|
فقه السيرة النبوية : الدرس 11 –
" إلقاء الضوء على مضامين هذه الدعوة الإسلامية"
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما
علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما
ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق
حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،
وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من
ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول
الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة
النبوية ، درجت كتب السيرة أنها تتحدث بعد الوحي الذي
أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، تتحدث عن فحوى الدعوة
الإسلامية ، لذلك هذا الدرس مخصص لإلقاء الضوء على
مضامين هذه الدعوة الإسلامية .
أولاً : كمقدمة فلسفية الجماد شيء يشغل حيزاً له أبعاد
ثلاثة ، له طول وعرض وارتفاع ، وله وزن ، أليس كذلك ؟
شيء يشغل حيزاً ، له أعاد ثلاثة ، طول وعرض وارتفاع ،
وله وزن .
أما النبات فشيء يشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة ، وله
وزن ، لكنه ينمو .
أما الحيوان فشيء يشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة ، وله
وزن ، وينمو ويتحرك .
أما الإنسان فشيء يشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة ، وله
وزن ، وينمو ، ويتحرك ، ويفكر ، لذلك ميز الله الإنسان
بالقوة الإدراكية ، وما لم يلبِ الإنسان حاجته عقله
إلى العلم هبط من مستوى إنسانيته إلى مستواً لا يليق
به ، وما لم يلبِ الإنسان حاجة عقله إلى العلم هبط من
مستوى إنسانيته إلى المستوى الذي لا يليق به ، لذلك
كانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم ، وأول كلمة جاء
بها الوحي :
( سورة العلق الآية : 1 ) .
أي تعلم ، لأن أن الإنسان خُلق ليعرف الله ، الدليل :
( سورة الطلاق ) .
علة وجودك في الأرض أن تعرف ربك من خلال خلقه ، ﴿
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ
بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ
شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ، لذلك أول كلمة نزلت بالوحي ، ﴿
اقْرَأْ ﴾ ، أي تعلم .
إن أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإن أردت الآخرة فعليك
بالعلم ، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا
يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم
يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا
ظن أن قد علم فقد جهل .
أيها الإخوة ، أزمة أهل النار وهم في النار الجهل :
( سورة الملك ) .
لأن كل إنسان مجبول على حب وجوده ، وعلى حب سلامة
وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ،
ولا يتحقق هذا إلا إذا طبق تعليمات الصانع الجهة
الوحيدة التي ينبغي أن تُتبع تعليماتها هي الجهة
الصانعة ، ﴿ اقْرَأْ ﴾ ، أي تعلم ، الآن
بالعالم ما يطبع في اليوم الواحد من كتب بلغة واحدة لا
نستطيع أن نقرأها في 200 عام ، ماذا نقرأ ؟ ﴿
اقْرَأْ ﴾ ، ماذا نقرأ ؟ قال :
( سورة العلق ) .
يجب أن يكون الهدف أن تؤمن بالله ، ليس هناك علم من
أجل العلم فقط ، العلم من أجل أن تعرف الله ، وأن
تعبده ، وأن تسلم ، وتسعد في الدنيا والآخرة .
( سورة الذاريات ) .
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
﴾ ، هذه القراءة الأولى ، ما لم تكن القراءة تتجه نحو
الإيمان بالله فلا قيمة لهذه القراءة ، من هنا قال
عليه الصلاة والسلام :
((
اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ،
ومن عين لا تدمع ومن أذن لا تسمع ، وأعوذ بك من هؤلاء
الأربع
))
.
[الترمذي]
دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده ، فإذا رجل
تحلق الناس حوله ، سأل سؤال العارف من هذا ؟ قالوا :
هذا نسابة ، فقال : وما نسابة ؟ ـ هو يعرف ، هذا اسمه
سؤال العارف ـ قال : وما نسابة ، قال : يعرف أنساب
العرب ، فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك علم لا ينفع
من تعلمه ، ولا يضر من جهل به .
