|
الإسراء والمعراج نصر من
الله وتأييد
الشيخ تيسير رجب
التميمي, قاضي قضاة فلسطين
بعد أيام تظلنا ذكرى عطرة هي ذكرى
الإسراء المعراج ؛ والمسجد الأقصى المبارك لا زال يتعرض لخطر داهم ؛
والشعب الفلسطيني سادن المسجدالأقصى المبارك لا زال يتعرض هو الآخر
لعدوان غاشم ؛ يستغيث بالأمة ويستنصرها ، ولكن هيهات أن يسمع صدى
لصيحات الأيامى واليتامى والثكالى ؛ أو إجابة لنداء الشيوخ الركّع
السجود . فحريٌّ بنا اليوم بعد أن خاب رجاؤنا من أمة يخيّم عليها صمت
القبور ؛ أن نستلهم من وحي هذه الذكرى التأييد الرباني نستمد منه
العزيمة والصبر والثبات ؛ نتأسى بصاحب المعجزة ونتلمس خطاه ؛ نثبُتُ
على الحق كما ثبت ؛ لا نبالي بالمحن والشدائد كما لم يبالِ ؛ نتوجه إلى
ربنا كما توجه إليه يوم أن ضاق أهل الأرض بدعوته في الطائف كما ضاقوا
بها في مكة ، ويوم أن افتقد المعين والنصير؛ إذ توفي
عمه أبو طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها من قريب ؛ فناجى خالقه بكلمات
قلبية رقيقة " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ؛
يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ؛ إلى من تكلني ؟ إلى
بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي
؛ غير أن عافيتك هي أوسع لي ؛ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك ؛
لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله " رواه الطبراني .
فما أحوجنا وقد عظمت المحنة إلى مصدر القوة والنصر ؛ إليه نلجأ ومنه
نطلب وعليه نتوكل وبه نستجير؛ كما لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم
واستجار ؛ فرب العزة سبحانه لا يخذل عبده ولا يُسلِمُهُ لمن آذاه ؛فأيّده
من ساعته بالملائكة لتكون رهن إشارته ولتستأذنه بإهلاك من آذاه عاجلاً
لو أراد ؛ قال صلى الله عليه وسلم " ناداني جبريل فقال إن الله قد سمع
قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت
فيهم ؛ فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق
عليهمالأخشبين – أي الجبلين – رواه البخاري ؛ لكنه صلى الله عليه وسلم
وهو المبعوث رحمة للعالمين يقول " بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم
من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا " رواه البخاري . وما هي إلا سنين
معدودة حتى تحقق رجاؤه فكانوا من المسلمين .
أما الدعم الأعظم والإسناد الأقوى فكان بالإسراء ؛ رحلة أرضية بين
مسجدين مباركين ؛ سجلها صريح القرآن القطعيّ في آياته الكريمة ؛ ورواها
الصحابة في كل أقطار الإسلام بالتواتر ؛ فكانت جزءاً من العقيدة يكفر
منكرها ، وكان كذلك بالمعراج الذي سجل الحديث النبوي وقائعه وعرض طرفاً
من غيب أخباره ؛ رحلة سمت به وارتفعت من الأرض إلى العالم العلوي
والملكوت الإلهي ؛ فبلغ ما لم يبلغه أحد إذ جاوز البيت المعمور وسدرة
المنتهى ؛ فهناك توقف جبريل وارتقى محمد صلى الله عليه وسلم درجة أقرب
إلى عرش ربه " ودنا من الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو
أدنى فأوحى إليه ما أوحى " رواه البخاري ؛ فمن هناك رجع صلى الله عليه
وسلم بهدية ثمينة لأمته ؛ خمس صلوات عدلت خمسين في الأجر والثواب ؛ قال
تعالى " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ
أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى " النجم 8-10 ؛ فهذا
تعبير عن منتهى القرب ؛ وما ذاك إلا ليتلقّى منه الزاد للمرحلة القادمة
وأعبائها ؛ بعد أن هيأه ربه لهذا اللقاء السَّنِيِّ بنزع حظ الشيطان
منه ؛ إذ أن " جبريل تولاّه فشق صدره وغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه
وملأ صدره إيماناً وحكمة " رواه البخاري ، وكأن الله جل جلاله يقول
لرسوله صلى الله عليه وسلم : إن ضاقت بك الأرض فلن تضيق بك السماء ؛
وإن كذبك أهل الأرض فلك التصديق من الملأ الأعلى في السماء ، وإن أساء
أهل الأرض استقبالك فسيحتفي بك من السماء .
فرحلة الإسراء والمعراج من مكة إلى بيت المقدس ومنها إلى السماوات
العلا بالروح والجسد في لحظة لا تخضع لحسابات الزمان والمكان عند البشر
، انكشفت فيها الحجب والأستار عنه صلى الله عليه وسلم ؛ فرأى من آيات
ربه رؤية تَثَبُّتٍ ويقين جازم ومشاهدة محققة " مَا كَذَبّ الفُؤَادُ
مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى " النجم 11-12 ، فرؤية
الفؤاد أصدق وأقوى وآكد لأنها تنفي خداع النظر ولا تحتمل الشك أو الظن
؛ بل اتصال بالحقيقة التي عاينها بوضوح ، فكانت الرحلة حدثاً عظيماً
يمثل معجزة جديدة للرسول صلى الله عليه وسلم إضافة إلى معجزاته العديدة
؛ تشهد على صدق دعوته وتدل بشكل قطعي على نبوته ، ونقلة عجيبة غريبة
لكنها واقعية وإن لم يألفها البشر ؛ فسارع كفارهم إلى السخرية والتهكم
؛ قال صلى الله عليه وسلم " لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي
بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه " رواه البخاري ؛
وليس هذا بالموقف الغريب أو الجديد منهم وهم الذين كذبوا بخوارق
رأَوْها بأعينهم ؛ وآيات تَحَدَّتْهُم فأعْجَزَتْهُم وهم أربابُها
وخبراؤها ؛ قال تعالى " وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا
عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا
شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ " البقرة 23
، ومثلهم ضعاف الإيمان الذين ارتدوا إثر سماعهم خبرها . لكن أصحاب
القلوب المؤمنة يوقنون أن شيئاً لا يستحيل أمام قدرة الله تعالى ولا
يُستغرب ؛ فما كان منهم إلا التصديق المطلق ؛ قال تعالى " فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا " التوبة 124 ؛ فهذا أبو
بكر رضي الله عنه رد من فوره دون تردد لئن قال لقد صدق ؛ فإني لأصدقه
بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء .
فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يمنح رسله معجزات تخترق النظم الكونية ؛
وتفوق قدرات البشر وتخالف ما اعتاده الناس ؛ إثباتاً لرسالتهم وتأييداً
لهم وحجة على الناس وتحدياً للمنكرين منهم ، لذلك فالمعجزة الثابتة جزء
من العقيدة ؛ وتصديقها فريضة إيمانية يكفر منكرها .
وإننا على يقين بأن فرج الله آت لا محالة مصداقاً لقوله تعالى " وَكَانَ
حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين " الروم 47 ومصداقاً لقوله صلى
الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم
قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله
وهم كذلك " قالوا يا رسول الله وأين هم ؟ قال : " ببيت المقدس وأكناف
بيت المقدس" رواه أحمد . |