|
فقه السيرة النبوية : الدرس 10 –
" نزول الوحي والبعثة النبوية "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام
،
مع درس جديد من دروس فقه السيرة
النبوية ، وموضوع اليوم نزول الوحي والبعثة النبوية .
أيها الإخوة
،
بدأ نزول الوحي على سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم وعمره أربعون عاماً
،
وسوف نقف وقفة متأنية عند كلمة
(
أربعون عاماً
)
، لأن هذه السن سن النضج ، قال تعالى :
( سورة فاطر الآية : 37 ) .
قال الإمام القرطبي :
"
النذير سن الأربعين
"
، فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق
الآخرة .
(( من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب
خيره شره فليتجهز إلى النار
)) .
[أخرجه الأزدي عن عبد الله بن مالك
الهروي ]
هذه السن سن النضج .
أيها الإخوة
،
وقصة بدء نزول الوحي على النبي صلى
الله عليه وسلم ثابتة بنص صحيح من حديث عروة بن الزبير
.
بالمناسبة
،
هناك من يظن أن الإسلام تراث ، التراث
أرضي ، الإسلام وحي السماء ، فرق كبير بين الثقافات
التي هي من صنع البشر وبين وحي السماء الذي هو من عند
خالق البشر
،
كما أن فضل كلام الله على كلام خلقه
كفضل الله على خلقه ، إذاً بين وحي السماء الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبين ثقافات
الأرض كما بين الأرض والسماء ، إذا قلنا
:
وحي
فهذا
شيء آخر ، حق صُراح ، ليس فيه باطل ،
ولا شك ، لا يعدّل
، ولا يبدّل
، ولا يغيّر
ولا يطوّر
، ولا يحذَف
منه ، ولا يضاف عليه ، لذلك هؤلاء الذين يتحدثون عن
تجديد الخطاب الديني قد يقصدون إلغاء الخطاب الديني ،
أو تفريغه من مضمونه ، لأنه ما من تعريف جامع مانع
للتجديد في الدين إلا
"
أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس
منه "
،
الدين توقيفي ، لذلك قال العلماء :
الأصل في العبادات ، وفي العقائد الإسلامية الحظر ،
ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي الثبوت والدلالة ،
لكن الدنيا الأصل فيها الإباحة ، ولا يحرم شيء إلا
بالدليل القطعي والثابت
إذاً من بلغ سن الأربعين
فقد
دخل في أسواق الآخرة
،
(( من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب
خيره شره فليتجهز إلى النار
)) .
[أخرجه الأزدي عن عبد الله بن مالك
الهروي ]
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا
يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ
النَّذِيرُ ﴾
***
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت
عن كل ما قدمت مسؤول
أما الحديث الصحيح الذي روي عَنْ
عُرْوَةَ
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا
قَالَتْ : (( أَوَّلُ مَا
بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي
النَّوْمِ
،
فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا
جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ
...)) .
[متفق
عليه]
لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ
:
كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ
خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ
: ((
أَيُّهَا النَّاسُ
،
إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ
النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا
الْمُسْلِمُ
،
أَوْ تُرَى لَهُ
...)) .
[ رواه مسلم]
إما أن تكون بشارة ، وإما أن تكون لفت
نظر ، على كلٍّ
الرؤيا طريق مباشر بين العبد وربه ، فكان عليه الصلاة
والسلام قبل نزول الوحي يرى الرؤيا الصالحة فتأتي مثل
فلق الصبح ، ولعل الرؤيا الصالحة من تكريم الله
للإنسان .
(( ثُمَّ
حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ
))
، الوحدة ، أي التفكر ،
والتأمل
، قال تعالى :
( سورة آل عمران الآيات : 190 ـ 191 )
.
إذًا
كان عليه الصلاة والسلام يتفكر في غار حراء الليالي
ذوات العدد
،
فعلى كلِّ
مؤمن أن يتفكر كل يوم بعض الوقت في خلق السماوات
والأرض .
