|
فقه السيرة النبوية : الدرس 01 – المقدمة 1 ، لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار
المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس
الأول من دروس فقه السيرة ، واليوم سيكون الموضوع
تمهيدًا للسيرة .
الكون كما تعلمون قرآن صامت ،
والقرآن كون ناطق ، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن
يمشي ، فإن تحدثنا عن الكون كان التفكر في خلق
السماوات والأرض ، وإن تحدثنا عن القرآن كان الحديث
تفسيراً وتحليلاً واستنباطاً ، وإذا وصلنا إلى أن
النبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي ، كانت السيرة .
أيها الإخوة ، بادئ ذي بدء ، هل
نحن بحاجة إلى تعلم سيرة سيد الخلق ؟ الجواب الأول :
أن الله جل جلاله حينما قال :
( سورة هود الآية : 120 ) .
فإذا كان قلب سيد الأنبياء يزداد
ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه ، فلأن تزداد قلوبنا
إيماناً ويقيناً بمساع قصة سيد الأنبياء ، هذا دليل .
والدليل الثاني : أن الله سبحان
الله حينما قال :
( سورة المؤمنون ) .
والإسلام بمجمله كلمتان ؛ كلمة
التوحيد وكلمة الرسالة ، لا إله إلا الله ، محمد رسول
الله ، إذاً الحديث عن رسول الله شطر الدين ، بل هو
جزء لا يتجزأ من الدعوة إلى الله ، ذلك لأن في الحياة
مثالية حالمة لا أحد يعبأ بها ، وفي الحياة واقعية
مقيتة لا أحد يلتف إليها ، ولكن الناس يشدهون بمثالية
واقعية أو بواقعية مثالية ، هذا ما نجده في سيرة سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم .
شيء آخر ، أن الله سبحان الله
حينما قال :
( سورة سبأ الآية : 46 ) .
فالتفكر في كمال رسول الله ،
والتفكر في شمائله ، وفي فضائله ، وفي منهجه جزء من
الدين .
شيء آخر ، أن في علم الأصول قاعدة
ذهبية دقيقة جداً ، وهي أنه ما لا يتم الفرض إلا به
فهو فرض ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة .
أرأيت إلى الصلاة إنها فرض ، لكن
الصلاة لا تتم إلا بالوضوء ، فإذا كان الوضوء من لوازم
الصلاة فهو فرض مثلها ، ما علاقة هذا المثل بضرورة
تعلم السنة ؟ الله عز وجل حينما قال :
( سورة الحشر الآية : 7 ) .
كيف نأتمر بما أمر ؟ وكيف ننتهي
عما عنه نهى وزجر إن لم نعرف ما الذي أمر وما الذي زجر
؟
وكتعقيب دقيق ، هو أن كل أمرٍ في
القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، ما لم تقم قرينة تصرفه
عن الوجوب ، فإذا قال الله عز وجل :
( سورة البقرة الآية : 187 ) .
هذا أمر إباحة ، وإذا قال الله عز
وجل :
( سورة النور الآية : 32 ) .
هذا أمر ندب ، وإذا قال الله عز وجل :
( سورة الكهف الآية : 29 ) .
هذا أمر تهديد .
فما لم تقم قرينة تصرف عن الوجوب
فكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، فإذا أمرنا
الله عز وجل : ﴿ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ ،
كيف نأتمر بما أمر ، وكيف ننتهي عما عنه نهى وزجر إن
لم نعرف ما الذي أمر ، وعن أي شيء نهى وزجر ؟ إذاً
معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم ،
تنفيذاً لأمر الوجوب : ﴿ وَمَا ءَاتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، ومعرفتك المنهيات التي
نهى عنها النبي فرض عين على كل مسلم كي تنتهي عما عنه
نهى وزجر ، وحينما قال الله عز وجل :
( سورة الأحزاب ) .
