حينما يتسلل الإحباط واليأس إلى نفس المؤمن
وهو يرى ماعليه الكفار اليوم من التمكين في الأرض ومايملكونه
من القوة والهيمنة ، وعندما يرى جيوشهم وعددهم وعتادهم، ويرى
صناعاتهم وتقنيتهم فينتابه شعور بالنقص إزاء ماحققه القوم من
رقي وتقدم في عالم الحضارة والمدنية ويصبح متأرجح التفكير
في حاضر ماثل للعيان يجسد ضعف أمة الإسلام وهوانها بين الأمم ،
تأتي هذه الآية الحكيمة كالبلسم الشافي تعيد إلى نفس المؤمن
توازنها وتشعره بالعزة وتضع الأمور في نصابها في بيان حقيقة
ومصير أولئك القوم ومآلهم الذين سيصيرون إليه فتتحقق له
الطمأنينة ويستشعرعزة الإسلام ونعمة الإيمان التي أمتن الله
بها عليه يوم أن جعله مؤمناً بالله موحداً له ومنزهاً له عن
الشرك.
إنهم مهما بلغوا من الرقي ومن التطور ومهما
ملكوا من الدنيا فإنه ... متاع قليل .. هكذا سماه رب
العالمين العليم الخبير .. متاع وقليل أيضا .. نعم إنه متاع
إذا ماقورن بنعيم الآخرة الذي سيحرمون منه . هبهم حازوا الدنيا
بأكملها جوها وبرها وبحرها وبسطوا نفوذهم على أقطارها وتنعموا
بملذاتها وتمتعوا بشهواتها دونما منغصات أو كوارث ، هبهم عمروا
فيها مئات السنين ! ثم ماذا بعد ذلك ؟ جهنم وبئس المهاد ! أليس
إذن ماكانوا فيه إنما هو مجرد متاع قليل سرعان ماتذهب لذته
وتزول شهوته .. لقد خسروا بكفرهم كل شيء ولن يغني عنهم ماهم
فيه في الدنيا شيئاً يوم القيامة ، يقول تعالى: (إن الذين
كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو
افتدى به أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين) ويقول تعالى
:( ولو أن للذين ظلموا مافي الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به
من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله مالم يكونوا
يحتسبون). أفبعد هذا يغبطهم عاقل على ماهم فيه من التنعم ورغد
العيش وماهم فيه من القوة والسيطرة والتمكين رغم مايشوب ذلك
كله من المنغصات والمكدرات ؟! وهذا ليس من قبيل الدعوة إلى
الركون إلى الكسل والدعة والتخاذل عن السعي للكسب ولعمارة
الأرض ولكن القصد منه رفع معنويات المؤمن وتبصيره بحقيقة
الأمور وأنه أعز وأكرم عند الله وإن ناله شيء من الذل والهوان
والضعف في الحياة الدنيا.