|

محمّد
أسد (ليوبولد فايس).. التحوّل الشامل الى الاسلام
قصة اسلامه كما كتبها بنفسه في كتابه "الطريق إلي
مكة":
أفغانستان شتاء 1926
كنت فى طريقى راكباً من هرات لكابول بصحبة إبراهيم ، ودليل أفغانى
الجنسية ، نسير خلال جبال مدفونة مغطاة بالجليد ، ووديان وطرق فى "
هندو- كش " فى وسط أفغانستان . كان الطقس باردا والجليد يتألق ، وتقف
على كل الجوانب جبال بيضاء ، وأخرى سوداء .
كنت حزينا ، وفى نفس الوقت بشكل غريب كنت سعيدا هذا اليوم ! أما حزنى ،
فقد كان لأن من كنت أعيش معهم فى الشهور السابقة ، كانوا محجوبون
ببلادة ، عن حقيقة النور ، والقوة ، والتقدم ، الذى يعطيه لهم إيمانهم
، وفى نفس الوقت كانت سعادتى ، بأن هذه الحقيقة والنور ، والقوة
والتقدم ، فى متناول يدى تقريبا الآن ، وأمام عينى ، كهذه الجبال
الشامخة البضاء والسوداء التى أمامى .
بدأ حصانى يعرج وكأن شيئا فى حافره ، ووجدت أن الحدوة الحديدية أصبحت
معلقة فقط بمسمارين .
سألت رفيقنا الأفغانى ، هل هناك قرية قريبة نجد فيها حداد ؟
نعم ، قرية " ديهزانجى " تقع على بعد أقل من ثلاثة أميال ، يوجد بها
حداد هناك ، وبها قصر حاكم " هزرجات " .
وهكذا اتجهنا إلى هذه القرية ، وتمهلنا فى المسير حتى لا نرهق الحصان .
حاكم المنطقة ، كان قصير القامة ، وكان مرحا الطلعة ، وودود ، وكان
سعيدا أن يستضيف أجنبيا عنده فى قصره البعيد عن العمران ، والمتواضع .
وقد كان هذا الحاكم قريب للملك " أمان الله " ، ومن المقربين له ...
وقد كان من أكثر من قابلت تواضعا فى أفغانستان . وقد أصر على بقائى فى
ضيافته ليومين .
وفى مساء اليوم الثانى ، جلسنا كالعادة لعشاء دسم ، وبعد العشاء حضر
رجل من القرية ليطربنا بأغانى شعبية ، مصطحبا قيثارة بثلاث أوتار ،
وكان يغنى بلغة الباشتو التى لم أفهمها ، ولكن بعض الكلمات الفارسية
كانت تخللها بوضوح ، فى الغرفة الدافئة المغطاة بالسجاجيد ، بينما وميض
الثلج البارد يظهر من خلال النوافذ . أتذكر أنه كان يغنى عن المعركة
بين داوود وجالوت ، وبدأها بنغمة متواضعة ، ثم تدرجت إلى بعض العنف ،
وأنتهت بروح الإنتصار .
وبعد أن انتهت ، قال الحاكم أن داوود كان شابا ، ولكن إيمانه كان قويا
....
ولم أتمالك من التعليق ، فقلت " كذلك أنتم كثيرون ولكن إيمانكم ضعيف "
.
نظر إلى المضيف بدهشة ، وارتباك لما تطوعت وذكرته ، فأسرعت لأوضح قولى
. وأخذ توضيحى شكل سيل من الأسئلة :::
لماذا فقدتم أنتم المسلمون ثقتكم بأنفسكم ، التى فى القديم ساعدت على
نشر الإيمان بالإسلام فى أقل من مائة عام ، من الجزيرة العربية غربا
إلى المحيط الأطلسى ، وشرقا فى العمق إلى الصين - والآن تستسلمون بضعف
، إلى الأفكار والعادات الغربية ؟ لماذا لا تستطيعون أنتم يا من كان
أباؤكم الأوائل أناروا العالم بعلمهم وفنهم ، بينما كانت أوروبا تغض فى
بربرية وجهل مدقع ، فلتعملوا من الآن على أن تعودوا لإيمانكم الخلاق ؟
كيف أن هذا الأتاتورك التافه ، الذى ينكر كل قيم الإسلام ، قد أصبح
عندكم رمزا لإحياء الإسلام ؟
استمر مضيفى فى صمته . وبدأ الجليد ينهمر فى الخارج . ومرة ثانية
غمرنى الشعور المزدوج ، بالحزن والسعادة ، الذى انتابنى حينما اقتربت
من " ديهزانجى " . أحسست بالفخار لما قد كان ، وبالخجل لما عليه أبناء
حضارة عظيمة .