كيف يكون النبي
e
أسوة لنا ، أي قدوة لنا ، إن لم نعرف ماذا فعل في بيته
؟ وكيف عامل زوجته ، وكيف عامل أصحابه ؟ وكيف كان في
السلم ؟ وكيف كان في الحرب ؟ إذاً معرفة سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم القولية فرض عين على مسلم ،
تحقيقاً لقوله تعالى ﴿ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ ،
ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين تحقيقاً
لقوله تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ ، وقالوا
: الحديث عن الكمال البشري حديثاً نظرياً لا يؤثر ،
أما الحديث عن الكمال البشري إذا كان مجسّداً في إنسان
يؤثّر ، لأن هذا كمال واقعي ، نعيشه إنسانًا بيننا
وعاش مع الناس ، ولولا أن النبي
e
بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، غير
أنه بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر ، فلذلك أنت
حينما ترى إنسانًا يشتهي ما تشتهي ، ويخاف مما تخاف ،
ويرجو كما ترجو ، ويتألم كما تتألم ، هكذا قال النبي
e
عن نفسه : ((
اللهم إني بشر أرضى كما يرض البشر ، وأغضب كما يغضب
البشر
))
.
[السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
لولا أن النبي
e
بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ،
لأنه بشر ، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر ، وانتصر
على بشريته كان سيد البشر .
إذاً أيها الإخوة ، أول نقطة في
هذا الدرس الأول من دروس فقه السيرة : أن معرفة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة سنته القولية ومعرفة
سنته العملية ، أي سيرته فرض عين على كل مسلم ، لأنه
ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، ولأن كل أمر في
القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وقد أمرنا الله أن نأخذ
ما آتانا ، وأن ننتهي عما عنه نهى وزجر ، ولأن النبي
صلى الله عليه وسلم أراده الله قدوة لنا ، ولن يكون
قدوة لنا إلا إذا عرفنا دقائق حياته .
فلذلك البند الأول في هذا الدرس الأول
هو أن معرفة رسول الله فرض عين على مسلم ، بل معرفة
سيرته العطرة فرض عين على كل مسلم ، ليكون النبي
e
قدوة لكل مسلم ، ذلك في حياة كل منا شخصية يتمنى أن
يكونها ، وشخصية يكره أن يكونها ، وشخصية يكونها ،
فالشخصية التي تكونها هي أنت ، والشخصية التي تتمنى أن
تكونها هي طموحك وانتماؤك واتجاهك ، قل لي أي شخصية
تتمنى أن تكونها أقل لك من أنت ، الله عز وجل يبين أن
المؤمنين أسوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ﴿
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ .
دخل إنسان إلى البيت ولم يكن
الطعام جاهزاً ، هل يغضب ؟ هل يزمجر ؟ هل يعنف ؟ أم
يصبر كما كان النبي
e
يصبر ؟ يصبر ، المؤمن في كل موقف يتفكر كيف كان النبي
e
يفعل ، كيف يفعل لو كان في ظرف كهذا الظرف ، لذلك :
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ ﴾ ، إن أردت الدنيا فقدوتك الأغنياء ، إن
أردت الدنيا فقدوتك الأقوياء ، أما إذا أردت الله
واليوم الآخر فقدوتك الأنبياء ، هذه حقيقة أولى .
الحقيقة الثانية : أن في حياة
المسلمين إنسان واحد عصمه الله من أن يخطئ في أقواله
وأفعاله وإقراره ، هذه العصمة تتماشى مع أمر الله عز
وجل أن نأخذ منه كل شيء ، وأن ننتهي عما عنه نهانا ،
لو أن النبي
e
ليس معصومًا لكان الأمر بالأخذ عنه أمر بمعصية ، إذاً
:
( سورة النجم ) .
لكن البشر ينطقون عن الهوى ،
أحياناً يخترع قاعدة ليروج سلعته ، أحياناً يتكلم
لصالح مكاسبه ، أحياناً لا يتكلم بالحق حفاظاً على
مكاسبه ، بنو البشر كثيراً ما يتكلمون بالهوى ، لكن
هذا الإنسان الذي عصمه الله عز وجل ، وصفه الله عز وجل
بأنه :
ولكن قد تقرأ في القرآن الكريم :
( سورة التوبة الآية : 43 ) .
وقد تقرأ في القرآن الكريم :
(
سورة عبس ) .
الحقيقة أيها الإخوة أنه لحكمة
بالغة بالغةٍ بالغة تُرك للنبي صلى الله عليه وسلم
هامش ضيق جداً ليجتهد فيه ، فإن أصاب في اجتهاده أقره
الوحي على هذا الاجتهاد ، وكان اجتهاده ـ لأن الوحي
أقره ـ وحيًا يوحَى ، وإذا اجتهد النبي عليه الصلاة
والسلام اجتهاداً صعباً وهذا الاجتهاد وسام شرف له .