إذاً ما لم يكن الهدف من طلب العلم الإيمان بالله ،
الإيمان بالله خالقاً ، ومربياً ، ومسيراً ، الإيمان
بالله موجوداً ، وواحداً ، وكاملاً ، الإيمان بأن
أسماء الله تعالى حسنى ، وأن صفاته فضلى ، فهذا العلم
لا يُعتد به ، بل هو حرفة من الحرف ، أبداً .
عندنا حِرف يدوية ، وعندنا حِرف فكرية ، آلاف الحِرف
تعتمد على الفكر ، لكن العلم الذي أراده الله عز وجل
هو العلم به ، العلم الذي يسمو بالإنسان .
بالمناسبة أيها الإخوة ، هناك علم بخلقه ، وهناك علم
بأمره ، وهناك علم به ، فالعلم بخلقه اختصاص جامعات
العالم ، الفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، والمنطق
، وعلم النفس ، وعلم الاجتماع ، وعلم التربية ، والطب
، والهندسة ، والفلك ، والجغرافيا ، والتاريخ واللغة ،
واللغات الأجنبية ، هذا علم بخلقه ، وجامعات العالم
متخصصة في هذه العلوم ، أما العم بأمره الحلال ،
والحرام ، وأحكام الفقه ، والأحوال الشخصية ، فقه
البيوع ، وفقه المواريث ، وإلخ ... هذا العلم بأمره من
اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي ، أما العلم
به فهو شيء آخر ، العلم به يقتضي المجاهدة ، ولا يقتضي
المدارسة ، العلم بخلقه ، والعلم بأمره يقتضي المدارسة
، أما العلم به فيقتضي المجاهدة ، وقد قال بعض
العلماء الكبار : " جاهد تُشاهد " .
أنت حينما تطبق منهج الله عز وجل ، وحينما تحفظ الرأس
وما وعى ، والبطن وما حوى ، وحينما تضبط إنفاقك
وإيرادك ، وحينما تضبط جوارحك ، وحينما تضبط بيتك ،
وحينما تضبط عملك ، عندئذٍ يسمح الله لك أن تعرفه
معرفة تسعد بها في الدنيا والآخرة .
إذاً : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
﴾ ، العلم لا مبرر له إلا أن يكون وسيلة لمعرفة الله ،
ثم لطاعته ، ثم للسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة ،
هذه القراءة الأولى القراءة الإيمانية ، ﴿ اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ ، الغرب كله مع النعمة ، لكن
المؤمن مع المنعم ، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ ﴾ ، من خلق الإنسان ؟ من خلق
الحيوان ؟ من خلق النبات ؟ الشجرة تعمل بصمت ، بلا صوت
، بلا عادم ، بلا دخان ، بلا ضجيج ، تعطيك ثمار شهية
بألوانها ، وروائحها وحجمها ، وقوامها ، وفائدتها ،
من خلق البقر ؟ تعطيك الحليب ، تعطيك مشتقات الحليب
تسعد بها ، من خلق الفواكه والثمار ؟ من خلق السماوات
والأرض ؟ من خلق النجوم ؟ من خلق الأطيار ؟ من خلق
الأسماك ؟ من خلق أنواع النباتات ؟ نبتات الزينة ، من
خلق هذا الطفل الذي يملئ بيتك فرحة ؟ من خلق هذا ؟ ﴿
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ،
هذا الخلق يدل على علم ، وعلى حكمة ، وعلى رحمة ، وعلى
قدرة ، وعلى جمال ، إذاً ينبغي أن تتفكر في خلق
السماوات والأرض ، ينبغي أن تقف عند هذه الآيات .
