|
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على إمام المتقين وسيد المرسلين سيدنا
ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما
بعد :
فليس الالتزام بأوامر الله والاجتناب عن
نواهيه : حاجباً من الولوج في ساحات
المعارف ، ولا مانعاً من الدخول في ميادين
الثقافة ، بل لابد لأهل الخير والصلاح أن
يكونوا في ذلك على درجة من الوعي ، وعلى
اهتمام ورعاية للثقافة .
[ مقدمة ]
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملاً
بالثقافة ، وكذلك كان نساؤه رضي الله عنهن
، ومن ذلك معرفة أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها بالطب والنسب وأشياء أخرى .
والثقافات كثيرة ، والتي ننوه إليها هي
الثقافة النافعة المفيدة .
وخلاصة تعريف الثقافة : أنها العلوم
والمعارف والفنون التي يطلب الحَذْق فيها
.
[أهمية الثقافة]
تتبين أهمية الثقافة للصالحين من خلال
أمرين :
أولهما : أنها تشارك في تنمية الفرد
والمجتمع ، ولا تولد الثقافة مع الشخص عند
ولادته ، بل لابد من طَرْق أبوابها ،
ولابد من معرفة الضروري منها ومن ثم السعي
إليه ، والابتعاد عن الثانوي والتحسيني ،
حتى ينفع المرء نفسه .
ولن يصل الأفراد إلى التمام في بناء
شخصياتهم إلا إذا جمعوا أشياء منها :
الثقافة النافعة في تنمية الأنفس والذوات
.
والثاني : أن الاكتساب للثقافة عليه تبنى
الحضارات بعد أسِّها وهو : الديانة
الصحيحة.
والحضارات لا تقوم إلا بأسباب شرعية وأخرى
قدرية ، ومن ذلك الثقافة بأنواعها :
إسعافات أولية ، مهارات الحوار الناجح ،
ثقافة حربية ، ثقافة زراعية ، ثقافة
صناعية ... الخ.
[حال الأمة اليوم ]
حال أمتنا اليوم - مع أسف - في تقهقر من
حيث الحضارة الدنيوية ، وأمتنا الآن في
ذيل تلك القافلة .
ونجد الصالحين - مع أسف - أقل الناس سعياً
في ميادين الثقافة وتحصيلها .
[أسباب ابتعاد الصالحين عن الثقافة ]
لابتعاد الصالحين عن الثقافة أسباب متعددة
، جماعها ثلاثة :
أولها : أن جذوة الإرادة في اكتساب
الثقافة : خامدة ، ولا توجد الهمة لقراءة
كتاب يتعلق بالصحة ( مثلاً ) ، أو الأحياء
، أو المهارات البشرية ، أو نحو ذلك من
الثقافات.
وللأسف أن أكثر الأمم أميّة في الكتابة
والقراءة هي : العالم الإسلامي ! وكثير
ممن يقرأ إنما يقرأ فيما لا يبني عنده
ثقافة نافعة ، فهو يقرأ في صحيفة، أو كتاب
جنسي ، أو مجلة ماجنة ونحوها .
بينما نجد أن إحصائية إحدى الدول
الإفرنجية كانت بأن 25% يقرؤون كتاباً كل
شهر، و 50 % كل عام ، و 65% يقرؤون مجلة
أسبوعية بانتظام ، و 80% يقرؤون صحيفة
يومية بانتظام .
وثانيها : تتعلق بالمجتمع والبيئة التي
تحيط بالإنسان ، فهو لا يعلم كيف ينال
الثقافة ؟ ولا دُورها ، ولا مجلاتها ولا
مؤسساتها .
وكذلك ما يقوم به أفراد كثيرون من تعظيم
وإجلال لصاحب الجاه أو الأُبَّهة والبزَّة
الحسنة ، واحتقار وازدراء أرباب الثقافة
والمعرفة . فكيف يرتقي هذا المجتمع بهذا
الفكر ؟! .
وثالثها : نظرة كثيرين من الصالحين إلى
الثقافات باشمئزاز وكراهية ، ويقولون :
أكثرها أتى من الكفار ! وهي قاعدة تحتاج
إلى تصحيح ، بل ينبغي أن نأخذ منهم كل
نافع لا محظور فيه شرعاً ، وقرر شيخ
الإسلام ابن تيميّة في " مجموع الفتاوي "
( 4/114 ) جواز الانتفاع بآثار الكفار
والمنافقين في أمور الدنيا .
[مرجع الثقافة]
ترجع الثقافة في أصلها إلى شيئين :
أولهما : التجربة الصحيحة .
والثاني : إنتاج القرائح الصحيحة والعقول
السليمة .
وهذان المصدران لم يأت في الكتاب والسنة
ما ينهى عنهما .
[خصائص الثقافة النافعة المنشودة ]
وللثقافة التي ندعو إليها خصائص جماعها
ثلاث :
أولها : أن تكون نافعة ، وأما الضارة أو
غير النافعة فإنها تُجْتَنب ، كثقافة
السحر والألعاب البهلوانية مثلاً .