هل لك أن تدلنى - كيف أن الإيمان الذى دلكم عليه نبيكم ، وكل هذا
الوضوح والبساطة ، قد دفنت تحت أنقاض الثرثرة المتحزلقة ، والشجار بين
علمائكم ؟ كيف أن أمراءكم والإقطاعيين يعيشون فى رفاهية ، بينما
إخوانهم من المسلمين ، يذوقون الفاقة والفقر المدقع ، فى حين أن نبيكم
يقول أنه لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع ؟ هل لك أن تشرح لى كيف
نبذتم النساء خلفكم ، بينما نساء الرسول " صلى الله عليه وسلم " ،
وصحابته كن يشاركن الرجال فى أمورهم الهامة ؟ كيف وصل الحال بكم أنتم
المسلمين إلى الجهل والأمية ، فى حين يقول نبيكم أن طلب العلم فريضة
على كل مسلم ومسلمة ، وفضل العالم على العابد كفضل البدر على سائر
النجوم ؟
ظل مضيفى يحملق فى دون كلام ، وابتدأت أشعر أن ملحوظاتى قد أحبطته .
أما الرجل ذو القيثارة كان لا يعرف الفارسية بدرجة تجعله يتتبع كلامى ،
وأخذ يتعجب من هذا الغريب الذى يتكلم بهذه النغمة مع الحاكم . وفى
النهاية ، أخذ الحاكم رداءه المصنوع من جلد الغنم وتدثر به ، كما يكون
قد أحس بالبرد ! وهمس لى :::
" لكنك أنت مسلم .... " .
أخذنى الضحك وأجبت : " لا ، أنا لست مسلما ، ولكنى ألممت ببعض القيم فى
الإسلام التى تجعلنى أغضب فى بعض الأحيان ، كيف أنكم أنتم أيها
المسلمون تضيعونها ... أعذرنى إذا كنت قد أسأت فى الكلام ، أنا لا
أتكلم معك كعدو " .
ولكن مضيفى هز رأسه قائلا " لا فكما قلت لك ، أنت مسلم ، ولكنك لا تعرف
نفسك ... لماذا لا تنطق الآن وهنا بالشهادتين " لا إله إلا الله محمد
رسول الله " ، وتصبح مسلما فى حقيقة الأمر ، فإنك مسلم قلبيا ! قلها يا
أخى ، قلها الآن ، وسأصطحبك غدا لكابول لملاقاة الأمير ، الذى سيستقبلك
بذراعين مفتوحتين كشخص مثلنا . سيمنحك منازل وحدائق وأغنام ، وسيحبك ،
قلها يا أخى ... " .
" إذا قلت ذلك ، سيكون نتيجة لأن عقلى قد استراح ، وليس نتيجة لأن
الأمير منحنى المنازل والحدائق " .
" ولكن " أصر مضيفى " أنت تعرف كثيرا عن الإسلام ربما أكثر من بعض
المسلمين ، ما هو الذى ما زلت تريد أن تعرفه ؟ " .
" المسألة ليست مسألة فهم ، إنها مسألة إقتناع ، الإقتناع بأن القرآن
الكريم هو فعلاً كلمة الله ، وليس مجرد كلمات من شخص نابه ذكى ذو عقلية
متفوقة ... " .
ولكن كلمات صديقى الأفغانى أخذت تراودنى ولم تتركنى لشهور عدة !!!
*** أكملت رحلتى عبر أفغانستان عائدا مرة ثانية إلى هرات التى كنت قد
ابتدات منها ، وكنا نقترب من الشتاء عام 1926 ، وهكذا تركت هرات فى
المرحلة الأولى لطريق العودة للوطن ، مستقلا القطار من الحدود
الأفغانية إلى " ماف " فى التركستان الروسية ، ثم إلى سمرقند ، بخارى
إلى طشقند ومن ثم مارا بسهول التركمان إلى جبال الأورال ، ثم موسكو .
وهالنى الدعاية والمعلقات التى تهاجم الدين والألوهية أينما أحل أو
أرتحل " وسأتوقف عن ذكرها لأنها مقززة " .