ابن أم مكتوم من أصحابه الكرام ،
من محبّيه ، ممن يذوب شوقاً له ، لم يجلس معه ، بل جلس
مع زعماء قريش الألداء الأعداء المستكبرين ، اجتهاد
النبي
e
أن هؤلاء إذا أسلموا أسلمت قريش ، اجتهد الاجتهاد
الصعب ، لكن الله بين له أن هذا الرجل الأعمى هو أفضل
عند الله من هؤلاء الصناديد ، إذاً الله عز وجل لم
يعتب عليه ، بل عتب له ، وفرق كبير بين أن تعتب على
ابنك إن رأيته يلهوا والامتحان على الأبواب ، وبين أن
تعتب على ابنك إن رأيته حتى الساعة الرابعة يدرس ،
تقول : لا ، يا بني ، نم واسترح ، إن لجسمك عليك حقاً
، أنت في الحالتين تعتب عليه ، لكن الحالة الأولى تعتب
عليه ، وفي الثانية تعتب له .
فإذا عاتب الله النبي صلى الله
عليه وسلم فهو عتب له لا عليه ، فجاء الوحي وبيّن
للنبي
e
أن هذا أولى من هذا .
بالمناسبة ، لا معصية إلا
بالتكليف ، لم يكن هناك تكليف خالفه النبي عليه الصلاة
والسلام ، لكنه اجتهاد ، وكان اجتهاده وسام شرف له ،
واجتهد الأصعب ، لكن هذا الهامش الضيق جداً الاجتهادي
ليكون هناك فرق بين مقام الألوهية ومقام النبوة ، فرق
توحيدي ، لأن أنبياء كثر أُلِّهوا من بعدهم ، ومعظم
أنبياء الصين هم عند أهل الصين آلهة ، هم في الحقيقة
أنبياء كرام ، لأن الله عز وجل قال :
( سورة غافر الآية : 78 ) .
إذاً هناك أنبياء بعثوا لأقوامهم
، أقوامهم من بعدهم ألهوهم ، من هنا نفهم لماذا سيدنا
الصديق ، وهو أقرب الخلق إلى رسول الله ، وهو أحب
الناس إليه حينما انتقل النبي
e
إلى الرفيق الأعلى علا صياحه فقال : (( مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ مِنْكُمْ مُحَمَّداً ـ محمداً هكذا ـ
فَإِن مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ
، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ
لاَ يَمُوتُ )) .
[متفق عليه عن عائشة]
أيها الإخوة الكرام ، البند الأول
: معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل
مسلم ، استناداً إلى القاعدة الأصولية " ما لا يتم
الفرض إلا به فهو فرض " ، ولأن الله جعل سيرته أسوة
وقدوة لنا ، فقال : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ .
البند الثاني : لأن الله أمرنا أن
نأخذ عن النبي كل أقواله وكل أفعاله ، إذاً هو معصوم ،
ولو لم يكن معصوماً لكان الله قد أمرنا باتباع غير
المعصوم ، وهذا مستحيل ، ولكن كما يقال : الشيء بالشيء
يذكر ، كما أننا نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم
معصوم بأقواله وأفعاله وإقراره وصفاته لا نعتقد العصمة
لغيره ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية أن غير النبي
e
مهما يكن عالي القدر فليس بمعصوم ، وهذه القاعدة مريحة
جداً ، أنت إذا تعاملت مع كل المؤمنين فأكبرت مؤمناً
تألق نجمه ، تقول في نفسك : هذا من أتباع النبي
e
، وإن رأيت زلة قدم آلمتك من أخيك تقول : هذا من عدم
عصمته ، وتبقى تحبه ، لذلك من الخطأ الكبير أن نعتقد
العصمة لغير النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن نعتقد
العصمة لغير النبي هذا مزلق خطير .
مثلاً : النبي عليه الصلاة
والسلام عيّن صحابياً أنصارياً ذا دعابة على سرية
كقائد لها في الطريق ، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ : ((
بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ
رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ
يُطِيعُوهُ ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ :
أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا :
بَلَى ، قَالَ : قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا
جَمَعْتُمْ حَطَبًا ، وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ، ثُمَّ
دَخَلْتُمْ فِيهَا ، فَجَمَعُوا حَطَبًا ،
فَأَوْقَدُوا نَارًا ، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ
فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، قَالَ
بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ ،
أَفَنَدْخُلُهَا ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ
خَمَدَتْ النَّارُ ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ ، فَذُكِرَ
لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا
أَبَدًا ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ
)) .
