العبث بالدين جريمة إنسانية

في إطار الدعوة لإعمال العقل وإيقاظ الوعي للتغلب على الجمود الذي نال من أُُمَّتِنا وأورثنا التخلف عن ركب الحضارة، تتعالى الصيحات لإطلاق العنان للعقل في كل شيء، وبدلاً من أن نرى جهد العقل في معركة الحضارة العلمية التي هي مدينة بوجودها للعقل البشري، بما أنجزه من اكتشافات ومخترعات جعلت الإنسان يتسيد ويسيطر على الطبيعة، بدلاً من ذلك رأينا هجومًا على الدين باسم حرية الفكر وإعمال العقل لدرجة وصلت إلى محاولة تغيير ثوابت الدين، مثل إمامة المرأة للرجال في صلاة الجمعة، ودعوات لمساواة المرأة بالرجل في الميراث، ودعوات بإباحة المثلية الجنسية، وحق الطبيب فى إنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه... إلخ.

وهذا يجعلنا نتساءل:

- هل من حق البشر التغيير في الدين؟!

- هل الدين خاضع للتطور مثل باقي مظاهر الحياة؟!

- هل الدين صناعة بشرية؟

- وهل المرجعية الدينية تكون للعقل أم لخالق العقل؟!

- وما موقع الاجتهاد في هذا الإطار؟!

أولاً: من المهم أن نؤكد أن الإسلام عَظَّم من قيمة العقل وعدَّه من أهم النعم التي أنعم الله بـها على الإنسان، ولقد أولى الإسلام اهتمامًا خاصًّا بنعمة العقل، سواء من حيث العناية بها والمحافظة عليها، أو من حيث توجيهها وإرشادها إلى ما يفيد...

فمن ناحية المحافظة عليها: حرّم الإسلام كلَّ ما يضرُّ بها أو يمسها بسوء، مثل شرب الخمر، والمخدرات، والمسكرات، وفي هذا لون من الاهتمام والعناية بنعمة العقل. ومن ناحية توجيهها فقد جاء القرآن الكريم هاديًا للعقل لكي لا يضل، وبخاصة في مسائل ما وراء الطبيعة من أمور الغيب التي تعجز وسائل الإدراك البشري عن التعامل معها أو بحثها.

ومن تعظيم الإسلام لنعمة العقل أن جعله مناط التكليف والخطاب، ولك أن تتأمل عشرات الآيات التي بها دعوة صريحة لإعمال العقل في فهم ما كلف به، وفيما خلق الله من مخلوقات لترى فيها دليلاً على قدرة الخالق، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ... إلى أن قال: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...) (آل عمران/ 191).وكثيرًا ما يرد في القرآن الكريم: (أَفَلا يَتَدَبَّرُون.. أَفَلا يَعْقِلُونَ) ونحو ذلك.

ويقصد بالعقل في السياق القرآني الفهم والتمييز، فهو الضابط لتصرفات الإنسان.

مسائل الغيب في نظر المنهج العلمي

إذا كان الإسلام قد أطلق العنان للعقل في مسائل الماديات في كل ما يخضع للتجربة، فإن مسائل الغيب لم يجعلها الإسلام مجالاً للبحث العقلي؛ لأن أدوات البحث حينئذ غير كافية.. ناقصة.. وبالتالي ستكون النتائج غير صحيحة ومضللة.

والعلم نفسه يعترف بأن مسائل الغيب ليست موضوعًا للبحث العلمي، ويزيد هذه الحقيقة تأكيدًا تجربة البشرية في بحثها الدائب في مسائل ما وراء الطبيعة.

إن البشرية دائمة الاختلاف حول مسائل الغيب والأخلاق، واجتهدت البشرية للوصول إلى ميزان يفصل بين الحق والباطل... واختلفت ولا يزال الاختلاف إلى اليوم بين الفلاسفة في مسائل الأخلاق.. وفي التمييز بين الحق والباطل، وتقوم أدلة عقلية لرأي ما وتهدمها أدلة عقلية أخرى.. وهكذا...

حتى من زعم أنه اخترع مقياسًا للفصل بين الحق والباطل، فإن التجربة هدمت آراءه، ولنأخذ على ذلك مثلاً: "ديكارت" لقد زعم أنه اخترع منهجًا يفصل بين الخطأ والصواب، وتهاوى منهج ديكارت وهدمت التجربة آراءه في الجانب المادي، وأما آراؤه المعنوية فقد خالفه فيها أساطين الفكر والفلسفة، وبقيت مسائل ما وراء الطبيعة (الغيب) ظنية واحتدم الخلاف فيها.

إن الحضارة المادية مدينة للعقل البشري... فللعقل في جانب المادة أن يبتكر.. وأن يخترع... وأن يجرب.. فهذا مجاله، أما مسائل ما وراء الطبيعة (الغيب)، فالعقل يعجز عن الوصول لليقين فيها.. ومن هنا جعل الله الدين هاديًا للعقل في مسائل الأخلاق (الخير والفضيلة) والدين...

موقع الاجتهاد في الدين:

المجتهد يقدح ذهنه في دائرة فهم النص والاستنباط منه والقياس عليه، لكنه لا ينفصل عنه ولا ينقضه ولا يأتي بضده، كما أن النص إذا جاء صريحًا في الحكم من قرآن أو سنة فلا يجوز معارضته، وإنما الاجتهاد في تكييف واقع المسألة على هذا النص. وهذا هو المستفاد من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:

"بم تقضي يا معاذ؟"

قال: بكتاب الله.

