قيمة التربية الأسرية:وصايا وتوجيهات



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين أما بعد:
كثر الحديث في أيامنا هذه عن أهمية التربية في إعداد الناشئة في زمان كثير المتطلبات كثير المغريات زائد التحديات ويتم التركيز على الأسرة لتؤدي الدور المنوط بها في إصلاح الأولاد لأنه هو الحصن الأخير الذي لا زال لأهله نوع من السيطرة عليه.

ومهمة الأسرة وعملها تزداد يوماً بعد يوم في عصر العولمة وتهميش سلطات الأسرة والمدرسة والمجتمع والإغراء أيضاً بالتمرد على الأعراف وتوسيع دوائر الحرية الفردية وغيرها أيضاً من الأشياء السلبية لهذه العولمة التي جعلت العالم فعلاً كقرية واحدة وتربية الأبناء الذي نتحدث عنه هي سهلة أيها الإخوة ولكنها سهلة على من لا أولاد له ومع هذا كله فإنه ليس أمامنا أي اختيار غير الاستمرار في جهودنا التربوية وتحصين ظروف عملنا كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا.

إننا أمة تملك شيئين:
أولهما: المنهج الرباني الأقوام الذي أكرمنا الله به.
وثانيهما: العنصر البشري المتعاظم حيث قارب المسلمون أن يكونوا ربع سكان الأرض.

إن هذه العشرات التي تدفع بهم الملايين من الأرحام سنوياً بحاجة إلى تربية وتوجيه وتأهيل للعيش في زمان مفعم بالتحديات وإذا لم نقم بدورنا كآباء وأمهات فإننا سنعرض أجيالنا لخطر كبير إن هذه الأجيال المعاصرة نحن مسئولون عنها أمام الله سبحانه وتعالى كيف ورسولنا _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر والقيام بهذا الحق جزء من شكر نعمة الله علينا فالأولاد نعمة من الله _عز وجل_ والله يقول: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً" (النحل: من الآية72) وتكمل النعمة وتعظم حينما يكون الولد صالحاً؛ لأنه هو الذي يريده الشارع لإقامة شرعه وعمارة أرضه "وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً" (الفرقان:74) ولذا فنحن بحاجة ماسة لاستصلاح هؤلاء الأبناء ليكونوا قرة عين لنا في الدنيا والآخرة وذلك من عملية تربوية منظمة تحقق أهدافها_ بإذن الله جل وعلا_.

ومن المناسب في البداية أن نذكر بأن الأشياء العظيمة لا تنجز بالاندفاع بل تنجز بجمع سلسلة من الأشياء الصغيرة وقد قيل أيضاً: ربما كانت الأفكار الصغيرة بداية لإنجازات عظيمة والمتأمل في تاريخ المسلمين وتواريخ غيرهم أيضاً يلاحظ أن ثمة أفكار كانت صغيرة جداً بسيطة جداً ثم بورك بعد ذلك فيها ونفع الله _عز وجل_ بها.

ومع هذه الحاجة الماسة للتربية إلا أننا نجد أنفسنا أمام مشكلة كبيرة وهي الرتابة في أساليبنا التربوية فلو فكر كثير منا في أساليب تعامله مع أطفاله لوجد أنها أساليب محددة متكررة ليس فيها شيء من التجديد أو الإبداع مما يضفي على علاقته مع أطفاله صورة من الرتابة المملة على مستوى طرفي العلاقة على حد سواء فالمربي مثلاً يكرر نفسه فيمل من كثر ما يبدء ويعيد في أساليبه والطفل الناشئ وهو ينمو بنفسه طلعه وهمة طموح يجد الطرف الآخر لا يبالي بطموحه بل يسعى أحياناً لتحجيمه وتحطيمه ومن ثم تنشأ في نفسه روح التمرد والتفكير في كسر الطوق المفروض حوله وتنموا تلك الروح وتتطور وتبدأ الهوة تتسع بينه وبين مربيه فهل فكرنا أيها الإخوة والأخوات بين الحين والآخر بإعادة النظر في أساليبنا وتقويمها وتطويرها لتتلاءم مع مستجدات الحياة التي تفرض نفسها علينا إن الحياة أيها الإخوة والأخوات لم تعد بسيطة كما كانت من قبل لقد دخل معك أيها المربي على الخط جهات أخرى تنازعك مسؤوليتك وتتسلل إلى بيتك من غير استئذان وتنافسك أكثر الأحيان منافسة غير شريفة على أحب الناس إليك فلذات كبدك وهي متسلحة بأقوى الأساليب وأفتك الأسلحة لماذا أيها الإخوة. لأنها تخاطب الأهواء لا العقول وتدغدغ المشاعر والعواطف ولا تواجه بالحجة والمنطق فهل تقبل التحدي أيها المربي؟ لا بد أيها الإخوة والأخوات لأنه لا خيار أمامنا ولا مفر لنا من تحمل المسؤولية فلنبحث عن أفكار وأساليب تكون أنفع لنا وأبلغ في تحقيق أهدافنا و.....