[متفق عليه]
العقل لا يعطَّل أبداً ، هذا الذي
يقول : يجب أن تكون كالميت بين يدي الغاسل ، لا ، يجب
أن تكون صاحياً ، لأنه ما من إنسان بعد النبي صلى الله
عليه وسلم يوصف بالعصمة ، لكن على تفاوت ، هذه حقيقة ،
أنت بإمكانك أن تحب كل المؤمنين ، وأنت تتعامل مع كل
المؤمنين ، وأن تقيم علاقة متينة ومثمرة مع كل
المؤمنين ، بشرط ألا تعتقد عصمتهم ، فأي خطأ آلمك بكل
بساطة هذا من عدم عصمته ، وأي شيء أكبرته هذا من
اتباعه .
وأؤكد لكم أيها الإخوة ، كما أن
للسيرة النبوية المطهرة منهج فيما ينبغي أن يفعل ، وما
ينبغي ألا نفعل فالسيرة النبوية المطهرة منهج دعوي ،
أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف عامل أصحابه ؟ كيف
علمهم ؟ كيف التقى بهم ؟ كيف نصحهم ؟ كيف أثنى عليهم ؟
هل استشارهم ؟ هل تواضع لهم ؟ هل كان في خدمتهم ؟ هل
بنى مجده على أنقاضهم ؟ هل أحبهم ؟ هل أحبوه ؟ هذا
جانب مهم جداً من سنة النبي العملية ، وهو الجانب
الدعوي ، وما من داعية يقلد النبي في دعوته إلا ويتألق
، ويعلو مجده في أوساط الأمة ، وما من داعية يخالف سنة
النبي
e
الدعوية إلا ويثير حوله جدلاً كبيراً .
أيها الإخوة الكرام ، هذا هو
البند الثاني ، أن الله عز وجل قد عصم نبيه صلى الله
عليه وسلم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره .
ثمة طرفة تشير إلى أن الإنسان
أحيانا ينطق عن الهوى ، مرة أردت أن أشتري ستائر ،
دُللت على تاجر هنا في الحريقة جيد ، قال لي وقد ألقى
محاضرة : إنه عرض الستيرة يجب أن تكون ضعف الحائط زائد
متر ، كي تكون جميلة جداً ، أنا استسلمت له ، اخترت
ثوبًا ، لما قاسه وجده أقل بمتر من ضعف عرض الحائط ،
وأنا أعجبني ، قال لي : هذا المطرز على الفرد يأتي
أجمل ، هو ينطق عن الهوى الآن ، مصلحته أن يبيع هذا
الثوب ، فبعد أن أعطاني محاضرة في أنه يجب أن يكون عرض
الستارة ضعف الحائط زائد متر ، فلما رأى الثوب ناقصًا
بمتر عن ضعف الحائط قام فأعطى قاعدة ثانية ، قال : هذا
المطرز على الفرد يأتي أجمل ، هذه ينطق عن الهوى ،
والله لا أبالغ أن تسعين بالمئة من كلام الناس في
تجارتهم وفي بيعهم وفي شرائهم ينطقون عن الهوى .
لذلك مرة النبي عليه الصلاة
والسلام في موقعة بدر قال كلاماً موجزاً ، قال : لا
تقتلوا عمي العباس ، واحد ممن كان مع النبي صلى الله
عليه وسلم فكر في كلامه لم يقبل هذا الكلام ، قال :
أحدنا يقتل أباه و أخاه ، وينهانا عن قتل عمه ،
أقرباؤه لهم قواعد خاصة ، النتيجة أنه بعد حين تبين أن
عمه العباس في مكة كان مسلماً ، وكان عين النبي
e
، وكان ينقل للنبي
e
كل شيء في قريش ، إدارة النبي
e
إدارة ذكية جداً ، تعتمد على معلومات دقيقة ، فعمه
العباس أسلم سراً ، وبقي في مكة عيناً للنبي صلى الله
عليه وسلم على قريش ، لو أن النبي
e
قال : لا تقتلوا عمي العباس لأنه مسلم ، كشفه ، وانتهت
مهمته ، ولو أنه لم يقل : لا تقتلوا عمي العباس وهو في
صفوف المشركين الصحابة يقتلونه ، لو أن العباس لم
يشارك قريشًا في الحرب لكشف نفسه ، ليس هناك حل ، الحل
أن يقول النبي
e
كلامًا موجزًا ، لا تقتلوا عمي العباس ، فقط ، إن قال
: لأنه مسلم كشفه ، وإن سكت قُتل ، وإن لم يشارك كُشف
، بعد حين اتضحت لهذا الإنسان هذه الحقيقة ، فقال :
والله ضللت عشر سنين أتصدق رجاء أن يغفر الله لي سوء
ظني برسول الله
e
، ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحْيٌ يُوحَى ﴾
.