إخواننا الكرام ، مثل واضح جداً أن الإنسان إذا كان
فقيراً ، ولم يتح له في كل حياته أن يلعق لعقة عسل
واحدة ، لكنه قرأ كتباً عن النحل ففاضت عيانه بالدموع
من عظمة الله عز وجل في خلق النحل والعسل ، هذا
الإنسان الفقير الذي لم يذق طعم العسل حقق الهدف الأول
من خلق النحل والعسل ، لأنه تعرف من خلالهما إلى الله
، والذي كان غنياً مترفاً ، وأكل من العسل كميات كبيرة
، ولم يعرف ربه من خلال خلقه فهذا عطل الهدف الأكبر من
خلق النحل والعسل ، فلذلك لما النبي عليه الصلاة
والسلام رأى هلالاً قال :
((
هلال خير ورشد))
.
[ أخرجه أبو داود عن قتادة] .
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ،
قد تقول : أنا كيف أعرف المجرات ؟ هناك 230 ألف مليار
مجرة ، أرقام يصعب تصديقها ، وكل مجرة فيها ملايين
الملايين ، والكون لا نهاية له ، وبعض المجرات تبعد
عنا 20 مليار سنة ضوئية ، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ، نقول لك : أنت ينبغي
أن تتعرف إلى الله من خلال خلقه ، ولكن عندك آية بين
جنبيك .
( سورة العلق ) .
ألست متزوجاً ؟ تقول : نعم ، عندك أولاد ؟ تقول : نعم
، طيب هذا الابن كيف أصبح طفلاً سوياً ، في اللقاء
الزوجي الإنسان يفرز أكثر من 300 مليون نطفة إلى 500
مليون ، والنطفة الواحدة لا ترى بالعين ، تحتاج إلى
مجهر ، نطفة واحدة تدخل إلى بويضة ، والبويضة حجمها
كحجم حبة الملح ، ضع لعابك على طرف إصبعك ، وضعه على
ملح بأقل ضغط ، ترى حبات صغيرة لا ترى بالعين المجردة
، البويضة حجمها كحجم حبة الملح ، والنطفة أصغر بكثير
، فهذا المخلوق ، دماغ 140 مليار خلية سمراء استنادية
لم تعرف وظيفتها بعد ، على 14 مليار خلية قشرية ، على
300 ألف شعرة ، على 130 مليون عصية ومخروط بشبكية
العين ، على 800 ألف عصب بالعصب البصري ، على 35 مليون
عصارة هاضمة بالمعدة على طريق في الكيتين طوله 100
كيلومتر ، مليون نترون ، على أوعية دموية طولها 150
ألف كيلومتر ، على أسناخ رئوية مساحتها 200 متر مربع .
( سورة التين ) .
الآية بين يديك .
( سورة البلد ) .
يا أيها الإخوة الكرام ، أنت حينما تعكف على جسمك ، ما
هذه الحكمة الرائعة أن الإنسان ليس له أعصاب حسية في
شعره ؟ لو فيه أعصاب حسية بشعره أين يذهب ؟ والله إلى
المستشفى ، اعمل عملية حلاقة ، لأنه تحتاج إلى تخدير
كامل ، ألا تنظر إلى حكمة أن الشعر ليس به أعصاب حس ،
والأظافر كذلك ، توزع الأعصاب ، شيء لا يحتمل ، هناك
شعر في الأنف ، لكن ليس في بالفم شَعر ، فكرت في هذا
؟ لو في الفم شعر شيء لا يحتمل ، وحلاقته صعبة ، يمكن
أن يقص لسانه الحلاق في أثناء الحلاقة ، هناك أناس
لابد لهم مِن قص لسان أساساً ، ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ
لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ *
وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ .
هذه المثانة ، لو ما فيها عضلات لاحتاج الإنسان إلى
إفراغها إلى ربع ساعة ، وقد لا يستطيع ، أما بالعضلات
ففي دقائق ، حكمة بالغة ، والله لو أمضينا سنوات في
الحديث عن حكمة خلق الإنسان لا ننتهي .