وتجديد الأساليب الذي نتحدث عنه في مثل هذه البرامج لا شك أنه يدفع عن النفس السأم ويقتل الملل وينمي الذات ويصقل المواهب وكن على ثقة أخي المربي ذكر أو أنثى أنك أمام اختيار صعب فإما أن تجدد أساليبك وإما أن ترضى باستهلاك نفسك والتآكل من الداخل.
لهذا جاءت هذه السلسلة المباركة الذي تقدم نوعاً من البرامج العملية التي تقدم على حياتنا نوعاً من الألفة والمحبة والخروج عن المألوف الذي اعتدنا عليه كثيراً في حياتنا.

لماذا يطرح هذا الموضوع ؟
إن السؤال الذي يطرح نفسه منذ أول اللقاء أيها الإخوة والأخوات: لماذا هذه البرامج؟ لماذا الدعوة إلى التجديد في حياتنا العائلية؟ لماذا نحرص على تربية أبنائنا؟ إن ثمة أمور تدعوننا لطرح مثل هذا الموضوع أول هذه الأمور أن تربية الأولاد والعناية بالأهل فريضة شرعية والله -_عز وجل_- يقول: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً" (التحريم: من الآية6) قال قتادة: أي يأمرهم بطاعة الله وينهاهم عن معصيته وأن يقوم عليهم بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه وقال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم من قرابته وإمائه ما فرض الله عليهم وما نهاهم عنه قال علي رضي الله عنه: علموهم وأدبوهم وقال أيضاً الكي الطبري: فعلينا تعليم أطفالنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه بني آدم وقد بوب البخاري في صحيحه باب (تعليم الرجل آمته أهله) ثم ساق حديث ثلاثة لهم أجران: وذكر في ذلك الحديث ورجل كانت عنده آمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران. قال ابن حجر رحمه الله تعالى مطابقة الحديث للترجمة أي عنوان الباب في الآمة بالنص وفي الأهل بالقياس إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ آكد من الاعتناء بالإماء ومن الأمور كذلك صبغة المجتمع بصبغة إسلامية صحيحة فتربية الأولاد تساهم بشكل فعال في إنشاء جيل صالح يصلح المجتمع بصلاحه وتنتشر الفضيلة فيه ومنها أيضاً حاجة الناس للتوعية التربوية في ظل المتغيرات الحديثة والمتسارعة جداً أيضاً بناء مجتمعاً أكثر تجانساً وانسجاماً مليء بالحب والألفة والمودة ومن هذه الأمور التخطيط لتربية أبناءنا وجعله أعظم استثمار يبذله الإنسان في هذه الحياة تربية الأجيال القادمة في أجواء أكثر سعادة وطمأنينة يسودها التفاهم بين الوالدين ومن الأمور أيضاً غياب الترفيه المرشد تربوياً ولكي نجعل تربينا لأبنائنا أكثر متعة وسعادة.

أيها الإخوة والأخوات: إن بناء الإنسان عمل مدهش أخاذ إلا أن تربية الإنسان وبناء نفسه وخلقه أشد دهشة وروعة وكلما أجاد المربي ذلك البناء تألقت التحفة البشرية التي بين يديه وخرجت مشكاة هداية ورشد وصلاح ونحن بحاجة لوضع أعمدة لهذا البناء الشامخ.