لما قال : ((
والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه
اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ
سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
)) .
[متفق عليه عن عائشة]
نحن بحاجة إلى قرآن يمشي ، ونحن
الآن بحاجة إلى مسلم يمشي ، الكلام النظري ضعف تأثيره
، لماذا ؟ لأن الناس كفروا بالكلمة ، لماذا كفر الناس
بالكلمة ؟ لأن كل الممارسات التي يمارسها الناس تتناقض
مع كلامهم ، تأتي إلى بلد ، وتتفنن في إيقاع الأذى ،
وقتل البرءاء ، وهدم البيوت ، وتقول : أنا جئت من أجل
الحرية ، من أجل أن تنعموا بالحرية ، هذا الكلام مع
هذه الممارسات يحمل الناس على أن يكفروا بالكلمة كفرًا
كاملاً ، نحن الآن في مشكلة ، الناس كفروا بالكلمة ،
ولا يمكن أن تستعيد الكلمة قدسيتها إلا بالتطبيق ،
الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ هل جاؤوا بالصواريخ ؟
بالطائرات ؟ بحاملات الطائرات ؟ بالغواصات ؟ بالأقمار
الصناعية ؟ بالكمبيوتر ؟ جاؤوا بالكلمة .
( سورة إبراهيم ) .
الكلمة الطيبة تفعل فعل السحر في
الناس ، لكن الناس اليوم كفروا بالكلمة ، لأن كل الذي
يقال معه ممارسات تتناقض معه ، مجلس يأمر بلدًا بعيدًا
أن يطبق الديمقراطية ، جيد ، لكنه هو يمارس القهر
والقمع عن طريق حق الفيتو ، أو حق النقض ، المجلس قمعي
، وأمره ديمقراطي ، كلام مضحك ، لذلك كفر الناس
بالكلمة ، لا يمكن أن نعيد للكلمة مكانتها إلا
بالتطبيق ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((
اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ
)) .
[الجامع الصغير عن سمرة]
كنا في الحج مرة ، ورأينا رجلا
تبدو على ملامحه أنه غربي ؛ هو في الحقيقة من ألمانية
الغربية ، علمت بعد حين أن سبب إسلامه هو أن طالباً من
سورية أقام في بيته ، واستأجر غرفة ، ولهذا الرجل فتاة
جميلة ، لم يستطع أن يضبط هذا الشاب مرة ينظر إليها ،
كلما وقعت عينه عليها غض بصره ، هذا شيء ما استوعبه ،
ما هذا الإنسان ؟ فحاوره ، انتهى الحوار بإسلام هذا
الإنسان .
إخواننا الكرام ، هذه الكلمة
ينبغي أن تكتب بماء الذهب : ((
اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ
)) .
رجل في أمريكة اسمه جفري لنك ،
هذا الرجل من أكبر ملحدي أمريكة ، دكتور في الرياضيات
، بجامعة سان فرانسيسكو ، سبب إلحاده أنه كان في
التعليم الثانوي يدرس ، وعنده مدرس للديانة المسيحية ،
وجاء إلى البيت ، وانتقض هذا المدرس أمام أبيه ، ما
كان من أبيه إلا أن طرده من البيت ، فلما طرده من
البيت اعتنق الإلحاد ، وتابع دراسته ، وكان ذكياً إلى
درجة غير عادية ، كان أستاذه بالجامعة يقول له : اخرج
من القاعة ، ولك العلامة التامة ، كان يربك أستاذه ،
استقر به المقام إلى أن أصبح أستاذاً للرياضيات في
جامعة سان فرانسيسكو ، كانت له مكانة كبيرة في الجامعة
، حتى إن أستاذه كان يستشيره أحياناً في بعض رسالات
الدكتوراه ، عند أستاذه طالبة من الشرق الأوسط ، نشأت
مشكلة في أطروحتها ، فأرسلها إلى هذا الدكتور
البروفيسور جفري لنك ، ليأخذ رأيه ، هذا الأستاذ
الجامعي الملحد الذي اعتنق الإلحاد رأى فتاة محجبة
حجاباً كاملا ، وفي أيام الصيف ، والفتيات في أمريكة
عرايا في الصيف ، فقال : لا بد أن هذه الفتاة تعتنق
ديناً عظيماً ، وعندها قناعات كبيرة جداً حملتها على
أن تخالف كل الفتيات في هذه البلاد ، فقال هذا الأستاذ
: والله لم أجرؤ على أن أحدق في وجهها ، لقدسيتها ،
واندفعتْ بكلي إلى مساعدتها , وعكفت في اليوم نفسه على
قراءة القرآن ، قرأ القرآن ، لكن عنده شعور أنه ليس
كلام الله ، فهو يبحث عن بعض الأخطاء ، فلما وصل إلى
قول تعالى :
( سورة يونس الآية : 92 ) .
