|
فقه السيرة النبوية : الدرس 13 –
"
كتاب الوحي : أهمية
اللغة العربية "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، وننتقل اليوم إلى كتاب
الوحي ، ولا بد من موضوعين :
الأول : أمنية النبي صلى الله عليه
وسلم .
والثاني : أن القرآن الكريم نزل بلسان
عربي مبين ، موضوعان تمهيديان لموضع كتابة الوحي .
الموضوع الأول : ما الحكمة أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان أمياً ، وقد يتبادر إلى الذهن
أن الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب ، فلو أن النبي كان
يقرأ ويكتب ، وهو معلم البشرية فكيف نجمع بين أن
الأمية نقص في شخصية الإنسان ، وبين أن الأمية من صفة
النبي عليه الصلاة والسلام ؟
الكلام الجامع المانع المختصر المفيد
أن أمية النبي وسام شرف له ، وأميتنا وصمة عار بحقنا
، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبقى وعاء النبي
طاهراً من كل ثقافة أرضية ، لأن الله تولى بذاته
العلية تعليمه .
( سورة النجم ) .
فلأن الله تولى تعليمه ، ولأن هذا
النبي مشرع ، وقد أُمر الناس باتباعه ، إذاً هو معصوم
، لذلك أميته أن وعاءه ليس فيه إلا وحي السماء ، من هو
قال الله عز وجل :
( سورة النجم ) .
لأن الله تولى تعليمه ، إذاً لو أنه
على ثقافة أرضية ، وبدأ يدعو إلى الله لكان السؤال
المتكرر كل يوم : يا رسول الله ، هذا الذي تقوله من
وحي السماء أم من ثقافتك ؟ قال تعالى :
وما لم نعتقد اعتقاداً جازماً بعصمة
النبي صلى الله عليه وسلم ، أي أن الله عصمه من أن
يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره لا نكون على
عقيدة سليمة ، ولأن الله عصمه أمرنا أن نأخذ عنه ، قال
تعالى :
( سورة الحشر الآية : 2 ) .
فلأن الله أمرنا أن نأخذ عنه كل شيء
إذاً عصمه ، وكيف عصمه ؟ جعل كل وعائه المعرفي ممتلئاً
من وحي السماء ، هذه حقيقة أولى ، أما نحن فقال عنا
النبي صلى الله عليه وسلم :
(( إنما العلم بالتعلم ، وإنما الكرم
بالتكرم ، وإنما الحلم بالتحلم )) .
(ورد في الأثر)
لا أسمح أن يقول إنسان : أنا أتعلم من
الله مباشرة ، أما الآية التي يذكرها كل من يدعي هذه
الدعوة فهي :
( سورة البقرة ) .
ليس هذا هو معناها ، لو أن المعنى كما
يتوهم القائل لكانت الصيغة على الشكل التالي ، واتقوا
الله يعلمكم الله ، جواب الطلب ، واتقوا الله يعلمكم
الله ، لكن الآية لها معنى آخر : ﴿ وَاتَّقُوا
اللَّهَ ﴾ ، لمَ لا تتقونه ؟ لأنه يعلمكم دائماً ،
علمكم بالكون ، وعلمكم بالوحي وعلمكم بالأنبياء ،
وعلمكم بالرسل ، وعلمكم بالدعاة ، وعلمكم بأفعاله ،
وعلمكم بالتربية النفسية ، هو يعلمكم دائماً لماذا لا
تتقون الله ؟ ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، لأن
الله يعلمكم ، أما أن تفهم أنه يكتفي أن تتقي الله
فيأتيك العلم اللدوني ، هذا مجال كبير للشطط والشطح هو
أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم .
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( إنما
)) ، النبي أفصح العرب ، فإذا قال :
(( إنما
)) ، إنما أداة قصر ، يعني ليس هناك من سبيل إلى العلم
إلا بالتعلم ، بالنسبة لنا ، إذاً لو أن الواحد منا
كان أمياً ، تعد أميته تعد وصمة عار بحقه ، أما النبي
كان أميناًَ وأميته وسام شرف ، لأن وعاءه المعرفي مطهر
مكن أية ثقافة أرضية ، تولى الله تعليمه .