أولا: وصايا تربوية:
قيل من يبني بيته على الصخور لا يعبأ بالعواصف وإليك أخي الكريم/ أختي الكريمة وصايا مهمة نستعين بها بعد توفيق الله -_عز وجل_- في تربينا لأولادنا أول هذه الوصايا:
1. الإخلاص في تربية الأبناء: فإن تربيتهم عبادة وقد قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ في الحديث الصحيح: "إنما الأعمال بالنيات" فلا تربي ليقال هذا ولد فلان تعب في تربيته، بل رب من أجل أن يصلح هذا الولد ويكون قرة عين لك في الدنيا والآخرة احتسب الأجر عند الله، فالتربية أيها الإخوة والأخوات شاقة لا راحة معها وطويلة لا انتهاء لها ومكلفة لا شحاحة فيها وكثير من الناس يمارسون التربية ولكن ليس كل الناس يؤجرون عليها.

2- ادعوا لأولادك بالصلاح والهداية والله _جل وعلا_ يقول: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (القصص:56) ويقول _سبحانه وتعالى_: "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"(البقرة: من الآية272) فارفع يديك في مواطن الدعاء أن يصلح الله _عز وجل_ أولادك وأن يجعلهم قرة أعين لك في هذه الحياة

3-كن قدوة في داخل بيتك فابدأ بنفسك فأصلحها يصلح الله لك رعيتك فإنهم إن سمعوا منك ما يناقض فعلك يقع الخلل ويعظم الزلل ويصبح الدين شعارات براقة عندهم وكلمات جوفاء ليس لها في حياتهم أثر ولا في واقعهم عمل.

مشى الطاووس باختيال *** فقلد شكل مشيته بنوه
قال علام تختالون قالوا *** سبقت به ونحن مقلدوه
وينشأ ناشئ الفتيان فينا *** على ما كان عوده أبوه

فانظروا -يا إخواني- إلى هذه الأبيات التي هي في الحقيقة تحكي واقع كثير من الأسر, التي تأمر بأشياء ولكنها تخالفه, والله المستعان, ومن الوصايا المهمة.

4- الرفق نعمة عظيمة, فاحرص على الرفق إن الرفق يؤثر في النفوس الكريمة, ما لا تؤثره القسوة والغلظة, والله _جل وعلا_ يقول عن نبيه _صلى الله عليه وسلم_: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"(آل عمران: من الآية159), ويقول نبينا _صلى الله عليه وسلم_ في الحديث الصحيح, "ما يكون الرفق في شيء إلا زانه, ولا ينزع من شيء إلا شانه", وفي الحديث الآخر عن الطبراني بإسناد صحيح قال _عليه الصلاة والسلام_: "ما أعطي أهل بيت الرفق, إلا نفعهم, ولا منعوه, إلا ضرهم" ومن الأشياء المهمة:

5- سعة البال وعدم الاستعجال, وطول النفس في التربية, فالتدرج والبدء بالأهم فالأهم, وعدم استعجال النتائج, هو الطريق الصواب لتربية أبنائك, لا تتأخر في التربية, أو تؤجلها عن حينها, فالزوجة تبدأ معها في أول خطوة تخطوها في بيتها الجديد, والأبناء من أول يوم أيضاً يستهلون فيه صارخين من بطون أمهاتهم.

6- قبل أن تزرع الأرض طَهِّرْها من الآفات, وامنع عنها المهلكات, ثم ازرع فيها ما تشاء, وطب نفساً ما تجني يوم الحصاد, فالحذر من فتنة الأولاد في دينهم, وصدهم عن الحق, بتوفير وسائل الشر والفساد في داخل المنزل, فإن تربية سنة, قد تهدمه وللأسف بعض وسائل الشر في دقائق معدودات وقد قيل: بدلاً من إضاعة الوقت في جمع الأوراق الطائرة, أغلق النافذة.

