|

قصة نبي الله يوشع
شرع الله عز وجل الجهاد والقتال في
سبيله لمقاصد عظيمة , وغايات نبيلة , من إعزاز الدين , وتعبيد الناس
لله رب العالمين , وإزالة الحواجز والقيود التي تحول بين الناس وبين
الدعوة وقيام الحجة , ليهلك من هلك عن بينة , ويحيا من حي عن بينة ,
إلى غير ذلك من المقاصد , والجهاد عبادة كغيرها من العبادات , تحتاج
لكي تؤتي أكلها , ويجني العبد ثمارها ألا يقدم عليها إلا وهو في حالة
من التهيؤ النفسي , والتفرغ القلبي من الشواغل والملهيات التي تحول
بينه وبين أداء هذه العبادة وتحقيق مقاصدها على الوجه الأكمل , وقد قص
النبي صلى الله عليه وسلم علينا قصة نبي من الأنبياء خرج للجهاد والغزو
, والقصة أخرجها الشيخان عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( غزا نبي من الأنبياء , فقال لقومه : لا يتبعْني رجل ملك بُضْعَ امرأة
وهو يريد أن يبني بها , ولما يبنِ بها , ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع
سقوفها , ولا أحد اشترى غنماً أو خَلِفاتٍ وهو ينتظر ولادها , فغزا
فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريباً من ذلك , فقال للشمس : إنك
مأمورة وأنا مأمور , اللهم احبسها علينا , فحُبِسَتْ حتى فتح الله عليه, فجمع
الغنائم , فجاءت - يعني النار- لتأكلها فلم تطْعَمْها , فقال : إن فيكم
غُلولا, فليبايعني من كل قبيلة رجل , فلَزِقَتْ يد رجل بيده , فقال :
فيكم الغُلول , فليُبَايِعْني قبيلتك , فلَزِقَتْ يد رجلين أو ثلاثةٍ
بيده , فقال :فيكم الغُلُول , فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب ,
فوضعوها فجاءت النار فأكلتها , ثم أحلَّ الله لنا الغنائم , رأى ضعفنا
وعجزنا فأحلها لنا)
هذه قصة نبي من أنبياء بني إسرائيل , وهو نبي الله
يوشع بن نون
, الذي صحب موسى
عليه السلام في حياته , وسار معه إلى
الخضر
, في القصة المعروفة في سورة الكهف , وبعد وفاة
موسى
عليه السلام أوحى الله إلى يوشع بن نون , واستخلفه على بني إسرائيل ,
وفتح على يده الأرض المقدسة .
وفي يوم من الأيام خرج هذا النبي غازياً لفتح إحدى القرى , فأراد ألا
يخرج معه إلا من تفرغ من الشواغل , ولم يتعلق بأمر من أمور الدنيا ,
التي تعيق عن الجهاد والتضحية في سبيل الله , فأمر أن لا يتبعه في تلك
الغزوة رجل عقد نكاحه على امرأة ولم يدخل بها , ولا رجل مشغول ببناء لم
يكمله , ولا رجل اشترى غنما أو نوقا حوامل وهو ينتظر أن تلد , فإن الذي
انشغل بهذه الأمور وتعلق قلبه بها , ليس عنده استعداد لأن يثبت في أرض
المعركة أو يجالد الأعداء , بل ربما كان سبباً للفشل والهزيمة .
فخرج متوجها نحو هذه القرية , فدنا منها وقت صلاة العصر أو قريبا منه ,
فلما رأى أن الوقت لا يتسع للقتال , وأن الليل قد يدخل عليه ولم ينه
مهمته , خاطب الشمس قائلا : إنك مأمورة وأنا مأمور , ثم دعا الله عز
وجل أن يحبسها عليهم , فتأخر غروبها حتى فتح الله عليهم .
وقد كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلنا , فكانت تجمع كلها في نهاية
المعركة في مكان واحد , ثم تنزل نار من السماء , فتأكلها جميعا , وهي
علامة قبول الله لتلك الغنائم , أما إذا لم تكن مقبولة فإن النار لا
تأكلها , فجمعت غنائم تلك الغزوة , وجاءت النار فلم تأكلها , فعرف نبي
الله يوشع أن هنالك غلولا , فأراد أن يعرف الغالَّ , فطلب أن يبايعه من
كل قبيلة رجل , فلصقت يده بيد رجل من القبيلة التي فيها الغلول , فعرف
أن الغالِّين هم من هذه القبيلة , وطلب أن يبايعه كل فرد من أفرادها
على حدة , فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة هم أصحاب الغلول , فأمرهم
بإحضار ما أخذوه , فجاءوا بقطعة كبيرة من الذهب على شكل رأس بقرة ,
فلما وضعت مع الغنائم جاءت النار فأكلتها .
وقد منَّ الله عز وجل على هذه الأمة ورحمها , لما رأى ضعفها وعجزها ,
فأحل لها الغنائم التي كانت محرمة على من قبلها من الأمم , وستر عنها
أمر الغلول , وفضيحة عدم القبول , وهو من خصائص أمة
محمد
عليه الصلاة والسلام .
فهذه القصة تدل على قدرة الله تعالى , وتصرفه في هذا الكون , وتأييده
لرسله وإعانته لهم على القيام بما أوكل إليهم من مهام , ومن خلالها
يتبين لنا أن المهمات الكبرى , التى يرتبط بها مصير الأمة وعزها ونصرها
, ينبغي ألا تفوَّض إلا لحازم فارغِ القلب لها , لأن المتعلق بأمور
الدنيا , وشؤون الحياة والمعاش , ربما ضعف عزمه عن المواجهة والإقدام ,
والقلب إذا تفرق ضعُف فعل الجوارح , وإذا اجتمع قوي , نسأل الله أن
يوفقنا لخدمة دينه وإعلاء كلمته , إنه جواد كريم .
|