وبشعور بالراحة عبرت الحدود البولندية ، بعد أسابيع أمضيتها فى آسيا ،
وروسيا الأوروبية . واتجهت مباشرة لفرانكوفرت حيث الجريدة التى أعمل
بها حيث استلمت عملى . ولم يمض وقت طويل حتى اكتشفت أنه أثناء غيابى ،
قد أصبح اسمى مشهورا ، وأنى الآن أعتبر من المراسلين المرموقين فى وسط
أوروبا . فبعض مقالاتى ... خصوصا تلك التى تناولت النفسية الدينية
المعقدة للإيرانيين - والتى قد جاءت نتيجة لملاحظات علماء شرقيين
بارزين ، واستقبلت أكثر من أنها معارف عابرة . ونتيجة لأهمية هذا
الإنجاز ، فقد دعيت لإلقاء مجموعة من المحاضرات فى أكادمية الجغرافيا
السياسية ببرلين - حيث قيل لى أنه لم يسبق أن حدث من قبل أن شخصا فى
حداثة السن مثلى " حيث كنت حينئذ فى السادسة والعشرين " ، قد منح هذا
الإمتياز . كما قمت بتدبيج مقالات أخرى عامة بتصريح من مجلة "
فرانكفورت زيتنج " ، فى صحف أخرى ؛ وقد أعيد طبع إحدى المقالات كما
أعلم ثلاثون مرة تقريبا . وبمعنى آخر ، فإن رحلاتى الإيرانية ، قد
أثمرت ....
وفى هذا الوقت تزوجت : إلسا " . السنتان اللتان أمضيتهما فى الخارج ،
لم يضعفا من حبنا البعض ، بل زادته قوة ، وبسعادة غامرة لم أشعر بها من
قبل ، استقبلت تعليقاتها على الفرق الكبير فى السن بيننا .
" ولكن كيف تتزوجنى ؟ " ، بدأت فى النقاش معى . " أنت لم تصل بعد للست
والعشرون عاما ، وأنا فوق الأربعين ، ألا تفكر فى ذلك ، حينما تصل
للثلاثون ، سأكون أنا فى الخامسة والأربعون ، وحينما تصل أنت للأربعون
، سأكون إمرأة عجوز ... " .
أخذت فى الضحك ! " وما فى ذلك ؟ " ، إننى لا أرى مستقبلا بدونك .
وأخيرا سلمت للأمر .
لم أبالغ حينما قلت لها إننى لا أرى مستقبلا بدونك . جمالها ، ورقتها
الفطرية ، جذبتنى إليها بحيث لا أرى أى امرأة أخرى ؛ وحساسيتها فى فهم
ماذا أريد من الحياة ، أضاء أمالى ، ورغباتى ، وأصبحت من الصلابة بمكان
وأكثر إدراكا ، وطغت على تفكيرى فى ماذا أعمل ؟
فى أحد المناسبات - بعد حوالى أسبوع من زواجنا ، أبدت لى هذه الملاحظة
ّ : " كم أنت غريب الأطوار عن كل الناس ؟ يجب عليك أن تخفض من روحانيات
فى الدين ... أنت صوفى النزعة ! - حساس فى صوفيتك ، تشير بأصابعك إلى
ما حولك فى الحياة ، ولك رؤية متعمقة روحانية فيما يدور حولك يوميا من
أشياء - بينما تمر مثل هذه الأشياء على الآخرين بلا إكتراث ... ولكنك
حينما تتجه إلى الدين ، فكلك تركيز ... مع الناس الآخرين فالوضع بالعكس
تماما ...
ولكن إلسا لم تكن فى حيرة ، فهى تعلم عن ماذا أبحث حينما أتكلم معها عن
الإسلام ؛ وبالرغم من أنها لم تكن فى نفس درجتى من الإضطرار ، إلا أن
حبها لى جعلها تشاركنى تساؤلاتى .
كثيرا ما كنا نقرأ القرآن سويا ، ونتناقش فى أفكاره ؛ وكانت إلسا كما
كنت أنا ، معجبين بالتمساك الداخلى بين تعاليمه الأخلاقية ، وإرشاداته
العملية . فاستنادا إلى القرآن " الكريم " ، فالله لم يدع الإنسان إلى
أن يتضرع إليه مغصوب العينين ، بل لابد له أن يعمل عقله ؛ لم يتنح الله
بعيدا عن الإنسان ، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد ؛ لم يخط الله خطا
فاصلا بين الإيمان والسلوك الإجتماعى ؛ والشئ الذى يعتبر فى غاية
الأهمية ، أن الإسلام لم يبدأ من بديهية أن الحياة محملة بالصراع بين
الروح والجسد ، وأن النجاة هى فى تحرير الإنسان من قيود الجسد . كل
مظهر من مظاهر أنكار الحياة ، وتحقير الإنسان لنفسه ، أدانها الإسلام
فى أحاديث لرسول الله " صلى الله عليه وسلم " ... مثل " لاحظ " .. "
أعتقد أنه أراد أن يشير هنا إلى حديث الثلاثة الذين قال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم : من رغب عن سنتى فليس منى " . فالإنسان مطالب بأن
يعيش حياته كاملة وبشكل إيجابى ، فما منحت غرائزه إلا لتؤدى ثمرتها ،
ولكن ليستخدمها بطهر وأخلاق وفى محلها الصحيح . ومن التعاليم للإنسان :
أنه ليس لك فقط أن تعيش حياتك ، بل المفروض عليك أن تعيشها بكل أبعادها
.
