|
فقه السيرة النبوية : الدرس 12 –
" سرية الدعوة"
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا
علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم
علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ،
وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً
وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم
أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة
والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الأخوة الكرام :
مع درس جديد من دروس فقه السيرة
النبوية ، وصلنا إلى موضوع الدعوة السرية فالدعوة
الإسلامية بدأت سريةً لأربع سنوات بدءاً من نزول الوحي
، وقد ورد :
" إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا
كما بدأ، فطوبى للغرباء " .
[ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة
الترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود ابن ماجة عن أنس
الطبراني عن سلمان وسهل بن سعد وابن عباس ] .
والحديث عن الغربة موضوع دقيق في هذا
الدين ، حينما تشعر أن الناس أخذتهم الدنيا ، وأنهم لم
يعبئوا بمنهج الله عز وجل لا بد من أن تشعر بغربة ،
فالمسلم غريب في الناس ، لأن قيمه تتناقض مع قيم الناس
، عرف أنه خُلق للجنة ، وعرف أن الجنة هي عطاء لا
نهائي ، وعرف أن هذه الجنة لها ثمن ، وأن ثمنها معرفة
الله وطاعته في الدنيا ، فلذلك حينما آمن باليوم الآخر
لا بد من أن تنعكس كل مقاييسه ، فمقياس المؤمن يُحس
أنه ناجح وفالح لا فيما يأخذ بل فيما يعطي ، همه الأول
العطاء ، بينما غفل عن الآخرة همه الأول الأخذ ، فلابد
من تناقض واضح بين مبادئ المؤمن ومبادئ غير المؤمن ،
ما الذي يسعدك أن تأخذ أم أن تعطي ؟ ما الذي يسعدك أن
تستهلك جهد الآخرين أم أن تقدم جهدك لهم ؟ ما الذي
يسعدك أن يعيش الناس لك أم أن تعيش للناس ؟ ما الذي
يسعدك أن تقتنص لذة عابرة أم أن تنال سعادة أبدية ؟ .
فلذلك القضية مصيرية ، الإنسان في عصر
التفلت ، في عصر الانحراف يشعر بالغربة ، لذلك حينما
قال عليه الصلاة والسلام :
" كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم
تنهوا عن المنكر ، قالوا أو كائن ذلك يا رسول الله ؟
قال وأشد منه سيكون ، قالوا وما أشد منه ؟ قال كيف بكم
إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا أو كائن
ذلك يا رسول الله ؟ قال وأشد منه سيكون ، قال كيف بكم
إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً " .
لا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام
وضح عن أشراط الساعة ، وعن علامات الساعة الكبرى
والصغرى ، لكن أنت حينما ترى شحاً مطاعاً ، مادية
مقيتة ، يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل ، يمسي
مؤمناً ويصبح كافراً ، يصبح مؤمناً ويمسي كافراً ،
حينما يعبد الدرهم والدينار ، حينما يعبد شهوته ،
حينما يعبد بطنه ، حينما يعبد فرجه ، حينما بعبد
خميصته ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" تعس عبد الدرهم والدينار ، تعس عبد
البطن ، تعس عبد الفرج ، تعس عبد الخميصة " .
إذا رأيت شحاً مطاعاً ، المال يُعبد من
دون الله .
( سورة الفرقان الآية : 43 ) .
" إذا رأيت
شحاً مطاعاً وهواً متبعاً " .
اللذائذ الحسية هي شغل الناس الشاغل ،
ولا بد من وقفة متأنية عند اللذة وعند السعادة ، اللذة
أيها الأخوة حسية طابعها مادي ، اللذة تأتيك من الخارج
، تحتاج إلى وقت إلى صحة ، إلى مال ، تأتي اللذة من
طعام ، من شراب ، من بيت ، من بستان ، من امرأة أما
السعادة تنبع من الداخل ، اللذة متناقصة وتنتهي
بالكآبة ، أما السعادة متنامية وتنتهي بالجنة .