ثانيا: وصايا ذهبية:
تعلم الثناء على أولادك, واشكرهم على حسن صنيعهم, وقد قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ : "من لا يشكر الناس, لا يشكر الله" فأحسن إلى المحسنين واشكر العاملين, تثبيتاً لهم, وتحفيزاً أيضاً لهمة غيرهم, من بقية الأولاد, استغل كل وقت للتربية, بالقصة وضرب المثل, واستغلال حدث معين, أو عند ركوب سيارتك, بل عندما توصل أولادك في صبيحة كل يوم إلى مدارسهم, احرص على هذا الوقت, وحاول أن تزرع قضية تربوية في نفس الولد, من خلال قصة أو مثل, أو غير ذلك.

لا تلق باللائمة على أي أحد عند إخفاقك في تربية أولادك, حتى وإن كان ما تقوله صحيحا فلا بد أن تعلم أنك أنت المسؤول الأول عن إسعاد أسرتك وتربيتهم,

وقبل أن تُطالب بحقوقك, تأكد أنك تقوم بواجباتك, ادرس خصائص المراحل العمرية, وطبيعة ما يناسب كل مرحلة من الناحية العملية, فأنت أيها المربي الكريم, ينبغي أن نعلم جميعاً أن ابن السادسة غير ابن الثانية عشرة, وأن ابن الخامسة عشرة غير الطفل الصغير الذي لا يزال في السنوات الأولى من عمره, إن لكل واحد منهم خصائص تميزه, لذلك لا بد للإنسان أن يطلع على تلك الخصائص, وأن يعرف ما الذي يميز هذا, حتى يستطيع أن يتعامل معه التعامل الصحيح المناسب لهذه السن التي يعيش فيها هذا الولد, الشمولية في التربية لأبنائنا, في جوانب التربية المختلفة, الإيمانية والعلمية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية والسلوكية والمهنية والجمالية وغيرها من الأشياء, فليس صحيحاً أن الإنسان يركز على جانب معين, ثم يغفل الجوانب الأخرى.

إن من الأشياء المثيرة التي نراها في حياتنا أن كثير من الناس وللأسف يحرصون على تفوق أطفالهم دراسياً وهذا حسن, ولكن المشكلة أنهم لا يحرصون على تفوق أولادهم دينياً فتجد هذا الابن حريصا على دراسته مهتما بها, لكنه مفرط تفريطا كبيرا في مسألة الحرص على الصلاة وغيرها من شعائر الدين التي فرضها الله -_عز وجل_- على عباده, ولهذا ندعو المربين جميعاً إلى التوازن بتحقيق جوانب التربية كلها, فلا يطغى الجسد, على حساب الروح والعقل, ولا العقل أيضاً على حساب الروح والجسد.

ثم من الوصايا المهمة, النظر إلى غاية التربية, وهي تهذيب الإنسان وإصلاحه لتحقيق العبودية لله تبارك وتعالى, ومن هذه الوصايا التربوية المهمة الرحمة بالأولاد والتصابي معهم, ولهذا حفظ لنا التاريخ قصة جميلة عن أحد عمال عمر ابن الخطب _رضي الله عنه_ فقد دخل هذا العامل على عمر _رضي الله عنه_ فوجده مستلقياً على ظهره, وصبيانه يلعبون على بطنه فأنكر ذلك عليه فقال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟ , قال: إذا دخلت سكت الناطق, فقال عمر له: اعتزل, فإنك إن كنت لا ترفق بأهلك وولدك, فكيف ترفق بأمة محمد _صلى الله عليه وسلم_,

وثمة وصايا أيها الإخوة والأخوات إدارية مبثوثة في كتب الإدارة وفي غيرها أيضاً من الكتب, هي من الوصايا المهمة التي ينبغي أن يعتني بها المربي في أثناء تربيته لأولاده, من هذه الوصايا:
دقيقة تخطيط أفضل من ساعة مناقشة عن أسباب الفشل.
من أساسيات التحفيز احترام الأخر والثقة بقدراته.
إذا أردت أتباع المتميزين علمهم أن يكونوا أحرارا.
تذكر رسالتك دائماً, وفكر فيها عملياً.
من لم تكن له بداية محرقة, لم تكن له نهاية مشرقة.
الخطة الناجحة يتبناها الجميع, ويتحمسون لتنفيذها.
ثم آخر هذه الوصايا: لا بد من الرقابة في بيوتنا, ليس للتخول ولكن لمنع التفريط.