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾
، بالميليمتر مربع في العين مئة مليون مستقبل ضوئي ،
بينما أعلى آلة تصوير رقمية احترافية في الميليمتر
مربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي ، أما في العين البشرية
فهناك مئة مليون مستقبل في الميليمتر المربع .
فالله عز وجل قال : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
، علقة ، طفل ، دماغ ، عينان ، أذنان ، أنف ، فم ،
لسان مريء ، ممكن أن تعلق إنسانًا من رجليه ، واسقه
شربة ماء ، هذه الشربة تصعد نحو الأعلى ، جرب ، لو
علقت إنسانًا من رجليه ، ثم سقيته الماء ، الماء ينتقل
إلى المعدة ، عن طريق عضلات بالمريء ، تتقلص بشكل
متزامن ، فتنقل الماء إلى المعدة ، وأنت نائم نوم عميق
تأتي إشارة من الفم أن اللعاب كثر ، إشارة إلى الدماغ
، الدماغ مستيقظ ، يتخذ قرار إغلاق القصبة الهوائية ،
وفتح المريء ، يبلع ريقه ، وهو نائم كم مرة مئات
المرات ، أما عند طبيب الأسنان فيقول لك : افتح فمك ،
الريق ينزل ، يضع لك شراقة ، أما في أثناء النوم من
حين لأخر فيأتي أمر للسان المزمار يغلق فتحة الهواء ،
ويفتح فتحة المريء ، يبلع الإنسان ريقه ، وأنت نائم
تأتي إشارة من العضلات التي تحت الجهاز العظمي أنه
انضغطنا ، الأوعية ضاقت ، ضعفت التغذية ، يأتي أمر
للعضلات الإنسان يتقلب على جهة ثانية ، الله قال :
( سورة الكهف الآية : 18 ) .
لولا التقلب الإنسان يتسلخ لحمه ، ﴿ اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ
مِنْ عَلَقٍ ﴾ ، هذه القراءة قراءة الإيمان ، إذاً
العلم في خدمة الإيمان ، ﴿ اقْرَأْ ﴾ .
مرة ثانية .
( سورة العلق ) .
هذه قراءة شكر وعرفان ، أول قراءة قراءة بحث وإيمان ،
القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان .
لا شك أن أحد إخواننا الكرام فتح كتابًا ، وقرأ أنه تم
طبعه في عام 1932 ، هو ولد 1938 ، في أثناء طبع هذا
الكتاب كان شيء في الأرض اسمه سعيد نورسي ؟ لا .
( سورة الإنسان ) .
متى طبع ؟ كلنا جميعاً في عام 1900 لنا وجود ؟ لنا قيد
نفوس بالنفوس ؟ معنا هويات ، ما لنا وجود أساساً ،
الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد ، ثم منحك نعمة الإمداد
، أولاً ألقى محبتك في قلب والديك ، أمداك بالطعام
والشراب والدفء ، وما شاكل ذلك ، فهناك نعمة الإيجاد ،
ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، ﴿ اقْرَأْ
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ ، القراءة الأولى قراءة
بحث وإيمان ، القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان ، إذاً
تتعلم من أجل أن تؤمن ، وتتعلم من أجل أن تشكر .
الآن أنت حينما تؤمن ، وحينما تشكر حققت الهدف من
وجودك ، لذلك قال تعالى :
( سورة النساء ) .
إذا آمنتم ، وشكرتم يتوقف العلاج الإلهي ، تتوقف
المصائب ، يتوقف كل شيء ، لأنك إن حققت الهدف من وجودك
فلا داعي لكل المصائب ، هذه القراءة الثانية : ﴿
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ ، لكن الله من
أجل أن تعرفه منّ عليك بنعمة البيان .
( سورة الرحمن ) .