فلذلك حينما ترى شحاً مطاعاً ،
وَهَوًى
متبعاً ، الآن في كبر ، وإعجاب ذي كل رأي برأيه ، كل
إنسان بجهله الفاضح يرى نفسه محور العالم ، تعرض عليه
قضية ، نص حديث ، حكم فقهي ، يفكر ، ما أعجبني هذا ،
هو المرجع ، هو المقياس ، هو الفيصل ، هو الحكم .
يقولون هذا عندنا غير جائز
فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ
" إذاً رأيت شحاً مطاعاً وَهَوًى
متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه " .
الحديث له عدة روايات
" فلزم بيتك ، طوبى لمن وسعته السنة
" ، " ولم تستهوه البدعة ،
فلزم بيتك وأمسك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ،
ودع عنك أمر العامة ، وعليك بخاصة نفسك " .
يعني أقرباءك ، إخوانك ، أصدقاءك ،
زملاءك ، جيرانك ، الذين تعرفهم معرفة يقينية ، والذين
تطمأن لهم ، في هذه الظروف الصعبة ، حينما يشرد الناس
عن منهج الله وحينما يبتعدون عن أوامر الشرع ، وحينما
تحل الشهوة محل القيم ، وحينما تحل القوة محل الرحمة ،
وحينما يعد العقل المغلق البعيد عن الوحي مرجعاً لكل
شيء عندئذٍ نكون في زمن الغربة ، لذلك
" إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا
كما بدأ، فطوبى للغرباء " .
" أناس صالحون ، في قوم سوء كثير " .
يبدو أن حينما تكون الغربة مستحكمة
يبغي أن نقلد النبي صلى الله عليه وسلم في أن يدعو
الإنسان إلى الله عز وجل دعوة محدودة وليست دعوة عامة
.
لذلك بدأت الدعوة الإسلامية في مكة
المكرمة بشكل سري ، وتتراوح مدة هذه المرحلة بين ثلاث
وأربع سنوات ، وكانت مكة تخضع لقريش بعشائرها الأربعة
عشر ، أربعة عشر عشيرة كانت خاضعة لقريش في مكة
المكرمة ، لكل منها كيانها الخاص ، مع تحالفها ضمن
إطارها العام ، عشائر كلها خاضعة لقريش في مكة المكرمة
، وكان من المتوقع أن ينتشر الإسلام في عشرية النبي
صلى الله عليه وسلم ثم في قريش التي ينتمي إليها
أخيراً ولكن الذي حصل على خلاف ذلك ، كان من المتوقع
بسبب العشائرية التي كانت سائدة في مكة المكرمة أن
ينتشر الإسلام في عشيرة النبي وحده ، ثم ينتقل إلى
العشائر الأخرى ، لكن الذي حصل أن الإسلام انتشر في كل
العشائر ، من دون استثناء ، وهذا من حكمة الله عز وجل
.
أولاً أيها الأخوة :
هذه الميزة أن الإسلام انتشر في كل
العشائر كانت ميزة إيجابية يمكن أن تعود بالخير العميم
على الدعوة الإسلامية في مراحل قادمة ، لنأتي بالأمثلة
:
أبو بكر الصديق من عشيرة تميم التيمي ،
عثمان بن عفان أموي ، الزبير ابن العوام أسبي ، علي بن
أبي طالب هاشمي ، مصعب بن عمير داري ، عمر ابن الخطاب
عدوي ، عبد الرحمن ابن عوف زهري ، عثمان بن مضعون جمحي
.
إذاً العشائر كلها انتشر فيها الإسلام
على قدر المساواة ، إذاً الإسلام لا يفرق بين عشيرة
وعشيرة ، ولا بين قبيلة وقبيلة ، ولا بين أبيض ولا
أسود ، ولا بين قريب وبعيد الإسلام بالتعبير المعاصر
أممي ، كل من دخل في الإسلام فهو منا ونحن منه ، كل ما
دخل في الإسلام له ما لنا ، وعليه ما علينا .
