الشعوذة أقصر الطرق لعلاج المصابين بالوهم

تطور المجتمع المغربي وانتشار التعليم في حواضره وبواديه، لم يحل دون استمرار ظاهرة الشعوذة، التي لم يسلم منها المتعلمون أنفسهم.
ويجد المشعوذون ضالتهم في الأشخاص البالغين حد اليأس في علاج الأمراض المستعصية، الاجتماعية منها والبدنية، كما يستغلون جهل المصابات بالوهم.
نشرت الصحف المغربية، مطلع العام الحالي، قصة مشعوذ نصب على أحد التجار في مدينة مكناس (ضواحي فاس)، حيث أوهمه أن داره مقامة فوق "كنز الكنوز". وعرض المشعوذ خدماته مقابل نصيب من الكنز الذي قال إنه لا يقدر بثمن. ولما تيقن أن التاجر المكناسي أغواه الطمع، طلب منه بعض المال لشراء بخور نادر بخمسين ألف درهم فقط.
وعلى امتداد أسبوعين ظل المبلغ يتضاعف بالتدريج، خاصة بعد انطلاق عملية "التعزيم والتنجيم"، حيث أصبح التاجر يرى نفسه أقرب ما يكون إلى "عشرات الجرات المملوءة بالذهب الخالص"، إلى أن تجاوز مجموع ما دفعه للمشعوذ 350 ألف درهم. عندئذ خرج الفقيه (المزيف) لإحضار مزيد من البخور، ولم يعد. وظل التاجر المغفل ينتظر أياما، قبل أن يستوعب أنه راح ضحية نصاب مشعوذ.
ورغم الأصداء التي خلفتها هذه القصة التي تناقلتها الألسن من مدينة لأخرى، فإن ذلك لم يمنع مشعوذين آخرين من لعب الدور نفسه على مغفلين آخرين. وقد نشرت الصحف المغربية ما لا يقل عن ست حالات مماثلة في مدن مختلفة خلال الأشهر الخمسة الماضية. ويرجح كثيرون أن يكون هذا مجرد غيض من فيض، وأن معظم المخدوعين يتحاشون فضح غفلتهم والتشهير بأنفسهم.
زبائن الشعوذة
والمشعوذون، وهم بالطبع نصابون، لا يسلكون جميعا نفس النهج بالانتقال عند ضحاياهم، وإنما الغالب أن العكس هو الصحيح، وأن الضحايا هم من ينتقلون بحثا عن المشعوذين، الذين ينتحلون عادة صفة الفقهاء والحكماء وذوي البركات الخارقة...
وتشكل النساء أغلبية زبائن المشعوذين. تستوي في ذلك المتعلمات والأميات، البدويات والحضريات، الشابات والمسنات، ولو أن هذا لا يعني استثناء الرجال من حبائل الدجل.
ويستغل المشعوذ حاجة الشخص لعلاج مستعص، من حالة صحية لا يداويها طبيب، مثل البرص والسرطان والسكري، أو آفة اجتماعية تتمحور عادة حول المحبة والكراهية والانتقام.. وحسب الشهادات الميدانية، فإن من أهم الأسباب التي تدفع النساء للمشعوذين، هي الرغبة في ترهيب الزوج أو تدجينه، أو الانتقام منه وتحطيمه كلية. كما تسعى المرأة للإضرار بضرتها أو جارتها أو كنتها، أو لجلب السعد لبنتها العانس أو ابنها العاطل...
في زيارة دجال
الباحثة رشيدة "لام" تسللت إلى دار أحد المشعوذين متنكرة في زي زوجة مخدوعة. وروت أن هذه الدار، الواقعة في حارة شعبية، تتكون من ثلاث طبقات. خصصت أولاها لاستقبال الزائرات، حيث يقدم لهن معاونوه الشاي في انتظار وصول الدور، والطبقة الثانية لمقابلة "الفقيه"، أما الطبقة الثالثة فهي لسكناه.