( سورة العنكبوت ) .
لكن ما دام الموضوع قد تشعب ، في الدين
أصول وفروع ، الأصول أن تعرف الله والفروع ، أن تعرف
منهجه ، فأنت بآياته التكوينية والكونية والقرآنية
تعرفه ، وأنت في الأحكام الفقهية تعبده ، بالكون تعرفه
وبالشرع تعبده .
أيها الإخوة ، ننتقل إلى موضوع آخر ،
وهو أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى :
( سورة يوسف ) .
( سورة طه الآية : 113 ) .
( سورة الزمر الآية : 28 ) .
( سورة فصلت الآية : 3 ) .
( سورة الزخرف ) .
وآخر آية :
( سورة الرعد الآية : 37 ) .
فالله سبحانه تعالى شرف هذه الأمة بأن
جعل وحيه يتنزل باللغة العربية ، وقد يسأل سائل :
لماذا كانت العربية مشرفة بوحي السماء ؟ الحقيقة أن
الذي يدرس فقه اللغة يعلم علم اليقين أن الطرف الآخر
الذي لا يحابي هذه الأمة إطلاقاً يعترف أن اللغة
العربية من أرقى اللغات الإنسانية ، لكنها تضعف بضعف
قومها ، وتقوى بقوة قومها ، ما معنى اللغة العربية من
أقوى اللغات الإنسانية ؟ لها خصائص ، من هذه الخصائص
الإعراب .
إن الذي قتل زيداً هو عمرٌ ، إذا قلت :
قتل عمرٌ زيداً ، ما دام رفعت عمر إذاً هو الفاعل ،
تتميز اللغة العربية بالإعراب ، والإعراب في اختزال
للمعاني ، الضمة تعني أن هذا هو الفاعل ، والفتحة تعني
أن هذا المفعول به ، فمن أولى خصائص العربية الإعراب ،
فلذلك الذي يقرأ العربية يفهم فيقرأ ، في بعض اللغات
الأخرى يقرأ فيفهم ، أما نحن فينبغي أن تفهم حتى
تستطيع أن تقرأ صحيحاً ، هذا يحتاج إلى بديهة ، وإلى
أن تلقي نظرة إلى كلمة ، أو كلمتين قادمتين ، كي تعرف
أن هذا الفعل مبني للمجهول ، أو للمعلوم ، وأن هذا هو
الفاعل ، لذلك تعد هذه اللغة من أرقى اللغات الإنسانية
لأن فيها الإعراب .
إخواننا الكرام ، هناك ظاهرة الاشتقاق
، اللغة العربية كلماتها كالأسر ، أسرة ، الجد هو
المصدر ، والأولاد الفعل الماضي والمضارع والأمر ،
والمجرد والمزيد ، والزيادات لها معان دقيقة ، وزن
فاعل غير فعل ، وزن تفاعل غير فعل ، وزن استفعل غير
فعل ، فصيغة استفعل لها معنى ، طلب استغفر ، استرحم ،
استرشد ، وفاعل فيها المشاركة قاوم ، وناضل ، وشارك
واستكتب طلب الكتابة ، فالأفعال لها أوزان ، وأوزانها
مجردة ومزيدة ، وعندنا أحد أبناء الفعل الماضي ،
والفعل المضارع ، والفعل الأمر ، واسم المكان ، واسم
الزمان ، واسم الآلة ، والصفة المشبهة باسم الفاعل ،
واسم التفضيل ، وعندنا صيغ كثيرة جداً ، ثم صيغ مبالغة
اسم الفاعل ، فاعول ، فعيل ، كثير ، مفعال ، مفضال ،
عندنا اسم فاعل واسم مفعول ، عندنا اسم تفضيل ، واسم
آلة ، واسم زمان ، اسم مكان ، وصيغة مشابهة اسم الفاعل
، هذه كلها صيغ ، فعندنا اللغة أسر أسر .