صورة متكاملة للإسلام تنبثق فى ذهنى وبشكلها النهائى وبتحديد ، مما
أدهشنى أحيانا ! كانت تتشكل فى عملية من الممكن أن أسميها تفاعلات
ذهنية - وبدون وعى منى ، فقد بدأت تتجمع من أجزاء متفرقة ومنتظمة ،
فإذا وضعت هذه المتناثرات بعضها إلى بعض ، رأيت نظاما هندسيا دقيقا ،
أخذ ذهنى يجمعه فى السنوات الأربع الماضية ، لأرى بناء كل عناصره
متناسقة منسجمة ، تتجمع لتتمم وتعاضد بعضها البعض ، لا شئ فيه ينقصه ،
ولا شئ يزيد عن متطلباته - متزن وهادئ ، يعطى الإنطباع بأن مسلمات
الإسلام كلها فى وضعها الصحيح .
منذ ثلاثة عشر قرنا مضت ، " يلاحظ أن الكتاب قديم " وقف رجل وهو يقول :
" ما أنا إلا رجل هالك ، ولكن الذى خلق الكون أوحى إلى أن أحمل رسالته
لكم ، حتى تعيشوا منسجمين مع كل خلقه ، وقد أمرنى بأن أذكركم بوجوده
إلاها له كل القدرة وكل العلم ، وقد وضع لكم منهاجا للسلوك الصحيح ،
إذا قبلتموه فلتتبعونى ... هذا كان هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
، وهذه كانت رسالته .
النظام الإجتماعى الذى أعلنه ، كان من البساطة التى تربط مفرداته
بالعظمة الحقيقية . بدأ بالتسليم بأن الإنسان كائن حى له متطلبات حيوية
، وهذه المتطلبات تخضع للحل والحرمة اللذان يقرهما الله سبحانه وتعالى
، وأن الإنسان اجتماعى بطبعه يجتاج إلى مجتمع يحيط به ، ولكى يحقق
إحتياجاته الثقافية والأخلاقية والطبيعية ، فلابد أن يعتمد كل على
الآخر . إن ازدهار القوام الروحى للإنسان ( وهو هدف كل الأديان ) ،
يعتمد عما إذا كان يتلقى دعما ، وتشجيعا ، وحماية له ممن حوله . هذا
التكافل الإجتماعى ، يظهر السبب لماذا يهتم الإسلام بالنواحى العامة
الإقتصادية والسياسية ، ولا ينفصل عنها . ولتنظيم علاقات إنسانية
بطريقة عملية بحيث لو قابل أى فرد بعض العقبات ، يجد التشجيع اللازم
لتنمية شخصيته : هذا ، ولا شئ آخر ، يبدو أنه هو مفهوم الإسلام
للوظيفة الحقيقة للمجتمع . وهكذا كان من الطبيعى أن التشريع الذى أتى
به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام خلال ثلاثة وعشرون عاما من مبعثه ،
لا يرتبط فقط بالنواحى الروحية ، بل يمتد ليشمل الإطار لكل الأفراد
وللمجتمع أيضا . يشمل ليس فقط مفهوم النقاء الفردى ، ولكن يتضمن
المجتمع العادل الذى يؤدى هذا النقاء إليه . كذلك يتضمن الخطوط العريضة
للمجتمع السايسى ... أما التفاصيل فمتروكة للتطورات التى تحدث مع الزمن
المتغير ... كما يحدد حقوق الأفراد وواجباتهم نحو المجتمع اذى يعيشون
فيه ، آخذا بعين الإعتبار حقيقة ما يجد من أمور . الشريعة الإسلامية
تتضمن كل مناحى الحياة ، أخلاقية ، طبيعية ، فردية ، إجتماعية ،
العلاقة بين الجسد والروح والعقل ، الجنس ، الإقتصاد ، كل ذلك جنبا إلى
جنب ، مع اللاهوت والعبادة ، كل أمر من الأمور له وضعه فى تعليمات
النبى عليه السلام ، ولا شئ يخص الحياة ينظر إليه على أنه تافه ليخرج
من دائرة التصور الدينى ... ليس حتى مثل هذه القضايا الدنيوية ،
كالتجارة ، والميراث ، وحق الملكية ، وإمتلاك الأراضى .