أيها الإخوة
،
إذا كان في القرآن الكريم آية
فيها
أمرٌ
ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تأتمر ، وإذا كان في القرآن
الكريم آية
فيها
نهي ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تنتهي ،
وإذا كان في القرآن الكريم مشهد من مشاهد يوم القيامة
ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تبادر إلى أسباب الجنة
،
وأن تبتعد عن أسباب النار ، وإذا كان
في القرآن الكريم قصص الأولين ماذا تقتضي هذه الآية ؟
أن تتعظ
،
وأن تجتنب أسباب هلاك الأمم ، وإذا كان
في القرآن الكريم 1300 آية كونية ماذا تقتضي هذه
الآيات ؟ أن تقلد النبي صلى الله عليه وسلم كما تفكر
في غار حراء ، أن تتفكر في هذه الآيات ، وهذه الآيات
في الحقيقة هي منهج بحث عن الله عز وجل .
وكان يخلو في غار حراء ، وقد قال بعض
العلماء :
"
من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له
نهاية مشرقة
"
، أنت حينما تجول في آيات الله الدالة
على عظمته تعرف الله
،
ومعرفة الله أصل الدين ، أصل الدين
معرفته ، وهذا الذي يقع في العالم الإسلامي من تفلت لا
بسبب جهل المسلمين بأحكام الفقه
،
ولكن بسبب جهل المسلمين بالذات الإلهية
، إذا عرفت الآمر
،
ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ،
أما إذا عرفت الأمر
،
ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من
الأمر .
(( وَكَانَ
يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ
،
فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ
ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ
ذَوَاتِ الْعَدَدِ
ـ
قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ ،
وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى
خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا
)) ، الإنسان أحياناً يسعد إلى الأبد
بلحظة تفكير صادقة .
سيدنا نُعيم ابن مسعود زعيم قبيلة
غطفان ، جاء المدينة ليحارب النبي صلى الله عليه وسلم
في غزوة الخندق ، وهو في خيمته ، وقد أصابه أرق ، خاطب
نفسه
،
وقال : يا نُعيم
،
ما الذي جاء بك إلى المدينة ؟ لتقاتل
هذا الرجل الصالح ؟ ماذا فعل ؟ أَنتهك عرضاً ؟ أسلب
مالاً ؟ أسفك دماً ؟ أين عقلك يا نُعيم ؟ أنا أتمنى
عليكم جميعاً أن تخلوا
أحيانا بأنفسكم
، أن تفكر من أنا ؟ ماذا هدفي في الحياة ؟ ماذا بعد
الموت ؟ ماذا أعددت لآخرتي ؟ دقق في أعمالك ، في حرفتك
، في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في تربية أولادك ، هل
حرفتك ترضي الله أم لا ترضي الله ، لا ينبغي أن تأخذك
الدنيا ، قال تعالى يصف عباده المؤمنين قال :
( سورة الفرقان الآية : 63 ) .
ما معنى هوناً ؟ لم يثبت أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يمشي هوناً ، كان إذا مشا كأنه
ينحط من صبب ؛ من جبل ، السيدة عائشة كانت تقول : "
رحم الله عمر
،
ما رأيت أزهد منه ، كان إذا سار أسرع ،
وإذا أطعم أشبع ، وإذا ضرب أوجع .
إذاً ما معنى
:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾
،
أي يمشي بتؤدة فكرية ، لا يسمح للدنيا
أن تأخذه ، لا يسمح للدنيا أن تنسيه هدفه ، لا يسمح
للمصائب أن تنقله إلى اليأس والقنوت ، واعٍ ، متبصر ،
متفائل .
(( وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ
، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ
اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ـ قَبْلَ أَنْ
يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ،
ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ ، فَيَتَزَوَّدُ
لِمِثْلِهَا ، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ ، وَهُوَ فِي
غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ ، فَقَالَ :
اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ :
فَأَخَذَنِي ، فَغَطَّنِي ـ
معنى غطني أي عصرني
،
لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام
،
تأمل ، حلم ، لا ، الوحي شيء مادي ـ
حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ،
ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، قُلْتُ : مَا
أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي ، فَغَطَّنِي
ـ أي عصرني ـ الثَّانِيَةَ ، حَتَّى
بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ـ
أي التعب والإعياء ـ
ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ
فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي
فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ
ـ
لئلا يتوهم متوهم أن الوحي حلم ، منام
، تأمل ، تصور ، جاء الوحي على شكل مادي ـ
ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ :
( سورة العلق ) .