البيان أن تُعبر عن حاجاتك ، وعن أفكارك ، وعن مشاعرك
شفهياً ، هذا البيان الشفهي ، والبيان أن تتلقى أفكار
الآخرين ومشاعرهم ، وحاجاتهم شفهياً ، هذا الاستماع ،
لكن الإلقاء والاستماع يحتاج إلى لقاء ، لكن أنت حين
تكتب مقالاً ، أو تؤلف كتاباً ، يأتي إنسان لم يلتقي
بك ، لكنه قرأ كتابك فانتفع به ، إذاً :
( سورة العلق ) .
بالقلم تتنقل المعارف من مكان إلى مكان ، ومن عصر إلى
عصر ، ومن مصر إلى مصر ، وبالترجمة تنتقل المعارف من
أمة إلى أمة ، كلمة بليغة جداً : ﴿ اقْرَأْ
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
﴾ ، أعطاك البيان ، كم لغة في الأرض ؟ ثلاثة آلاف
لغة ، الإنجيل إلى كم لغة مترجم ؟ إلى 1300 لغة ،
القرآن الكريم إلى كم لغة مترجم ؟ إلى 30 لغة فقط ،
وحي السماء ، أرأيت إلى عنايتهم بكتابهم ، وإلى
تقصيرنا بكتابنا ، ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
﴾ ، صار هناك إلقاء ، واستماع ، وكتابة ، وقراءة ،
وترجمة ، هذه المعارف نقلت إلى أي مكان ، إلى أي زمان
، إلى أي عصر ، إلى أي مصر ، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ ،
الأولى قراءة بحث إيمان ، والقراءة الثانية قراءة شكر
وعرفان .
القراءة الثالثة : قراءة وحي وإذعان ، من أين نأتي بها
؟ ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ .
( سورة العلق ) .
أنت إذا نظرت إلى الشمس تعلم أن لها خالقاً ، لكن
أحكام الزكاة من أين أتتنا ؟ من الوحي ، أحكام الزواج
من أين أتتنا ؟ من الوحي ، المحرمات من النساء من أين
أتانا ذلك ؟ من الوحي ، المحرمات من الطعام ؟ من الوحي
، العبادات ، أداء الصلوات ، أحكام الحج أحكام العمرة
، المعاملات ، القرض ، والحوالة ، والكفالة ، من وحي
من السماء ، هذه قراءة ثالثة ، فأنت ينبغي أن تقرأ
قراءة بحث وإيمان ، ثم ينبغي أن تقرأ قراءة شكر وعرفان
، ثم ينبغي أن تقرأ قراءة وحي وإذعان ، واضح ؟
مضمون الدعوة : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ
وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
إخواننا الكرام ، أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك
الله به بالوحي ، أنت عندك محل تجاري ، وبحاجة إلى
ميزان ، فاشتريت ميزانا من أرقى الأنواع ، لكن هذا
الميزان مصمم لمحل تجاري من خمسة غرامات إلى خمسة كيلو
، خطر في بالك أن تزن به سيارتك ، وضعته بالأرض ،
ومشيت فوقه ، كسرته ، أخي لم يشتغل هذا الميزان ؟ أنت
استخدمته بخلاف تعليمات الصانع ، هذا الميزان محدود من
خمسة غرامات إلى خمسة كيلو ، سيارتك وزنها طن وربع ،
لكن باعتبار الميزان هذا لا يستطيع أن يزن سيارتك
الشركة الصانعة محترمة جداً ، كتبت لها وزنها على مكان
بالسيارة ، قالت : لك 1392 كيلو وزنها .
فأي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، فعندنا
بالوحي الحديث عن نشأة العالم ، آدم وحواء ، لا قرد
وقردة ، فرق كبير .
مرة داعبت إنسانا ، قلت : والله أنا مجدداً اقتنعت
بنظرية داروين ، فصاح ، أعوذ بالله ، اقتنعت بها ، لكن
اقتنعت بها معكوسة ، نظرية داروين كان قردا صار إنسانا
، أنا قناعتي كان إنسان صار قردا الآن ، ما معنى قرد ؟
يعني همه بطنه ، ما معنى خنزير ؟ همه فرجه ، فإذا الله
عز وجل قال :
( سورة المائدة الآية : 60 ) .