قال : هنا ، هنا الخطأ ، له صديق في
فرنسا اسمه موريس بوكاي ، اتصل بها هاتفياً ، وقال له
: تعال وانظر ، هذا فرعون مات ، فكيف قال الله عز وجل
: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾
؟ قال : فرعون الذي قالت عنه الآية أنا رممت جثته بيدي
، هو الآن في متحف مصر الفرعوني ، وأسلم هذا الرجل ،
وقد لا تصدقون أنه اليوم من أكبر الدعاة الإسلاميين في
أمريكة ، وقد ألف كتاباً ، وترجم إلى العربية يجيب فيه
ابنته الصغيرة ، قالت له : يا أبت لماذا أسلمت ؟
فأجابها بكتاب ، ودرست بعض الكتاب في الجامع العثماني
، وإذا قرأتم الكتاب ترون هذا الإنسان أقرب إليكم من
أهلكم ، الإيمان يجمع ، ما سبب إسلام هذا الداعية ؟
هذا الأستاذ الملحد ، فتاة محجبة ، ((
اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ
)) ، الآن نحن بحاجة إلى مسلم متحرك ، كيف أن النبي
e
قرآن يمشي ؟ نحن بحاجة إلى مسلم يمشي ، إذا حدثك فهو
صادق ، وإذا عاملك فهو أمين ، وإذا استثيرت شهوته فهو
عفيف .
في حديث جَعْفَرُ بْنُ أَبِي
طَالِبٍ قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ : ((
أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا
أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ،
وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ،
وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ ،
يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا
عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا
رَسُولًا مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ ، وَصِدْقَهُ ،
وَأَمَانَتَهُ ، وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى
اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ،
وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا
مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ،
وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ
الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ
الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ
وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ،
وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ،
وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ
اللَّهَ وَحْدَهُ ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ،
وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ
)) .
[أحمد عن أم سلمة]
إخواننا الكرام ، حال واحد مستقيم
في ألف ، واحد في ألف أبلغ من قول ألف في واحد ، ألف
داعية على طالب علم واحد ، إذا تكلموا كلاماً رائعاً ،
ولم يكونوا كما يقولون فحال واحد في ألف خير من قول
ألف في واحد .
إن أردت مجتمع ينهض كن قدوة ، كان
أصحاب النبي
e
الواحد كالألف ، والمسلمون في عصور التخلف والشهوة
والشرك الألف كأفٍّ ، هل يُعقل أن يستنجد سيدنا خالد
بسيدنا الصديق بمدد في معركة نهاوند ، هو يحتاج خمسين
ألف مقاتل ، أرسل له الصديق واحدًا ، هو القعقاع بن
عمرو ، فلما وصل إليه ، قال له : أين المدد ؟ قال له :
أنا المدد ، قال له : أنت ؟! قال : أنا ، واحد ؟! قال
: واحد ، معه كتاب ، فتح الكتاب ، يقول سيدنا الصديق :
يا خالد ، لا تعجب أن أرسلت لك القعقاع بن عمرو ، فو
الذي نفس محمد بيده لا يهزم جيش فيه القعقاع ،
وانتصروا ، بين واحد كألف ، بين ألف كأف ، مليار
وثلاثمئة مليون مسلم لا وزن لهم اليوم ، وليس أمرهم
بأيديهم ، ولا يملكون شيئاً .
( سورة النور الآية : 55 ) .
هل نحن مستخلفون الآن ؟ لا والله
! والحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح .
( سورة النور الآية : 55 ) .
هل نحن ممكَّنون في الأرض ؟ لا
والله ! أين التمكين ؟
( سورة النور الآية : 55 ) .