ولنا مع هذه الآيات وقفة متأنية إن شاء
الله عز وجل في القسم الثاني من الدرس
.
(( فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ
، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ،
زَمِّلُونِي ـ
أي دثروني ، ضعوا علي الدثار ـ
فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ
الرَّوْعُ
)) .
قال تعالى :
( سورة الشورى الآية : 29 ) .
( سورة فصلت الآية : 37 ) .
( سورة الروم ) .
عظيم عظماء الأرض ، سيد ولد آدم ، حبيب
خالق الأكوان ، أصابه خوف من الذي هدأت روعه ؟ زوجته ،
أريت إلى هذا الدور الخطير ، لذلك السيدة خديجة كانت
سنده من الداخل ، وحينما توفيت سُمي العام الذي توفيت
فيه بعام الحزن .
((
حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ
، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى
نَفْسِي ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : كَلَّا
)) .
أيها الإخوة
،
لم يكن هناك وحي ، ولا حديث شريف ، ولا
أحكام ، قالت هذه الزوجة العظيمة كلمة الفطرة ، قالت
له
: (( كَلَّا
، وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ
لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ،
وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ،
وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ
))
.
أيها الإخوة
،
أيها الشباب
،
دققوا فيما سأقول : أنت أيها الشاب ما
دمت مستقيماً ، ما دمت غاضاً لبصرك ما دمت صادقاً في
كلامك ، ما دمت أميناً على ما ائتمنت عليه ، ما دمت
باراً بوالديك ، لك هذه البشارة ، هذه البشارة قانون ،
والله لا يخزيك الله أبدا ، في أي عصر ، في أي مكان
،
في أي مصر ، في أي ظرف .
كن مع الله تـر
الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه ثم من
يعطي إذا ما منعك
***
(( كَلَّا ،
وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ
لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ،
وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ،
وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ
))
.
فعلاً كانت السيدة خديجة سنده من
الداخل
.
بالمناسبة ، الإنسان إذا تزوج ، واختار
زوجته بطريقة تروق له ، واكتفى بمتعة أن يملأ عينيه من
محاسنها ، ولم تكن في مستواه الفكري ، فهذا الزواج لا
ينجح ، وسريعاً ما يمل كل طرف صاحبه ، لكن إذا كانت
الزوجة على جانب من العلم يحصل بينك وبينها مشاركة
فكرية ، مشاركة وجدانية ، أنت لا تسعد بزوجة تشاركك
همومك ، تشاركك في مبادئك ، وفي قيمك وفي طموحاتك ،
فلذلك تعلُّم
الفتاة له معنى
كبير ، لأنك إن علّمت
شاباً علّمت
واحداً ، أما إن علّمت
فتاة علمت أسرة بأكملها .
السيدة خديجة أكبر دليل على أنها كانت
سند النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إن أبلغ شيء فعله
النبي صلى الله عليه وسلم أنه حينما فتح مكة ، ودعاه
سادة قريش ليبيت عندهم ، قال
:
انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ، وركز
لواء النصر أمام قبرها ، ليعلم أهل الأرض أن هذه
المرأة التي في القبر شريكته في النصر ، هذه الحياة
الزوجية الراقية ، أن تكون زوجتك قريبة من طموحاتك ،
ومن همومك ، ومن أهدافك .
((
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ
وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ
الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ
،
وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ
،
وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ
الْعِبْرَانِيَّ
،
فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ
بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ
،
وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ
،
فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ
:
يَا ابْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ
أَخِيكَ
،
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ
:
يَا ابْنَ أَخِي
،
مَاذَا تَرَى
؟
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى
،
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ
:
هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ
اللَّهُ عَلَى مُوسَى
،
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا
لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ
؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
:
أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ
؟
قَالَ : نَعَمْ
،
لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا
جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ
،
وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ
أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا
))
.