وأنا أقول دائماً أيها الأخوة وأعني ما
أقول لا يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة أبداً ، كل
التقسيمات التي تواضع الناس عليها تقسيمات باطلة ما
أنزل الله بها من سلطان تقسيمات من صنع البشر ،
تقسيمات نحن اخترعناها ، أما في الحقيقة الناس صنفان ،
الناس رجلان ، الناس نموذجان ، واحد عرف الله فانضبط
بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه ، فسعد في الدنيا والآخرة ،
وواحد غفل عن الله وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه
فشقي في الدنيا والآخرة ، ولن تجد نموذجاً ثالثاً ،
هذا تقسيم القرآن ، هذا تقسيم الواحد الديان ، هذا
تقسيم السماء ، تقسيم الأرض مئة ملة وملة ، ملل ، ونحل
، وطوائف ، ومذاهب ، وأديان وأعراق ، وأنساب ، وغني
وفقير ، وأبيض وأسود ، ودول الشمال ودول الجنوب ،
والأغنياء والفقراء ، والعرق الأصفر ، والعرق الآري ،
والعرق السكسوني ، هذه تقسيمات الأرض صدقوا أيها
الإخوة ما أنزل الله بها من سلطان ، وما لم تعتمد
تقسيم السماء ، وما لم تعتمد القيم التي رجحها القرآن
للتمييز بين البشر فأنت بعيد عن الإيمان .
" سلمان منا أهل البيت " .
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في
المستدرك عن عمرو بن عوف ] .
فارسي .
" نعم العبد صهيب " .
[ رواه أبو عبيدة عن ابن عمر ] .
رومي .
( سورة المسد ) .
قرشي ، هذا الإسلام " نعم العبد
صهيب " رومي " سلمان منا أهل البيت "
فارسي ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
قرشي .
( سورة المسد ) .
ما لم نعتمد قيم السماء لن نقف على
أقدامنا .
أيها الأخوة الكرام :
لا أريد أن تبقى هذه الأفكار نظرية يجب
أن تكون عملية ، يجب أن تحب المؤمن كائناً من كان ،
يعني سليمان بن عبد الملك خليفة أموي كبير ، حج بيت
الله الحرام ، وصل إلى مكة المكرمة ، ومعه الوزراء
والأمراء ، وأمراء الجيش ، والخواص ، والحاشية ، ومعه
أولاده ، سأل أحد خواصه من عالم مكة ؟ فأشير إلى إنسان
ابن رباح أسود اللون ، مشلول القدمين ، رأسه كالزبيبة
، أنفه أفطس ، هذا عالم مكة ، اقترب منه وسأله وأثنى
عليه ، وقال أنت الذي تفتي في الحرم ، اختلف مع أولاده
في قضية فتوجاه إليه وكان حوله جمع غفير دون أن يشعر
خليفة المسلمين يحكم أوسع منطقة في العالم العربي
والإسلامي ، بغداد ودمشق ، وشمالي إفريقيا ، والعراق
، فقال له مكانك أمير المؤمنين ، الزم مكانك ، هؤلاء
جاءوا قبلك ، فانتظر حتى وصل إليه ، فسأله فأجاب ، قال
لأحد أولاده يا بني أرأيت إلى ذلي أمامه ؟ عبد أسود ،
حبشي ، أفطس الأنف ، مشلول القدمين ، هو سيد علماء مكة
، يقف خليفة المسلمين أمامه ذليلاً وينتظر دوره ، هذا
هو الإسلام .
أيعقل أن يكون سيدنا بلال العبد الحبشي
، يأتي أبو بكر الصديق ليشتريه من أمية بن خلف ، وأمية
بن خلف يقول والله لو دفعت لي درهماً لبعته لك ، فيقول
الصديق والله لو طلبت مئة ألف لدفعتها لك ، يعتقه ،
ويضع يده تحت إبطه ويقول هذا أخي حقاً ، هذا الإسلام
هذا هو الإسلام ، هذا أخي حقاً .
أما سيدنا عمر خرج إلى ظاهر المدينة
ليستقبل بلالاً ، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم
إذا ذكروا الصديق قالوا هو سيدنا وأعتق سيدنا .
ما لم تكن هذه القيم محكمة في حياتنا
فالطريق إلى الله ليست سالكة .