الدليل : نحن عندنا في لغتنا مكتب ،
يعني طاولة ، وكتب ، كتاب ، باللغة الأخرى المكتب (
تبل ) ، وكتب ( رايت ) ، والكتاب ( بوك ) ، عندنا أسرة
واحدة ، إذاً قضية الاشتقاق أي كلمة إن أدخلناها إلى
لغتنا يشتق منها الفعل الماضي والمضارع والأمر ،
والمجرد ، والمزيد ، والمشتقات اسم الفاعل واسم
المفعول .
فاللغة العربية مجموعة أسر ، من خصائص
العربية التي جعلها الله لغة لقرآنه اتساعها في
التعبير .
ضربت مثلاً مرة : هناك نظر ، واستشرق ،
يعني نظر مع التمطي ، واستشف ، نظر مع اللمس ، و حدج ،
نظر مع المحبة ، وفي الحديث الشريف :
(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم )) .
(ورد في الأثر)
هناك نظر مع الاستمتاع ، نظرت إلى منظر
جميل ، تقول : رنا ، حدج ، استشف استشرف ، رأى بقلبه ،
رأيت العلم نافعاً ، رأيت الأمانة غنى ، هناك لاح ،
السماء ملبدة بالغيوم ، وفيها فجوات ، فلاحت طائرة ،
يعني ظهرت ، ثم اختفت ، وأنت تمشي في الطريق رأيت
باباً مفتوحاً ، التفت إليه ، فإذا امرأة فغضضت البصر
، أي لمح ، لاح شيء ، ولمح شيء .
الآن حدق ؛ اتسعت حدقت العين ، حملق ؛
ظهر حملاق العين ، باطن الجفن أحمر ، شخص نظر مع الخوف
، سمع انفجارًا ، وما أكثر الانفجارات الآن ، فخاف ،
نقول : شخص ، نظر إلإنسان تاجر مخدرات بازدراء ، نظر
شزراً ، وشخص ، ولاح ، ولمح ، وحدق ، وحملق ورنا ،
وحدج ، واستشرف ، واستشف ، ورأى ، العربية واسعة جداً
في التعبير ، وكلما اتسعت اللغة في التعبير جاءت
العبارة لطيفة ، قال تعالى :
( سورة طه الآية : 18 ) .
ما معنى أهش ؟ أضرب ؟ لا ، أشير ؟ لا ،
هناك لمس ، لكن ما فيها ضرب ، معنى دقيق جداً ، قال
تعالى :
( سورة طه الآية ) .
إذاً اللغة العربية متسعة بالتعبير .
شيء آخر ، الحروف فيها تناسب بعض
المعاني ، الحرف وحده فيه معنى ، فكل كلمة فيها غين
فيها اختفاء ، غيبة ، غاب ، غريب ، غيبوبة ، كل شيء
فيه اختفاء فيه غين ، وكل شيء فيه تكرار في راء ، مر ،
جر ، كر ، خر ، وكل كلمة فيها سين فيها شيء نفسي ، حس
، أنس ، سر ، سؤال ، سرور ، وكل كلمة فيها قاف في
اصطدام طرق ، لصق ، حتى إن هناك شاهدًا واضحًا جداً ،
أن الإنسان حين يغرق يعني أن شيئًا يختفي ، الغين ،
يتتابع سقوطه الراء ، يرتطم بالقاع قاف ، غرق .
سيدنا عمر يقول : " تعلموا العربية
فإنها من الدين " .
من هذه اللغة خصيصة أخرى ، أنها قابلة
للاختزال ، لو وقف أربعة صحفيين ليأخذوا حديث مسؤول
كبير باللغة العربية وحدها يمكن أن تكتب كلامه ، أما
بأي لغة أخرى تحتاج إلى لغة أخرى اسمها لغة الاختزال ،
لن تستطيع بلغة أخرى أن تكتب ما يقال ، إلا العربية
بإمكانك أن تكتب ما يقال ، عدد الحروف قليل ، والمعاني
كثيرة ، والدليل اكتب باللغة الإنكليزية ، محمد عشرة
حروف ، عدهم بالعربي أربعة حروف محمد ( م ح م د ) ،
بالإنكليزي
Mohammedan
، لذلك هذه اللغة فيها اختزال ، لذلك أعيد الكلمة مرة
ثانية لسيدنا عمر : " تعلموا العربية فإنها من الدين "
.