معنى ذلك أن معركة الحق والباطل معركة
أزلية أبدية ، من بدء الخلق إلى يوم القيامة ، ليمتحن
الله المؤمنين ، ولولا هذه المعركة لما كانت جنة ،
أليس الله قادراً أن يخلق الكفار في قارة ، والمؤمنين
في قارة ، ليس هناك بدر ، ولا أحد ، ولا الخندق ، ولا
فتح مكة ، وكل الناس مؤمنون مسالمون ، عندئذٍ ليس هناك
جنة .
( سورة البقرة الآية : 214 ) .
( سورة الأحزاب )
لذلك حينما تأتي المحن تكون بعدها
المنح ، حينما تأتي الشدائد يكون بعدها شَدة إلى الله
عز وجل .
في متحف استنبول ماسة قيمتها 150 مليون
دولار ، بحجم البيضة ، 150 مليون دولار ، ما أصل الماس
؟ فحم ، ائتِ بفحمة بحجم هذه الماسة كم قيمتها ؟ خمسة
قروش ، قرش ، ما الفرق بين القطعتين ؟ 150 مليون دولار
، والضغط الشديد الذي أصاب الفحم جعله ماساً ، الحرارة
الشديدة التي أصابت الفحم جعلته ماساً ، والآن الماس
التقليدي
أساسه فحم ، عُرض لضغط شديد ، ولحرارة مرتفعة .
فالشدائد والضغوط هذه تصنع الرجال ،
وتصنع البطولات ، وقد تكون سبباً لدخول الجنة ، الدنيا
ليست دار جزاء هي دار ابتلاء ، واسم الله عز وجل العدل
محقق في الدنيا جزئياً ، بينما هو محقق يوم القيامة
كلياً .
( سورة يونس الآية : 34 ) .
( سورة طه ) .
ليست العبرة أن تسلم من كل مصيبة ،
العبرة أن تقف الموقف الكامل مع كل مصيبة .
ثم لم يلبث أن توفي ورقة ، وفتر الوحي
فترة ، حزن النبي لها حزناً شديداً ، لكن كان جبريل
يتبدى للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول له
:
يا محمد ، إنك رسول الله حقاً ، كان
يرى جبريل من حين إلى آخر ، لأنه لما فتر الوحي تألم
النبي عليه الصلاة والسلام والدليل :
( سورة الضحى ) .
( سورة مريم ) .
أكبر عطاء تناله من الله أن تكون لك مع
الله مودة ، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ
الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ ، فالنبي عليه الصلاة
والسلام كان في أعلى درجات سعادته حينما جاءه الوحي ،
فلما غاب عنه طويلاً ، ما الحكمة أنه غاب عنه ؟ الحكمة
أن هذا الوحي ليس في مقدور النبي أن يجلبه ، ولا أن
يدفعه ، هو منفصل عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم .
أيها الإخوة ، أوضح دليل أنه لما اتهمت
السيدة عائشة رضي الله عنها ، واتهمت في أخطر وأثمن ما
تملكه فتاة على وجه الأرض ، في شرفها ، وطهارتها ،
وعفتها ، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس عنده دليل
إثبات ، ولا دليل نفي ، وتألم أشد الألم ، ولهطت
الأفواه ، وأرجف الناس في المدينة ، وشاعت قصتها ،
الزوجة الأولى ، السيدة الأولى ، تتهم بعفتها ؟!
( سورة النور الآية :11 ) .
امتحن المؤمنون ، المؤمنون الصادقون
ظنوا بزوجة نبيهم خيرا ، وقالوا :
( سورة النور ) .
بينما المنافقون ولغوا في حديث الإفك ،
وارتاحوا له ، لماذا تأخر الوحي في تبرئتها قريباً من
أربعين يوماً ، لو أن الوحي بملك النبي لجاءت بعد
دقيقة آية تبرّئها ، هذا دليل قوي جداً على أن الوحي
ليس بملك النبي ، الوحي منفصل عن رسول الله انفصالاً
كلياً ، نحن ديننا دين وحي ، ديننا ليس تراثاً ، وليس
ثقافة ، دين وحي .