صار همهم الطعام والجنس ، والآن كل واحد بالحياة همه
الطعام والجنس قرد على خنزير .
" الديوث لا يدخل الجنة ، قالوا : من الديوث ؟ قال :
الذي لا يغار على عرضه " .
زوجته تمشي إلى جانبه ، وكأنها عارية ، من ثيابها
الضيقة ، أليس كذلك ؟ ثياب المرأة يجب أن تكون فضفاضة
، وأن تكون سميكة ، فأما أن تكون الثياب رقيقة فتشف عن
لون البشرة ، وإما أن تكون ضيقة فشتف عن حجم أعضائها ،
فالذي يرضى الفاحشة في أهله أو لا يغار على عرضه هذا
ديوث .
أيها الإخوة ، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم *
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ
مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
عندنا قراءة رابعة ، أول واحدة قراءة بحث وإيمان ،
والثانية قراءة شكر وعرفان ، والثالثة قراءة وحي
وإذعان .
الرابعة : قراءة عدوان وطغيان ، قنبلة خارقة حارقة ،
لو ألقيناها على ملجأ سماكته متر اسمنت مسلح ، أولاً
تخرق هذه المسافة ، وتحترق في داخل الملجأ ، تقتل ألف
واحد ، خارقة حارقة ، هناك قنبلة انشطارية ، هناك
قنبلة ذكية ، هناك سلاح جرثومي ، هناك سلاح كيميائي ،
هناك قنابل نابالم ، هناك صواريخ مدمرة ، هذا العلم
علم إفناء البشرية ، علم السيطرة على الكون ، علم نهب
الثروات ، هذا علم أيضاً ، لكن وراءه شياطين ، وراءه
وحيدو القرن ، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم *
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ
مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
( سورة العلق ) .
الله عز وجل أعطانا أنموذجا لقوم طغاة ، نموذج متكرر ،
إنهم قوم عاد .
( سورة الفجر ) .
تفوق في شتى المجالات ، تحتار ، جيش قوي ، فن واسع
جداً لإفساد أهل الأرض ، على المطارات ، على الطرقات ،
على المعامل ، على الاقتصاد ، على عملة غالية جداً ،
﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ
﴾ ، مع التفوق في شتى المجالات غطرسة .
( سورة فصلت الآية : 15 ) .
تفوق وغطرسة كما ترون .
شيء آخر ، الله عز وجل ما أهلك قوماً إلا وذكرهم أنه
أهلك من أشد منهم قوة ، إلا عاداً حينما أهلكها قال :
( سورة فصلت الآية : 15 ) .
يعني ما كان فوق عاد إلا الله ، أعطانا الله مثلا ،
ماذا فعلت عاد ؟ قال :
( سورة الفجر ) .
عندهم أداتان فعالتان ، عندهم قصف ، وعندهم إفساد
بالأفلام ، أبداً ، جهة شكلها خماسي تقصف ، وجهة نساء
كاسيات عاريات لإفساد البشر ، هل أفسدوا بلادهم ؟ لا ،
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ كلها ،
ليس في بلادهم ، دقق في كلام الله عز وجل ، ﴿
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا
فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ .
( سورة الفجر ) .
سرعة الريح الآن كم ؟ 160 ، لا تبقي ولا تذر .
( سورة الحاقة ) .
طيب ، ماذا فعلوا ؟ قال :
( سورة الشعراء ) .
تفوق عمراني يفوق حد الخيال ، وتفوق صناعي يفوق حد
الخيال ، قال :
( سورة الشعراء ) .
تفوق عسكري يفوق حد الخيال ، هذه ثلاثة ، تفوق علمي :
( سورة العنكبوت ) .