والثقافة النافعة تكتسب من خلال أشياء :
1- أن يأتي بها النقل . وهو إما أن يكون
عن شرعنا الحنيف ، أو عن أهل الكتاب ما لم
يُعْلم خطَؤه أو كذبه في شرعنا أو صدقه ،
فيُؤخذ به للاستشهاد به لا للاعتماد كما
قرّره ابن تيميّة - رحمه الله - .
2- العقل الصحيح .
3- التجربة الصحيحة السليمة .
وليس معنى هذا أن يأخذ المرء بثقافة ما
حتى يعلم بأنها ناتجة عن شيء مما سبق ،
وإنما يكفي أن يأخذها عمن يثق به ، وإلا
لما تعلم الناس من ذلك شيئاً .
ثانيها : أن تكون متجددة . فقد تأتي حقائق
جديدة في ثقافة ما تنفي نظريات سابقة
ولذلك لابد من المتابعة .
فمثلاً : الحدود الجغرافية للبلدان
العالمية تتغير ما بين فترة وأخرى ، وربما
تقوم دول جديدة ، وقس على ذلك أمثلة .
ثالثها : أن تكون شاملة . فالثقافة
النافعة ينبغي أن تكون شاملة لما وضعت له
من مفردات ، فليست في مفردة دون أخرى .
وكذلك شمولية الثقافة ، فلا تكون قاصرة
على ثقافة مهنية أو اقتصادية فقط ، بل
تكون في جميع مناحي الحياة .
[ضوابط شرعية للتعامل مع الثقافات ]
للتعامل مع الثقافات إلا أن هناك أصولاً
وضوابط شرعية ، وجماع ذلك ثلاثة ضوابط :
أولها : اعتبار المعيار الشرعي مع
الثقافات أنّى كانت . يقول الله تعالى : {فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
} .
ولمعرفة الميزان الشرعي في ذلك طريقان :
1- سؤال أهل العلم . { فاسألوا أهل الذكر
إن كنتم لا تعلمون ، بالبينات والزبر } .
2- البحث من ذي أهلية ، كالعلماء ومن
إليهم .
ثانيها : الحذر عند التعامل مع الثقافات
العامة الواردة من الكفار ؛ لأنه ربما وضع
الخطر حيث المأمن .
والناس مع أخذ الحذر على صنفين :
1- من يتثاقل عن الأخذ بالحيطة والحذر .
2- من عنده حذر شديد حتى ضيّق واسعاً ،
وأصبح ذا وسوسة في كل شيء .
والوسط هو الذي ينبغي أن يسار عليه .
ثالثها : الاعتزاز بالإسلام ورفع الرأس به
عند تلقي المرء لثقافات واردة من دول
الإفرنج { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
ولكن المنافقين لا يعلمون } .
[تنبيهان مهمان]
وينبه إلى أمرين يتعلقان بالثقافة :
أولهما : العناية ينبغي أن تتأكد في
الثقافة المستقبلية لا الماضية ، فينظر
الإنسان إلى الأمام ، لا إلى الوراء .
ولذا فقد اهتم الإفرنج بذلك ، ففي أمريكا
ستمئة مؤسسة مختصة بالدراسات المستقبلية
لأمتها !! وأمتنا بحاجة إلى مثل ذلك .
وينبغي للصالحين أن يُعنوا بالتخطيط
للمستقبل ، والارتقاء الثقافي في شتى
المجالات .
والثاني : أن الثقافة تراكمية ، ولا تأتي
دفعة واحدة ، ولكن مع الأيام ، ومع
القراءة ، والمطالعة لقنوات الثقافة
المختلفة ، فلا بد حينئذ من الصبر ؛ حتى
ينال المرء ما يريد ، { يا أيها الذين
آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله
لعلكم تفلحون } .
[قواعد في كسب الثقافة]
لكسب الثقافة قواعد على رأسها ثلاث قواعد
:
أولها : مراعاة الأولويات . ونضرب عليها
بصورتين :
1- من الثقافة ما هو ضروري ، كما أن من
الدين ما هو ضروري ، فليبدأ المرء
بالضروري ، ولا ينشغل بأمر تحسيني أو جزئي
على حساب الضروري .
2- أن من يأخذ بمجلة طبية ( مثلاً ) بشكل
دوري ربما قلَّبها ولم يفهم منها شيئاً
فلا بد من أن يأخذ كتاباً تأسيساً في
الصحة العامة ( مثلاً ) ، وثانٍ عن الجسم
ووظائفه ، وهكذا فإنه حينئذ سيفهم الكلام
، ويعي ما يقال .
ثانيها : التدرج في اكتساب الثقافات ؛ إذ
الثقافات كثيرة ، ولا يمكن أخذها جميعها
جملة .
ثالثها : العناية بالثقافات التي تتناسب
مع المرء : مهمٌ ؛ إذ الناس أجناس ،
فإكمال نقص في ثقافة ما عند المرء أولى من
غيرها ، وما كان راغباً فيه أولى من غيره
، وهكذا .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه .
|