أيها الإخوة ، يروى أن السيدة خديجة
دعت النبي
e
إلى أخذ قسط من الراحة ، بعد ما أصابه
ما أصابه ، فقال كلمة والله كلما ذكرتها اقشعر جلدي ،
قال لها
:
انقضى عهد النوم يا خديجة ، هل تحمل هم
المسلمين ؟ هل تحمل متاعبهم ، هل تفكر بالتخفيف عنهم ،
هذا الذي يعيش لذاته لا وزن له عند الله ، هل فكرت
يوماً لحل مشكلة لمن حولك ، حل مشكلة شاب ، تزويج شاب
تزويج فتاة ، مساعدة ضعيف ، معالجة مريض ، هل فرحت
لخير أصاب المسلمين ؟ هل تألمت لشر أصابهم ؟ أم لا
يعنيك ذلك إطلاقاً ، والله ما لم نحمل هموم بعضنا ، ما
لم نسعى لتخفيفها ، فلا وزن لنا عند الله إطلاقاً ،
كان عليه الصلاة والسلام يقول :
((
لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ،
ولضحكتم قليلا )) .
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم
والبيهقي عن أبي الدرداء ]
لأنه كان يحمل هم البشرية ، وكلما
اتسعت دائرة اهتمامك ارتقى مقامك عند الله .
( سورة طه ) .
هذا الشقاء المقدس .
( سورة طه ) .
أيها الإخوة ، لقد كان بدء نزول الوحي
على النبي صلى الله عليه وسلم ، ونزول صدر سورة
]
اِقْرَأْ
[
نقطة تحول في تاريخ البشرية ، نقلتها من طريق الاعوجاج
والظلام إلى طريق الهدى والنور ، إلى طريق الله
المستقيم ، المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة .
أيها الإخوة ، يقول عليه الصلاة
والسلام :
((
بينَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ
صَوْتاً مِنَ السّمَاءِ
، فَرَفعْتُ رَأْسِي فإذَا المَلَكُ
الّذِي جَاءَنِي بِحراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ
بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَجَثِثْتُ
مِنْهُ رُعْباً ، فَرَجَعْتُ ،
فَقُلْتُ
:
زَمّلُونِي
، زَمّلُونِي ، فَدَثّرُوني
، فأنْزَلَ الله تعالى قوله :
( البخاري عن جابر) .
هذه نقطة التحول ، أربعون عامًا
يعاني النبي ما يعاني
في قومه
، من الفساد ، والربا وشرب الخمور ،
والزنا ، والعصبية الجاهلية ، والحروب ، والاقتتال ،
ونحن الآن والله في جاهلية أشد ، لذلك قال تعالى :
( سورة الأحزاب الآية : 33 ) .
إشارة إلى أن هناك جاهلية ثانية أشد
وأدهى
:
﴿ يَا
أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ
﴾ .
( سورة الشعراء ) .
ماذا نفهم من هذا الكلام ؟
إخواننا
الكرام ، أقرباؤك لهم ميزة ، أنه ليس بينك وبينهم حاجز
، أنت هل تستطيع أن تمشي في الطريق ، وأن تمسك بيد
إنسان ، وأن تقول له
:
تعال معي إلى المسجد ؟ لا تستطيع ، أما
أخوك ، ابن أخيك ، ابن عمك ، ابن خالتك ، صديقك ،
زميلك ، جارك ، قال تعالى : ﴿ وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ ، ينبغي أن تستغل أن
هؤلاء الأقرباء الذين هم حولك واثقون منك ، ليس هناك
حاجز بينك وبينهم ، فلذلك : ﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ
، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ، عرفهم بعظمة الله عز
وجل ، كبر ، قل
:
الله أكبر ، نقولها دائماً نحن ،
اسمعوا هذه الكلمات ، نرددها كثيراً
:
من أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً ما قال
الله أكبر ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لأنه
رأى أن طاعة هذا المخلوق أثمن عنده من طاعة الله ،
فكلمة الله أكبر قالها كاذباً ، من أطاع زوجته وعصى
ربه ما قال الله أكبر ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف
مرة ، من غشى المسلمين ، وجاء ليصلي ، وقال
:
الله أكبر
فهو
كاذب ، لأنه رأى أن هذا المبلغ الكبير
الذي حصله من غش المسلمين أكبر عنده من الله ، لذلك
الله أكبر يجب أن تستند إلى واقع ، وإلا أصبحت كلمات
المسلمين كلمات مفرغة من مضمونها ، لا تعني شيئاً ،
تقول
:
الله أكبر ، وكل شيء عندك أكبر من الله
.