هل نحن آمنون ، كل يوم فيه تهديد
، لماذا ؟ ماذا نفعل بهذه الآيات ؟ وزوال الكون أهون
على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، ماذا نفعل بهذه
الآيات ؟ قال تعالى :
( سورة مريم ) .
وقد أجمع العلماء على أن إضاعة
الصلاة لا يعني تركها .
"
ليس كل مصلي يصلي " ـ موضوع
الدرس السابق أو قبل السابق ـ " إنما أتقبل
الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارم ، ولم
يصر على معصيتي وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم
المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي
" .
أيها الإخوة الكرام ، الحقيقة
الأولى : معرفة سنة النبي العملية فرض عين ، والنبي
صلى الله عليه وسلم وحده معصوم بمفرده ، ما جاءنا عن
رسول صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس ، وما
جاءنا عن غيره فهم رجال ونحن رجال ، وكل إنسان يأخذ
منه ويرد عليه إلا صاحب القبة الخضراء .
الحقيقة الثالثة : أن الاستجابة
لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله ،
لشفافية النبي عليه الصلاة والسلام ، يشف عن الحقيقة
الإلهية .
للتقريب : بلّور من أرقى الأنواع
، ونظيف جداً ، من شدة إتقان صنعته ، ومن شدة نظافته
يكاد لا يرى أبداً ، لا ترى إلا الذي وراءه ، الآن في
حالات كثيرة إذا كان البلّور نظيفًا جداً يخشى أن
تصطدم به ، فقد كنت في فندق الأسبوع الماضي الألواح
فيه نظيفة جداً ، لكن مكتوب عليها عدة كلمات كي تشعر
أن هنا لوح بلّور ، لئلا تتابع السير .
فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم
أنك إذا استجبت إليه فاستجابتك إليه عين استجابتك لله
، الدليل :
( سورة التوبة الآية : 62 ) .
لم يقل : يرضوهما ، لأن إرضاء رسول
الله عين إرضاء الله ، ولأن إرضاء الله عز وجل عين
إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذه الحقيقة
الثالثة .
الاستجابة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم هي عين الاستجابة لله ، وإرضاء رسول الله هو
عين إرضاء الله .
الحقيقة الرابعة : أن الله سبحان
الله لا يقبل دعوة محبته إلا بالدليل ، لو قبلت دعوى
من دون دليل لأدعى كل إنسان محبة النبي صلى الله عليه
وسلم .
كل يدعي وصل بليلى وليلى لا تقر لهم
بذاكَا
فكرة دقيقة جداً ، أرجو الله أن
تكون واضحة لديكم ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((
ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ
حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ،
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا
لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ
كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ
)) .
[متفق عليه]
بربكم لو سألتم مليارًا وثلاثمئة
مليون مسلم : أتحب رسول الله ؟ يقول لك : نعم ، إذاً
هذا سؤال ليس له معنى ، ما دام كل إنسان يدعي محبة
رسول الله ، يريد النبي أن يقول : ((
ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ
حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ )) .
أن يكون الله في قرآنه والنبي في
سنته أحب إليه من الدنيا وما فيها عند التعارض ، حينما
تتعارض مصلحتك مع الحكم الشرعي ، وتقف مع الحكم الشرعي
، وتقول : معاذ الله أن أعصيه ، عندئذٍ تذوق حلاوة
الإيمان ، وحلاوة الإيمان شيء لا يعرفه إلا من ذاقه ،
وبين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان بونٌ شاسع .
معك خارطة لقصر ـ صالون 8 بـ 12 ،
ممتاز ، لكن هذا ورق ، هذا ليس بيتًا ، غرفة النوم 6
بـ 8 أيضاً جيد ، الشرفة واسعة ، ورق ، فحقائق الإيمان
ورق ، لكن حلاوة الإيمان قصر ، تسكن هذا القصر ، فرق
كبير بين أن تقتني خارطة للقصر ، هذه غير القصر
الحقيقي ، خارطة للقصر وبين أن تكون مالكًا لهذا القصر
، هذا بين حلاوة الإيمان وبين حقائق الإيمان .
(( ثَلَاثٌ
مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، أَنْ
يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا
سِوَاهُمَا )) .
عند التعارض ، حينما تتعارض
مصلحتك مع الحكم الشرعي مع حكم قرآني ، أو مع حكم نبوي
، وتقف مع الحكم الشرعي ، وتضع مصلحتك المتوهمة تحت
قدمك ، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان ، ذاق حلاوة الإيمان
، من آمن بالله رباً ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى
الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، لذلك الله جل جلاله لا
يقبل دعوة محبته إلا بالدليل ، قال تعالى :
( سورة آل عمران الآية : 31 ) .