المرأة لها جمال ، أما الرجل فجماله
فصاحته ، فلا تعجب أن يدخل وفد على خليفة كبير كسيدنا
عمر بن عبد العزيز يتقدمهم غلام ، يغضب الخليفة ، يقول
: " أيها الغلام ، اجلس وليقم من هو أكبر منك سناً ،
فيقول هذا الغلام : أصلح الله الأمير ، المرء بأصغريه
، قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً ،
وقلباً حافظاً ، فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما
تقول لكانت في الأمة أحق منك بهذا المجلس " .
غلام آخر دخل على عبد الملك بن مروان ،
وكان من كبار خلفاء بني أمية ، فوبخ حاجبه ، وقال له :
ما شاء أحد أن يدخل علينا إلا دخل ؟! حتى الصبية ؟!
فابتسم هذا الغلام الصغير ، وقال : أصلح الله الأمير ،
إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ، ولكنه شرفني ،
أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، وسنة دقت
العظم ، ومعكم فضول أموال ، فإن كانت لنا فعلامَ
تحبسوها عنا ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا ، وإن
كانت لله فنحن عباده ، فقال : والله ما ترك لنا هذا
الغلام في واحدة عذراً .
سيدنا عمر يمشي في طُرق المدينة ،
أطفال عدة يلعبون ، فلما رأوه هابوا ، وفروا ، واحد
منهم بقي واقفاً ، لفت نظره ، قال : يا غلام ، لمَ لم
تهرب مع من هرب ؟ قال : أيها الأمير ، لست ظالماً
فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني
ويسعك .
يعني ما الذي يمنع أن نعلم أبناءنا
اللغة الفصحة ، أن نعلمهم المطالعة ، أن نعلمهم
الكتابة ، أن نعلمهم إلقاء الكلمات ، لأن جمال الرجل
فصاحته .
فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين ،
لكن ورد أن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعني على
سبع لهجات ، ولكل قبيلة لهجة ، وكان عليه الصلاة
والسلام يخاطب الرجال بلهجاتهم ، سأله مرة واحد : هل
من أمبرٍ أمصيام من أمسفر ؟ يعني هل من البر الصيام في
السفر ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام ليس من أمبرٍ
أمصيامٌ في أمسفر ، أجابه بلهجته ، فتيسير على العرب
الذين استقبلوا هذا الدين العظيم نزل هذا القرآن على
سبعة أحرف ، أي على سبعة لهجات .
لذلك مثلاً قريش تسهل ، وتميم تحقق ما
معنى ذلك ؟ الهمزة إما أن تحقق ، وإما أن تسهل ، إن
قلت : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ ، أنت
تقرأ على لهجة قريش ، أما إذا قرأت الآية : ﴿ ولم يكن
له كفؤًا أحد ﴾ فعلى لهجة تميم ، إذا قلت : ملايكة
لهجة قرشية ، إذا قلت : ملائكة لهجة تميمية ، فتميم
تحقق ، وقريش تسهل ، إذا قلت : تأريخ تميمي ، إذا قلت
: تاريخ قرشي ، فكل همزة إما أن تحقق ، وإما أن تسهل ،
بل إن كتابة الهمزة لها قاعدة تنتظمها جميعاً ، الهمزة
تكتب على الحرف لو سهلت قرأ ذلك الحرف ، تكتب الهمزة
في بئر على نبرة ، لو سهلتها تقول : بير ، تكتب مؤمن
على واو لو سهلتها تقول : مومن ، تكتب تأريخ على ألف
لو سهلتها تقول تاريخ .
إذاً القرآن الكريم فضلاً عن أنه نزل
عربياً نزل بلهجات العرب ، وهذا تسهيلاً للذين أمروا
أن يتلقوه بالإيمان والتعظيم ، يقول عليه الصلاة
والسلام
: (( أقرأني جبريل القرآن على حرف ،
فراجعته ، فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة
أحرف )) .