وتروي هذه الباحثة أنها وجدت نساء من مختلف الأْعمار ينتظرن دورهن لمقابلة "الفقيه"، ويبررن مجيئهن إلى هنا بأن مشاكلهن الأسرية لم تعد تحتمل، وأن أسبابا قاهرة هي التي دفعتهن لطرق هذا الباب بحثا عن مخرج. فهذه تقول إن زوجها يقوم بخيانتها، وإنها يئست من نصحه. وتزعم أنها كانت تستعمل وصفة سحرية كتبها لها أحد "الفقهاء"، وكانت تؤدي الغرض فيعود الزوج حالا إلى عش الزوجية، ولكن بعد مدة ينفذ مفعول الوصفة فيهجر بيته مرة أخرى. وأقسمت أنها لم تأت هذه المرة لجعل الزوج يستقر في بيته، وإنما جاءت لأخذ وصفة للانتقام منه بضربة قاضية.
وتؤكد الباحثة المذكورة أن لجوء النساء للشعوذة لا يتم دائما بواسطة "الفقيه"، فكثير من النساء يتداولن وصفات "سحرية" يتعلمن تحضيرها بأنفسهن في المنزل. وهناك من تستعمل هذه الوصفات لزيادة تعلق الزوج بها، مستعينة بعشاب يتاجر بالوهم مستغلا جهل الزبونة، ويعطيها خليطا من الأعشاب المعروفة.
والغريب في الأمر أن كثيرا من النساء المغفلات يعتقدن صواب مسعاهن. ورغم أن زيارة "الفقيه" لا يمكن أن تغير من الأمر شيئا، فإن الشعوذة مستمرة في الانتشار، خاصة في الحارات الشعبية، حيث يعشش الفقر والجهل والأمية. وحين تيأس المرأة من "فقيه" معين مزعوم، فإنها عادة ما تبحث عن غيره. وهن يتداولن أحاديث كثيرة عن "حالات تحقق فيها المقصود" بالنسبة لغيرهن، فلماذا لا يتحقق بالنسبة لهن. ويعتقد أن يكون ذلك من قبيل الحكايات التي يدفع المشعوذون لمن يرددها دعاية لأفعالهم الشيطانية.
وتضيف الباحثة المغربية أن بعض النساء عندما ييأسن تماما من ترويض الزوج وإعادته إلى جادة الصواب، يسعين إلى تدميره بوصفات تستهدف القضاء على رجولته، وهو ما يعرف هنا باسم "الثقاف"، حتى لا يستطيع معاشرة امرأة أخرى. بل ومنهن من لا يتورعن عن إعداد وصفات لإيصال الزوج إلى حافة الجنون، خاصة إذا لم يعد هناك أمل في إصلاحه، ويلجأن في هذه الحالة إلى "التوكال"، بدس مواد ضارة في الطعام.
داء الوهم
خوف بعض النساء من السحر، يجعلهن يتوهمن الإصابة به فعلا، فيندفعن نحو دجالين يدعون معالجة السحر ويقعن ضحية الابتزاز.
السيدة زينب عاشت في بيئة مهووسة بالشك في كل شخص من أن يعمل لها عملا، وانتقلت إلى بيت زوجها حيث مرت بتجربة قاسية تقول عنها: "بعد زواجي بدأت أفسر كل المشاكل التي تحدث على أنها نتيجة للسحر أو العين. وبدأت أشك في كل من حولي، حتى ساءت علاقتي بالجميع. وعندما يتدخل زوجي ليعنفني على تصرفاتي مع أهله، خصوصا أمه التي كنت أشك أنها تضع لنا السحر في الطعام، بدأت أكرهه وأرفض الاقتراب منه. وكان ذلك مرفقا بآلام شديدة تلازمني. وظهرت جارة تنصحني بزيارة شخص قالت إنه قادر على تخليصي من السحر. ولكن زوجي رفض ذلك، وعرضني على أحد المعالجين بالأعشاب والقرآن. وحين رآني وقرأ علي بعض السور، نصحني بزيارة طبيب نفسي، لأني قد أكون مصابة بالوهم. وبعد عدة أيام تحسنت حالي، وزال الصداع وبدأت استرد ثقتي بنفسي وبمن حولي، واكتشفت أن كل ماحصل لي كان نتيجة الوساوس".