*** كل مفردات الشريعة ، وضعت للإنتفاع المتساوى بين أفراد المجتمع ،
بدون تمييز بين مكان المولد ، الأعراق ، الجنس ، أو ولاء إجتماعى سابق
. لا منافع خاصة حجزت لمؤسس المجتمع أو أحفاده . " مداخلة : لذلك قال
الرسول عليه الصلاة والسلام ما معناه ( نحن معشر الأنبياء لا نورث ، ما
تركناه صدقة ) " . لا توجد طبقات عليا وطبقات دنيا فى المفهوم
الإجتماعى ، ليست من مفردات القاموس الإسلامى ؛ ولا أثر لها فى الشريعة
الغراء . كل الحقوق والواجبات والفرص ، موزعة بين أفراد المجتمع المؤمن
بالتساوى .
لا يوجد كهنة بين الله والإنسان ، لأن الله يعلم ما بين أيديهم وما
خلفهم . لا ولاء ، إلا لله ورسوله ، وبأمر من الله للوالدين ، وللمجتمع
المسلم المنوط بتحقيق مملكة الله على الأرض ؛ وبذلك فلا يجوز الذى يعلى
كلمة " بلادى أو أمتى " ، ولتوضيح هذا المفهوم ، فإن رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى أكثر من مناسبة ، قال بوضوح : " ليس منا من دعا
إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية " .
كل المنظمات قبل الإسلام ... حتى الدينية أو شبه الدينية ... كانت تنهج
المفهوم الضيق ، للعصبية القبلية والعشائرية . فمثلا الملوك المتألهين
، الفراعنة فى مصر ، لا يفكرون إلا فى أضيق الحدود التى يعيش فيها
المصريون ؛ وحتى إله بنى إسرائيل فهو إله فقط للشعب المختار . بالعكس
فالمفاهيم المستقاة من القرآن الكريم ترفض رفضا باتا التمسك بالعشيرة
أو القبيلة . الإسلام افترض مجتمعا سياسيا بعيدا عن الإنقسامات العرقية
والقبلية . وفى هذا المجال فإن الإسلام والنصرانية يتفقان فى الدعوة
العالمية بعيدا عن القبلية ، وفى حين أن النصرانية قد حددت نفسها فى
مفهوم " أعطى ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله " ، إلا أن مفهوم الإسلام
أوسع من ذلك ، فقد دعى كل الأمم أن يكون الولاء لله فقط . وبذلك ...
لتحقيق ما لم تحققه النصرانية ... فقد أضاف الإسلام منظورا آخر فى
تطوير الإنسان : دعى إلى مجتمع مفتوح عقائديا ، بالمقارنة مع
المجتمعات المغلقة التى نشأت فى الماضى ، عرقيا ، وجغرافيا .
رسالة الإسلام أعطت تصورا ، ومنحت البشرية حضارة لا مكان فيها للقومية
، لا مصالح شخصية ، لا طبقية ، لا كنيسة ، لا كهنة ، لا طبقة نبلاء
متوارثة ، فى الحقيقة ، لا شئ متوارث على الإطلاق . ومن أهم الميزات فى
هذه الحضارة ... ميزة لم توجد فى أى تحركات للإنسان عبر التاريخ ...
أنها نشأت عن قناعة وإتفاق تطوعى بين معتنقيها والله . هنا ، التقدم
الإجتماعى ... مخالف عما حدث فى المجتماعات الأخرى ... لم يحدث نتيجة
لضغوط ، ومقاومة لهذه الضغوط ، نتيجة للمصالح المتعارضة ، ولكن كجزء لا
يتجزأ من تعليمات أصيلة . وبكلمات أخرى ، هناك عقد إجتماعى متأصل فى
النفوس ، يسيطر على جذور الأعمال ... ليس نتيجة أوامر صاغها من بيدهم
الأمر دفاعا عن مكتسباتهم ... بل حقيقة متأصل جذورها فى الحضارة
الإسلامية . فقد ذكر القرآن الكريم " إن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ......... فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم
به وذلك هو الفوز العظيم " .