[ متفق عليه ] .
لكن كتعليق ، الآن اللغة موحدة ، أنا
لا أرى حاجة كبيرة جداً إلى أن تقرأ كل القراءات ،
لأنه الآن نحن جميعاً نقول : إبراهيم ، لا داعي لأن
تقول : إبراهام ، هي قراءة ، اهدنا الصراط المستقيم ،
هناك قراءة : اهدنا الزراط المستقيم ، فلآن بعد ما
توحدت اللغة فليس هناك من ضرورة أن تتحف الآخرين
بكلمات غير مألوفة ، مع أنها قراءات .
والحقيقة أن الذين يحسنون الكتابة
كانوا قلة في مكة ، وقلة في المدينة ، والحقيقة أن
الأمة التي اختارها الله لهذه الرسالة العظيمة أمة
عاشت في الصحراء ، وثقافتها محدودة جداً ، وهناك حِكم
قد لا نكشفها الآن ، في هذه الأماكن الممتدة ، وفي هذه
الحياة البسيطة ، ليس هناك نفاق ، وليس هناك تعقيد ،
وليس هناك كذب ، في بالصحراء حياة رائعة جداً ، النبي
أقرها ، المروءة ، والشهامة ، والشجاعة ، والفصاحة ،
صفاء الذهن ، وهناك حكم كثيرة أن الحياة ليست معقدة ،
تصور لو في هذا العصر جاء نبي ، ماذا تقرأ في الأخبار
؟ تصور الأخبار التي سوف تغطي ظهور نبي في هذا العصر ،
يتصلوا بعالم نفس يقول : هذا معه عقدة نفسية ، يتصلون
بعالم اجتماع ، يقول : هذا يحب أن يسيطر على مجموعة
كبيرة ، عنده شذوذ في علاقاته الاجتماعية .
صدقوني أيها الإخوة ، أحد كبار علماء
النفس يتهم الأنبياء بالشذوذ ، قال : لأنهم يحبون أن
يجلسوا مع الرجال ، مثلاً ، لحكمة بالغة أن النبي عليه
الصلاة والسلام جاء في مكان ، وفي زمان بسيط ، لو أنه
جاء في هذا الزمان لرأيت العجب العجاب من التكذيب
والسخرية والاستهزاء ، فلذلك لحكمة بالغةٍ بالغة كانت
بعثة النبي عليه الصلاة والسلام في بلاد بسيطة ، وفي
علاقات اجتماعية بسيطة .
اشتهر أيها الإخوة من كتاب الوحي زيد
بن ثابت ، مع أنه أسلم بعد الهجرة ، واقتصرت الكتابة
بذلك على ما نزل في المدينة من كتاب الوحي زيد بن ثابت
، ولم يكتب من السور المكية شيئاً ، وأول من كتب آيات
التنزيه من مكة المكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
من قريش رجل اسمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح ، ممن
كتب في الجملة الخلفاء الأربعة ، والزبير بن العوام ،
وخالد ، وأبان ابنا سعيد بن العاص ابن أمية ، وحنظلة
ابن الربيع الأسدي ، ومعيقل ابن أبي فاطمة ، وعبد الله
ابن الأرقم الزهري ، وشرحبيل ابن حسنة وعبد الله ابن
رواحة ، وغيرهم ، وكان أُبي ابن كعب هو أول من كتب له
بالمدينة ، هؤلاء كتاب الوحي ، كتاب قليلون لكن هذا
الكتاب كُتب .
هناك موضوع ثالث لا بد من الإشارة
إليه ، وهو أن الكتب السماوية السابقة الله عز وجل أمر
بحفظها بأمر تكليفي ، ولا بد من التفريق بين الأمر
التكليفي ، والأمر التكويني الأمر التكليفي لك أن
تأمر ، أو ألا تأتمر ، كما تقرأ لوحة : ممنوع المرور ،
والطريق سالك لك أن تسلك هذا الطريق مع أنه ممنوع ،
لكن تخالف ، وتدفع الثمن ، ولك أن تأتمر ، لكن الأمر
التكويني فعل الله ، والأمر التكليفي أمره ، فالكتب
السماوية السابقة أُمر الأنبياء بحفظها تكليفاً ،
والأنبياء حفظوها ، والدليل :
( سورة المائدة الآية : 44 ) .