كل شيء قلبي يدّعى ، الشيء القلبي
يدّعى ، إذاً يحتاج إلى دليل .
بالمناسبة يمكن أن تصدق أن هناك
اليوم الآخر ، لكن لو تتبع الناس أعمالك لا يجدون أنك
تؤمن باليوم الآخر ، وهذا التكذيب العملي أبلغ وأخطر ،
الذي يكذب بلسانه هناك سبيل إلى محاورته ، أما الذي
يكذب بعمله فهذا لا يحاور ، فمحبة النبي صلى الله عليه
وسلم فرض عين على كل مسلم ، ولكن بمعنى أن يأخذ بأسباب
محبة النبي صلى الله عليه وسلم .
أيها الإخوة ، إن أردنا اليوم
الآخر فيجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم الشخصية
التي نتمنى أن نمشي في طريقها .
مرة كنت في العمرة ، تمنيت أن
أصلي في مكان النبي في الحرم النبوي ، المحراب العام
كهذا المحراب ، ومحراب النبي الذي صلى فيه بأصحابه هذه
بالروضة الشريفة ، وفيه ازدحام كبير جداً ، وانتظرت
حتى تمكنت أن أصلي ركعتين في المكان الذي صلى به النبي
عليه الصلاة والسلام ، والله لقد بكيت كثيراً ، لكن
جاءني خاطر علمي أن مستخدماً عند أستاذ كبير في
الجامعة له مئتا مؤلَّف ، لو أنه في غيبة هذا الأستاذ
قفز ، وجلس مكانه على كرسي مكتبه هل ترتقي مرتبة هذا
المستخدم ؟ جلس بمكانه ، لو أن هذا المستخدم نال
المسابقة الابتدائية ارتقى ، نال الشهادة الإعدادية
ارتقى ، نال الثانوية ارتقى ، فالذي يرفعك أن تحرص على
الاتباع ، إنك إن اتبعت النبي
e
ارتقيت عند الله ، أما إذا تبركت ، وأنا لا أنكر
التبرك ، لكن أنكر أن نكتفي به ، ابن غير متعلم ، له
أب من أعلى العلماء ، أينما جلس يتحدث عن أبيه العالم
، العالم في مكانه ، والابن الجاهل في مكانه ، أما إذا
سار هذا الابن على منهج أبيه يرتقي ، فنحن ينبغي ألا
نكتفي بالتبرك ، ينبغي أن نهتم بمتابعة النبي صلى الله
عليه وسلم .
إخواننا الكرام ، للتوضيح ،
والتقريب ، أن تقول : ألف مليون دولار شيء ، وأن
تملكها شيء آخر ، أعتقد أن المسافة كبيرة جداً بين أن
تنطق بها وأن تملكها ، والحديث عن الدين سهل جداً ،
لكن البطولة أن تكون في مستوى هذا الدين ، والحياة
قصيرة ، والسفر قريب ، والمغادرة قريبة ، ومن بلغ
الأربعين فقد دخل في أسواق الآخرة ، ومن عدّ غداً من
أجله فقد أساء صحبة الموت .
وكل مخــلوق يمــــوت ولا يبقى
إلا ذو العزة والجبروت
***
والليل مهما طال فلا بد من طلوع
الفجر
والعمر مهما طال فلا بد مـن نزول
القبر
كل ابن أثنى و إن طالت سلامته
يومًا على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جــنازة
فاعلم بأنك بعدها محـمول
***
إخواننا الكرام ، إنسان بلا هدف تافه ،
إنسان بلا هدف يعيش على هامش الحياة ، إذا أردت أن
تسعد فأسعِد الآخرين ، إن خرجت من ذاتك ، وحملت مبدأ ،
وحملت همّ المسلمين فأنت من أسعد الناس .
أيها الإخوة الكرام ، الطريق
الطويل يبدأ بخطوة ، وإن شاء الله في هذا الدرس سوف
نتابع دقائق حياة النبي عليه الصلاة والسلام ، وسوف
نستنبط منها منهج ، لأن النبي
e
قرآن يمشي ، نستنبط منها منهج ، وهذا المنهج يمكن أن
يكون مناراً لنا في حركتنا في الحياة . |