أما الشابة هيفاء فتقول: "لقد ضاعت أمي وضيعتنا في دروب السحرة والدجالين، فنحن نعيش في بيت تخنقه رائحة البخور، والتمائم في كل مكان. وهي دائمة السعي لتخلص البيت من السحر الأسود. ومن حاول الوقوف في طريقها تفتعل المشاكل معه وتحول حياته إلى جحيم، وتفسر ذلك بأن الجن الذي أصابها لايحبه. وقد وصل بها الأمر إلى طرد أبي من البيت، ولكنه تقديرا لحالتها، وربما تصديقا بأن ماتفعله يمليه عليها "مالكوها" يحاول إرضاءها ويعود. وأحيانا تستدعي فرقة ممن يدعون أنهم مملوكون للجن وتقيم لهم الحضرة (الزار)، ورغم أن هذه الوضعية تسبب لنا إحراجا كبيرا، إلا أننا لانملك لها شيئا، فإذا كان أبي يخافها ويعيش تحت رحمة العفاريت التي تسكنها، فما عسانا نحن فاعلين، خصوصا أنها حاولت الانتحار مرة عندما وقفنا في وجه تصرفاتها. مع العلم أنها في حالاتها العادية تبدو إنسانة طيبة تراعي مشاعرنا كثيرا، لذا ندعو لها بالشفاء".
موضة الإعلان في الصحف
لم يتخلف المشعوذون عن موضة العصر، وأصبحوا ينشرون إعلاناتهم على صفحات بعض المجلات والجرائد المغربية. وتوضح هذه الإعلانات أن هؤلاء أطباء تقليديون نجحوا في معالجة الأمراض المستعصية بفضل حكمة ربانية أو خبرة مكتسبة.
الحسين أوبيهي، الملقب بالفقيه الشريف، يعلن في إحدى الصحف أنه يعالج المصابين بأذى السحر والشياطين والخمول والجنون والتخيل وسحر المحبة والنزيف والهواتف وتعطيل الزواج وعقم الزوجين والأمراض الجنسية، مدعيا أن ذلك "هبة من الله، لم أرثها عن أجدادي ولم أتعلمها من أحد". ويقول: "قبل أن أشرع في معالجة المريض أجري معه حوارا نفسيا، لأعرف حالته هل هي مرض نفسي أم سحر، أم ريح من الجن. وألاحظ الأعراض التي تظهر عليه أثناء إصابته بالنوبة وأنصحه بقياس ضغطه لأن بعض أسباب الإغماء تكون من ارتفاع أو انخفاض الضغط الدموي. وأسأله عن نومه فإذا كان يرى الحيوانات أو الوجوه الغريبة في منامه فإن به مسا من الجن. أما إذا كان نومه عاديا لا يرى فيه شيئا فقد يكون مرضه نفسيا".
وعن مدى إمكانية إصابة بعض الذين يلجؤون للسحر والشعوذة بأمراض نفسية تقول زبيدة الملاخ، المختصة في علم النفس: "هناك احتمال بأن يكون هؤلاء الأشخاص غير أسوياء من الناحية النفسية. والمؤكد أنهم مسلوبو الإرادة، فهم يقومون بعمل يرفضونه حقيقة ويتوهمون أنهم واقعون تحت سيطرة قوى خفية تأمرهم وتوجههم وتجبرهم أحيانا أثناء النوم، وكل هذه في الحقيقة أعراض لأمراض نفسية معينة".
نقص الوعي وضعف الإيمان
وبرأي الباحثين فإن الزوجة التي تعتقد بهذه الخرافات وتصدقها تكون إما جاهلة أو ناشئة في أسرة قليلة الوعي. أما الزوجة المتعلمة، والتي تربت في أسرة متدينة، فلا يمكن أن تستلم لهذه الخزعبلات. واختيار الزوجة الصالحة يجنب العيش في هذه الكوابيس.
