
بما رجعت بماء البحر قال عليه الصلاة والسلام : ((
ما أخذت الدنيا من الآخرة
إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه
)) .
[ رواه الطبراني عن المستور ] .
حينما يقول الله لكم وهو خالق الأكوان
:
( سورة النساء الآية : 77 ) .
( سورة الإنسان ) .
( سورة الضحى ) .
أيها الإخوة ، الفكرة الأساسية الثانية
في هذه الدعوة التي نزلت في مكة أن هناك يوماً آخر
تسوى فيه الحسابات ، يؤخذ للمظلوم من الظالم .
أحد الأشخاص كان صالحاً ، قال له أحدهم
: لقد اغتبتني ، قال له : ومن أنت حتى أغتابك ؟ لو
مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي ، لأنهما أولى بحسناتي
منك .
أنت حينما تعلم أن هذا الذي تغتابه
سيأخذ حسناتك يوم القيامة ، فضلاً عن وحدانية الإله
الإيمان باليوم الآخر ، تلقوا ضربتين ، هذه الأصنام لا
أصل لها ، وهذه الحياة الدنيا لا قيمة لها ، كما قال
سيدنا علي : " فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً
أم أهانه حين زوى عنه الدنيا " ، سيدنا محمد ما رأى
أوربة ، ما رأى أمريكة ، ما رأى هذه المدن الجميلة ،
ما رأى هذه الحضارة المادية الرائعة ، حياته خشنة جداً
، غرفته لا تتسع لنوم زوجته وصلاته ، فكان إذا أراد أن
يصلي يجب أن تزيح زوجته جسمها عن مصلاه ، فلينظر ناظر
بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه
الدنيا ، فإن قال : أهانه فقد كذب ، وإن قال : أكرمه
فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ، الله أعطى الدنيا
لمن لا يحب ، أعطاها لقارون ، أعطاها لفرعون ، أما
الذي يحبهم ماذا أعطاهم ؟ قال :
( سورة القصص ) .
إخوانا الكرام ، هناك آية لا أعرف مدى
تأثركم بها ، كنت أمهد لها بتمهيد بسيط ، أن طفلا قال
لك : معي مبلغ عظيم ، يعني 200 ليرة ، موظف بالبنتاغون
قال : نحن أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً ، يعني
200 ، لكن ليس ليرة سورية ، 200 مليار دولار ، كلمة
عظيم نفسها قالها طفل ، فقدرتها بـ 200 ليرة ، وقالها
مسؤول كبير بالبنتاغون فقدرتها بـ 200 مليار ، فإذا
قال ملك الملوك ، فإذا قال خالق السماوات والأرض :
( سورة النساء ) .
الكسب الحقيقي أن تعرف الله ، " ابن
آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك
فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء " .
مرحلة ثالثة ، الإله واحد ، وهناك يوم
آخر ، الثالثة ما فيها قيد ولا شرط ، حياة أهل قريش ،
ما فيها قيد أو شرط في حياة أهل مكة ، لا حرام ، خمور
، زنا ، أنواع الزنا لا تعد ولا تحصى ، الزوج يقول
لزوجته : اذهبِي إلى فلان ، واستبضعي منه ، فلان قد
يكون ذكيًّا ، لعله يأتينا غلام منه ، المرأة لها عشرة
أزواج ، حينما تنجب ولداً هي تقول : هذا ابن فلان ،
أنواع الإباحية في الجاهلية لا توصف ، خمور ونساء ،
وربا مخيف ، ربا ، وخمور ونساء ، فإذا بهذا الدين
الجديد يحرم عليهم الخمر ، والزنا ، والميسر ، والربا
، كل متعهم في هذه ، الآن الواحد يعيش يأكل ، الأكل
ممنوع ، أن تنام ممنوع ، الزنا ، والخمر ، والميسر ،
والقمار ، كالطعام والشراب والنوم عند عامة الناس ،
لذلك طار صوابهم ، واختل توازنهم ، قل لإنسان مُرابٍ
كبير : دعك من الربا ، كيف أن هذا النبي العظيم تحمل
هذه الدعوة ، إله واحد ، وهناك آخرة ، وهناك محرمات ،
لكن طبقية بمجتمع مكة لا تحتمل ، هناك سادة ، وعبيد ،
العبد ليس له أي شيء ، القهر ، والقتل ، والعمل ، بلا
مقابل ، عبد ، فإذا بهذا الدين يساوي السادة مع العبيد
، كلكم من آدم وآدم من تراب ، الناس سواء
كأسنان المشط .
غير معقول ، إله واحد ، وهناك آخرة ،
ومحرمات ، وما لنا ميزة على هؤلاء ، كانت قريش تمنع
العرب أن يطوفوا حول البيت بثيابهم ، تأمرهم أن يطوفوا
عراة ، هكذا مزاجها ، قريش تشبه الآن القطب الواحد ،
يجب أن يأتمر كل العرب بأمره ، إله واحد ، يوم آخر ،
محرمات ، ومساواة ، لا ، هؤلاء الضعفاء لهم حق في
أموالكم .