أيها الأخوة :
صحابي جليل عنده فتاة بارعة الجمال ،
توفي زوجها ، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن
أصحاب النبي رجل فقير لا يملك من حطام الدنيا شيئاً ،
اسمه جليبيب أعور ، دميم الخلقة ، قصير القامة ،
أسمر اللون ، كل عيوب الجسد مجتمعة فيه ، إضافة إلى
فقره الشديد ، فقال له النبي الكريم يا جليبيب ألا
تتزوج ؟ قال يا رسول الله من يزوجني يعني على ماذا
أتزوج ؟ ليس معي شيء وأنا بهذا الشكل ، هو النبي عليه
الصلاة والسلام في أعلى درجة من الفهم ، قال اذهب إلى
بيت فلان وقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يأمركم أن تزوجوني ابنتكم ، ما في تناسب أبداً طبعاً ،
فتاة بارعة ، والنبي علم أنها بارعة الجمال ، وهذا
الذي أرسله ليتزوجها أمامه ، هذه قيم الإسلام ، هؤلاء
الذين فتحوا أطراف الدنيا ، فطرق بابه ، وقال إن رسول
الله يخطب ابنتكم ، فتوهموا أنه يخطبها له ، فهشوا
وبشوا وطاروا من الفرح ، قال لا يخطبها لي ، صعق الأب
، قال له أريد أن أستأمر أمها فذهب إلى أمها وبدأ
الحديث كما بدأ جليبيب توهمت أن هذه البنت لرسول الله
، فلما قال هي لجليبيب قالت معاذ الله ، مستحيل ، سمعت
البنت حوار الأب والأم ، فقالت أنا موافقة ورسول الله
لن يضيعني ، هذا الإسلام يا أخوان ، شيء لا يحتمل ، ما
في أي تناسب بينه وبينها لكن أراد النبي أن يحطم
قيم الجاهلية ، هذا مؤمن ، جمع له بعض المال ليشتري به
حاجاته الأساسية ويوم عرسه نودي بالجهاد ، فذهب إلى
معركة أحد ، وكان استشهاده في هذا اليوم كأن الصحابة
الكرام أناس غير هؤلاء البشر ، كأن هؤلاء الصحابة
الكرام اصطلحوا فوضعوا تحت أقدامهم كل قيم البشر
المادية .
أيها الأخوة :
لو عدنا إلى قيمهم ، وإلى مبادئهم
لتحقق وعد الله فينا بالنصر ، نحن إسلامنا إطار خارجي
، المضمون غير إسلامي ، وحينما نعود إلى الله ، طبعاً
ذكرت لكم قصص صارخة عطاء ابن أبي رباح هذا الأسود
الحبشي ، الأفطس ، المشلول ، الذي يقف أمير المؤمنين
أمامه ذليلاً ، وينتظر دوره ، ويقول يا بني أرأيت إلى
ذلي أمامه ، وهذا الجليبيب الإنسان الفقير الدميم الذي
زوجه النبي من فتاة بارعة الجمال ليحطم قيم الجاهلية ،
قيم القوة ، قيم الوجاهة ، لذلك هذه جاهلية عادت على
شكل أوسع وأشد .
أيها الأخوة :
من هم السابقون إلى الإسلام ؟ لا تنسوا
أن الله عز وجل حينما قال :
( سورة الواقعة ) .
يعني أحياناً تكون القوة بيد المسلمين
، فالذي ينخرط في الإسلام له ميزات كثيرة لكن هل تعلم
ما البطولة ؟ أن يكون الإسلام ضعيفاً ، وأن يكون
متهماً بالإرهاب ، وأن يكون الإسلام ملاحقاً ، وأن
يكون المسلم في الدرجة الدنيا في المجتمع في نظر
الأقوياء والأغنياء ومع ذلك يسلم .
بربكم سؤال دقيق أريد أن تتأملوا فيه ،
لماذا كان النبي ضعيفاً ؟ ضعيف ، الدليل : أنه مر على
عمار بن ياسر وهو يُعذب ، ها استطاع النبي أن يخلصه ؟
قال :
" اصبروا يا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة
" .
[ رواه الطبراني عن عثمان بن عفان ] .