تقول الأستاذة بشرى المفلح، باحثة في علم النفس: "تبين لي أن زبائن المشعوذين إما يتوهمون، أو مصابون بأمراض نفسية معينة مثل الوساوس القهرية، أو الاكتئاب العصابي أو الفصام، وما إلى ذلك من الأمراض التي تؤدي إما إلى الانطواء والعزلة، أو إلى الإتيان بسلوكات عدوانية تجاه محيط المريض، مع الرغبة في إيذاء النفس أحيانا، أو التفكير في الانتحار... لكن مما لاشك فيه أن كل عرض من الأعراض يحيل على مرض نفسي أو نفسي- عضوي، وعدم طلب المساعدة المبكرة من الطبيب المختص تكون نتائجه وخيمة، وقد تكون الحالة النفسية بسيطة في البداية ويمكن السيطرة عليها لعلاجها، ومع مرور الوقت تتعقد ويصعب علاجها. وما أنصح به هو أن أول خطوة لازمة، في هذه الحالات، هي زيارة طبيب مختص ليشخص الحالة ويبدأ العلاج".
الدكتور عبد الكريم بلحاج، الاختصاصي المغربي في علم النفس الاجتماعي، يشرح الدوافع النفسية التي تجعل النساء أكثر تعلقا من الرجال بالسحر والشعوذة بالقول: "إن النساء يتأثرن بهذه الأعمال خاصة في المجتمعات التي يضعف فيها الوعي الثقافي وتنتشر الأمية، وتلجأ المرأة هنا إلى تحقيق ذاتها وإبراز حضورها في محيطها الأسري أو خارجه.
ويؤكد أن لجوء النساء إلى ممارسات السحر والشعوذة، سواء للبحث عن علاج عضوي أو نفسي أو منفعة ذاتية، ناجم عن اعتقاد وهمي بأنهن تعرضن لضرر غير مرئي من شخص آخر، ويعتقدن أن إزالة هذا الضرر تتم بنفس الكيفية، فيلجأن يائسات إلى المشعوذين.
وحول تبرير بعض النساء أنهن يلجأن إلى هذه الأعمال لحماية أنفسهن وأسرهن من ضرر قد يلحق بهن من آخرين، يرى الدكتور محمد الروكي، المحاضر بجامعة محمد الخامس في الفقه الإسلامي، أن أي عمل يلجأ إليه الإنسان يجب أن يلجه من بابه الشرعي. فإذا أرادت المرأة، على سبيل المثال، أن تعمق علاقة المحبة والعشرة مع زوجها وتحافظ على رابطة الأسرة، فهذه الأهداف الحسنة لها باب شرعي، والأمور والمقاصد السليمة ينبغي أن تتخذ لها وسائل طيبة وحسنة، أما اللجوء إلى السحر والشعوذة فهذا يقود الإنسان إلى الضلال والشرك.
ولمحاربة مثل هذه الظواهر السلبية في المجتمعات الإسلامية، يرى الباحث المغربي ضرورة نشر التوعية بين أفراد المجتمع نساء ورجالا، والتأكيد على أن الإنسان لايصيبه إلا ماكتبه الله له. ويدعو إلى تفعيل دور العلماء والدعاة والوعاظ لتأدية رسالتهم كاملة ودون انقطاع في توعية المجتمع من بعض السلوكات الخارجة على الدين، وأن هذه التوعية يجب ألا تكون متقطعة، حتى لايحدث خلل في المجتمع من حين لآخر فيتسرب منه المشعوذون والدجالون وتقع الانحرافات والضلالات، فكلما اقترب العلماء من الناس في حياتهم اليومية، كلما قلت الظواهر السلبية إذا لم تنعدم.

©جميع حقوق النشر محفوظة لاذاعة القرآن الكريم

الصفحة الرئيسية

أفضل مشاهدة للشاشة 600*800