حفظوها تكليفاً ، لكن أتباعهم ما
حفظوها ، لذلك أضيف على الكتب السماوية السابقة ما ليس
منها ، فيها إضافة ، وتبديل ، وتحوير ، وتزوير ، ذلك
لأن المعجزة منفكة عن الكتاب ، لا علاقة بين الكتاب
والمعجزة ، سيدنا عيسى أحيا الميت ، والإنجيل كتاب
الله ، سيدنا موسى جعل البحر طريقاً يبساً ، وكتابه
التوراة ، لكن القرآن الكريم له استثناء خاص ، ذلك أنه
كتاب كل البشر .
( سورة الأنبياء ) .
( سورة البقرة الآية : 119 ) .
كتاب لكل البشر ، وهو آخر الكتب ،
وسيبقى إلى يوم القيامة ، حتى إن السيد المسيح يتلو
القرآن الكريم حينما يعود إلى الحياة .
( سورة البينة ) .
فالقرآن الكريم لأنه كتاب لكل البشر ،
ولآخر الدوران ، ولأنه كتاب ينبغي أن تكون معجزته فيه
، المعجزة في القرآن ، معجزة النبي عليه الصلاة
والسلام في القرآن ، فإذا فقد الكتاب معجزته فقد قيمته
، لذلك تولى الله بذاته حفظ كتابه ، فقال :
( سورة الحجر ) .
فأول حقيقة ، وهذه حقيقة إيمانية ، أنت
حينما آمنت بهذا الكون الذي ينطق بوجود الله ووحدانيته
وكماله ، وحينما آمنت بأن هذا القرآن كلامه من خلال
إعجازه ، وحينما آمنت بأن هذا الذي جاء به نبيه من
خلال كتابه أخبرك القرآن أن الله تولى حفظه ، وأنا لا
أريد أن أدخل في متاهة الأدلة التفصيلة على أن هذا
الكتاب حُفظ ، أن تعتقد أنه محفوظ ، وأن الذي تقرأه
الآن هو الكتاب نفسه الذي جاء نبينا عليه الصلاة
والسلام ، هذه قضية إيمانية تؤكدها الآيات القرآنية ،
لذلك قال تعالى : ﴿
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ
﴾ .
أيها الإخوة ، هذا القرآن الكريم الذي
نزل بلسان عربي مبين ، والذي نزل على قلب سيد المرسلين
، وهو آخر الكتب ، نزل على آخر الأنبياء والمرسلين ،
هذا القرآن الموضوع الأول الذي عالجه هو وحي السماء ،
الموضوع الأول الذي عالجه هو التوحيد ، لذلك يمكن أن
تقول : إن كل الكتب السماوية جاءت بالتوحيد ، والدليل
:
( سورة الأنبياء ) .
والتوحيد ألا ترى مع الله أحدا ،
التوحيد أن ترى أنه لا معطي ، ولا مانع إلا الله ، ولا
خافض ، ولا رافع إلا الله ، ولا معز ، ولا مذل إلا
الله ، والتوحيد أن تعتقد أن الله لم ولن يسلمك إلى
غيره .
( سورة هود الآية : 123 ) .
والموضوع الأول والحقيقة هو التوحيد ،
وبعد التوحيد جاء التشريع ، ومعظم القرآن المكي يؤكد
معنى التوحيد ، ومعنى الربوبية ، ويؤكد اليوم الآخر ،
ثم جاءت آيات التشريع في المدينة المنورة تتحدث عن
المعاملات التي إن صحت صحت العبادات .
وإن شاء الله أيها الإخوة نتابع هذا
الموضوع في درس قادم .
والحمد لله رب العالمين |