ثالثا: لأجل أن تنجح برامجنا التربوية:
إن البرامج التي نسعى لتطبيقها في حياتنا العائلية, وحتى تحقق الهدف المنشود من ورائها, لا بد من مجموعة من القضايا المهمة, التي يجب أن يتذكرها المربون وخاصة الوالدان في بداية طرح هذه البرامج في داخل بيوتهم.

اعقد لقاء ثنائياً بينك وبين زوجتك, لمناقشة قضايا الأولاد والاتفاق على مشروع تربيتهم, فاليد الواحدة لا تصفق.
اجعل لكل واحد من الأبناء, ملفا في مكان أمين, توضع فيه تطورات ابنك, ومشاكله ليتم نقاشه بعد ذلك من الزوجة, أو استشارة من تثق فيه.
لا تتأخر في بداية البرنامج, ولا تتوهم أوهاما قد تعوقك عن العمل, ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.
خطط برنامجك بوضوح تام, غير مغفل الرفق بأولادك, مع مراعاة دراستهم وحفظهم للقرآن, وتدرب على التخطيط واستعن بأهل الخطة في ذلك.
حاول أن تتعرف على قدرات أبنائك, وميولهم, ورغباتهم, وأعط كل واحد منهم ما يناسبه.
ومن القضايا المهمة, التربية الدينية مطلب أساسي, وبدونها ينهار البناء, ويضيع العمر.
أطلع أبناءك على البرنامج بتفاصيله, واستمع إلى آرائهم, وإن شئت فاكتب عقداً بينك وبينهم, بالاتفاق على ما فيه, ثم التوقيع بعد ذلك من جميع أطراف الأسرة, فالخطة الناجحة هي التي يتبناها الجميع, ويتحمسون لتنفيذها, فإذا اطلع الأبناء على هذا البرنامج, وعلى هذه الخطة بتفاصيلها, فإنهم سيتحمسون لها, فإذا كان الأبناء يحسنون القراءة والكتابة, فحبذا الإهداء لهم (مفكرة) تضبط لهم مواعيدهم وأعمالهم فيها, لا ينقطع البرنامج بانقطاعك بسفر أو نحوه, أعلن موعد البرنامج في مكان بارز, لا بأس بدعوة الأقارب والأرحام في بعض الأوقات, لبعض فقرات البرنامج, وضوح الهدف من هذه البرامج وأنه لإشاعة ذكر الله _تعالى_, ورفع الجهل عن النفس, لتكن لكم منهجية واضحة في تربية الأبناء والحياة داخل المنزل.
ليكن شعار الجميع في داخل المنزل التعاون, وليتحقق هذا, لا بد من توزيع الأدوار داخل البيت, وإشراك الأبناء في هذا التعاون.
 



برامج عملية للحياة الأسرية
 

1- حلقة نقاش أسرية:
أول هذه البرامج التي نحاول أن نطبقها, في داخل منزلنا, هو برنامج حلقة نقاش.
من المهم عقد حلقات نقاش أسرية, عند شرب الشاي, أو عند ركوب السيارة, أو الذهاب في نزهة, والغرض من هذا النقاش إشاعة جو المحبة والألفة داخل الأسرة, وبداية لصداقة متينة, تدريب الأبناء على التعبير عن وجهات نظرهم ومشاعرهم.

وتعليمهم أيضاً آداب الحوار والنقاش, بصورة عملية وودية, وليس مهماً عند النظر في الأهداف السابقة, أن تكون الأهداف المطروحة جادة جملة وتفصيلاً لأن الغرض هو ما سبق ذكره من أهداف, لو تحقق بعضها لكان خيراً عظيماً, ولذا فمن المناسب طرح موضوعات شائقة في أول الأمر, ثم نتدرج إلى أشياء نافعة أخرى, فمثلاً في أول لقاءاتنا وحلقات النقاش.