لذلك أيها الإخوة ، قال لها
:
انقضى عهد النوم يا خديجة ، وقد ثبت أن
الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الاثنين ، كما أن
المشهود أن ذلك حصل في شهر رمضان ، قال تعالى :
( سورة البقرة الآية : 158 ) .
والوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم
نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين قال تعالى :
( سورة النساء ) .
الآن بعض أوصاف الوحي ، كان عليه
الصلاة والسلام يعاني من التنزيل شدة فكان جبينه يتفصد
عرقاً ، في يوم الشديد البرد ، وكان وجهه يتغير ،
ويبدو عليه علامات التعب الشديد ، وكان جسمه يسخن ،
يقول زيد بن ثابت : فأنزل على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترضّ
فخذي ، وكان يركز ذهنه بشدة لحفظ القرآن ، فيحرك به
لسانه وشفتيه من شدة اهتمامه ، فنزل قوله تعالى :
( سورة القيامة ) .
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على
تبليغ القرآن الكريم يدفعه إلى التعجل في تلقيه ،
والشوق إليه ، وقد بينت ذلك الآية الكريمة :
( سورة طه ) .
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم كيف
يأتيه الوحي حين قال :
((
أَحْيَانا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ
صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ
)) .
[ متفق عليه عن عائشة ] .
الصلصة صوت الحديد إذا اصطدم بعضه ببعض
.
((
مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ
، وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَي ،
فَيَفْصِمُ عَنّي ، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ
، وَأَحْيَانا
يَتَمَثّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلّمُنِي
فَأَعِي مَا يَقُول )) .
وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل
على ذلك الأحاديث الصحيحة ، استغرق نزول الوحي 23 سنة
، منها 13 عاماً بمكة المكرمة ، وهذا هو المشهور ،
وعشر سنين في المدينة ، وهذا المتفق عليه .
أيها الإخوة ، إن ظاهرة الوحي معجزة
خارقة للسنن الطبيعية ، حيث تلقى النبي صلى الله عليه
وسلم كلام الله القرآن الكريم بوساطة جبريل عليه
السلام ، وبالتالي ـ الآن دققوا ـ فلا صلة لظاهرة
الوحي بالإلهام ، ولا بالتأمل الباطني ، ولا
بالاستشعار الداخلي ، بل إن الوحي يتم من خارج الذات
المحمدية المتلقية له ، ودون أن يكون للرسول صلى الله
عليه وسلم أي أثر في الصياغة والمعنى ، القرآن الكريم
وحي متلو ، وتنحصر مهمة النبي صلى الله عليه وسلم
بتلقي الوحي ، وحفظ الموحى به وتبليغه ، أما بيانه
وتفسيره فيتم عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم
بأسلوبه ، وبلفظه ، كما تدل على ذلك الأحاديث المحفوظة
، وهو أسلوب مغاير تماماً لأسلوب القرآن الكريم .
ديننا دين وحي ، والوحي حق صُراح .
( سورة فصلت الآية : 42 ) .
ديننا ليس تراثاً ، وليس ثقافة ، ولكنه
وحي السماء ، وقد قال الله عز وجل :
( سورة المائدة الآية : 3 ) .
قال علماء التفسير : الإتمام عددي ،
والإكمال نوعي ، إي أن عدد القضايا التي عالجها الوحي
تام عدداً ، وأن طريقة المعالجة التي تمت كاملة نوعاً
، وأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص ، وأي حذف منه
اتهام له بالزيادة .
ومع دروس قادمة في فقه السيرة نتابع
فيها الأحداث التي مرت بالنبي عليه الصلاة والسلام
مسلسلة .
والحمد لله رب العالمين
|