من تفوق عمراني ، إلى تفوق صناعي ، إلى تفوق عسكري ،
إلى تفوق علمي ، إلى غطرسة ، إلى إفساد وطغيان ، إلى
تفوق في شتى الميادين .
هناك إشارة دقيقة جداً ، قال تعالى :
( سورة النجم ) .
معنى ذلك هناك عاد ثانية ، ترونها وتسمعون أخبارها كل
يوم ، وهي أتت من أجل الحرية والديمقراطية طبعاً ، هذه
عاد الثانية ، فلذلك قوم عاد في القرآن يمثلون الأمم
الطاغية متفوقون في العلم كثيراً ، ما نوع علمهم هذا ؟
نوع رابع ، أول علم بحث وإيمان ، الثاني شكر وعرفان ،
الثالث وحي وإذعان ، الرابع عدوان وطغيان ، هذا العلم
الذي يعد جريمة في حق الإنسان .
أيها الإخوة الكرام ، هذا مضمون سورة اقرأ التي نزلت
أول ما نزلت من وحي السماء : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ
عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِي
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ
يَعْلَمْ ﴾ ، لكن الإنسان حينما يغفل عن الله عز
وجل يقول الله عز وجل : ﴿ كَلَّا إِنَّ
الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾ .
( سورة العلق ) .
هو الإنسان في قبضة الله ، في أية لحظة هو في قبضة
الله ، ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى *
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ ، إذا استغنى عن طاعة
الله يطغى ، فلذلك قال تعالى :
( سورة الليل ) .
إخواننا الكرام ، صدقوا أن البشر الآن على اختلاف
مللهم ، ونحلهم ، وألوانهم ، وأعراقهم وأجناسهم ،
ومذاهبهم ، وطوائفهم ، ودياناتهم ، لا يزيدون عن
نموذجين ، أول نموذج : ﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى *
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ نصدق أنه مخلوق للجنة ،
فبناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله ، وبناء على
هذا التصديق بنى حياته على العطاء ، يعطي كل شيء ،
يعطي وقته ، وماله ، وجهده ، وخبرته ، ووقته ، هذا
الإنسان الأول الذي صدق أنه مخلوق للجنة فبناء على هذا
التصديق اتقى أن يعصي الله ، وبناء على هذا التصديق
بنى حياته على العطاء الرد الإلهي ن﴿
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ نييسر لما خلق له
من الجنة ، والله يختار له شكل معين قدرات معينة ، جنس
معين ، أب معين ، أم معينة ، حرفة معينة ، دخل معين ،
إمكانات معينة ، كي تكون له عون على بلوغ الجنة .
النموذج الثاني :﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ
وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾ ،
بخل ، واستغنى ، هذا النموذج الثاني
كذب بالحسنى ، صدق بالدنيا ، قال لك : الدنيا
هي كل شيء ، هي محط رحالهم ، ونهاية آمالهم ، بناء على
هذا التكذيب بالآخرة والتصديق بالدنيا استغنى عن طاعة
الله ، وبناء على هذا التكذيب بالآخرة والتصديق
بالدنيا بنى حياته على الأخذ ، إذاً يبني مجده على
أنقاض الآخرين ، ويبني قوته على ضعفهم ، ويبني أمنه
على خوفهم ، ويبني غناه على فقرهم ، ثم يبني حياته على
موتهم ، هذا الإنسان يسير لخلاف ما خلق له ، يسير إلى
الشقاء في الدنيا والهلاك في الآخرة ، إذاً ﴿
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ
الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ
الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾
هذه السورة أول سورة نزلت من وحي السماء ، وفيها
إشارات إلى مضامين الدعوة الإسلامية .
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتقل في درس قادم إلى
الدعوة السرية ، كيف بدأت الدعوة ، أول ما بدأت سرية
إلى أن مكن الله المؤمنين ، وأصبحت دعوة جهرية .
والحمد لله رب العالمين |