قال: "فإن لم تجد؟".

قال: فبسنة رسول الله.

قال: "فإن لم تجد؟".

قال: أجتهد رأيي ولا آلو (أي لا أترك الاجتهاد ولا أُقَصِّر فيه).

فربت رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدر معاذ -والصدر وعاء العلم والفقه- قائلاً:

"الحمد لله الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي اللهَ ورسولَه".

سلطة التغيير في الدين لله وحده:

لقد شدّد الإسلام على صيانة الدين عن التغيير أو التبديل، وليس لأحد هذه السلطة، ولا حتى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يبلغ ما أنزل إليه من الله عز وجل دون زيادة ولا نقصان، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (المائدة/ 67).

وقال تعالى في إجابـة الكفار الذين طلبوا مـن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبديل بعض الآيات وتغييرها: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس/ 15).

فليس لرجال الدين في الإسلام أن يغيِّروا شيئًا؛ لأن الدين من الله، والمرجعية في الدين لا تكون لغير الله عز وجل؛ لأن الله هو الأعلم وهو أحكم الحاكمين، الخبير البصير، صاحب القدرة المطلقة.

لقد أنزل الله الدين هاديًا للعقل ومرشدًا له في أمور الغيب ومسائل الأخلاق والتشريع.

وعلى العقل أن يجتهد في أداء دوره في فهم رسالة الله إليه، والوعي بما فيها، وهذا مقام التسليم، التسليم للأعلم ولصاحب القدرة التي لا حد لها، وإن كان أحدنا يسلم أمره لمن هو أكثر منه علمًا وخبرة، فإذا سُئِل أحدنا: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ يجيب: لأن الطبيب وصفه لي... فكيف بنا لا نسلم لله الخالق؟!

العقل والغيب والإيمان:

لما كانت مسائل الغيب فوق قدرة العقل؛ أمرنا الله عز وجل أن نؤمن بها، وإيماننا بها نابع من إيماننا بطلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى؛ فالله سبحانه وتعالى لا يستشير الإنسان، ولا يحتكم إليه في أي قاعدة من القواعد التي شرعها؛ فالله هو الكمال المطلق، كل الكمالات له، مُنَزَّهٌ عن النقص، ولا يتأتى عقلاً أن تحتكم الكمالات إلى الكائن المتصف بالنقص، وهو الإنسان!!.

وكل من توّهم ذلك فإنه لا يقدر الله حق قدره، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنما أرسل الله الرسالات لتتبع دون حرج يحوك في الصدر أو شك يجول في النفس، وينبغي للإنسان أن يعرف حدَّه مع ربه فلا يتعالم على الله، ولا يقدم رأيه ولا اقتراحه على هدي ربه، ونحن أمام آيات من القرآن تؤكد هذه الحقيقة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات/ 1).

(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء/ 65).

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا) (الأحزاب/ 36).

وهذا في جوهره هو معنى الإسلام: إسلام الوجه لله، إسلام العقل لله، إسلام القلب والنفس لله، أن تكون كل الأنفاس والحركات والسكنات لله قال الله تعالى:

(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام/ 163 - 162).

لقد جاء الوحي هاديًا للعقل في الأمور التي لا يتأتى للعقل أن يسلك سبلها أو يقتحم حماها، وهذه الميادين هي الدين، والدين ليس رأيًا بشريًّا، إنما هو من الله، إنه تنزيل من حكيم حميد، ولو كان الدين بالعقل لأصبح الناس كل يوم في دين جديد، بل لأصبح لكل فئة دين يناسب عقلها ومستواها الفكري!.

أما الطبيعة والكون من أرض وفضاء وجبال وبحار، من كواكب وأقمار وشموس، من مادة وطاقة، فكل ذلك قد جعله الله مجالاً للعقل، وحثَّ العقل على أن يجتهد في اكتشاف سنن الله الكونية وقوانين الطبيعة؛ ليرى صنع الله الذي أتقن كل شيء؛ ولكي يتأتى له أن ينتفع بكل ما سخر الله له في السماء والأرض.

الدين والتطور

التطور هو التغير من حال إلى حال، وهو تغير مستمر دائم، إنه يعبر عن حركة الحياة، والتطور الفكري أنجز حضارة مادية عظيمة، أما في جانب والدين فلا مكان لتطور الدين للأسباب التالية:

أولاً: أن الدين ليس رأيًا بشريًّا حتى يصيبه التطور، إنما هو من الله تعالى.

ثانيًا: أنه لما كان الدين من الله، والله سبحانه مُنَزَّه عن النقص؛ فلا تغير في الدين ولا تطور.

ثالثًا: أن فكرة التطور لو حدثت في الدين لأدت إلى استبدال آراء البشر وأهوائهم بالدين، ولتحول الدين من إلهي قدسي إلى بشري ناقص متغير، وخذ مثالاً: في العقيدة مثلاً نقول: الله واحد، فهل غدًا نقول: اثنان أو ثلاثة أو نصف، بحسب ما نراه؟

وهل بحسب فكرة التطور تتبدل الأخلاق والقيم فتكون الفضائل رذائل؟!

فدين الله عز وجل بعيد عن فكرة التطور؛ لأن فكرة التطور خاصة بالشأن البشري وليس بالشأن الإلهي: لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ(.

وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا العَالِمُوْن

©جميع حقوق النشر محفوظة
لاذاعة القرآن الكريم

الصفحة الرئيسية

أفضل مشاهدة للشاشة 600*800