( سورة المعارج ) .
عندئذ طار صواب قريش ، ما تحملوا ذلك ،
راودتهم فكرة أن يأتوا مجلس النبي ، ولكن هناك سوقة
عنده ، وضعفاء ، وعبيد ، وفقراء ، هم علية القوم ، هم
الأغنياء ، هم الأقوياء ، هم الآمرون ، هم الناهون ،
فقالوا : إن لم يكن من بقائهم بد فليكونوا في مؤخرة
الصفوف ، قبل لنا يوم ولهم يوم .
الآن بالمفهوم المعاصر ، إنسان من
الطبقة المخملية ، طبقة الجنفيص ، لا يجلس مع إنسان
ينظف الطرقات ، مستحيل ، في كبر ، في المرحلة الأولى
رفضوا أن يأتوا النبي عليه الصلاة والسلام لأن الذين
اتبعوه قالوا :
( سورة هود الآية : 27 ) .
بعد هذا قبلوا يومًا لهم ، ويومًا
لهؤلاء ، ثم قبلوا أن يجلس هؤلاء وراء الصفوف ، فإذا
بالوحي العظيم يقول : يا محمد ،
( سورة الأنعام ) .
دين المساواة ، دين الفطرة ، لا فضل
لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، ولا أبيض على أسود إلا
بالتقوى .
مرة أحد أصحاب النبي في ساعة غفلة قال
لعبد أسود : يا ابن السوداء ، فغضب النبي ، فحتى
يسترضي النبي ، أبى إلا أن يضع رأسه على الأرض ليدوس
على رأسه هذا العبد الأسود ، هذا الإسلام ، هذا الدين
، ليس فيه طبقية ، ما من إنسان أحسن من إنسان إلا
بالتقوى .
( سورة الحجرات ) .
ورد في بعض السير أن أبا سفيان وقف في
باب عمر ، فلم يؤذن له ، أما صهيب وبلال فيدخلان
ويخرجان بلا استئذان ، وهو سيد قريش وشريف مكة ، فلما
دخل عليه عاتبه يقول له : أبو سفيان يقف في بابك وصهيب
وبلال يدخلان بلا استئذان ؟ قال له : يا أبا سفيان أنت
مثلهما ؟ هذا مجتمع آخر .
والله الذي ى إله إلا هو ما لم نحكم
هذه القيم فلم ننتصر ، ما لم يكن : ﴿ إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ، لن
نستحق نصر الله عز وجل ، في طبقية مبطنة الآن ، أي
إنسان خلقه الله ، الإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم
بنيان الله .
أيها الإخوة ، الذي ينبغي أن نعلمه
جميعاً أن هذه الدعوة التي أساسها التوحيد ، وأساسها
الإيمان باليوم الآخر ، وأساسها افعل ولا تفعل ، عندنا
أمر ، عندنا فرض ، واجب ، سنة مؤكدة ، سنة غير مؤكدة
، مستحب ، مباح ، شيء مكروه تنزيهاً ، شيء مكروه
تحريماً ، حرام ، هناك منهج ، إله واحد ، ويوم آخر ،
وافعل ولا تفعل ، والناس سواسية كأسنان المشط ، وهناك
أموال الأغنياء حق للفقراء ، هذه الخطوط الكبيرة
للدعوة الإسلامية ، وكلها تتناقض مع طبيعة من نزل
عليهم الوحي ، وكلها تتناقض مع من توجه الوحي إليهم
ليهديهم سواء السبيل .
أيها الإخوة الكرام ، في درس قادم إن
شاء الله نتابع هذه السيرة النبوية المطهرة ، ونستنبط
منها قواعد تعيننا على السلامة والسعادة في هذا العصر
، الحق واحد ، أخطر شيء في حياة المسلمين الشرك الخفي
، الشيء الثاني وصدقوا أيها الإخوة ليس هناك 5 % من
المسلمين يدخلون اليوم الآخر في حساباتهم ، يقول لك
بلسانه : أنا مؤمن باليوم الآخر ، أما في سلوكه فلا
يتضح هذا الإيمان ، يأكل مالاً حرام ، يعتدي على أعراض
الناس ، ولو بالنظر والكلام ، يأخذ ما ليس له ، يغتاب
، ينم بين اثنين ، فإذا آمنا بالله الإيمان الحق
فينبغي أن نستقيم على أمره .
فالجاهلية التي رافقت ظهور الإسلام
سماها الله الجاهلية الأولى ، ما معنى أن يسميها
الجاهلية الأولى ؟ المعنى أن هناك جاهلية ثانية نعيشها
الآن ، لذلك :
(( بدء الدين غريباً ويعود كما بدء
، فطوبى للغرباء ،
أناس صالحون في قوم سوء كثير
)) .
[مسند أحمد]
أيها الإخوة ، في درس قادم إن شاء الله
نتابع هذه الموضوعات ، ونتابع الاستنباطات ، ونلقي ضوء
على حياتنا التي نحن في أمس الحاجة فيها إلى هدي محمد
صلى الله عليه وسلم .
والحمد لله رب العالمين |