عرفت ( من تتبعى لقراءة الحضارة الإسلامية ) ... أن هذا العقد الذى
سجله التاريخ ... قد تحقق لفترة وجيزة جدا ، أو بالأحرى فخلال فترة
وجيزة جدا كانت هناك محاولات جادة لتحقيقه . فيما أقل من قرن بعد موت
النبى صلى الله عليه وسلم ، النظام النقى للإسلام بدأ فى الفساد
السياسى ، ودفع فى القرون التالية إلى الخلف . ظهرت التطلعات العشائرية
لإمتلاك القوة ، بديلا عن الرأى الحر للرجال والنساء ، الملكية
الوراثية بديلا عن المفهوم السياسى فى الإسلام كنوع من الشرك فى
المفهوم الإسلامى " مداخلة : أعتقد أنه يشير هنا إلى حديث ليس منا من
دعى إلى عصبية " - ومع هذا أيضا ظهرت الدسائس والصراعات القبلية والظلم
، وإضمحلال الوازع الدينى ، والمهانة فى خدمة من بيده السلطة :
باختصار حلت المصالح الشخصية التى عرفت فى التاريخ . ولوقت من الزمن ،
حاول علماء ومفكرين عظام ، أن يعيدوا للإسلام رونقه ويذكروا الناس
بمفاهيمه النقية ، ولكن جاء من بعدهم أقوام دأبوا على تقليد الأجيل
السابقة ، وانتكسوا بعد قرنين أو ثلاثة قرون ، وتوقفوا عن التفكير
لأنفسهم ... متانسين أن كل عصر يختلف عن سابقه ، وكل عصر له احتياجاته
الخاصة التى تحتاج إلى التجديد . لقد كان الدفع الأصلى للإسلام فى
بدايته عظيما ، ورفع الأمة الإسلامية إلى مستويات عالية من الثقافة
والحضارة العظيمة ... حتى أن المؤرخين يسمون ذلك العصر الذى تحقق ،
بالعصر الذهبى للإسلام ، من الناحية الأدبية ، والفنية ، والعلمية ،
والثقافية ، ولكن بعد ذلك العصر بقرون بسيطة خمد الحافز الإيمانى الذى
كان يغذى هذا التقدم ، وأصبحت الحضارة الإسلامية راكدة ، ومجردة من
قوتها المبدعة .
...................................................
لم أتأثر بالوضع الحالى للعالم الإسلامى . السنوات الأربع التى قضيتها
فى البلدان الإسلامية ، أوضحت لى ، بأنه بالرغم من أن الإسلام ما زال
حيا ، كما هو فى عيون العالم ، يؤثر من الناحية الأخلاقية فى أتباعه ،
غير أنهم قد أصابهم الشلل ، بحيث لم يترجموا مبادئه إلى عمل مثمر .
ولكن ما شد انتباهى ، بعيدا عن حالة المسلمين فى عهدنا هذا ، هو القوة
الكامنة فى تعاليم الإسلام نفسه . كان كافيا لى أن أعلم أنه فى مدة
قصيرة فى بداية التاريخ الإسلامى ، محاولة ناجحة قد تمت لتطبيق هذا
النظام إلى عمل ؛ وبالتالى ، ما كان ممكنا فى وقت من الأوقات ، يظل
ممكنا فى غيره من الأوقات . ماذا يهم ... قلت لنفسى ... إن كان
المسلمين قد انحرفوا عن تعاليم دينهم الأصلية ، وركنوا إلى الكسل
والجهل ؟ ... ماذا يهم إذا كانوا لا يأخذون بالتعاليم المثالية النى
أمامهم ، والتى جاءت على لسان النبى العربى منذ ثلاثة عشر قرنا مضت ...
إذا كانت هذه التعاليم ما زالت متاحة للجميع ولكل من يرغب ليستمع إليها
؟
وربما نكون ... أخذت أفكر ... نحن المتأخرين أشد حاجة لهذه الرسالة من
المسلمين فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . لقد عاشوا هم فى مناخ
أبسط بكثير من المناخ الذى نعيش نحن فيه ، وكانت مشاكلهم والصعوبات
التى يواجهونها أبسط من تلك التى نواجهها ، وتحتاج إلى حلول غير معقدة
كما نواجه . العالم الذى أعيش فيه ... كل العالم الآن ... يتململ لعدم
وجود أية قواعد روحانية تفصل بين الخير والشر ، وبالتالى ، اقتصاديا
واجتماعيا . لا أعتقد أن الإنسان الفرد فى حاجة إلى خلاص ، بل المجتمع
هو الذى فى حاجة إلى مخلص ! أكثر من أى وقت مضى ، أخذت أشعر بيقين
متزايد ، أن وقتنا هذا فى أشد الحاجة إلى قاعدة أيدلوجية ، وإلى عقد
إجتماعى جديد : فى حاجة إلى الإيمان بالله ، وتفهم مدى الفراغ الذى
يحدثه التقدم المادى فقط ... ومن ثم نعطى الحياة حقها ؛ كيف نوازن بين
احتياجات الروح والجسد ، ويكون فى ذلك الإنقاذ من كارثة محققة نسرع
إليها متهورون .
....................................................
غنى عن القول أن مشكلة الإسلام فى هذه الفترة ... فقد كانت مشكلة
بالنسبة لى ... شغلت تفكيرى أكثر من أى شئ آخر . فى هذه اللحظات ، تعدى
استيعابى للموضوع مراحله الأولية ، حينما كان الموضوع بالنسبة لى ليس
أكثر من أبحاث ثقافية ، وأيدلوجية جذابة : أصبح الوضع الآن هو بحث
مركز عن الحقيقة . مقارنة هذا البحث ، بسفريات السنتين الماضيتين ،
والتى أسفرت عن لا شئ : أصبح التركيز على إكمال الكتاب الذى عهدت لى
به جريدتى " فرانكفورتر زيتنج " من المستحيل .