نناقش معهم مثل هذه القضايا:
(ماذا تفعل إذا وجدت نفسك في السوق فجأة بدون والديك ؟ )
(كيف نتغلب على البرودة ؟ ) (ماذا يحدث لو فهمت لغة الطيور ؟)

ثم بعد ذلك نناقش معهم أشياء جادة, بعد تلك النقاشات الظريفة اللطيفة, فنناقش معهم مثلاً:
كيف تختار صديقك؟
لماذا يقلد الشباب الآخرين ؟
ما هي أمانيكم وأحلامكم في هذه الحياة ؟ .. وهكذا ..

2- مجلس الشورى العائلي:
لقد كانت حياة النبي _صلى الله عليه وسلم_, مليئة بالاستشارة لأصحابه, كما في بدر وأحد والخندق, وغيرها, وكما أيضاً في أهله في قضية التخيير, وما حصل منه أيضاً في غزوة الحديبية, ولهذا أيها المربون, أيها الوالدان الكريمان لا بد من إحياء هذا الخلق في حياتنا.

وتكمن أهمية التشاور في العائلة, في عدة أمور:
تحصين الناشئة ضد الفردية والاستبداد.
لتعميق مبدأ الشورى في نفوس الأبناء.
لنعلمهم كيف يحسنوا التحاور والاختيار.
وأيضاً من الأشياء المهمة التي سنستفيد منها بعد هذا البرنامج, وهو مجلس الشورى العائلي, ليتعلموا كيف يتخذوا قراراً صحيحاً, فهو سيسمع من أخيه الأكبر قراراً وسيسمع من والده آخر, وسيسمع من والدته, ومن ثم بعد ذلك يجمعوا على رأي واحد, وهنا سيستفيد هذا الولد, ويتعلم كيف يتخذ قراراً صحيحاً, بعيداً عن الفردية والاستبداد, أيضاً ليتعلموا على مبدأ: إن يد الله مع الجماعة, والتعاون أيضاً على البر والتقوى.

فلماذا أيها الإخوة والأخوات, لا نتشاور مع أبنائنا مثلاً, في أي مكان ستكون رحلة الصيف ؟ من يتولى شراء أغراض المنزل؟ كيف نحل مشكلة التخلف والتأخر عن الصلاة؟ كيف نعالج الكلمات النابية, منا أو من أولاد الجيران؟ إن هذا البرنامج إذا بدأنا في تطبيقه داخل المنازل, فسوف نجد أيضاً ثمرات كثيرة, تحصل في حياة أولادنا.

3- عشاءُ عمل:
كم هو رائع وجميل أن ينتظر الابن عودة أبيه إلى المنزل! حتى يشاركه في أكله وطعامه, أو يناقشه أيضاً في آماله, وآلامه, أو يسمع منه حكاية لطيفة, تنطبع معانيها في فؤاده, طوال العمر, وعلى الآباء والأمهات كذلك أن لا يغفلوا عن هذا الأمر مهما كثرت مشاغلهم, فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رجلاً اعتمى عند النبي _صلى الله عليه وسلم_ أي تأخر بعد صلاة العشاء, ثم رجع إلى أهله, فوجد الصبية قد ناموا, فأتى أهله بطعامه, فحلف أن لا يأكل من أجل صبيته, ثم بدا له فأكل, فأتى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فذكر له ذلك, فقال له النبي _صلى الله عليه وسلم_: "من حلف على يمينٍ, فرأى غيرها خيراً منها, فليأتها وليكفر عن يمينه" فانظر يا رعاك الله, إلى الصحابي الذي تأخر في أمر هام مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_, ولم يمنعه هذا العذر الوجيه, أن يسأل عن الصبية, ولما فاته الجلوس معهم, حلف ألا يأكل, كأنه يعاقب نفسه من أجل تأخره عن العشاء مع أولاده.