النبي يرى أصحابه يعذبون ولا يستطيع أن
يفعل شيئاً ، لماذا لم يكن النبي قوياً كأقوياء الأرض
؟ لعل أحدهم يتوهم أن الدعوة عندئذٍ تكون سهلة ، لا ،
الأقوياء إذا دعوا إلى شيء أقبل الناس بمئات الملايين
، لا قناعة ، ولا رغبة ، ولا إيماناً ، ولا حباً ،
ولكن خوفاً فقط ، الله عز وجل جعل هذا الدين أساسه
المحبوبية ، أساسه أن تأتي طائعاً ، أساسه أن تأتي
مختاراً ، أساسه أن تأتي محباً ، المحبوبية أساس
العلاقة بين العبد وربه ، لأن الله سبحانه وتعالى قادر
أن يهدي الناس جميعاً قسراً .
( سورة هود الآية : 118 ) .
فالله عز وجل أردنا أن نأتيه مختارين ،
أن نأتيه محبين ، أن نأتيه بمبادرة منا لماذا كان
النبي ضعيفاً في بدء الدعوة ؟ لأن النبي عليه الصلاة
والسلام لا يملك شيئاً يغري الناس ، ولا شيئاً يخيف
الناس ، ليس عنده أسباب الإغراء ، ولا أسباب الخوف ،
فالذي يؤمن به يؤمن به إيماناً حقيقياً عن قناعة ،
وهذا الذي أراده الله عز وجل ، بعد حين أصبح النبي
قوياً ، لكن في بداية الدعوة الإسلام ضعيف ، والمسلم
يعاني من متاعب كبيرة جداً .
أيضاً أيها الأخوة في ظرف قوي فيه
الكفر ، وفي ظرف اشتدت شوكة أهل الضلال وفي ظرف أصبح
المؤمن متابعاً ، وكل حركة وسكنة يحاسب عليها ، في ظرف
صعب يأتي شاب يلتزم طريق الحق ، وينتعش قلبه بهذا
الدين العظيم ، ولا يخشى في الله لومة لائم هذا هو
الأجر ، هذا هو السبق ، أما إذا قوي الدين ، والذي
يدخل عندئذٍ في الدين يعني نقول له هنيئاً له لكن ليس
له الأجر الذي لمن سبق .
فلذلك أيها الإخوة ﴿
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولَئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ ﴾ بالمناسبة شاءت حكمة الله أن
تكون القوة متداولة بين بني البشر .
( سورة آل عمران الآية : 140 ) .
فقد يأتي وقت أهل الكفر أقوياء جداً ،
يملكون ناصية الدنيا ، معهم أسلحة فتاكة وقد يأتي
وقت يكون أهل الإيمان أقوياء جداً ، لكن جئنا في زمن
ضعف المؤمنين ، فلو أن الله جعل القوة بيد المؤمنين
إلى أبد الآبدين لأصبح معظم أهل الأرض منافقين ،
تحقيقاً لمصالحهم ، وضماناً لسلامتهم ، ولو أن الله
جعل القوة مع أهل الكفر والعناد لخرج الناس من دين
الناس أفواجاً ، فالحكمة تقتضي أن تكون الأيام متداولة
بين بني البشر ﴿ وَتِلْكَ
الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ .
أيها الأخوة :
أول من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم
من البشر كما هو واضح من حديث بدء الوحي عندما بشرته
وصدقته فيما أخبرها به خديجة ، أول عنصر من بني البشر
آمن به خديجة ، لذلك قال " مرة كذبني الناس وصدقتني
" والنبي عليه الصلاة والسلام وفي أشد الوفاء ،
أحياناً قيسوا على ذلك ، إنسان يتزوج وهو فقير يتزوج
امرأة ترضى به وتعتني به وتخلص له ، يعد حين يغتني هذا
الإنسان ، بعد أن اغتنى يريد امرأة أخرى ، ينسى وفاءها
وينسى إخلاصها ، وينسى أنها رضيت به ، وينسى أنها وقفت
معه في أيامه العصيبة ، يتمنى امرأة أخرى ، لذلك كان
عليه الصلاة والسلام يمدح خديجة طوال عمره ، حتى مرة
ضجرت عائشة قالت ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال لا
والله لا والله لا والله ، ما أبدلني الله خيراً منها
هذا هو الوفاء ، فأول امرأة آمنت به صلى الله عليه
وسلم خديجة ، وكما تعلمون لما فتح مكة المكرمة ، ودعي
إلى أن بيت في بيوتات مكة قال انصبوا لي خيمة عند قبر
خديجة ، وركز لواء النصر أمام قبرها ليعلم العالم كله
أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر ، وهذا
أعلى درجة من الوفاء .