فى البداية كانت نظرة دكتور سيمون متساهلة ، لترددى فى الإستمرار فى
إنهاء الكتاب . فقد عدت من رحلة طويلة تستحق نوعا من الأجازة ، وزواجى
الحديث يعطينى بعض الحق فى التراخى فى الكتابة الروتينة . ولكن حينما
تماديت فى التراخى ، ونظرا لأن دكتور سيمون يتحمل المسئولية عن الكتاب
، فقد طلب منى أنه قد حان الوقت لأنزل إلى الأرض .
فى الماضى ، كنت أرى أنه متفهم للوضع ، ولكنى الآن أرى غير ذلك .
ملاحظاته المستمرة ، وتساؤلاته اللحوحة عن تقدمى فى تحرير الكتاب ، أدت
أثرها المعاكس لما كان ينشده ، فقد شعرت بأن الأمر مفروض على مما جعلنى
أمقت فكرة الكتاب نفسها . كنت مهتم أكثر بما كنت ما أزال أريد أن
أكتشفه عن ذلك الذى أريد أن أسجله من أحداث مرت بى فى رحلتى .
فى نهاية الأمر أثار دكتور سيمون هذه الملاحظة " أعتقد أنك لن تنتهى من
الكتاب البتة ، أنت تعيش فى داخلك فى رعب ما " .
وكالملدوغ رددت عليه : " ربما المرض الذى أعانيه أكثر من الرعب " .
" إذا فما دمت فى هذا العناء " قال ذلك بحدة " فهل تعتقد أن الصحيفة هى
المكان المناسب لك " .
كلمة منه وكلمة منى ، تحول الأمر إلى شجار ، وفى نفس اليوم قدمت
استقالتى من الصحيفة ، وبعد أسبوع سافرت أنا وإلسا إلى برلين .
لم أكن بالطبع أنوى ترك الصحافة ، فقد كانت جزءا من راحتى النفسية
وسعادتى فيها وفى الكتابة ... بعدت عنهما مؤقتا ننيجة للكتاب ... وكيف
لا ؟ وهى التى أعادتنى للعالم الإسلامى ، وهذه العودة كنت حريصا عليها
بأى ثمن . ولكن بالنسبة للشهرة التى اكتسبتها فى الأعوام الأربعة
الماضية ، لم يكن من الصعب علىالعودة إلى الصحافة ثانيا . فبسرعة جدا
حصلت على عقد مجز ومريح مع ثلاثة صحف بزيورخ ، وبالرغم من أنها لم تكن
فى مستوى الصحيفة السابقة إلا أنها كانت من الصحف الشهيرة بأوروبا .
ومنذ ذلك الحين ، بقيت أنا وإلسا فى برلين ، لأكمل محاضراتى عن الإسلام
فى أكاديمية الجغرافية السياسية . أصدقائى الأدباء السابقين فرحوا
بعودتى لهم ، ولكن لم تكن العلاقة الجديدة فى نفس المتانة التى تركتهم
بها قبل سفرى للشرق الأوسط . صارت لغتنا الثقافية مختلفة عما سبق .
وبالتحديد ، لم أكن أستطع استخراج أية معلومات من مناقشاتى معهم عن
الإسلام . كانوا يهزون رؤوسهم ، بحيرة حينما كنت أقول لهم أن الثقافة
الإسلامية يمكنها أن تنافس أيدلوجيات أخرى . وبالرغم أنه فى بعض
الحالات ، كانوا يوافقون على رأى من هنا أو هناك من مفاهيم الإسلام ،
إلا أنهم فى العموم يقولون أن الأديان الماضية هى جزء من الماضى ،
وأننا فى حاجة إلى تجديد فى المفاهيم ، ونظرة " إنسانية " جديدة . وحتى
أولئكم الذين لا ينكرون أهمية المؤسسات الدينية ، لم يكونوا مستعدين
للتخلى عن النظرة الأوربية للإسلام ، بأنه يفتقد إلى الوضوح الذى يتوقع
من الأديان .
وقد أدهشنى أن سمة الإسلام التى اكتشفتها من أول لحظة ... وهى عدم وجود
فصل بين الروح والجسد ، وأن التأكيد على أن العقل هو الطريق للإيمان
... لم تكن واضحة عند المثقفين ، الذين ما فتئوا يقولون بأن العقل هو
المهيمن على كل شئ فى الحياة : " فالعقلانية " و " الواقعية " ، ليس
لهما مكان فى مجال الدين عندهم . وفى هذا الخصوص لم أجد فرقا بين هؤلاء
المتدينين ، وهؤلاء الذين طرحوا الدين وراءهم .