ولقد نشرت أيضاً جريدة الأهرام المصرية, في عدد 24046 دراسة أسبانية أكدت أن جمع شمل الأسرة, حول مائدة الطعام, يعزز استقرار الصحة النفسية والعقلية لدى الأبناء, وتوصلت الدراسة, إلى أن الأبناء في سن المراهقة, الذين يشاركون أبنائهم في تناول الطعام, يتمتعون بحالة نفسية جيدة, وأن تناول الوجبات اليومية, التي تضم جميع أفراد الأسرة, ولأكثر من خمس مرات في الأسبوع, له أثر جيد, على الصحة النفسية للأبناء, فيا أيها الوالد الكريم, ما أجمل أن تجتمع مع زوجتك وأولادك حول مائدة الطعام, فيطمئن كل منكم على الآخر, ويبادله حباً بحب, ومودة بمودة, يتعلم فيها الأبناء آداب الطعام تطبيقاً عملياً مع والديهم, إضافة لنشر الحب بين جميع أفراد الأسرة.

4- رحلة سعيدة:
نحرص على هذه الرحلات لأنه لا بد من الراحة بعد التعب, ولكسر الروتين في هذه الحياة, وأيضاً لزيادة التعاون والترابط بين أفراد الأسرة, ولكن المهم, أنه عندما نفكر في رحلة معينة, لا بد من التخطيط لها, فلا تقتصر أيها الإخوة الكرام, فوائد الرحلة, من المتعة والتعرف على الأماكن وتجديد النشاط, بل يمكن أن نضيف لهذا كله, التعليم والمتعة والتدريب على القيادة, وتعويد الأبناء على التخطيط والتفكير, وإليكم هذه الأفكار العملية, التي يمكن تطبيقها قبل وأثناء وبعد الرحلة الأسرية, حتى تكون نافعة _بإذن الله سبحانه وتعالى_, من هذه الأفكار, اجتماع العائلة لإعلان وقت الرحلة في وقت كافي والاستشارة في وقت السفر, وموعد المغادرة, وهذا يدعوا الجميع للاستعداد للرحلة, ولهذا من المؤسف أن الأبناء في بيوتنا قد لا يعلمون بموعد تلك الرحلة, إلا قبل سفرهم بيوم أو يومين, ومن الأشياء المهمة لتكون رحلتنا سعيدة, تقسيم المهام على الأبناء.

فالابن الأكبر: مهمته إعداد السيارة, أو حجز تذاكر السفر, وتحمل مسؤولية الحقائب, وكتابة جميع احتياجات السفر, وإعداد مذكرة لكل فرد من الأسرة, توضح له أهم ما يجب أن يأخذه أثناء سفره.

والابن الثاني: هو مسؤول الميزانية, تسلم له ميزانية محددة قبل المغادرة, وتكون الوجبات والمواصلات والمشروبات من تلك الميزانية الموجودة عند ذلك الولد, وعند طلب أحد الأفراد شيئاً يكون اتخاذ القرار من هذا الابن بالسماح أو المنع, في ضوء الميزانية المعطاة له, ويساعده أيضاً الأب في التوفير والاقتصاد.

والثالث: من الأولاد هو المسؤول عن برنامج الرحلة, فمهمته التخطيط في أماكن النزهة, والحصول أيضاً على المعلومات عن الأماكن والمدن, إضافة لأدوات تحديد القبلة.

والرابع: هو المسؤول عن البرنامج الترفيهي للرحلة, فمهمته إعداد الألعاب والأنشطة المسلية, التي تمارس أثناء تلك الرحلة.

والخامس: مهمته حقيبة صغيرة تؤخذ معكم في الطائرة فيها قصص ودفاتر وأقلام وغيرها من الأشياء.

5- أيام لا تنسى:
ومن البرامج العملية أيضاً: (أيام لا تنسى) أيها الأب هل جربت مرة, أن تقص على أبنائك قصصا من حياتك, أو مواقف مرة بك, لقد حان الوقت لتفعل ذلك, بلقاء عائلي, عقب وجبة أو غيرها, وسترى بريقاً في أعين صغاركم, يتابعون بشغف, ما تسرده عليهم, تذكر قصصك, وأعد ترتيبها من جديد, واختر منها واحدة لتحكيها لأبنائك, على العشاء اليوم, وسترى النتيجة بنفسك, قُص عليهم مثلاً: أول حجة حججتها, أو يوم دخلت فيه الوظيفة, ذكريات الشباب وعمرك خمسة عشرة سنة, أول يوم في المدرسة, مواقف محرجة مرت بك في