بالمناسبة الدعاة الكبار إلى الله عز
وجل الأناس الذين أرادوا تغيير جذري في المجتمع يلقون
معارضة كبيرة ، من حكمة الله لهم أن الله يخصهم بامرأة
صالحة تخفف من أعباءهم ، ومن تكذيب الناس لهم ، ومن
المؤامرات التي تحاك ضدهم .
لذلك السيدة خديجة كانت سند النبي من
الداخل ، ويجب أن تعلموا أيها الأخوة علم اليقين أن
المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف وفي التشريف
وفي المسؤولية ، وربما أقول إن قلامة ظفر امرأة مؤمنة
صالحة تائبة عابدة منيبة تعدل مئة ألف رجل شرد عن الله
عز وجل ، هذا هو الدين ، أما الجاهلية لها مقاييس أخرى
، حتى إنه قد ورد في الأحاديث الشريفة هذا النص ثبت في
الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه
وسلم فقال :
" يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ
خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ
أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ
فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا
وَمِنِّي " .
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .
رب العزة يسلم عليها ، وجبريل يسلم
عليها .
" فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ
رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي
الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ
" .
خالق الأكوان يُقرئ خديجة السلام ، هذه
المرأة بالإسلام ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك
من النساء أن حسن تبعل المرأة وزجها يعدل الجهاد في
سبيل الله " .
" ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل
الله " .
[ رواه الطبراني عن أبي أمامة ] .
أما من الصغار فسدينا علي بن أبي طالب
كان يعيش في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد
تأثر بالنبي فكان أول من أسلم من الصغار ، أو من
الشباب ، وكان في العاشرة من عمره ، أنا والله أيها
الأخوة لا أغبط إلا شاباً في مقتبل حياته أقبل على
الدين هذا شاب نشأ في طاعة الله ، ومن لم تكن له بداية
محرقة لم تكن له نهاية مشرقة .
كما من أوائل من أسلم زيد بن حارثة
مولا رسول الله ، مرةً خطر في بالي خاطر أن هذا زيد بن
حارثة مولاً لرسول الله ، أهدته له خديجة ، لماذا لم
يعتقه النبي ؟ سؤال الإجابة جاءت في السيرة لما جاء
أبو زيد وعمه ليفتديانه من رسول الله قال لا ، لا أريد
شيئاً دونكم زيد ، فلما عرضوا عليه قال لا والله لا
أترك محمد ، ماذا رأى منه ؟ رأى منه كمالاً أنساه أباه
وأمه ، هذا المؤمن ، المؤمن محسن ، فزيد بن حارثة أول
من أسلم من الموالي .
أما من اسلم من الرجال ، من خارج بيت
النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق الجمهور هو أبو بكر
الصديق ، يعني في بعض الروايات .
" ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من
أبي بكر " .
وكان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه ،
محبباً لهم ، سهلاً ، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم
قريش بها ، وبما كان فيها من خير وشر ، وكان رجلاً
تاجراً ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه
ويألفونه لعلمه ، وتجارته ، وحسن مجالسته ، فجعل يدعو
إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه .
الآن أسلم على يديه ، من ؟ عثمان بن
عفان ، كل أعمال عثمان بن عفان بصحيفة سيدنا الصديق ،
والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي
وقاص وطلحت بن عبيد الله ، فجاء بهم إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، لذلك هذا الصديق في أعلى مرتبة
في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
ويذكر أن عبد الله بن مسعود أسلم قبل
دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وأنه أسلم
وهو غلام ، بالمناسبة يا أخوان يقول عليه الصلاة
والسلام :
" إن الله اختارني واختار لي أصحابي "
.
[ رواه الطبراني عن عويمر بن ساعدة ] .
من أعظم إكرام الله لرسوله أنه أحاطه
بأصحاب في أعلى مستوى ، وكلما علا شأنك عند الله يجمعك
الله بأناس يعرفون قيمتك .
والحمد لله رب العالمين |