مع الوقت ، فهمت أين تكمن فيهم هذه الصعوبة . بدأت أدرك أنه فى عيون
أولئكم الذين يدورون فى مدار النصرانية ... بضغوطها على عالم " ما وراء
الطبيعة " المتأصلة زعما فى كل تجربة دينية حقيقية ... فإنه من
الدرجةالأولى فكل نظرة عقلانية ، تكون سببا فى الإنتقاص من القيمة
الروحية ، وذلك ليس خاصا بمؤمنى النصارى فقط . وذلك لطول العهد
بالأوروبيين فى ظل النصرانية ، فمن حيث لا يدرون وبلا شعور ، تعلموا أن
ينظروا للدين من خلا المنظار النصرانى ، ومفاهيم النصرانية ، ويعتبرون
فقط أنها " صحيحة " ، إذا كانت مصحوبة بآثار الرهبنة والخشوع ، بعيدا
عن الفهم الثقافى . الإسلام لا يحقق هذه الفرضية : الإسلام يصر على
التعاون بين السمات الروحانية والمادية للحياة ، وذلك على قاعدة متينة
طبيعية من المنهاج . فى الحقيقة فنظرته للحياة ، تختلف جذريا من مفاهيم
النصرانية ، وهذه المفاهيم هى التى اعتمدها الغرب كأساس للحياة ، وبذلك
يقيسيون صلاحية الآخر بهذه المقاييس .
أما بالنسبة لى ، فقد كنت أعرف أننى منجذب إلى الإسلام لا محالة ، ولكن
التردد جعلنى أؤجل القرار الأخير ، القرار الذى لا رجعة فيه . فكرة
إعتناق الإسلام ، هى كرحلة على جسر طويل جدا بين عالمين مختلفين :
جسر إذا وصلت لنهايته ، فلن ترى بدايته . كنت على بينة ، بأننى لو
أسلمت ، فسأفصل نفسى عن العالم الذى نشأت فيه . لا دخل آخر سأعيش به
. لا يمكن لمن يجيب حقيقة دعوة الرسول " عليه الصلاة والسلام " ، أن
يبقى صلة داخلية مع المجتمع الذى يعيش على مفاهيم مغايرة ... هل
الإسلام حقيقة رسالة من الله " سبحانه وتعالى " ، أم هو مجرد حكمة من
رجل عظيم ، ولكنه غير معصوم ؟؟؟
* فى أحد الأيام -- كان ذلك فى سبتمبر 1926 -- كنت أنا وإلسا نستقل
مترو الأنفاق فى برلين ، كنا فى الدرجة الأولى . وقعت عينى بالصدفة على
رجل أنيق ، يظهر أنه من رجال الأعمال ، ويحمل حقيبة جميلة على رجليه ،
وبيده خاتم كبير الحجم من الماس !!! ولم يكن هذا المنظر للرجل غريبا فى
هذه الأيام ، وهو يعكس الرخاء الذى حل بوسط أوروبا ، بعد سنوات التضخم
التى قلبن الموازين رأسا على عقب . معظم الناس الآن يلبسون ثيابا جيدة
، ويأكلون الطيب من الطعام ، ولذلك فالرجل الجالس قبالتى ليسا بدعا فى
ذلك . ولكنى عندما تحققت فى وجهه ، وجدت الكآبة عليه ! كان يظهر عليه
القلق : وليس فقط القلق ، بل التعاسة أيضا ، عيونه تحملق إلى أعلى ،
وزوايا فمه تتحرك كأن به ألم ... ليس ألما جسمانى . وحتى لا أتهم
بالوقاحة فقد صرفت عينى عنه ، لتقع على سيدة أنيقة . فوجدت أيضا
التعاسة على وجهها ، وكأنها عانت من شئ ما ، ولكن الإبتسامة على وجهها
كانت ابتسامة متكلفة . وهكذا بلا وعى أصبحت أتلفت حولى فى الوجوه التى
بالمقصورة ، لأرى أن الغالبية من الوجوه ، تعكس عن معاناة مخبوءة فى
العقل الباطن لهم ، وهم لا يشعرون بذلك .
فى الحقيقة كان شيئا غريبا بالنسبة لى ! لم أر من قبل مثل هذا العدد من
التعساء ، وربما لأنه لم يسبق لى أن تفحصت مثل هذه الوجوه ، لأجد هذه
الظاهرة تصرخ بأعلى الصوت فى وجوههم . الإنطباع كان قويا داخلى |